مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-08-08

واشنطن بوست كشفت تمويل المليشيات الشيعية... ونيويورك تايمز فجرت فضيحة بوصاصو

انكشاف قطر مقاطعة الدوحة ناجحة... واستمرارها كشف دعمها للإرهاب
 
لم يكن أكثر المتفائلين بقرار الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، مقاطعة قطر، يدرك أن ثمار تلك المقاطعة ستظهر في غضون عامين، ليثبُت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الدولة الخليجية، التي عاشت في كنف مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ إنشائه، باتت أحد أكبر ممولي الإرهاب وداعميه في العالم؛ وهو الأمر الذي استلزم وقفة حازمة من السعودية والبحرين ومصر والإمارات ، دفاعاً عن أمن واستقرار المنطقة والعالم.
 
بقلم: د. ياسر عبد العزيز
لقد بذلت دول المقاطعة الأربع جهوداً مضنية على مدى أعوام، لحض الدوحة على إيقاف سياساتها الرامية إلى التخريب والتدمير، ومحاولاتها الدائمة لإشاعة الفتن وبث الكراهية والتحريض على العنف من خلال أدواتها المالية والدبلوماسية والاستخباراتية والإعلامية، لكن تلك الجهود لم تسفر عن تغير جوهري في سياسات قطر، التي استمرت في دعم طيف عريض من الجماعات والقوى الإرهابية بشتى الوسائل الممكنة.
 
وجاءت المقاطعة لتؤكد أن دول الرباعي عازمة على تعزيز الضغوط وإدامتها على قطر من أجل إحداث تغيير ملموس في سياساتها بما يحد من انفلاتاتها وأخطارها المدمرة، وهو الأمر الذي أثبت نجاعة تلك السياسة وضرورتها في آن واحد.
 
 
أدلة لا يمكن دحضها
يوم الاثنين 22 يوليو 2019، فجرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فضيحة كبرى، حين كشفت عن أن قطر تقف خلف تفجيرات دامية في الصومال، من أجل تحقيق مصالح سياسية وتجارية.
قالت الصحيفة إنها تمتلك تسجيلاً صوتياً لمكالمة هاتفية بين السفير القطري في الصومال حسن بن حمزة بن هاشم وبين رجل الأعمال القطري خليفة كايد المهندي، الذي وصفته بأنه مقرب من الأمير تميم، وأن صوراً عدة جمعت بينهما في مناسبات مختلفة.
 
بحسب الصحيفة، فقد أقر رجل الأعمال المقرب من الأمير القطري أن المتطرفين، الذين اتضح لاحقاً أنهم ينتمون إلى تنظيم «داعش» بعد إعلان ذاك الأخير مسؤوليته عن الحادث، «قاموا بتفجير في مدينة بوصاصو الصومالية لتعزيز مصالح قطر».
 
وقع تفجير بوصاصو في 18 مايو 2019، وأدى إلى مقتل أشخاص وإحداث أضرار مادية، ورغم ذلك، فإن السفير القطري لم يظهر أي رفض أو استنكار، خلال المكالمة التي لم ينكرها الطرفان.
وأصدرت الخارجية القطرية بياناً، لم تنف فيه المكالمة، ولم تنف هوية المتحدثين فيها، مكتفية بالتذرع بأن «المهندي لا يمثلنا»، لكن هذا الأمر بالطبع لم يقلل من خطورة هذا الاختراق؛ إذ تم إثبات تمويل قطر للإرهاب ودعمها إياه، من دون أن تمتلك أي قدرة على التنصل أو النفي.
 
في أبريل من العام 2018، تفجرت فضيحة أخرى تثبت دعم قطر للإرهاب، لكن هذه المرة جرى الأمر عبر صحيفة «واشنطن بوست»، التي نشرت تقريراً يفضح إقدام قطر على دفع مبلغ مليار دولار، إضافة إلى نحو 150 مليون دولار في صورة رشى حصل عليها وسطاء، من أجل تحرير رهائن قطريين، من بينهم بعض أفراد الأسرة الحاكمة، بعدما تم خطفهم خلال رحلة صيد في الأراضي العراقية.
تشير التقارير إلى أن تلك الأموال ذهبت إلى مليشيات شيعية من بينها كتائب «حزب الله» العراقية، وجماعات أخرى، ومسؤولين في الحرس الثوري الإيراني.
 
إن الكشف عن هاتين الفضيحتين الخطيرتين كان بمنزلة البرهان القاطع على أن الدوحة تدعم الإرهاب من جانب، وعلى أن مقاطعتها ضرورة للحد من الأثر المدمر لسياساتها المنفلتة من جانب آخر.
لماذا نجحت المقاطعة؟
 
في يونيو من العام 2017، أعلنت الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية، والبحرين، ومصر والإمارات) مقاطعة قطر، وعرضت خطة تضم عدداً من المبادئ، مطالبة الدوحة بتنفيذها في حال أرادت إنهاء المقاطعة، وهي خطة لا تخدم مصالح تلك الدول الأربع فقط، ولكنها تخدم السلم والاستقرار في المنطقة والعالم، وتتسق مع مبادئ الأمم المتحدة الرامية إلى تعزيز الأمن والسلام.
 
ومنذ إعلان المقاطعة طرأت أربعة تطورات مهمة على سلوك الدوحة؛ أولها توقيعها اتفاقية مع واشنطن لمكافحة تمويل الإرهاب، وثانيها الإعلان عن «فتح السجلات القطرية أمام الجانب الألماني» في إطار تقصي ما إذا كانت هناك عمليات تمويل لأنشطة إرهابية، وثالثها الكشف عن بنود اتفاقيتي الرياض 2013 و2014، وهي البنود التي وقع عليها أمير قطر، وأعلن من خلالها التزام بلاده بالحد من الأنشطة الضار والمثيرة للشبهات، فيما يتعلق بالتمويلات القطرية، ورابعها إجراء الحكومة القطرية تعديلات على قوانينها الجنائية بهدف الحد من تمويلات الأنشطة الإرهابية.
 
لكن مع ذلك، فإن الدوحة استمرت في دعمها للجماعات الإرهابية، وهو الأمر الذي تم الكشف عنه عبر صحيفتي «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» بوضوح، كما أنها استمرت في إشاعة الفتن وتوتير العلاقات ومهاجمة دول المقاطعة الأربع، عبر أذرعها الإعلامية، التي لاقت تأييداً ودعماً وتنسيقاً من الآلة الإعلامية التابعة لتنظيم «الإخوان» ومن حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
لم يلن عزم دول المقاطعة الأربع في مواجهة السلوك القطري المارق، واستخدم وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش عبارة بليغة في تعليقه على هذا الأمر، حيث قال إن المقاطعة ستستمر على «نار هادية»، وهو وصف يعني إدامة المقاطعة، وتركها تتفاعل، حتى تحقق مراميها.
 
وقد تكشفت وقائع دعم الدوحة للإرهاب عبر هذه «النار الهادية»، ومن خلال وسائل إعلام دولية مرموقة.
 
مياه جديدة
لقد جرت مياه جديدة في نهر العلاقات بين دول المقاطعة الأربع وبين قطر خلال الشهرين الأخيرين، بالتزامن مع حلول الذكرى الثانية لقطع العلاقات مع الدوحة، بهدف حضها على تقويم سلوكها السياسي، الذي بات واضحاً لكثيرين أنه يهدف إلى تقويض استقرار المنطقة.
 
فبالإضافة إلى حضور قطر قمم مكة التي انعقدت في شهر رمضان الماضي، برزت تصريحات تتحدث عن استمرار بعض المحاولات الدبلوماسية لـ «رأب الصدع ولم الشمل الخليجي»، عبر تقريب وجهات النظر بين دول المقاطعة الأربع وقطر، وحسم نقاط الخلاف.
 
إن استمرار الأزمة بين دول المقاطعة الأربع (السعودية، والبحرين، ومصر، والإمارات) من جانب، وقطر من جانب آخر، من دون حسم واضح أو أفق للحل؛ دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الدوحة نجت من الاستهداف، وحققت انتصاراً، عبر المراوغة، واستهلاك الوقت، واللعب بورقة الوسطاء والحلفاء.
 
لن يمكننا أن نحدد ما إذا كانت الحملة على قطر نجحت أم أخفقت، إلا إذا عرفنا أهدافها، وبالتالي فعلينا أن نعود إلى الوراء قليلاً، ونتوقع تلك الأهداف، قبل أن نحكم على فشل تلك السياسة أو نجاحها.
فإذا كان ما فعلته دول المقاطعة الأربع حيال قطر بمنزلة معركة خاضتها تلك الدول دفاعاً عن مصالحها، فما «تعريف النصر» في تلك المعركة؟ وهل يمكن تعريفه باعتباره النجاح في إطاحة الحكم القطري وتبديله بحكم أكثر احتراماً لمبادئ الجوار، أم أن هناك تعريفات أخرى؟
 
لم تكن الدول الأربع الداعية للمقاطعة راغبة في التدخل في شؤون قطر الداخلية أو تغيير نظام الحكم بها، لكنها أرادت فقط أن تحجم الأثر القطري الضار، وأن تنزع قدرة الدوحة على إشاعة الإرهاب والفتن في المنطقة.
 
أرادت دول المقاطعة إدامة الضغوط على قطر، وتكثيفها، من أجل التأثير في سياساتها، لكي تصبح أقل عداء، وأن تؤثر في الأداء السياسي لقطر بحيث تصبح حكومتها أقل ميلاً للتفكير والعمل على التأثير في مصالح الدول الإقليمية، وأن تكشف للعالم خطورة السياسات القطرية وأهمية مواجهتها. فإذا كان هذا ما أرادته الدول الأربع فعلاً، فيبدو أنها حققت نجاحاً ملموساً، في الأسابيع القليلة التي تلت تدشين الحملة، أقدمت الدوحة على عدد من الخطوات التي تثبت بشكل غير مباشر تأثرها الواضح بالضغوط، وتجاوبها معها، بالإقدام على تغيرات جوهرية في سياساتها.
 
قامت قطر بمحاولات لإقناع العالم بأنها لا تدعم الإرهاب، واضطرت من أجل ذلك إلى أن تقدم على خطوات يتقاطع بعضها مع اعتبارات السيادة الوطنية، بعد مواجهتها درجة عالية من الضغوط، وإظهارها درجة عالية من القابلية للتجاوب معها؛ وهو الأمر الذي يبرهن على نجاعة سياسات دول المقاطعة، وقدرتها على تحقيق تأثير ملموس، في نطاق الهدف المتعلق بتغيير السلوك القطري.
 
لقد دخلت الحملة على قطر مرحلة جديدة حين أعلنت دول المقاطعة سحب المطالب الـ 13 وطرحت المبادئ الستة، وهي مبادئ أكثر تركيزاً وقابلية للتنفيذ، كما أنها تشير بوضوح إلى أن تعريف تلك الدول للنصر يتعلق بـ «إدامة الضغوط على الدوحة، لإجبارها على تغيير سياساتها العدائية، وإرباكها، وكشف جرائمها، بحيث تصبح أقل قدرة على إرباك الآخرين، والتأثير في أمنهم».
بهذا المفهوم يمكن أن تكون الحملة على الدوحة ناجحة، خصوصاً أن قدرتها على تقويض أمن دول المنطقة تراجعت كثيراً بعد إثبات جرائمها في دعم الإرهاب وتمويله.
 
ثلاثة سيناريوهات
يثور سؤال عن مستقبل العلاقات بين دول المقاطعة الأربع وبين قطر، وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا في ضوء السيناريوهات المتعلقة بمستقبل السياسة القطرية نفسها، في ضوء أزمتها مع تلك الدول وغيرها من دول العالم التي لا تتهاون مع داعمي الإرهاب ومموليه.
 
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسة يمكن أن تتطور إليها الأزمة القطرية الراهنة، على النحو التالي:
 
السيناريو الأول: تغيير النظام
يفترض هذا السيناريو أن الإمارات والسعودية والبحرين ومصر ستواصل ضغوطها على قطر، وستعزز سياسات مقاطعتها، وستوسع دائرة الاستهداف، وتضم حلفاء آخرين، بشكل يؤدي إلى تغيير النظام بما يعيد هيكلة سياسات الدوحة، ويفي بالشروط المطلوبة لاستعادة الأوضاع الطبيعية.
لكن من الواضح أن دول المقاطعة لم ترد هذا السيناريو، ولم تظهر أي دلائل جدية عليه، إذ إنها تنطلق في سياساتها من عدم التدخل في شؤون الآخرين.
 
السيناريو الثاني: امتثال الدوحة
في هذا السيناريو ستتوالى المصاعب على الدوحة، وستنجح الدول المتحالفة ضدها في تصليب سياسات المقاطعة وإحكامها، كما أنها ستضم حلفاء آخرين في محاولة لتعزيز الضغوط، وستجد الدوحة نفسها غير قادرة على مواصلة العناد والمقاومة، وستفهم أن الدعم الإيراني والتركي، وبعض جهود الوساطة، والقدر الراهن من المساندة الدولية التي تحصل عليها، لا يمكن أن يوازن موقفها في الأزمة. وبناء على ذلك، ستوافق الدوحة على تلبية عدد من الشروط التي تطلبها الدول المتحالفة؛ ومن أهمها تحجيم العلاقات مع إيران، والحد من دعم «الإخوان» وبعض الجماعات الإرهابية الأخرى، وتغيير سياسات «الجزيرة» التحريرية. 
 
السيناريو الثالث: كسر المقاطعة
سيتحقق هذا السيناريو إذا نجحت الدوحة في الحصول على مساندة دولية معتبرة، مثل تلك التي حصلت عليها عسكرياً وسياسياً من تركيا وإيران. وستجتهد من خلال  استخدام الدبلوماسية المكوكية، والأموال الساخنة، والتنازلات الكبيرة، في زعزعة التحالف ضدها، وتعزيز موقفها الدولي والإقليمي، والصلابة في مواجهة الضغوط ومقاومة الحصار عليها، وبالتالي تنجح في إدامة الأزمة، وتبريدها مع الوقت، من دون أن تلبي شروط الدول المتحالفة.
 
لقد بات واضحاً أن السيناريو الأول مستبعد الحدوث بالنظر إلى عدم ظهور أي دلائل على أن دول المقاطعة أرادته أو تبنته، وهو الأمر الذي ظهر واضحاً في رفض واستبعاد أي فكرة لحل عسكري للأزمة من جانبها.
 
من الضروري تركيز الجهود لإنجاح السيناريو الثاني، خصوصاً أن بعض التغيرات الإيجابية ظهرت من خلال الالتزام به، ومع مزيد من الضغوط والصبر سيمكن أن نشهد تغيرات أكبر في سلوك قطر، وهو أمر ضروري لأن القبول بالسيناريو الثالث ستكون له عواقب وخيمة.
 
يعد الكشف عن الفضائح القطرية الأخيرة في مجال دعم الإرهاب أحد ركائز تعزيز هذا السيناريو المهمة.
لقد انكشفت قطر أمام العالم، ولا يجب استعادتها وتأهيليها قبل أن تُظهر تغيراً واضحاً في سلوكها المقوض للاستقرار والداعم للإرهاب.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-11-11 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره