مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-10-03

هل نحن مستعدون للوباء القادم؟

تمثل الأمراض المعدية تحديا مستمرا وتعتبر قضية عالمية ذات أبعاد اجتماعية، وسياسية واقتصادية. تسبب الأمراض المعدية حوالي 15 مليون حالة وفاة سنويًا بما يمثل 54٪ من الوفيات السنوية على مستوى العالم (منظمة الصحة العالمية 2016). تشكل الأمراض المعدية خطراً على الأمن الوطني للدول من خلال تهديد الأمن والاستقرار والرفاهية للشعوب. تتأثر الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً بهذا التحدي، ولكن تتأثر الدولة المتقدمة بنسبة أقل من الوفيات بسبب العوامل الاقتصادية، وارتفاع مستوى نظام الرعاية الصحية والغذائية، وتطور البنية التحتية مثل الصرف الصحي وإمدادات المياه، ومستويات الوعي المجتمعي والمعتقدات الاجتماعية.
 
بقلم:  د. فريدة الحوسني دارسة في كلية الدفاع الوطني
 
العولمة والتحديات العالمية
 تعرفنا من خلال التاريخ على أوبئة خطيرة تحدت الإنسان وقتلت الملايين مثل الانفلونزا الإسبانية والطاعون. لقد تغير العالم الحديث وبفضل العلم والتطور يمكننا السيطرة على الأمراض المعدية ولدينا لقاحات من صنع الإنسان ساعدتنا على القضاء على أمراض خطيرة مثل الجدري. ولكن ظهرت عدوى جديدة ناشئة وتشكل خطرا جديدا على البشرية كما بقيت بعض الأمراض المعدية مثل مرض السل تحديا للإنسان عبر العصور.
 
لقد سهّلت العولمة والتطورات الحديثة سرعة انتشار العدوى من بلد إلى آخر. وقد زادت إمكانية انتشار الأمراض المعدية بسبب: النقل الميسر والأماكن المزدحمة وزيادة الاختلاط المباشر مع الحيوانات والاحتباس الحراري وزيادة استخدام المضادات الحيوية على الحيوانات والبشر. وفي المقابل أصبحنا أكثر استعداداً للتعامل مع الأمراض المعدية من أي وقت مضى من خلال تطوير الأدوية واللقاحات والتكنولوجيا المتقدمة.
 
لقد ساهمت العديد من العوامل في حدوث تغييرات في اتجاه الأمراض المعدية وظهور عدوى جديدة في الزمن الحالي (Quick 2018، 9-10):
- تغير المناخ وتأثيراته على البيئة.
- الصناعات الغذائية بما في ذلك المعالجة وتعبئة المواد الغذائية وإعدادها.
- عوامل اجتماعية مثل الصراعات والحروب والهجرة.
- نقل الطعام والحيوانات والبشر بوسائل النقل المختلفة.
- شبكات الاتصالات وتبادل المعلومات.
- الاستخدام المتعمد للعوامل المعدية للتسبب في الخوف وإثارة الفوضى.
 
يعد مرض السارس SARSالذي ظهر عام 2003 أحد الأمثلة الحديثة على تفشي الأمراض المعدية العالمية. وقد بدأ بالظهور من خلال حالة واحدة في الصين تأثرت بأعراض تنفسية حادة وانتشر المرض في جميع أنحاء العالم في غضون أربعة أشهر، مما أثر على حوالي 8000 شخص وتوفي 12 ٪ من المصابين. ولم يتوفر أي علاج أو لقاح لمنع انتشار العدوى في بداية ظهور المرض وتسبب في الكثير من الخوف في المجتمع العالمي. والتحدي الأكبر للعالم هو امكانية استخدام الأمراض المعدية كأدوات إرهاب بيولوجية لإرغام الحكومات وخلق الفوضى. وقد يستغل هذا السلاح لتهديد الأمن الوطني والاستقرار للحكومات.
 
الوضع المحلي
تعد الأمراض المعدية واحدة من التحديات التي تواجهها دولة الإمارات العربية المتحدة كجزء من المجتمع العالمي. وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة على اللوائح الصحية الدولية في عام 2007 ولديها نظام صحي متقدم وبدأ نظام تطعيمات الأطفال منذ السبعينيات من هذا القرن والذي ساعد في القضاء على الأمراض المعدية الرئيسية مثل شلل الأطفال (تم اعتماد الإمارات خالية من شلل الأطفال في عام 2004) وخالية من انتقال الملاريا المحلي في عام 1997. وقد بذلت الدولة الكثير من الجهود في مجال الاكتشاف المبكر للأمراض المعدية والتشخيص والعلاج منذ نشأتها. ويتمتع النظام الصحي في دولة الإمارات العربية المتحدة بتطور النظام الصحي الذي يستخدم أعلى معايير الرعاية والوقاية.
 
استعداد الإمارات لمكافحة الأمراض المعدية
لقد مكن الوضع الاقتصادي الإقليمي القوي للدولة القيادة في التركيز على بناء القدرات البشرية. ويمكن استخدام القوة الاقتصادية الحالية لبناء مشاريع تدعم البنية التحتية محليا وإقليميا في مجال الأدوية وتشخيص الأمراض وصنع اللقاحات. 
 
لقد واجهت الإمارات العربية المتحدة بعض الفاشيات مؤخراً مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، وهو مرض تنفسي ينتقل إلى الإنسان عن طريق الإبل، ويعتبر من الأمراض الناشئة وتم اكتشافه مؤخرا في عام 2012. وتتركز أغلب الحالات المصابة بالمرض في شبه الجزيرة العربية. كما سجلت حالات من المرض في أوروبا وآسيا بعد عودتهم مباشرة من دول الجزيرة العربية.
 
وتعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة ومعظم دول المنطقة على استيراد التكنولوجيا والعلوم من الخارج وهذا تحد حقيقي للقطاع الصحي في مجال الاستجابة للأمراض المعدية لعدم امتلاك القدرة الداخلية لإنتاج الأدوية واللقاحات والتي نحتاجها لحماية مجتمعنا. وقد تبين من خلال التجارب السابقة عند تعرض الدول للأوبئة، فإن الأولوية في الأدوية واللقاحات ستكون للبلدان المنتجة ومثال على ذلك جائحة H1N1 2009 حيث واجهت الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى صعوبة في الحصول على الأدوية واللقاحات اللازمة لحماية المجتمع.
 
لقد تبين من خلال الاستبيان النوعي الذي استهدف الخبراء العاملين في مجال الأمراض المعدية في الدولة (الشكل 2) وجود بعض التحديات في استراتيجيات مكافحة الأمراض المعدية والاستعداد للعدوى المستجدة ويمكن اعتبار هذه التحديات فرصة للدولة لتطوير البنية التحتية للتأهب للتعامل مع الأمراض المعدية والذي يتماشى مع أهداف الدولة ورؤيتها 2021 والأهداف المئوية لحكومة الإمارات 2071 التي ركزت على أربعة أبعاد: التعليم والاقتصاد والتنمية الحكومية والتماسك المجتمعي.  كما يتماشى مع التوجه الاستراتيجي لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة حيث سيكون التركيز على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والذي يمكن من خلاله للتركيز على استخدام التكنولوجيا لنكون أفضل استعدادا للتعامل مع الأمراض المعدية.
 
الخاتمة
تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بالعديد من الميزات التي تمكنها لتكون مصدرًا إقليميًا للقوة في المنطقة في مجال التأهب للأمراض المعدية. ويعد الاستثمار في هذا المجال مهم للأمن الصحي لدولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة، نظراً للاضطراب السياسي الحالي والعواقب الصحية المتعلقة بالفقر وضعف البنية التحتية. ويتطلب ذلك وضع استراتيجية وطنية متعددة القطاعات تركز على تطوير البنية التحتية للتعامل مع الأوبئة وتمكن الدولة من التعامل مع الأوبئة والأمراض المستجدة.
 
نحن بحاجة إلى الاستثمار في البحوث والابتكار في الأولويات المتعلقة بالأمراض المعدية لبناء القدرات البشرية التي يمكن أن تطور الاستثمار في المستقبل في الأدوية واللقاحات. ويلخص الشكل 1 الأولويات الاستراتيجية التي يمكن أن تساعد دولة الإمارات العربية المتحدة على تطوير قدراتها في الأعمال التحضيرية والاستجابة للعدوى الناشئة.
 
وأخيراً، لقد نجحت حكومة الإمارات العربية المتحدة في السيطرة على العديد من الأمراض المعدية التقليدية وكان لها دور عالمي في هذا المجال. ويمكن أن يبرز دورها في مجال الاستعداد للأمراض الناشئة من خلال تطوير البنية التحتية ووضع استراتيجية فعالة. يمكننا أن نقود المنطقة لتكون أفضل استعدادًا للتعامل مع العدوى الناشئة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-11-11 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره