مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-04-01

مصنع أكاذيب العالم ..كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة للأخبار الزائفة؟

يسود اعتقاد واسع بين باحثين ومحللين مفاده أن أحد أسباب انخراط الصين في الحرب العالمية الأولى لم يكن سوى “قصة خبرية مزيفة”، أشاعت أن ألمانيا تقيم مصنعاً لاستخراج مادة “الجلسرين” من جثث القتلى. كانت تلك بداية مبكرة جداً لمصطلح “الأخبار الكاذبة” Fake News، وهو المصطلح الذي بات لاحقاً عنواناً للعام 2017، باعتباره أحد أكثر العوامل المؤثرة في صناعة التطورات السياسية والاجتماعية على مستوى العالم.
 
ياسر عبدالعزيز
 
فقد نشرت بعض الصحف البريطانية البارزة قصة مصنع “الجلسرين” في العام 1915، فيما كانت الحرب مشتعلة في قلب أوروبا ومناطق أخرى من العالم، وهي قصة ثبت لاحقاً أنها لا تتمتع بأي قدر من المصداقية.
يقول الدكتور ديفيد كلارك من جامعة “شيفيلد هالام” البريطانية، الذي يبحث في القصص التي خدعت العالم منذ 100 عام، في مقابلة مع شبكة “بي بي سي” تحت عنوان “مصنع الجثث وميلاد الأخبار الكاذبة”، إن الشائعات حول تجهيز الجثث في ألمانيا لاستخراج “الجلسرين” كانت متداولة منذ عام 1915، لكن أياً من المصادر الرسمية لم يقدم دليلاً واحداً على صحة هذه الواقعة. 
 
فقد نقلت الصحف البريطانية القصة عن صحيفة ألمانية، قال مراسلها إنه شعر بانبعاث روائح كريهة عندما مر بجوار أحد المصانع الألمانية، مشيراً إلى أن تلك الرائحة ربما كانت منبعثة من حيوانات كالبغال والخيول. لكن القصة انتقلت سريعاً إلى الصحافة الصينية، التي نشرتها باعتبارها “وقائع مدققة”، بعدما غيرت مصدر الروائح الكريهة المفترض، ليصبح جثثاً بشرية عوضاً عن جثث الحيوانات، ليسود الاعتقاد الجازم بأن الألمان استخدموا الجثث البشرية في تصنيع تلك المادة، وهو الأمر الذي استفز الرأي العام في الصين، ويسر للقادة اتخاذ القرار بالانضمام إلى الحرب.
 
وفي العام 1925، أكد السير أوستن تشامبرلين، في بيان ألقاه أمام مجلس العموم البريطاني (البرلمان)، أن تلك القصة لم يكن لها أي أساس من الحقيقة، وهو الاعتراف الذي جاء متأخراً نحو عشر سنوات، كانت كفيلة بأن تحرف الرأي العام في الصين وعدد آخر من البلدان، وتهيء لأصحاب الغرض الفرصة المواتية لتحقيق أهدافهم.
 
بيئة مواتية
تصاعد نفوذ وسائط التواصل الاجتماعي في عالمنا المعاصر، لتصبح اللاعب الرئيس في مجال الأخبار الزائفة، وبسبب ضعف القدرة على إخضاع المحتوى الذي يتم بثه عبر تلك الوسائط للتقييم، ظهر وجهها الشائن، الذي رأى النقاد أنه يرسم ملامح “مصنع للأكاذيب”.
 
فمع تضخم دور تلك الوسائط، ملأت الشائعات والأخبار غير الحقيقية صفحات التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية خلال السنوات الماضية، إلى الدرجة التي دفعت معجم “كولينز” للغة الإنجليزية لاختيار مفهوم “fake news”  أي “الأخبار الكاذبة” كلمة العام في 2017، بسبب انتشارها في العديد من البلدان وزيادة تأثيرها بدرجة كبيرة.
 
لقد منحتنا وسائط التواصل الاجتماعي مزايا فريدة، لكنها مع ذلك أظهرت عجزاً لافتاً، وربما مطاوعة، لبث الأكاذيب والأخبار المحرفة، بشكل زعزع اليقين العالمي في صيغة الأخبار ذاتها، ودفع جهات رسمية وبحثية مرموقة إلى اعتبار أن تلك الأخبار جزء من “الحرب الهجينة” Hybrid Warfare، وخطر يهدد السلم والاستقرار العالميين.
 
تعطينا مواقع التواصل الاجتماعي، التي يستخدمها نحو 88% من مستخدمي شبكة “الإنترنت” المثل الأوضح على إمكانية تحول الفرص الكبيرة إلى مخاطر جمة في بعض الأحيان، وهي اليوم تمارس دوراً في بث الأكاذيب أسهل بكثير من هذا الذي لعبته الصحف الصينية قبل نحو قرن من الزمن.
 
التدخل في الانتخابات
ثمة اتهامات جدية يمكن أن تؤثر في السلامة القانونية لنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في العام 2016، والتي وصل بمقتضاها ترمب إلى سدة السلطة في بلاده، وهي اتهامات تتعلق بدور روسي مفترض في تعزيز فرص الرئيس أمام منافسته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.
 
وتتعلق تلك الاتهامات بالمجال الإعلامي بصورة مباشرة، وخصوصاً الميدان الذي ازدهرت فيه مساهمات ترمب وتفاعلاته؛ أي وسائل التواصل الاجتماعي.
 
ففي شهر فبراير من العام 2018 الجاري، أكد المحقق الخاص الأمريكي روبرت مولر، في لائحة اتهام رسمية، أن “وكالة روسية و13 مواطناً روسياً تدخلوا في حملة الانتخابات الأمريكية في الفترة من 2014 إلى 2016، في إطار سياسة متعددة الأركان استهدفت دعم ترمب وتشويه صورة منافسته هيلاري كلينتون”.
 
تتحدث لائحة الاتهام التي قدمها مولر، والتي جاءت في 37 صفحة، عن “مؤامرة للإخلال بالانتخابات الأمريكية على يد أشخاص استخدموا حسابات إلكترونية زائفة لبث رسائل مثيرة للانقسام، وسافروا إلى الولايات المتحدة لجمع معلومات، ونظموا مسيرات سياسية متظاهرين بأنهم أمريكيون”.
 
وتفيد اللائحة، التي اتسقت مع تحقيقات رسمية سابقة، وتقارير صحفية نُشرت في وسائل إعلام معتبرة، أن “وكالة أبحاث الإنترنت الروسية كان لديها هدف استراتيجي لزرع الانقسام في النظام السياسي الأمريكي، وخصوصاً في أجواء الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 2016”.
 
وتعكس لائحة الاتهام إلى حد بعيد نتائج تقييم الاستخبارات الأمريكية (سي أي إيه)، في يناير 2017، والتي توصلت إلى أن “روسيا تدخلت في الانتخابات وأن هدفها تضمن في نهاية الأمر مساعدة ترمب”.
 
محاولات للخروج من الأزمة
بعدما بات “أكبر جمهورية” في العالم، بعدد مستخدمين فاق ملياري مستخدم، يواجه موقع التواصل الاجتماعي الأشهر “فيس بوك” تحديات خطيرة، تلقي بظلال من الشك على سمعته، وربما تحد من مكانته، وتعوق تقدمه.
في مطلع العام 2018، فاجأ “فيس بوك” مستخدميه بقرار جديد، يعمد بمقتضاه إلى انتخاب المواد الإخبارية التي يبثها، والتي جعلت منه أكبر مزود أخبار للبالغين في مناطق كثيرة من العالم، بحيث يعطي أولوية للأخبار التي تنشرها وسائل إعلام “ذات مصداقية”.
 
تأتي هذه الخطوة ضمن جملة من التغيرات التي يسعى “فيس بوك” لإحداثها تفادياً لانتقادات حادة طالته، وخصوصاً على صعيد مصداقيته وحياديته كمعرض أخبار رئيس.
يريد الموقع أن يقول إنه يضحي بالربح الذي يعود عليه جراء إفساح المجال أمام العروض التجارية والأخبار غير المدققة في المحتوى الذي يعرضه على جمهوره، في مقابل تعظيم العائد الاجتماعي، في محاولة لتقليل الضغوط المتصاعدة ضده.
لكن أكثر ما يديم الضغوط على “فيس بوك”، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة، فيتعلق بتحولها، كما يقول نقاد، إلى منصات لبث الأكاذيب والأخبار المضللة.
 
ستكون الحاجة ماسة لمواجهة هذا التحدي، وليس أفضل من اعتماد مؤسسات ذات مصداقية لنقل الأخبار عنها لمواجهته.
لكن لا يبدو أن هذا الإجراء وحده سيمكن “فيس بوك” من الحد من الأخبار الزائفة التي تبث عبره، وهو لينجح في ذلك في حاجة ماسة إلى تخصيص جزء من أرباحه لتوظيف مشرفين ومراجعين، وإلى أن يوازن بين رغبته في النشر (إعلاء لقيمة حرية الرأي والتعبير كما يقول)، وبين مقتضيات الأمن والسلام.
 
كشف الزيف
لا يقتصر شيوع ظاهرة الأخبار الكاذبة على البلدان المنخرطة في الصراعات، أو تلك التي تعاني من المشكلات السياسية والاجتماعية المتفاقمة، لكنها تضرب بلداناً تعرف أعلى معدلات التنمية والاستقرار، وتبتعد عن الانخراط في الحروب والنزاعات، وتتصدر مؤشرات السعادة العالمية.
 
ففي الدنمارك، اضطرت هيئة الإذاعة الدنماركية (المملوكة للدولة) إلى تطوير برنامج باسم “ديتكتور”، تقول ميت فيبي مقدمته إنه مخصص لكشف الأخبار الزائفة، التي ترد عبر منصات التواصل الاجتماعي خصوصاً، للحد من المخاطر الضخمة التي تنجم عن شيوعها.
 
في مقابل الميزات الكبيرة التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي لمستخدميها، خصوصاً على صعد السرعة والإيجاز والبلورة وإمكانات البحث وقدرات التعبئة والتوجيه، ثمة الكثير من السلبيات والاعتوارات؛ فتلك الوسائط لا تُخضع المحتوى الذي تبثه لأي شكل من أشكال التقييم أو المراجعة، ولا تُلزم من يبث هذا المحتوى بأي قدر من الالتزام، سوى ما يقرره طوعاً لذاته. يسهل جداً نقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون أي قدر من التوثيق، ويندر جداً استخدامها منسوبة لأصحاب الحسابات التي تم بثها من خلالها، وكثيراً ما يتم نقلها باعتبارها “حقائق لا تقبل الدحض”، كما يسهل طبعاً أن يتنصل صاحب الحساب من الرأي أو المعلومة أو التقييم الذي بثه قبل قليل بداعي أن “الحساب تمت سرقته”، أو أنه “لا يمتلك حساباً في الأساس”، ويزيد حجم تلك الاعتوارات، ويتفاقم أثرها في أوقات الحروب والنزاعات.
 
الحد من المخاطر
تفيد ورقة بحثية مهمة، نشرت في العام 2017، في دورية «ستراتيجيك ستديز كوترلي» ـ الدورية الاستراتيجية الصادرة عن القوات الجوية الأمريكيةـ أن مروجي الحملات الدعائية ذات التوظيف السياسي عمدوا إلى استغلال وسائط التواصل الاجتماعي بكثافة لاستهداف الأوضاع السياسية الأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية. 
 
وتشرح الورقة التي جاءت تحت عنوان “التوجه السائد: شبكات التواصل الاجتماعي في إطار حرب المعلومات”، كيف استخدمت “داعش” تلك الوسائط من أجل ترويج أخبار زائفة استهدفت الحد من القدرة على مواجهتها، وتلطيخ سمعة أعدائها، واستقطاب عناصر للقتال في صفوفها، كما توضح كيف أن تلك الآليات أثمرت نجاحات مبهرة، عززت الضغوط على الحملة العالمية ضد هذه الجماعة الإرهابية. كما تخصص الورقة جزءاً مهما لاستعراض “التكنيكات” التي استخدمها الروس من أجل التأثير في مجريات السياسات العامة الأمريكية، وخصوصاً ما يتعلق بالمنافسة الحادة بين المرشحين الرئاسيين دونالد ترمب وهيلاري كلينتون، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
 
وأوضح الباحث ديفيد فون دريل، في مقالة نشرها في صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، أن ثمة نموذجاً لافتاً على هذا الأمر حدث خلال مظاهرات نوفمبر 2015 داخل جامعة ميسوري، ذلك أن خلافاً حول مكافآت معاوني هيئة التدريس تفاقم وتحول إلى مزاعم حول وقوع أعمال تمييز عنصري واسعة النطاق داخل الحرم الجامعي. 
 
وعبر هاشتاج “صلوا من أجل ميسوري”، نشر حساب “على صلة بروسيا” صورة لشاب أمريكي من أصول أفريقية مصاب بكدمات وجراح مقتطعة من خبر صحفي لا علاقة له بالموضوع، وكتب صاحب الحساب تعليقاً على الصورة: “رجال شرطة يشاركون في مسيرة لجماعة (كلو كلوكس كلان)، لقد ضربوا شقيقي الأصغر! احذروا!”.
 
وبالطبع، فقد جرت إعادة نشر هذه الرسالة الكاذبة آلاف المرات، كما تكفل الصحفيون الراغبون في الحصول على القصص المثيرة بإعادة نشرها في وسائل الإعلام الرصينة، وهو الأمر الذي أصاب الأمن المجتمعي في البلاد بأضرار واضحة، وأثر بشدة في سمعة الحكومة، والشرطة، والجامعة.
 
تمر وسائط التواصل الاجتماعي بمنعطف خطير يمكن أن يقوض مستقبلها، ولكي تواجه هذا التحدي عليها أن تبذل جهداً كبيراً لتدقيق المحتوى الإخباري الذي يبث عبرها، بحيث لا تكون مصنع أكاذيب الألفية الثالثة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-06-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1434

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره