مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-03-08

مسبار الأمل .. عنوان لقوة الإمارات الشاملة

لا يعد نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في الوصول إلى الكوكب الأحمر في التاسع من فبراير 2021 إنجازاً علمياً يرسخ مكانتها على خارطة الدول المتقدمة في مجال استكشاف الفضاء، وحسب، بل أنه يعد أيضاً تجسيد لقوتها الشاملة، العلمية والتكنولوجية والعلمية والبشرية والناعمة، خاصة بعد أن أصبح مجال استكشاف الفضاء واستيطانه أحد أهم معايير التقدم المعرفي والحضاري، فالوصول إلى الكوكب الأحمر لا تحققه إلا الدول المتقدمة علمياً ومعرفياً، ولديها خبرات بشرية متسلحة بأحدث المعارف والعلوم.
 
 
بقلم العقيد الركن/ يوسف جمعه الحداد
 
 
«مسبار الأمل» .. رؤية قيادة آمنت بقدرات أبناء الوطن
  نجاح مهمة «مسبار الأمل» في الوصول إلى كوكب المريخ يعبر عن الرؤية العميقة للقيادة الرشيدة، التي أدركت أهمية أن تكون الإمارات واحدة من القوى الكبرى في هذا المجال، لتتبنى هذا المشروع الطموح، وتقدم كافة أوجه الدعم والرعاية للجهات والفرق التي تقف ورائه. 
 
 
إن القيادة الرشيدة كانت كلمة السر وراء نجاح مهمة «مسبار الأمل»، وكانت الحافز وراء إنجازها بالشكل الذي أبهر العالم أجمع، فقد استطاعت أن تجمع أبناء الوطن نحو هذا الحلم، وبثت فيهم روح الحماسة والإصرار لتحويله إلى حقيقة، وحرصت في كل مرحلة من مراحله أن تؤكد الثقة في قدرات أبناء الوطن، فحينما وصل مسبار الأمل إلى مداره في المريخ في التاسع من فبراير 2021، قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»:» أبناء الإمارات حولوا الحلم إلى واقع وحققوا طموحات أجيال من العرب ظل يراودها أمل وضع قدم راسخة في سباق الفضاء الذي ظل حكراً على عدد محدود من الدول». فيما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إن:» هذا الإنجاز التاريخي بوصول مسبار الأمل إلى المريخ هو أعظم احتفال بالذكرى الخمسين لقيام اتحاد الإمارات.. ويؤسس لانطلاقتها الجديدة في الخمسين عاماً المقبلة.. مع أحلام وطموحات لا سقف لها، والإنجاز الحقيقي الذي نفخر به هو نجاحنا في بناء قدرات علمية إماراتية تشكل إضافةً نوعيةً للمجتمع العلمي العالمي»، فيما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: إن» نجاح مسبار الأمل في الوصول إلى مداره حول المريخ يمثل إنجازاً عربياً وإسلامياً.. تحقق بعقول وسواعد أبناء وبنات زايد، ليضع الدولة في مصاف الدول التي وصلت لعمق الفضاء، ويمهد لـ 50 عاماً جديدة من النهضة العلمية المستدامة في دولة الإمارات». 
 
 
إنها كلمات عميقة في معانيها ودلالاتها تعبر عن إيمان القيادة الرشيدة الراسخ بأن الشباب المؤهل والمتسلح بالعلم والمعرفة هو ثروة الإمارات الحقيقية، ورهانها نحو تعزيز مكانتها  بين الدول المتقدمة. كما تعكس في الوقت ذاته رؤية قيادتنا الرشيدة الهادفة إلى تعزيز تنافسية الدولة في سباق التنافسية العالمية من خلال مسار يعتمد على العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي واقتصاد المعرفة، وبما يسهم في صناعة نموذج ملهم قائم على الابداع والابتكار والتميز، لا يتوقف عن الطموح وإنما يواصل الإنجاز ويستعد للانطلاق لرحلة عمل جديدة خلال الخمسين عاماً المقبلة.
 
 
«مسبار الأمل» .. تتويج لخمسين عاماً من العمل والإنجاز والطموح
ليس من قبيل المبالغة أن «مسبار الأمل» هو تجسيد لقصة نجاح الإمارات منذ الإعلان عن دولة الاتحاد في بداية سبعينيات القرن الماضي بقيادة  المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان يمتلك رؤية طموحة لدولة الاتحاد الفتية في أن تكون يوماً من الدول المتقدمة في كل المجالات، ومن بينها مجال استكشاف الفضاء، فأثناء لقائه، طيب الله ثراه، في عام 1976 مع فريق وكالة ناسا المسؤول عن رحلة أبولو إلى القمر، كان يحلم أن يكون للإمارات والعرب جميعاً دور عظيم في مشاريع استكشاف الفضاء العالمية، بل وأعرب عن فخره بأن التقدم الهائل في علوم الفضاء يرجع بالأساس إلى القواعد التي أرساها العلماء العرب منذ مئات السنين.
 
 
 وهذا الحلم الذي ولد مع تأسيس دولة الاتحاد في بداية سبعينيات القرن الماضي تحوّل إلى طموح مشروع لدخول عصر الفضاء، وترجم في خطوات عمل لتأسيس قطاع وطني للفضاء. كانت نواة هذا المشروع  عبارة عن فكرة طُرحت في الخلوة الحكومية التي عقدتها حكومة دولة الإمارات نهاية عام 2013 في جزيرة صير بني ياس. 
 
 
وفي  السادس عشر من يوليو 2014 تم اتخاذ أول خطوة عملية بإعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بإنشاء وكالة الفضاء الإماراتية، والتي تتولى مسئولية قطاع الفضاء، عبر إقامة الشراكات والبرامج الأكاديمية والاستثمارات في مشاريع الأبحاث والتطوير والمبادرات التجارية، ودفع عجلة أبحاث علوم الفضاء واستكشافه. وجاء تأسيس وكالة الإمارات للفضاء ليؤسس بالفعل لدخول الإمارات نادي الدول المتقدمة في مجال استكشاف الفضاء، حيث عملت في أعقاب ذلك على تطوير البنية التحتية والتقنية في مجال الفضاء.
 
 
وفي أبريل من العام 2017، جاء البرنامج الوطني للفضاء الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ليمثل خطوة متقدمة على طريق انخراط الإمارات في نادي الدول المتقدمة في مجال الفضاء. وفي العام 2018 دخلت الإمارات عصر التصنيع الفضائي الكامل بإطلاق “خليفة سات”،  وهو من الأقمار الاصطناعية المخصصة لأغراض رصد الأرض، واستغرق تصنيعه أربعة أعوام من التجهيز والاستعداد والتدريب لفريق عمل من مركز محمد بن راشد للفضاء. وتم تصميمه وتطويره وتصنيعه وإدارته بالكامل في مرافق المركز، بوساطة فريق من المهندسين والكفاءات الإماراتية. كما أنه أول قمر اصطناعي يتم تطويره داخل الغرف النظيفة في مختبرات تقنيات الفضاء التابعة للمركز.
 
 
وخلال السنوات السبع التي تمتد من  (2021-2014) كانت الاستعدادات تجري لرحلة مسبار الأمل من خلال فرق متخصصة من المهندسين والإداريين، متسلحة بالعلوم والمعارف المتقدمة، ولديها القدرة على مواكبة التطورات العالمية في هذا المجال الحيوي الدقيق. ولم تعترف الإمارات بالصعوبات والتحديات التي واجهتها في إنجاز مهمة مسبار الأمل، وحينما جاءت جائحة كورونا”كوفيد-19” التي أجبرت معظم دول العالم على إلغاء أو تأجيل مشروعاتها الكبرى، فإنها أصرت على إكمال هذه المهمة، وبالفعل تم انطلاق “مسبار الأمل” بنجاح في رحلته إلى المريخ  في العشرين من يوليو 2020 من قاعدة مركز “تانيغاشيما” الفضائي في اليابان، حتى وصل إلى مداره في الكوكب الأحمر في التاسع من فبراير 2021 في إنجاز نوعي  غير مسبوق عربياً وإسلامياً، لتضع بهذا الإنجاز بصمتها المؤثرة في النهضة العالمية.
 
 
إن الوصول إلى الكوكب الأحمر ليس نهاية طموح الإمارات، بل أنها تتطلع إلى استيطان الفضاء وبناء أول مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر في العام 2117، لتؤكد بالفعل أنها دولة الطموح المتجدد التي لا تتوقف عن تحقيق الإنجازات، وتسعى دائماً إلى حفر اسمها بحروف من نور في سجلات التاريخ الإنساني، كدولة أضافت للإنسانية وأسهمت في تقدم الحضارة البشرية.  
 
 
لماذا يجسد «مسبار الأمل» قوة الإمارات الشاملة؟
إذا كانت نظريات الأمن الوطني تؤكد أن القوة الشاملة لأي دولة تشمل مختلف الجوانب التي تعزز من دورها ومكانتها على الساحة الدولية، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو ثقافية أو تكنولوجية أو قيمية أو بشرية، فإن «مسبار الأمل»، بما يعبر عنه من مشروع وطني متكامل لاستكشاف الفضاء، فإنما يجسد  قوة الإمارات الشاملة، السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والبشرية والناعمة، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
 
 
1 - القوة السياسية: لا شك أن نجاح الإمارات في الوصول إلى المريخ ضمن خمس دول فقط في العالم إنما يعزز من نفوذها وتأثيرها السياسي على الصعيد الدولي، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن مجال الفضاء تحول في السنوات القليلة الماضية إلى أهم مؤشرات قياس القوة والنفوذ في النظام الدولي، فالدول لا تصل للفضاء إلا بعد أن تكون قد استوفت على الأرض معايير صارمة تؤكد أنها قطعت في مسيرة التنمية والعلم والتطور التكنولوجي مشوارا طويلا وحققت نهضة شاملة يمكن بسهولة تلمسها في مختلف القطاعات ولعل هذا يفسر توجه العديد من دول العالم إلى الاستثمار في هذا المجال، ووضع مشروعات لاستكشاف الفضاء. وقد أدركت الإمارات منذ وقت مبكر هذه الحقيقة واستعدت جيداً لها، وباتت واحدة من دول قليلة في نادي الفضاء.
 
 
2 - القوة الاقتصادية: لا شك أن «مسبار الأمل» يعكس في أحد جوانبه قوة ومتانة الاقتصاد الوطني، حيث تولي دولة الإمارات اهتماماً متزايداً بهذا القطاع، لأنها تدرك أن صناعة الفضاء باتت أهم مرتكزات اقتصاد المعرفة، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن اقتصاديات الفضاء باتت تتضمن مجمل الأنشطة الاقتصادية والصناعية والاستثمارية والتقنية، هذا فضلاً عن الخدمات ذات القيمة المضافة في مجال الفضاء، ابتداء من البحث العلمي والتطوير ومزودي الخدمات والمنتجات ذات الصلة بصناعة الفضاء في مختلف تطبيقاتها.
 
 
ويأتي قطاع الفضاء في مقدمة القطاعات الواعدة بما يحمله من فرص تدعم الاقتصاد الوطني، سواء من خلال اسـتقطاب الاستثمارات الدوليــة وجــذب شــركات القطـاع الخـاص المتخصصـة بهـذه الصناعـة، أو من خلال إنشاء صناعة فضائية تجارية تنافسية ومستدامة، تقوم على دعم الابتكار، وتعزيز روح المبادرة الإبداعية ومشاريع الفضاء التجارية، ودعم تطوير معايير صناعة الفضاء.
 
 
3 - القوة العلمية والتكنولوجية: يعكس «مسبار الأمل» التطور الذي حققته دولة الإمارات في مجال العلوم والتكنولوجيا، كما يمثل خطوة متقدمة نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية في امتلاك منظومة متكاملة للعلوم والأبحاث تسهم في دفع مسيرة التطوير قدما مدعومة بفكر وسواعد أبناء الإمارات ، وليس أدل على ذلك من أنه تم تصنيع مكونات مسبار الأمل وتركيب 66 قطعة ميكانيكية للأنظمة التصويرية بشكل كامل في الإمارات.
«مسبار الامل» هو نتاج استثمار الإمارات في تطوير التعليم العصري وبناء منظومة قوية من البحث العلمي وتطوير بنية تقنية متطورة، والعمل على توطين التكنولوجيا وجعلها أولوية قصوى في مختلف القطاعات ذات الصلة بقطاع الفضاء. ولهذا فإن مسبار الأمل سيعزز من المكانة العلمية والتكنولوجية لدولة الإمارات، ويجمع الخبراء في قطاع الفضاء أن نجاح المسبار في مهمته سيعزز من العائد العلمي في الأبحاث الخاصة باستكشاف الفضاء.
 
 
4 - القوة البشرية: « مسبار الأمل» الذي تحقق بسواعد إماراتية في جميع مراحله هو نتاج استثمار الإمارات في الكوادر المواطنة وتشجيعها على الانخراط في مجال الفضاء وامتلاك أدواته، ضمن رؤيتها الاستراتيجية لتوطين هذا القطاع الحيوي بالكامل، باعتباره من القطاعات الاستراتيجية التي تقتضي أن يكون العاملون فيها من الخبرات المواطنة. واليوم تمتلك الإمارات قاعدة عريضة من الكوادر المواطنة التي لديها خبرات كبيرة في قطاع الفضاء، فالفريق الذي يقود مشروع «مسبار الأمل» هو فريق إماراتي يضم كوكبة من الخبراء والمهندسين والفنيين المواطنين، وقد بلغ عددهم 200. كما أن القمر الاصطناعي «خليفة سات» يضم 70 مهندسة ومهندساً إماراتياً، وهذا إنما يؤكد نجاح رهان القيادة في دولة الإمارات على الكوادر المواطنة في قيادة مشروعها الطموح لاستكشاف الفضاء وتحقيق المزيد من الإنجازات النوعية فيه خلال الفترة المقبلة.
 
 
5 - القوة الناعمة للإمارات: يعبر «مسبار الأمل» في أحد أبعاده عن القوة الناعمة لدولة الإمارات، فمهمة هذا المسبار العلمية تستهدف خدمة البشرية والمساهمة في تحسين جودة الحياة على الأرض من خلال تحقيق اكتشافات جديدة أعمق للتغيرات المناخية في الغلاف الجوي للمريخ ، وجمع بيانات على مدار اليوم وباختلاف المواسم ومقارنتها ببعضها، وغيرها العديد من الأهداف الطموحة التي تصب في خدمة البشرية، وتوفير هذه البيانات لجميع دول العالم، لمساعدة البشرية على استكشاف الكوكب الأحمر، وهذا ينسجم مع رسالة الإمارات الحضارية والإنسانية التي تسخر كل إمكانياتها ومواردها وطاقاتها من أجل خدمة البشرية، والاسهام في التطور الحضاري والعلمي العالمين؛ ولهذا فإن مسبار الأمل سيعزز من قوة الإمارات الناعمة في العالم. 
 
 
خاتمة
لقد أصبح «مسبار الأمل» أحد عناوين التميز والريادة الإماراتية وفقاً للمعايير العالمية التي تصنف مكانة الدول ودرجة تأثيرها السياسي استناداً إلى اسهاماتها العلمية والتكنولوجية، فوصول المسبار إلى مداره في الكوكب الأحمر عزز من مكانة الإمارات على خارطة الدول المتقدمة في مجال استكشاف الفضاء، فهي الدولة الثالثة عالمياً إلى تصل إلى الكوكب الأحمر من المحاولة الأولى، والخامسة عالمياً التي تمتلك برنامج طموح لاستكشاف الفضاء، ولم تكن تحقق هذا الإنجاز إلا لأنها عملت على امتلاك الأدوات العلمية والتكنولوجية والبشرية التي تمكنها من ذلك، ولهذا استحقت عن جدارة أن يُطلق اسمها بين الكبار في نادي الفضاء الدولي بل وفي مختلف مجالات التقدم العلمي والحضاري. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره