مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-04-01

مدرسة زايد الأخلاقية في العلاقات الدولية

من المعلوم أن هناكَ مدارس فكرية ونظريات مختلفة تحكم العلاقات الدولية، ومن أبرزها: المدرسة الواقعية أو البراغماتية، وهي القائمة على أساس قياس المصالح الوطنية بالإمكانات والقدرات، وبالتالي تسعى لتسخير جميع أدوات القوة في سبيل تحقيق مصالحها انطلاقاً من مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة». 
 
عمر أحمد البيطار
 
وقد انطبق هذا النهج في الماضي على الدول الرأسمالية الاستعمارية التي تنتمي في أغلبها إلى المعسكر الغربي. واستمر نهج هذه الدول إلى اليوم، لكن بدرجة أقل حدة ووضوحاً.
أما المدرسة المثالية، فتقوم على أساس عقدي أو أيديولوجي، وتهدف إلى تسخير جميع القدرات والإمكانات الوطنية من أجل توسيع رقعة الدول التي تؤمن بالأيديولوجية نفسها بهدف توسيع نفوذها وتحقيق مصالحها. وقد انطبق هذا النهج في الماضي على الدول الشيوعية والاشتراكية التي تنتمي إلى المعسكر الشرقي. 
 
ورغم أن هذه المدرسة قد أثبتت فشلها مرة تلو الأخرى، إلا أن إيران اليوم تتستر وراء هذه النظرية، وتسعى لتطبيقها بكل اهتمام، فهي تبدو في الظاهر دولة عقدية تسعى لتصدير ثورتها، وتوسيع رقعتها الأيديولوجية والمذهبية من خلال استخدام القوة والإكراه، إلا أن غايتها الحقيقية تكمن في سعيها لإحياء الإمبراطورية الفارسية البائدة، ولكن حتماً أياً كانت حقيقتها، فسيكون مصيرها إلى الفشل.
 
أما المدرسة الليبرالية أو المتحررة، فتتلخص في سعيها لإنشاء العلاقات بين الدول وفق أسلوب التجار ورجال الأعمال في التفاوض فيما بينهم لإبرام الصفقات والتعاون لتحقيق الأرباح والمصالح المشتركة، وقد أصبح هذا الأسلوب سمة العلاقات الدولية في عصر العولمة اليوم، فهو الأكثر شيوعاً وتداولًا في المحافل الدولية وبين كثير من الدول في علاقاتها، خاصة الدول النامية والأقل قوة وتأثيراً في المسرح الدولي.
 
الدولة الناجحة
ومهما يكن فإنه بالإمكان، من خلال هذه النظريات، تصنيف الدول وفهم سياساتها وأسلوب تعاملها، لكن في النهاية تبقى الدول الناجحة -اليوم وفي المستقبل- هي التي تتمكن من تحقيق مصالحها وضمان أمنها واستقرارها وتأمين حاجات شعبها وإسعاده بعيداً عن الخوض في الحروب ودون الحاجة لاستخدام القوة الخشنة في تعاملها مع الدول الأخرى، بل باستخدام قوة الخير والأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية وفق الدبلوماسية الذكية والقوة الناعمة.
 
ومن هذا المنطلق، وبفضل الله تعالى أولاً ثم برؤية وحكمة القيادة الرشيدة، فقد حققت دولة الإمارات العربية المتحدة نجاحاً غير مسبوق على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والثقافية، وتبوأت الدولة مكانة بارزة في المسرح الدولي، ونجحت في التعامل مع شتى دول العالم بغض النظر عن المدرسة أو النظرية التي تنتمي إليها هذه الدول. لقد أرسى المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة وباني نهضتها قواعد وملامح السياسة الإماراتية الفريدة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، الأمر الذي يدعونا للتوقف عند أسباب ومعطيات هذا النجاح المتميز، والتأمل في المدرسة والنظرية التي أرساها زايد، رحمه الله، في الساحة الدولية، وعلى صعيد علاقات الإمارات بمختلف دول العالم، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة.
 
وبالرغم من المرحلة العصيبة التي شهدتها الساحة الدولية والمتغيرات المتسارعة لمفردات العلاقات الدولية وأسس السياسة العالمية كنتيجة للأزمات والحروب المتتالية التي شهدها العالم منذ تأسيس الدولة وانضمامها إلى الأمم المتحدة قبل خمسة وأربعين عاماً، إلى جانب التحديات التي أفرزتها العولمة ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة والطفرة الرقمية والمعلوماتية التي نشهدها اليوم، إلا أن الإمارات ظلت تتقدم في علاقاتها الدولية بثقة وسط أمواج من الاضطرابات إلى أن بلغت مراتب متقدمة، علماً بأن القيادة الرشيدة اليوم، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، يؤيده أخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله، وإخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات، يواصلون مسيرة زايد الطيبة ونهجه الأخلاقي القويم في علاقات الإمارات بدول العالم، معتمدين على الله بقوة الخير وثروة الأخلاق وسحر المحبة والاحترام. وهكذا تبشرنا مدرسة زايد الأخلاقية بمزيد من النجاح والتقدم والتألق بل أصبحت هذه المدرسة نموذجاً تحتذي به العديد من دول العالم.
 
النهج السياسي
وبقراءة سريعة، نجد أن أبرز ملامح النهج السياسي الذي تتعامل به الإمارات مع مختلف دول العالم يتسم بالمعايير الأخلاقية الراسخة والتي أثبتت جدواها في تطوير علاقات الإمارات بدول العالم، حيث إن قوامها الالتزام بالقيّم الإنسانية النبيلة والرحمة والتعامل بالأخلاق الحميدة، بما في ذلك الصدق والأمانة والعدل والإنصاف.. 
 
وسمتها الانفتاح على كافة الثقافات والحضارات البشرية والتعايش والتسامح مع شعوب الأرض. وقد أكسبها كل ذلك احترام ومحبة الناس من مختلف الأعراق والأجناس، إلى جانب المصداقية لدى القيادات والحكومات الأخرى قولًا وعملًا، فحظيت الإمارات بمكانة دولية بارزة ومرموقة، وأصبح لها ثقل في المحافل الدولية ووجودها يلقى ترحاباً واستحساناً، كما أصبحت كلمتها مسموعة ويعتبر رأيها سديداً، وهكذا استطاعت الإمارات التعامل مع جميع الدول الأخرى بغض النظر عن الأسلوب أو النظرية التي تتبناها هذه الدول، دون أن تحيد الإمارات عن نهج زايد الأخلاقي.
 
وهكذا فقد أسست الإمارات لنفسها مدرسة زايد الأخلاقية في العلاقات الدولية، إيماناً من المؤسس، رحمه الله، بقول الله تعالى: «إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
 
وبتفحصٍ أعمقَ للسياسة الخارجية الإماراتية اليوم نرى أن القيادة الرشيدة أدركت المميزات والمقومات التي تقوم عليها الدولة، بما في ذلك موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية وإمكاناتها وثقافتها وتراثها الأصيل، فوضعت الخطط للنهوض بالدولة في الوقت ذاته الذي سعت فيه لبناء علاقاتها بدول العالم دون أن يكون لطموحها سقف أو حدود. 
 
وهكذا سعت الإمارات لتحقيق مصالحها الاستراتيجية من خلال علاقاتها بدول العالم على أسس أخلاقية راسخة، بما في ذلك ضمان أمنها واستقرارها، والمحافظة على سيادتها واستقلالها، وتأمين احتياجات شعبها وفق النهج الذي أرساه زايد رحمه الله، ومن خلال الالتزام بمبادئ وميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، واحترام سيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب بناء الصداقات الدولية والشراكات الاستراتيجية مع شتى دول العالم لتحقيق المصالح المشتركة، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الآخرين أو بالحياد عن المبادئ الأخلاقية التي انتهجتها الدولة بأي حال من الأحوال.
 
كما تولي الإمارات أهمية خاصة لاستتباب الأمن والاستقرار في العالم، وتحقيق التوازن في العلاقات الدولية من خلال الوقوف إلى جانب الحق والعدل، وتؤمن بضرورة حل جميع الخلافات بين الدول بالأساليب السلمية وعن طريق الحوار. ومن هذا المنطلق نرى أن الدبلوماسية الإماراتية تتميز بالحنكة والذكاء والمرونة وتتحلى بالانفتاح والمصداقية، وهي تعكس -بكل جدارة- قيم الدولة الإنسانية والقائمة على التسامح والتعايش السلمي والسعي للتعاون الدولي في سبيل دفع عجلة التقدم إلى الأمام وتحقيق النمو والازدهار العالمي وتحقيق الكسب المشترك.
 
القوة الناعمة
إن الأدلة العملية على استمرار نجاح مدرسة زايد الخير متنوعة، ومنها تأسيس مجلس القوة الناعمة في الدولة الذي يعكس طبيعة مدرسة زايد الأخلاقية في العلاقات الدولية والتي تسعى لتحقيق مصالح الدولة بقوة الخير والأخلاق. إن هذا المجلس مكون من حكماء يفهمون سر العلاقات الإنسانية الناجحة ويستوعبون دروس التاريخ ويعرفون كيف يُبنى للدولة تاريخ ومجد ناصع البياض، قواعده صلبة وجسوره مع العالم ممتدة ومتينة، فهذا المجلس يؤمن بأنه يمكن تحقيق المعجزات من خلال قوة الخير والمحبة والتفاهم، بعيداً عن العنف والشر والخبث والخداع، كما يدرك أن ما يغتصب بالقوة لا يدوم للمغتصب بل يكون غصة في حلقه تخنقه، ولطالما كان وراء الحق مطالب خيّر وحكيم يؤمن بأن الحق باقٍ ومستردٌ مهما طال الزمن، فإن جزر الإمارات الثلاث سترجع لسيادتها في وقت قريب، بإذن الله.
 
التسامح والسعادة
ومن الأمثلة الأخرى على نجاح مدرسة زايد الخير، وجود وزير للتعاون الدولي ووزير للتسامح ووزير للسعادة. إن المساعدات الإنسانية التي تقدمها الإمارات لشتى دول وشعوب العالم وإغاثة الملهوفين والمنكوبين والمتضررين لا حصر لها، وهي متأصلة في القيادة الإماراتية الرشيدة وشعبها الأصيل، وتنبع من حبهم لعمل الخير لوجه الله، وتعتبرها الإمارات واجباً إنسانياً لا منةً من أحد على آخر.
 
منارة للخير
فما أجمل مدرسة زايد الخير التي جعلت من دولة الإمارات منارة للخير، وعمقت حب الإماراتيين في قلوب شعوب العالم فأصبحوا يلقون ترحاباً في جميع أنحاء العالم. ألا يكفي دلالة على ذلك أن يُعفَى أبناء الدولة من ضرورة الحصول على تأشيرة مسبقة لدخول دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك أن يكون مواطنو الإمارات من أوائل دول الشرق الأوسط الذين تمنحهم الصين الإعفاء من تأشيرة الدخول إلى أراضيها، إلى جانب دول عديدة حول العالم، ليصبح جواز الإمارات من أقوى جوازات العالم.
 
وأخيراً وليس آخراً، تستضيف الدولة على أرضها بشراً من أكثر من مائتي دولة يعيشون ويعملون فيها بأمن وأمان، وحقوقهم مكفولة وفقاً للقانون، وهم سعداء فيها حيث يعتبرون الإمارات وطنهم الثاني، فأصبحوا سفراءها لدى بلادهم، وهم يريدون الخير للإمارات ويحبون لها الأمن والسلام والنماء والتقدم والازدهار، بالقدر نفسه الذي يريدونه لبلادهم. الحمد لله والفضل لله الذي ألهم قيادتنا الرشيدة لتتبوأ الإمارات مكانة متقدمة بين الأمم، فرحمة الله على زايد الخير مؤسس الدولة وباني نهضتها على أسس الخير الحقيقي والتقوى، فبارك الله في الإمارات وحفظها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره