مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-10-03

لماذا تقاتل الجيوش خارج أراضيها؟

عنصر أصيل في العقيدة القتالية للحروب الدفاعية
 
لا تزال معركة «عين جالوت»، التي دارت رحاها بين الجيشين الإسلامي بقيادة سيف الدين قطز، والمغولي بقيادة كتبغا، في سبتمبر من العام 1260م، قادرة على الإلهام؛ ليس فقط لكونها مثلت اختراقاً عسكرياً نادراً تجسد في القدرة على تحقيق النصر في ظل تباين واضح في موازين القوى، ولا لأنها شكلت نهاية حاسمة لأطماع المغول في العالم الإسلامي، ولكن أيضاً لأنها عبرت عن تطور نوعي في العقيدة القتالية في الحروب الدفاعية.
 
 
بقلم: ياسر عبد العزيز
عندما أرسل الزعيم المغولي هولاكو رسله الأربعة إلى قطز سلطان مصر المملوكي آنذاك، يأمره بالاستسلام لتفادي مذابح وأهوال عرفتها الشعوب التي منيت بالغزو المغولي، كان يحدد نطاق الحرب المقبلة، ويفرض شروطه لتفاديها، كما كان في الوقت ذاته يفرض حرباً دفاعية على الجيش الإسلامي.
 
 
لقد جمع قطز قواده عشية الحرب، وبدأ يستمع إلى نصائحهم، فما كان من معظمهم إلا أن اقترح أن تتمركز قوات المسلمين في مصر انتظاراً للهجوم المغولي، لكن هذا القائد الداهية أصر على أن يخرج إلى أرض فلسطين لملاقاة العدو، وهي أرض لا تقع في ملكه ولا تخضع لسيادته، معتبراً أن «ملاقاة العدو خارج الديار أقل كلفة وأكبر منفعة وأشد منعة من انتظاره».
 
 
وبالفعل، في أحد أيام شهر رمضان من العام 658هـ، خرج الجيش المصري إلى غزة، ماراً بعدد من المدن الفلسطينية، حتى استقر في سهل بسيط يقع بين بيسان شمالاً ونابلس جنوباً، حيث دارت المعركة، التي حطمت الجيش المغولي، وتوجها المسلمون بنصر ساحق.
 
 
مفهوم العقيدة
لم يكن مصطلح «العقيدة القتالية» قد ظهر آنذاك، لكن هذا المصطلح بات لاحقاً أحد أهم عوامل فهم الطبيعة العسكرية للجيوش وتقدير حدود ممارساتها خلال الحرب والسلم.
والعقيدة لغة هي «ما عقد عليه القلب والضمير»، لكن العقيدة العسكرية اصطلاحاً تُعرّف من قبل بعض الباحثين بأنها «مجموعة من القيم والمبادئ الفكرية التي تهدف إلى إرساء نظريات العلم العسكري وعلوم فن الحرب، لتحدد بناء واستخدامات القوات المسلحة في زمن السلم والحرب بما يحقق الأهداف والمصالح الوطنية».
ومع تطور علوم الحرب، راح بعض الباحثين يفرق بين مفهوم العقيدة القتالية Fighting Doctrine، وعقيدة القتال Combat Doctrine، باعتبار أن الأولى تختص بالجانب العملياتي، في ما تتعلق الثانية بالمستوى التعبوي، الذي يشمل تحديد ميدان المعركة، وحدود انتشار القوات.
ووفق مؤرخين ثقات، لم يكن بوسع جيش قطز أن يربح معركة “عين جالوت” لولا هذا  التخطيط البارع، الذي اختار فيه ميدان المعركة بنفسه، حسب المزايا الاستراتيجية التي يتيحها هذا الميدان؛ وهو أمر بات لاحقاً بين أهم عناصر تقييم قدرات القادة والمخططين في حسم الحروب.
 
 
عقد التاريخ العسكري
يعرف تاريخ الحروب بين الأمم ميراثاً من التنظير الذي يمكن تلخيصه في مصطلح “عقد التاريخ العسكري”، الذي يتناول بدوره سجلاً من الانتصارات أو الهزائم المرتبطة بقرارات واستراتيجيات محددة، تتحول فيه السياسة التي أثمرت نجاحاً إلى عنصر تفاؤل واستبشار، بينما تنزوي السياسات التي جلبت هزائم في صورة “عقدة تاريخية” أو نذر شؤم.
من بين أشهر العقد التاريخية على المستوى الدولي إخفاق الجيش الأمريكي في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت في فيتنام، وتورط الجيش السوفييتي في أفغانستان.
ترتبط هذه العقد التاريخية بمبدأ يمثل عنصراً من عناصر العقيدة العسكرية لأي جيش محترف، وهو العنصر الخاص بعملية الانتشار الخارجي، أو الحرب خارج الديار.
 
 
تشهد الحياة السياسية الأمريكية راهناً حالة جدل متجددة، وهو جدل ينعكس في دراسات وأبحاث وكتب تصدر عن مراكز البحوث ومستودعات التفكير وأعضاء الإدارة، ويركز على طبيعة دور، وحدود انتشار، ونطاق عمليات القوات العسكرية الأمريكية.
 
 
ينقسم المتجادلون في هذا الصدد إلى فريقين رئيسين؛ أولهما يعتقد أنه من الضروري أن تقلل الولايات المتحدة من وجودها العسكري في العالم، وأن تجتهد في سحب عديد القوات المنتشرة في عشرات النقاط الساخنة حول العالم، ويستند هؤلاء في تأييد حجتهم إلى إخفاق القوات الأمريكية في فيتنام، وعدم تحقيق الأهداف المرجوة في العراق وأفغانستان.
 
 
بينما يرى الفريق الثاني أن إعادة انتشار القوات الأمريكية بشكل يحد من وجودها في الخارج يخصم من القوة الشاملة للولايات المتحدة، ويعرض أمنها القومي للخطر.
في صيف العالم الجاري، صدر كتاب مهم للمؤرخ الأمريكي روبرت كيجان، بعنوان “الغابة تعود إلى النمو: أمريكا وعالمنا المهدد” The Jungle Grows Back: Our Imperiled World، وهو الكتاب الذي يشرح فيه كيجان أهمية بقاء الجيش الأمريكي منتشراً في المناطق التي ترى واشنطن أنها مهمة لتحقيق أمنها القومي وصيانة مصالحها.
ويلخص كيجان فكرته في أن “نشر الجنود خارج الديار هو أمر سيء، لكنه يحدث تجنباً للأكثر سوءاً، وبقاؤهم داخل الحدود آمنين هو أمر جيد، لكن يجب آلا ينطوي ذلك على خسارة أمننا القومي وتعريض حياتنا للخطر وخسارة موقعنا في العالم”.
 
 
يعتقد البعض أن معظم تدخلات أمريكا العسكرية في الخارج لم تسفر سوى عن خسائر، عندما تهيمن عليهم فكرة فيتنام، لكن هؤلاء يفوتهم سجل حافل من التدخلات الأمريكية العسكرية الظافرة، التي جعلت أمن الأمريكيين أمنع وحققت مصالحهم الاستراتيجية بشكل أفضل من وجهة النظر الوطنية الأمريكية.
 
 
من بين التدخلات التي لا يذكرها أصحاب الاتجاه الأول التدخل في كولومبيا 1901، وهندوراس 1902، واستعادة النظام في كوبا 1906، ودخول هاييتي 1914، والسيطرة على الدومنيكان 1916، وإطاحة حكومة جواتيمالا 1954، وغزو خليج الخنازير 1961، والتدخل في شيلي 1973، ومهاجمة ليبيا 1986، وضرب بنما واعتقال مانويل نورييجا 1989، وصولاً إلى حرب البوسنة 1992، وضرب بلجراد 1999، إضافة بالطبع إلى نجاح واشنطن في قيادة تحالف دولي أخرج العراق من الكويت بعد غزوها في مطلع العقد نفسه.
 
 
إنه قرن كامل من استخدام القوة العسكرية الأمريكية خارج الديار، ورغم أن معظم تلك التدخلات لم تستند إلى ذرائع أخلاقية أو سياسية مقبولة من وجهة نظر المستهدفين ومعظم دول العالم، فإنها في النهاية حققت المصالح الوطنية الأمريكية بشكل ملحوظ من وجهة نظر القادة في واشنطن، وربما أسهم بعضها في صيانة الأمن الوطني للبلاد.
في العام 1993، صدرت وثيقة استراتيجية فائقة الأهمية في موسكو، بعنوان “وثيقة الأمن القومي”، وهي الوثيقة التي أعادت تشخيص المنهجية العسكرية للبلاد، مشددة على “توفير القدرة الكاملة للقوات التقليدية على الانتشار الاستراتيجي في مناطق الأزمات، والقيام بعمليات ناجعة وسريعة”.
 
 
انطلاقاً من تلك المنهجية، يمكن فهم السلوك الروسي إزاء أوكرانيا، ودول أوروبا الشرقية التي انضمت لـ “الناتو”، وسورية. سيمكن أيضاً أن تتم محاكمة السلوك العسكري الروسي في تلك المواضع أخلاقياً وسياسياً، وصولاً إلى إدانته مثلما هو الحال مع السلوك الأمريكي، لكن الأكيد أن الدولة الروسية ترى في هذه المنهجية صيانة لأمنها الوطني كما تشخصه، وتعزيزاً لمصالحها كما تراها.
 
 
لطالما كان احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والابتعاد عن استخدام القوة مسألة ضرورية أخلاقياً وسياسياً، لكن بعض متطلبات الدفاع تفرض انتشار القوات خارج الديار، وبعض مقتضيات الأمن الوطني والمصلحة الوطنية تفرض القتال عبر البحار.
 
 
لقد خلص الفكر الاستراتيجي الغربي في مجال الدراسات العسكرية إلى ضرورة المرونة في تحديد نطاق الانتشار العسكري والعمليات العسكرية وفقاً لطبيعة التهديد وميزان القوى بين الأطراف المتصارعة.
 
 
وفي هذا الصدد، يخبرنا تاريخ العسكرية أن كثيراً من الحروب التي خاضتها الجيوش الوطنية خارج الديار كانت الخيار الأفضل لتحقيق النصر وخفض التكاليف إلى أقل حد ممكن.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره