مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-07-01

كيف تقوض إيران الاستقرار في الشرق الأوسط؟

تكاليف المواجهة أقل من عائدات التهاون
 
مع نهاية العام 2010، كانت منطقة الشرق الأوسط على موعد مع تغيرات حادة وعميقة؛ وهي تغيرات كلفت المنطقة خسائر ضخمة ومستديمة، وأطاحت بالقدر الضئيل الذي كان متواجداً من الاستقرار الإقليمي، ووضعت نظماً عديدة في فوهات براكين، وفرضت تحديات كبيرة على كثير من دول العالم في قارات مختلفة؛ وقد كان لافتاً أن إيران استثمرت في هذه التغيرات، وسعت إلى الاستفادة من كل خصم استراتيجي أصاب القوى الإقليمية التقليدية، وعظمت مصالحها، ووسعت نطاق هيمنتها.
 
ثمة الكثير من الأدلة على أن إيران لعبت أدواراً رئيسية في زعزعة استقرار المنطقة، سعياً وراء توسيع نفوذها؛ ففي شهر فبراير من العام 2015، كان الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث في طهران أمام جموع حاشدة من مواطنيه، احتفاء بالذكرى الـ 36 للثورة الإسلامية، حين أكد أنه “لا يمكن بسط السلام والاستقرار في المنطقة إلا من خلال إيران... العالم كله يدرك ذلك... ليس للعالم طريق آخر غير الاتفاق معنا”.
 
خلال هذا الخطاب المثير للاهتمام، حرص روحاني، الذي يوصف بأنه “رئيس معتدل”، على الإشارة إلى أن بلاده باتت تمتلك أوراقاً للعب في أربع دول عربية؛ إذ قال: “لقد رأيتم كيف ساعدت إيران شعوب العراق وسوريا ولبنان واليمن على مواجهة الإرهاب”.
 
لذلك، فقد طمأن روحاني آلاف المواطنين الذين كانوا يستمعون إليه، بالقول إن مفاوضات بلاده مع الدول الكبرى من أجل حل مشكلة ملفها النووي ستمضي إلى “اتفاق يحافظ على عظمة الأمة الإيرانية وتقدمها”.
 
النزعة الإمبراطورية
بعد تلك الواقعة بأيام، كان علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني يتحدث في محفل عام، حين أعلن أن بلاده “أصبحت إمبراطورية... وعاصمتها بغداد”.
كان يونسي قد تولى مناصب رفيعة سابقة في منظومة الحكم الإيرانية؛ منها منصب مدير الاستخبارات في رئاسة محمد خاتمي، كما كانت له تصريحات مثيرة للجدل أيضاً؛ إذ طالب في إحدى المرات بـ “ضرورة عودة رمز الأسد، والشمس الحمراء” إلى شعارات الجمهورية، وهي طبعاً شعارات كانت تعبر عن العصر الإمبراطوري.
 
ليس ذلك أسوأ ما قيل في هذا الصدد، لكن دعوة رئيس تحرير وكالة “مهر” الإيرانية للأنباء حسن زادة، العراق إلى الاتحاد مع إيران، و”ترك العربان والعروبة المزيفة” كانت رسالة أكثر وضوحاً ومباشرة.
تنضم إلى تلك المواقف والتصريحات عشرات من المقولات الأخرى التي صدرت عن أركان في الحكم والنخبة الإيرانية، وكلها تعكس عناصر رئيسية؛ أولها الاستعلاء والشعور بالتمكن، وثانيها الحس الإمبراطوري ونزعة الهيمنة، وثالثها تسخير النفوذ الإقليمي لخدمة التفاوض مع القوى الكبرى على الملف النووي.
 
اتفاق بخس
يقول كينيث بولاك، الزميل في معهد “أميركان إنتربرايز”، والسياسي الذي عمل سابقاً مديراً لشؤون الخليج في مجلس الأمن القومي الأمريكي، فضلاً عن عمله محللاً عسكرياً مختصاً بشؤون الخليج في الاستخبارات الأمريكية، إن الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة “5+1” في العام 2015 كان يجب أن يتضمن المزيد من القيود على البرنامج النووي الإيراني.
 
في الواقع كان هذا الاتفاق انتصاراً إيرانياً خالصاً، في ظل رئاسة باراك أوباما، الذي “أهمل الشرق الأوسط”، بحسب ما يرى بولاك.
 
سنعرف لاحقاً أن إدارة جديدة في البيت الأبيض أدركت أن هذا الاتفاق بخس العالم ومجموعة “5+1” ودول الإقليم حقوقها، وسمح لإيران بأن تكرس نزعتها التوسعية، وأن تعظم نفوذها في المنطقة على حساب المصالح الاستراتيجية للجيران، وصولاً إلى ما نشهده الآن من تهديد صارخ للسلم العالمي، عبر العبث في مضيق هرمز، وتهديد سلامة دول المنطقة التي تنتهج سياسات رشيدة، وتسعى من خلال علاقات متوازنة وإيجابية مع الولايات المتحدة إلى تأمين الاستقرار والازدهار في هذا الجزء الحيوي من العالم.
 
ثلاثة سيناريوهات
لم تكن الولايات المتحدة في عهد أوباما غافلة عن التهديد الإيراني، وقد طورت ثلاثة سيناريوهات لمعالجة هذا الملف الخطير؛ أولها ينصب على رضوخ إيران عبر الضغط والتفاوض، ومن ثم موافقتها على تجميد مشروعها النووي، أو وضعه بالكامل تحت رقابة صارمة، تضمن عدم خروجه عن حدود محسوبة بدقة، لا تفضى في أوج تقدمها إلى تطوير سلاح نووي.
 
لكن واشنطن لم تكن قادرة على تصعيد الضغوط على إيران، أو تقديم المغريات المناسبة لها، لقبول مثل هذا السيناريو، وبالتالي فقد تخلت عن فكرة تجميد المشروع النووي، كما تخلت عن فكرة وضعه تحت رقابة صارمة.
 
أما السيناريو الثاني، فيتعلق باقتناع الولايات المتحدة، وحلفائها في المنطقة والعالم، بأن خيار الحرب غير وارد بالنسبة إليها على الإطلاق، بالنظر إلى الخسائر الاستراتيجية التي يمكن أن يتمخض عنها، وبالنظر إلى التمترس والاستنفار الإيرانيين، والميل الواضح لدى قطاعات في الحكم الإيراني لتطوير المواجهة.
 
واستناداً إلى هذه المقدمات، فإن واشنطن، وحلفاءها الكبار، سيقبلون بحل يرجئ تطوير السلاح النووي الإيراني، مقابل إعطاء امتيازات لطهران، على أن يكون ذلك وفق اتفاق، يؤمّن فترة زمنية من عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة، يمكن خلالها بناء “آليات احتواء”، مشابهة لتلك التي سبق أن بنتها الولايات المتحدة مع دول نووية من خارج المعسكر الغربي. وهو الحل الذي ذهب إليه أوباما، وأدرك كثيرون أنه لم يحل الإشكال.
 
أما السيناريو الثالث، فيستند إلى تطوير حال حشد وتهديد صارمة، قد تقود إلى حرب، بما يقنع طهران بأن محاولة المضي قدماً في خططها المفترضة لتطوير السلاح النووي ستنطوي على تكلفة أكثر من احتمالها، ومن ثم فهي سترضخ أيضاً لتفكيك مشروعها، أو إبقائه قيد المراقبة الصارمة، تحسباً وترقباً لظرف دولي وإقليمي يُمكّنها من استعادته وتطويره في مرحلة زمنية أخرى قد تبعد أو تقترب وفق موازين القوى الدولية والإقليمية وحساباتها المتغيرة، أو سترفض، وتمضي في العناد والمواجهة، وتقع الحرب التي تفيد الحسابات الأولية لها بتدمير القدر الحيوي من القدرات الإيرانية الاستراتيجية، سواء في الملف النووي أو ملف السياسات الإقليمية.
 
لقد اختار أوباما السيناريو الثاني، فأخفق في معالجة الملف الإيراني، كما أنه أخفق أيضاً في انتهاج سياسات إيجابية تجاه منطقة الشرق الأوسط، والآن جاء ترامب، وقد أعلن بوضوح نقضه لتلك السياسات، وشرع في بناء سياسات جديدة.
 
حافة الهاوية
بعد إسقاط إيران طائرة استطلاع أمريكية من دون طيار، في شهر يونيو 2019،  بزعم أنها انتهكت مجالها الجوي، أدرك المحللون أن إيران تستخدم تكنيك “حافة الهاوية”، مستندة إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين ودول المنطقة الرئيسية مثل الإمارات والسعودية لا تريد حرباً، وإنما تريد تقويم السلوك الإيراني، والحد من انفلاتاته الخطيرة التي تهدد بتقويض الاستقرار والسلم.
فضلت إدارة الرئيس ترامب التريث وعدم توجيه ضربة عسكرية انتقامية لإيران؛ وهو أمر فهمه القادة في طهران على أنه مؤشر ضعف، وربما يعزز صلابتهم في المضي قدماً في سياسات الهيمنة وإشاعة التوتر.
 
لقد ظهر على مدى العقود الفائتة عدد من القادة الإيرانيين الذين أثاروا الاعتقاد بأن بلادهم يمكن أن تتحول إلى دولة عازمة على بناء التفاهم السلمي واستبعاد الأنماط الصراعية في إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية، ومن بين هؤلاء برز خاتمي ورفسنجاني وروحاني، لكن ما بات مؤكداً الآن أن هؤلاء القادة أخفقوا تماماً في تكريس هذا الاعتقاد.
خلال رئاسات هؤلاء القادة، لم تخرج إيران عن خطها التأجيجي ونزعتها في إثارة الفوضى وزعزعة ركائز الاستقرار في المنطقة، بحيث أضحى مؤكداً أنهم لا يعنون ما يقولونه أو أنهم لا يمتلكون النفوذ الكافي لتنفيذ رؤيتهم.
 
بموازاة الأمنيات في تقويم السلوك الإيراني، برز دور المرشد في بناء نزعة التصلب والاستعلاء المستندة إلى الذرائع القومية والطائفية، كما استمر “الحرس الثوري” في دعم معطيات الإرهاب وإثارة الفوضى في بلدان المنطقة وممراتها المائية، ولعبت الاستخبارات الإيرانية أدوارها المعروفة في تثبيت حال التوتر وإبقاء المنطقة فوق شعلة موقد متأججة على الدوام.
 
تكاليف المواجهة
أحد أخطر التهديدات التي يطرحها السلوك الإيراني يكمن في أنه يستثمر التوتر الإقليمي لتكريس شرعيته وحل مشكلاته الداخلية المتفاقمة. إن هذا التهديد خطير فعلاً، لأنه يشير ببساطة إلى أن النظام الإيراني يعيش ويقتات ويضمن استدامته وقدرته على مواجهة ضغوط الداخل عبر إثارة التوتر الإقليمي، بما فيه النزاعات المسلحة.
 
يريد النظام الإيراني أن يطوق السعودية ويقوض استقرارها ويجعلها هدفاً في مرمى صواريخ حلفائه؛ وهو بالطبع لن يكون قادراً على ذلك، لكنه على الأقل قد يشغل هذا البلد الراسخ ويبدل أجندة العمل الوطني فيه ويشوش على خططه التنموية والتحديثية الكبيرة.
 
لا تتوقف إيران عن لعب الأدوار التخريبية في البحرين، ومن خلال إدامتها الضغوط على الحكومة البحرينية، فإنها تحد كثيراً من خطط الإصلاح والتطوير التي ترغب في إقرارها.
إن إدامة الاحتلال للجزر الإماراتية الثلاث، وإشاعة الفوضى عبر استخدام المليشيات لتهديد الملاحة في الخليج، ومحاولات التحرش بالمقدرات التجارية والملاحية للدولة، كلها عوامل تؤثر في خطط الإمارات لتعزيز الاستقرار وبناء السلام وتحقيق الازدهار في المنطقة.
 
عبر دعم المليشيات الإرهابية في سوريا واليمن ولبنان والعراق، تقدم إيران أكبر دليل على كونها باتت عاملاً إقليمياً ودولياً لإشاعة الفوضى وتهديد السلام والاستقرار، وقد علمنا التاريخ أن التهاون في مواجهة مثل هذه النظم ذات النزعة الاستعلائية والحس التوسعي أكبر بكثير من تكاليف مواجهتها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2016-11-01
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره