مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-10-03

في ذكرى حدث 11 سبتمبر ... تحليل بلاغة الصورة

تحمل الصور مجازاتها، بسيطة كانت أو معقدة، لوجه غاضب أو مدينة تحترق، لامرأة جميلة أو حديقة غنَّاء. وينظر الرائي العجول إلى مثل هذه الصورة فلا يرى فيها إلا جانب واحد، قد يكون مباشرا وعابرا وسطحيا ومزيفا. وهناك من يمعن النظر ليرى خلف الصور الملتقطة أو حتى التي نراها مباشرة قصصا وحكايات ومعاني ورؤى وتصورات وأفكار وقيم واتجاهات، بل ونبوءات أيضا.
 
 
بقلم: د. عمار علي حسن
ولعل ما قام به عالم البلاغة الأمريكي جورج لايكوف من تحليل للاستعارات الكامنة في الصور التي خلقها حدث11 سبتمبر الرهيب، الذي نعيش هذه الأيام ذكراه السابعة عشر، ما يؤكد الدور أو السلطة التي تمارسها الصورة، لاسيما في أذهان الذين تمكنهم بصائرهم من النفاذ إلى ما خلفها، وتمكنهم عقولهم من تحليل دلالاتها التي قد تتعدد وتتقاطع وتتشابك، ثم تتجمع وتجرف في طريقها آلاف الكلمات.
 
 
استعارات
 وقد انطلق لايكوف في رؤيته تلك من أن للبنايات عدة استعارات، تكون نائمة أحيانا داخل رؤوسنا، في انتظار من يوقظها. ففي رأيه أن بنايتي مركز التجارة العالمي بنيويورك اللتين تم ضربهما في 11 سبتمبر 2001، ظهرتا كرأسين، فيما تبدت نوافذهما كعيون، وصارت قمة البرج هيكلا أو معبدا أما الطائرة التي اخترقته فكانت رصاصة تخترق رأس أحدهم، والنيران المتصاعدة من الجانب الآخر كانت دما ينبجس، وبدت البنايات العالية، من منظور الاستعارة، أناسا تنتصب في شموخ، وبذا تحول كل برج إلى جسد آدمي فارع الطول، يتهاوى حين تصطدم به طائرة انفجرت، فتحولت إلى كتلة من اللهب. وكل هذا أريد له أن يشكل جزءا من القوة ومن الرعب الذي لا نستطيع إلا أن نتفاعل معه حين نراه، ونتأثر به، ويدفعنا إلى إصدار أحكام، وإتيا أفعال.
 
 
وعبر لايكوف عن هذه الصورة المستعارة قائلا: «الدمار الذي ضرب هذين البرجين ذلك الصباح ضربني. البنايات أشخاص. إننا نرى قسمات الوجه، العينين والأنف والفم، في النوافذ. أدرك الآن أن صورة الطائرة وهي تخترق البرج الجنوبي كانت بالنسبة إليّ رصاصة تخترق رأس أحدهم. والنيران المنبعثة من الجانب الآخر دم ينبجس. كان ذلك قتلا واغتيالا. أما سقوط البرج فيمثل جسدا يسقط. كنت أنا وأقاربي وأصدقائي الأجساد المتساقطة. أما الصورة التي تلت ذلك فكانت تمثل الجحيم: الرماد، والدخان، والبخار المتصاعد، وهيكل البناية، والظلام، والمعاناة، والألم والموت».
 
 
رمز للقوة
ويفرط لايكوف في تحليل مجازات الصورة فيرى أن البرجين يشكلان رمزا للقوة، أو السيطرة من أعلى، نظرا لأنهما كانا شاهقين على النحو الذي نعرفه، ويعني سقوطهما فقدان هذه السيطرة. ويرى أن المجتمع يبدو بناء، وأن البرجين كانا  يمثلانه، وسقوطهما دليل على هشاشة هذا المجتمع، وقابليته للاهتزاز والتهديد والترويع. ويذهب إلى ما هو أبعد من هذا طارحا تساؤلا عن مدى إمكانية ديمومة القوة الأمريكية، في ظل سقوط معبد الرأسمالية وهو مركز التجارة العالمي الذي تم تشييده، على هذا النحو، ليبقى عشرة آلاف سنة. فالأمريكيون اعتادوا أن يروا هذين البرجين في مانهاتن، فيشعرون بأنهم يعيشون في مجتمع راسخ متوازن، كتوازن البرجين العملاقين المتقابلين في شموخ، لكن سقوطهما بدا كأنه سقوط لهذا التوازن، وانقضاء لهذا الرسوخ، وغرق لمانهاتن بوصفها تجسد الوعد الأمريكي، بما أوحى بأن هذا الوعد نفسه يغرق، لا في قاع ماء عميق، إنما في جحيم صنعته الصور المتواصلة لألسنة النار المندلعة من المبنيين، وللبقايا المتفحمة التي ينبعث منها دخان كثيف، في مشهد كئيب.
 
 
حرمة الموت
وجاءت صور تساقط الناس من النوافذ هروبا من الموت حرقا أو خنقا إلى الموت ترديا، لتصيب الرأي العام بالرعب، ثم بالاشمئزاز الذي جعله يعترض بشدة على نشر الصحف لمثل هذه الصورة، لأنها في نظره تنتهك حرمة الموت، لاسيما تلك الصورة التي التقطها مصور الأسوشيتد برس وتتبع فيها عبر اثنتي عشرة لقطة متوالية رحلة سقوط رجل من الطابق 107 من بين ألفي شخص لقوا حتفهم بهذه الطريقة البشعة. 
 
 
لكن يبدو أن هذه الصور قد أثارت في نفوس الأمريكيين ما هو أكبر من الاشمئزاز، أو الغضب من المتاجرة بالموت على النحو الذي رأيناه، ألا وهو الشعور بالإهانة، وجرح كبرياء ينبع أساسا من فائض القوة الذي يجري في أوصال كل مواطن أمريكي وهو موقن بأنه يحمل جنسية البلد الذي يتربع على عرش العالم، بعد أن تهاوى غريمه وهو الاتحاد السوفيتي مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين تحت وطأة الاستبداد والفساد.
 
 
فصور سقوط الأجساد من نوافذ البرج العملاق تعدى في العقل الباطن للأمريكيين مجرد حوادث انتحار إجبارية، والتي سجلتها السلطات الأمريكية بأنها قتل بيد الإرهابيين وهذا طبيعي، لتصبح الصور وكأنها تساقط متتابع للأمريكيين جميعا من الثقوب والشقوق التي أصيب بها جسد الليبرالية، مثلما سبق أن تساقط الروس مما الشروخ التي مزقت جسد الشيوعية، لاسيما أن برجي التجارة العالمي يرمزان إلى الرأسمالية حقا، وهي الشق الاقتصادي الأساسي في الليبرالية.
 
 
ويعبر لايكوف عن هذه الرمزية قائلا: «لقد نشأت في بيوني بنيوجرسي على امتداد الخليج من ذلك الأفق. ولم يكن مركز التجارة العالمي هناك حينئذ، لكن عبر السنين أصبح، بوصفه الملمح الرئيسي للأفق، يمثل لي، كما يمثل للآخرين رمز نيويورك، ليس فقط المركز التجاري لأمريكا، بل أيضا المركز الثقافي، ومركز الاتصالات، وبما هو كذلك، أصبح رمزا لأمريكا ذاتها. رمزا لما يعنيه أن تكون قادرا على أن تحيا حياة خالية من الاضطهاد، وأن تكون قادرا تماما على أن تعيش وتؤدي عملك سواء كسكرتير أو فنان أو مدير أو جندي إطفاء أو بائع أو مدرس أو نجم تلفزيوني. إنني لم أكن منتبها بشكل واع لهذا، إلا أن تلك الصور كانت مرتبطة بهويتي ارتباطا حميما، سواء كفرد أو كأمريكي. وقد كان كل ذلك وأكثر منه بكثير جدا حاضرا حضورا فيزيقيا كجزء من مخي صباح 11 سبتمبر».
 
 
وبعيدا عن موقف الشعب الأمريكي ومخاوفه من أن تكون صورة المتساقطين من البرج الشاهق تعبيرا عن تداعي الإمبراطورية المتحكمة فإن الإدارة الأمريكية كان عليها أن تفكر في اتجاه آخر، مستغلة المخاوف تلك، في أخذ موافقة الشعب، بأي ثمن وأي طريقة، على إطلاق يد السلطات كي تفعل ما تشاء، وهي مسألة كانت مترددة في أن تسلكها في السنوات العشر التي أعقبت انهيار القطب العالمي الثاني وهو الاتحاد السوفيتي. ولذا أطلقت آلة الإعلام الأمريكية الرهيبة الصور لتتدفق في مختلف وسائل الإعلام في العالم، كي يتهيأ الجميع لتحرك أمريكي مغاير في العالم، ويتفهمون، على قدر ما أوحت به الصور إليهم، دوافعه ومبرراته ومآلاته، وهو ما كان بالفعل حين ضربت الولايات المتحدة أفغانستان، واحتلت العراق، وكان تعتزم الذهاب إلى ما هو أبعد، لكن توعكها في البلدين اللذين دخلتهما قواتها، أصابها بالتردد من جديد، ثم التراجع التام في فترتي حكم باراك أوباما.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-12-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره