مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-09-09

عشر نقاط عن الحرب: قراءة جديدة في بيئة الصراعات المسلحة

لقد قيل الكثير عن الحرب على مر العصور، واختلف القادة والفلاسفة في توصيفها وتعيين سماتها المحددة، لكن ثمة حقيقة لم تكن قابلة للدحض أبداً؛ وهي الحقيقة التي تفيد أنه لا توجد دولة أو جماعة بشرية منظمة استطاعت أن تحافظ على البقاء والمكانة من دون أن تخوض الحرب؛ وهو أمر يمكن إثباته عبر التاريخ، سواء بخصوص الدول الاسكندنافية التي تعيش في السلام والاستقرار الآن، أو بصدد الإمبراطوريات العاتية التي تعاقبت على مدار القرون، وصنعت مكانتها، وبسطت نفوذها، بالحديد والنار.
 
 
لقد قيل الكثير عن الحرب على مر العصور، واختلف القادة والفلاسفة في توصيفها وتعيين سماتها المحددة، لكن ثمة حقيقة لم تكن قابلة للدحض أبداً؛ وهي الحقيقة التي تفيد أنه لا توجد دولة أو جماعة بشرية منظمة استطاعت أن تحافظ على البقاء والمكانة من دون أن تخوض الحرب؛ وهو أمر يمكن إثباته عبر التاريخ، سواء بخصوص الدول الاسكندنافية التي تعيش في السلام والاستقرار الآن، أو بصدد الإمبراطوريات العاتية التي تعاقبت على مدار القرون، وصنعت مكانتها، وبسطت نفوذها، بالحديد والنار.
 
 
بقلم:  ياسر عبد العزيز
 
 
إن وجود الحرب كحقيقة في تاريخ المجموعات البشرية والدول لا يعني تمجيدها أو تبينيها كخيار مُرجح، كما أنه لا يبررها أو يغري باللجوء إليها، لكنه يحترم شروطها ووجودها في حد ذاته، كما أنه يدفع إلى ضرورة تقصي أسبابها وفحص ماهيتها.
 
 
من بين أبرز المحاولات التي سعت إلى تحليل بيئة الحرب واستخلاص سماتها ودوافعها واستشراف مستقبلها، تلك المحاولة التي أقدم عليها عالم الحرب البروفسير بريان فيرجسون، في بحثه الفريد “عشر نقاط في الحرب”.
وقد خلص فيرجسون، بعد بحوث جرت على مدى ثلاثة عقود عن الحرب، وشملت فحص مجتمعات بدائية وأخرى قديمة وحروب حديثة ومعاصرة، إلى النقاط العشر التالية.
 
 
أولاً: الجنس البشري لا ينزع بطبيعته إلى الحرب
على مدار فترة طويلة، ظهرت نظريات تقول إن الحرب نتاج لسمات كامنة داخل العقل الإنساني، وأننا نشعل الحروب لأننا خلقنا لنفعل ذلك، لكن حتى هذه اللحظة لم تطرح دراسة علمية دليلاً حاسماً يؤكد وجود نزعة غريزية تجاه العنف داخل الإنسان. كما ينبغي الانتباه هنا إلى أن فرضية أن العنف نزعة غريزية تستدعي بالضرورة وجود هذه النزعة داخل جميع الأشخاص، ما يتنافى مع حقيقة ظهور أصوات معارضة للحروب ورافضة لها. 
 
 
ثانياً: الحرب من تداعيات التنظيم الاجتماعي
لا يوجد ما يثبت أن الحرب شرط من شروط الوجود الإنساني، لكن ثمة ما يشير إلى ارتباط النزعة إلى الحرب، وتفعيلها بالتنظيم الاجتماعي، الذي يقود إلى تبلور المصالح وتجسيدها.
 ثمة أسباب محتملة وراء بروز ظاهرة الحرب بموازاة تطور التنظيم الاجتماعي:
1. استقرار الإنسان، غالباً بعد اكتشاف الزراعة،
2. تنامي كثافة السكان،
3. ظهور الهيكل الهرمي الاجتماعي،
4. ظهور التجارة، خاصة السلع المرتبطة بالمكانة والنفوذ،
5. ظهور مجموعات بشرية مترابطة ومحدودة، 6. وقوع تقلبات بيئية خطيرة.
 
 
ثالثاً: الدوافع الأيديولوجية لشن الحرب ثانوية
تشير مدرسة “المادية الثقافية” إلى أن الحياة الاجتماعية ذات طابع عملي بصورة أساسية. ويقسم هذا التوجه أي ظاهرة اجتماعية ـ ثقافية إلى ثلاثة عناصر: بنية تحتية Infrastructure، وبنية  Structure، وبنية فوقية Super Structure. 
 
 
إن قرار الحرب أيضاً يتخذ وفق هذه العناصر الثلاثة؛ وتتعلق البنية التحتية الخاصة بالحرب بفكرة: كيف نخوض الحرب؟ ولماذا؟
ويقود هذا إلى السؤال عن حجم الوحدات المقاتلة، نوعية الأسلحة، ومدى توافر الموارد الأساسية، والأسباب المرتبطة بالمصلحة في شن الحرب. 
 
 
أما البنية Structure فتتعلق بالنسق الاجتماعي للحرب، بمعنى دور الروابط العائلية في تحفيز الرجال في مجموعات الحرب، وهياكل صنع القرار، وأنماط التحالف والعداء. 
بالنسبة للبناء الفوقي، فإنه يوفر الإطار الأخلاقي لشن الحرب وتحفيز المقاتلين، وهو جانب يتصل بالأيديولوجيا والقيم السائدة في المجتمع. 
 
 
رابعاً: الحرب تستخدم القيم الثقافية السائدة وليس العكس
من النتائج التي خلصت إليها بحوث الحرب أن التباينات في أعمال القتال الفعلية ـ فترات الحرب وفترات السلام، ومن يشن الهجوم ومن يتعرض له ـ يمكن تفهمها كنتيجة لفكرة أن من يتخذون قرارات الحرب يفعلون ذلك سعياً وراء تحقيق مصالح عملية. ويعكس هذا الأسلوب في التعامل مع الحرب توجهاً سلوكياً يعنى بتحليل ما يفعله الناس أثناء الحروب، وليس ما يقولونه. 
أثناء المناقشات الطويلة التي عادة ما تسبق الحرب، يعمد أنصار أي مسار عمل معين إلى طرح تصورهم لما يحقق المصلحة العامة في صورة أخلاقية وقيمية؛ وهنا تظهر أفكار الواجب الديني أو قيم الشجاعة والجبن أو ضرورة الثأر. ويجري استغلال القيم المشتركة المترسخة في الجماعة للتبرير وإقناع الآخرين. وبذلك يجري تحويل الحاجات والرغبات إلى أمور صائبة وأخرى مرفوضة أخلاقياً. 
 
 
خامساً: الحرب تعيد صياغة المجتمع والدولة
نحن نعرف أن الحرب ترتبط ارتباطاً أساسياً بالتدمير وتهديد الوجود الاجتماعي والمادي، لكن ذلك عكس كثير مما جرى في وقائع الحروب عبر التاريخ.
فما أمكن إثباته في هذا الصدد يتعلق بنتائج متباينة لأعمال القتال؛ بينها ما دمر وجوداً اجتماعياً، أو خرب أنساقاً مادية، أو قلص أعداد السكان، أو أطاح دولة أو أمبراطورية من الوجود.
 
 
لكن في موازاة ذلك، ثمة نتائج أكثر إيجابية للعديد من الحروب، من بينها زيادة عدد المواليد، أو تغيير النسق السياسي والاجتماعي لأمة (منتصرة أو مهزومة) إلى واقع أفضل، وربما أيضاً تحمل الحرب مجتمعاً نحو السلام والاستقرار والحداثة والنمو.
 
 
تعيد الحرب إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة وفق منطقها، كما أنها تعيد صياغة مستقبل الشعوب والدول، وتلك الصياغة بالذات ليست حتمية، بل هي متغيرة، وتعتمد على ديناميكيات الحرب وليس على نتائجها.
 
 
سادساً: الحرب ليست قرار المتحاربين وحدهم
لا يمكن النظر إلى الحرب بين جماعتين أو دولتين على اعتبار أنها معركة محدودة ومنقطعة الصلة عن سياقها الإقليمي والدولي.
وحتى “حرب البسوس” التي جرت بين أبناء العمومة (التغلبيون والبكريون) في نطاق أراضي محدد، لا يمكن فصلها عن سياق أشمل تتصارع فيه أمبراطوريتان على النفوذ.
في العصور القديمة، كانت الدول الكبرى محاطة بمناطق قبلية لا تخضع لسيطرة دولة بعينها. ومع سعي الدول لوجود كيانات سياسية حاكمة واضحة يمكنها التعامل معها، ظهرت وحدات قبلية أكثر تناغماً. 
 
 
بدءاً من القرن الـ16، حمل الأوروبيون معهم إلى مناطق أخرى من العالم أمراضاً جديدة وتقنيات وسلعاً أحدثت تغييرات راديكالية في المجتمعات المحلية. ومضت أوروبا في تطبيق سياسات الدول الأقدم الساعية لتشجيع الحرب، مثل “فرق تسد.” إلا أنها شجعت على الحرب كذلك بصورة جديدة، إذ إن طرحها سلعاً جديدة، مثل الحديد الصلب والأسلحة، خلق حوافز جديدة للقتال بين مجموعات محلية. 
في ثمانينيات القرن الماضي، ظهر ما أطلق عليه “الحروب بالوكالة”، وهي حروب محلية مدعومة من جانب طرف أو أكثر من المتورطين في “الحرب الباردة.” بيد أنه في واقع الأمر كانت هذه الحروب تجد ذرائع داخلية أيضاً لشنها، وبحيث يمكن القول إن الدوافع الخارجية للحرب لم تكن أقل أبداً من الدوافع الداخلية والبينية المحركة لها.
 
 
سابعاً: الصراع يرسم صورة العدو 
في الحرب، ثمة ضرورة لوجود خط فاصل واضح بين “نحن” و”هم”. تفترض الكثير من النظريات البيولوجية أن الحرب تشكل في أحد أوجهها تعبيراً عن الميل الفطري داخل الإنسان للتعلق بأفراد مجموعته وكراهية المجموعات الأخرى المغايرة. وتفترض كذلك أن الحروب تندلع بين مجموعتين متمايزتين سلفاً، وبينهما فقط.
 الحقيقة أن الصراع نفسه هو من يتولى رسم ملامح المجموعات وتحديدها. وتتباين فترات الصراع ومعها تتباين صورة العدو، ذلك أن الحلفاء من الممكن أن يتحولوا سريعاً إلى أعداء، والعكس صحيح. 
 
 
ثامناً: الحرب استمرار لسياسات داخلية بوسائل أخرى 
ينظر الناس للحرب باعتبارها مباراة يسعى فيها طرف إلى قتل طرف آخر، بينما يجري تجاهل الاعتبارات السياسية الداخلية لدى الطرفين. في الحقيقة الحرب بطبيعتها انعكاس لسياسات داخلية بقدر ما تعكس سياسات خارجية.
بعض الحروب تتسم بوحدة صف شديدة داخل أحد الطرفين أو كليهما، لكن هذا أمر نادر. أما الغالب في الحروب أن الوحدات السياسية الأساسية بكل طرف تظهر داخلها خلافات وانقسامات وتتسم عناصرها بقدرات متباينة على التأثير في مسار الأحداث ـ الأمر الذي ينطبق حتى على أكثر المجتمعات بساطة. والحرب ليست نتاجاً لوجهات نظر ومصالح مختلفة فيما يخص الشؤون الخارجية فحسب، وإنما أيضاً نتيجة لصراعات داخلية. 
 
 
تاسعاً: الحرب قد تحل مشكلات داخلية 
بالتأكيد لا يدعو القادة دوماً إلى الحرب، بل الغالب أنهم يحاولون تجنبها. ومع هذا، تحمل الحرب في الغالب تبعات يمكن استغلالها في تعزيز مكانة قائد ما، مثل أنها تزيد سهولة إدارة الأفراد وتقبلهم لمواقف معينة لم يكونوا ليقبلوا بها حال غياب العدو. 
ويحفل التاريخ بالكثير من القادة الذين شنوا حروباً لتفادي مشكلات داخلية عميقة تكاد تطيح سلطتهم، وفي المقابل ثمة من القادة من يقدرون خطورة قرار الحرب، ولا يستثمرون حالة القتال إلا في ما يحقق المصلحة الوطنية.
 
 
عاشراً: السلام أكثر من مجرد غياب الحرب
غالباً ما يفكر الناس في السلام باعتباره غياب الحرب، لكن الواقع يؤكد أن للسلام ديناميكية خاصة به، تتضمن أنماطاً سلوكية ومؤسسات اجتماعية وسياسية ومنظومات قيم تعزز التكافؤ والمساواة. 
لقد عايشنا في عالمنا المعاصر بالفعل نماذج مروعة لحفظ السلام لم تتجاوز في جوهرها وضع خط فاصل بين طرفين متحاربين دون تناول القضايا الأكثر صعوبة وعمقاً، والتي قادت إلى اندلاع العنف. وبذلك، كان الموقف بأكمله عبارة عن حرب في انتظار الاشتعال من جديد. 
 
 
والخلاصة أن الحروب تُشن عبر التاريخ لتحقيق مصالح عملية قد تصل في بعض الأحيان إلى حماية الوجود والمصير، ورغم وجاهة الذرائع القيمية والأخلاقية التي تُساق بموازاة عمليات القتال، فإنها ربما تعجز أحياناً عن التعبير عن الأهمية العملية لشن الحرب والتضحيات والتي تُبذل فيها.   
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1486

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره