مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-06-01

خرائط التأثير الجديدة

الدولة العربية تواجه تحديات التواصل مع مواطنيها
 
لا يمكن لأي دولة أن تُفعّل استراتيجياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من دون امتلاك القدرة على التواصل مع قطاعات الجمهور والتأثير في الرأي العام؛ لكن تحدياً ضخماً طرأ على هذه المهمة، وهو أمر يستلزم جهوداً وتركيزاً من أجل تجاوزها.
 
بقلم: د.ياسر عبدالعزيز
 
بسبب تطورات جذرية متسارعة طرأت على آليات صناعة المحتوى الإعلامي وتوزيعه، بموازاة اختراقات كبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، تغيرت طبيعة الإعلام تغيراً جوهرياً، منذ مطلع الألفية الثالثة، بشكل يمكن أن يربك الجهود التنظيرية التي سعت إلى إرساء وظائفه وأدواره إزاء العمليات السياسية والاجتماعية بأنواعها، ويفرض ضرورة إعادة النظر فيها.
 
وعلى عكس الكثير من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدها العالم في القرون الثلاثة الأخيرة، فإن التطورات التي طرأت على المشهد الاتصالي والإعلامي أثرت وتفاعلت في المنطقة العربية بشكل ملموس ومتوازن مع مناطق العالم المختلفة، بحيث ظهرت ثمارها سريعاً في البنية المجتمعية لمنطقة الشرق الأوسط مثل غيرها من مناطق العالم الأكثر نمواً.
 
واقع إعلامي جديد
بموازاة النسق الإعلامي «التقليدي»، تُبرز البيانات التالية ملامح المشهد الاتصالي الجديد في منطقة الشرق الأوسط.
فقد توصلت نتائج تقرير سنوي عن استخدام الأفراد على مستوى العالم لـ «الإنترنت»، وشبكات التواصل الاجتماعي، والهاتف المحمول، لعام 2018، إلى أن 304.5 مليون اشتراك بالهاتف المحمول تم تسجيلها بمنطقة الشرق الأوسط (من دون منطقة شمال أفريقيا)، على الرغم من أن عدد سكان المنطقة نحو 250 مليون نسمة، بما يفيد أن عدد الاشتراكات في الهاتف المحمول يتجاوز بوضوح عدد السكان.
 
ويظهر التقرير، الصادر عن منصة إدارة وسائل التواصل الاجتماعي «هوت سويت» في عام 2019، أن اشتراكات «الموبايل» تزداد بـ8 ملايين اشتراك، أي بنسبة نمو 2.7 في المئة لعام 2018، مشيرا إلى أن 182 مليون مواطن في الشرق الأوسط يصلون إلى «الانترنت» بنسبة 71 في المئة من سكان المنطقة.
 
ومن بين البيانات المثيرة للاهتمام، أن نسبة استخدام «الإنترنت» في الإمارات بلغت 99 في المئة، أما في الكويت فبلغت 98 في المئة، من إجمالي السكان.
وبخصوص مواقع التواصل الاجتماعي، بلغ عدد مستخدميها في الشرق الأوسط 136.1 مليون شخص، أي نحو %53 من عدد السكان، كما دخل ستة ملايين مستخدم جديد، وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2018، بنسبة نمو 4.7 في المئة.
 
وأشار التقرير إلى أن %46 من مستخدمي «الإنترنت» في الشرق الأوسط، يدخلون إلى حساباتهم على هذه المواقع عبر الهاتف المحمول، أي  118 مليون شخص.
وفي ما يتعلق باستخدام «الإنترنت» من خلال الهاتف المحمول، احتلت مصر مرتبة متقدمة من حيث متوسط ساعات استخدام الفرد لـ «الإنترنت» من الهاتف المحمول، حيث يمضي المستخدم ما مجموعه 3.5 ساعة يومياً، بينما الإمارات العربية المتحدة احتلت المركز الثاني، بمجموع 3.48 ساعة يومياً، ثم السعودية المركز الثالث بمجموع 3.35 ساعة يومياً في المتوسط.
 
تتسق هذه الأرقام مع تطورات عالمية مشابهة في المجال ذاته؛ إذ وصل عدد من يتصلون بـ “الإنترنت” في العالم إلى 4.34 مليار شخص، بنسبة 57 في المئة من مجموع سكان العالم البالغ 7.5 مليار نسمة.
 
وتوضح البيانات أن مستخدمي “الإنترنت” يمضون أكثر من ست ساعات ونصف الساعة يومياً على الشبكة عالمياً، ما يشير إلى  أن المجتمع الرقمي العالمي سيقضي أكثر من مليارين و200 مليون سنة على “الإنترنت” في عام 2019.
 
وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي آليات جذب لمستخدمي الإنترنت، إذ إن 45 في المئة من سكان العالم نشطون عليها، و3.2 مليار شخص يدخلون إلى وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهاتف المحمول.
 
ولا يتوقف رواد هذه الوسائط عن التزايد؛ إذ ارتفع عدد مستخدمي وسائل التواصل حول العالم بأكثر من 280 مليون مستخدم في عام 2018 .
 
وعند رصد نشاط الأشخاص على الإنترنت، أظهرت البيانات نمواً ملحوظاً في الإقبال على شبكة “الإنترنت” فالدقيقة الواحدة  شهدت ما يلي:
3.7 مليون عملية بحث على “جوجل”، 18 مليون رسالة نصية، 4.3 مليون مشاهدة فيديو على “يوتيوب”، 973 ألف تسجيل دخول في “فيسبوك”، 375 ألف عملية تنزيل تطبيقات “جوجل بلاي وأبل ستور”، 174 ألف تصفح على “إنستجرام”، و481 ألف تغريدة، 187 مليون بريد الكتروني، 38 مليون رسالة واتساب، 862 مليون دولار تسوق عبر الإنترنت، 266 ساعة مشاهدة على خدمة “نتفليكس” الرقمية.
 
سلوكيات رقمية 
يتوقع تقرير «هوت سويت» مستقبلا «سلوكيات رقمية جديدة»؛ مثل استبدال لوحات المفاتيح للأجهزة الإلكترونية بأوامر صوتية وكاميرات، وأن يهيمن المحتوى المرئي على شبكات التواصل الاجتماعي، فيما تقدم التقنيات الجديدة تجارب رقمية أكثر ثراء للناس في مختلف المناطق بالعالم.
 
يمكن القول، بعد استعراض البيانات السابقة، ورصد اتجاهات إنتاج المحتوى الإعلامي وتوزيعه، ومراجعة بحوث قياس أثر الرسائل الإعلامية، واتجاهات الحملات الإعلانية، إن الإعلام الذي اجتهدت البحوث الاجتماعية على مدى العقود الفائتة في تعيين دوره المفترض إزاء العمليات السياسية والاجتماعية بات إعلامين: الإعلام النظامي، والإعلام غير النظامي.
 
النسق الإعلامي الأول: الإعلام النظامي
يطلق بعض الباحثين على هذا النسق وصف «الإعلام التقليدي». ويُقصد به وسائل الإعلام التي عرفتها البشرية، ونشطت بقوة في القرن العشرين تحديداً أو ما قبله؛ مثل الصحيفة المطبوعة، والدورية، والتليفزيون، والإذاعة، وغيرها.
 
والواقع أن هذا التوصيف لا يُحكم تعيين مجال هذا «الإعلام النظامي»، ولا يسهل فصله عن النسق الثاني.
 
والأجدى هو اقتصار تعريف الإعلام النظامي على هذا الإعلام الذي يصدر عن مؤسسات إعلامية مُسجلة، وخاضعة في أدائها لنمط من أنماط المحاسبة والمساءلة العمومية، ويمكن بسهولة مخاطبتها ومحاولة التأثير في أدائها.
 
ووفق هذا التعيين، سيشمل «الإعلام النظامي» جميع الصحف، والمجلات، والدوريات، ومحطات التليفزيون، والإذاعات، ومواقع «الإنترنت»، طالما كانت مُسجلة، أو حاصلة على تصريح أو ترخيص، وتخضع لنمط من أنماط ضبط الأداء والمساءلة، من جهة عمومية تم إنشاؤها بقانون.
 
النسق الإعلامي الثاني: «الإعلام غير النظامي»
مع الأخذ في الاعتبار، أنه لا توجد حدود مادية فاصلة بين النسقين، ولا يوجد أي مانع لتبادل المحتوى بينهما، يُصعب جداً بسبب هذين الاعتبارين تعيين مجال تأثير أي منهما على نحو محدد.
ويمكن تعريف «الإعلام غير النظامي» بأنه جميع عمليات إنتاج المحتوى الإعلامي، وبثه، ونشره، وتوزيعه، من قبل جهات إنتاج غير نظامية، وغير مسجلة لدى الهيئات العمومية الضابطة للأداء الإعلامي، وهي عمليات إنتاج يمكن أن يقوم عليها أفراد عاديون أو مجموعات عمل من الهواة أو المحترفين، ولا تخضع إلى أي نمط من أنماط المراجعة والمساءلة والضبط إلا ما تقرره لذاتها، أو يجرمه القانون، أو يخرق المحددات والقيود المعمول بها لدى شركات التكنولوجيا العملاقة المشغلة لوسائط التواصل الاجتماعي.
 
واستناداً إلى ذلك، يتضح أن النسقين الإعلاميين (النظامي وغير النظامي) ينشطان في بيئة التأثير في الوعي الجمعي لأفراد الجمهور في المنطقة العربية على التوازي، ويتبادلان المحتوى وأدوات العمل أيضاً، كما يؤثران في العمليات السياسية والاجتماعية بدرجة واضحة.
 
تحديات جديدة
إلا أن ازدهار الوسائط الجديدة حمل معه تحديات على النحو التالي: 
1. زيادة كبيرة في نمط الاعتماد على وسائط الإعلام غير النظامية (السوشيال ميديا خصوصاً) في التزود بالأخبار والمعلومات وبلورة الآراء ووجهات النظر حيال التطورات السياسية والاجتماعية. 
2. ارتفاع مطرد في نسب التعرض للوسائط غير النظامية على حساب الوسائط التقليدية، بشكل يؤدي إلى اختلال التوازن الحاصل بينهما الآن. 
3. في كثير من المناطق، أدى ظهور وسائل إعلام جديدة لاحتدام المنافسة الإعلامية، الأمر الذي خلق صعوبة كبيرة في إيجاد صحفيين محترفين ومدربين، ما أثر سلباً في القدرة على الالتزام بالقواعد والمعايير المهنية. 
4. تبرز إلى جانب ذلك التحديات طويلة الأمد المرتبطة بحرية وسائل الإعلام النظامية واستقلالها، وقدرتها على توفير عائدات في ظل منافسة شرسة مع القطاع غير النظامي على عوائد الإعلانات. 
5. وفق أحدث التقارير الموثوقة، فإن عائدات الإعلان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتوزع مناصفة بين الوسائط النظامية والوسائط غير النظامية (الإعلام التقليدي والإعلام الجديد)، لكن الإشكال يكمن في أن نسب عائدات الإعلان تتزايد في قطاع «السوشيال ميديا» بوتيرة كبيرة بينما تعاني ثباتاً أو تراجعاً في وسط وسائل الإعلام التقليدية، ما يعني، في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، تقلص قدرة الوسائط التقليدية على الاستمرار في العمل والمنافسة، وإضعاف قدرتها في تبني استراتيجيات سياسية واجتماعية.
 
مصدر للأخبار
تفيد دراسة حديثة أجرتها جامعة أوريجون الأمريكية Oregon عن مؤشرات مواقع التواصل الاجتماعي، قام بإعدادها الباحثان: “داميان رادكليف”، و”بايتون بروني” أن ثلثي الشباب العربي (%63 تقريبًا) يقولون إنهم يتجهون إلى “فيسبوك” و”تويتر” أولًا للحصول على الأخبار، ونصف تلك النسبة تتركز بين الشريحة العمرية من 18 إلى 24 عامًا. وقد ارتفعت نسبة مَن يعتمدون على فيسبوك كمصدر للأخبار بمقدار في عام واحد فقط.
 
وتؤكد شواهد موضوعية عديدة هذا الاتجاه، الذي يكرس وسائط التواصل الاجتماعي (النسق غير النظامي) باعتبارها المصدر الأكثر نفاذاً وانتشاراً للتزود بالأخبار، وما يصاحبها بالطبع من تحليلات وصور وانطباعات وآراء.
 
يقود هذا التغيير الجوهري في نمط الأداء الإعلامي المواكب للعمليات السياسية والاجتماعية وآليات التأثير في الجمهور وطبيعة التزود بالرسائل إلى ضرورة اجتراح آليات جديدة للتعامل مع وضع جديد.
تحتاج الدولة العربية إلى تعزيز آليات التواصل بينها وبين قطاعات الجمهور، وخصوصاً شرائح الشباب التي تشكل النسبة الأكبر والأكثر فاعلية بين هذا الجمهور، ولكي يحدث ذلك؛ ستكون الدولة العربية معنية بإعادة تشخيص هذه الآليات، واختبار مواطن النفاذ والتأثير فيها، والتفاعل مع قطاعات من المؤثرين الجدد، الذين يمكن أن يكونوا أفراداً من الهواة، أو يكونوا من غير محددي الملامح، وهو أمر ينطوي على صعوبات كبيرة، لكن تجاهله ستكون له عواقب وخيمة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-07-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2016-11-01
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره