مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-04-02

جيوش العالم تتصدى لكورونا

تمتلك إطار كفاءات واسع وقدرة على إدارة الأزمات
 
في 16 مارس 2020، كان فيروس “كورونا” يضرب أصقاعاً مختلفة من العالم، لكن تركيزه الرئيس بدا منصباً على قلب أوروبا، بعدد إصابات ووفيات فاق ما حدث في الصين مكان انطلاقه، وفي هذا اليوم تحديداً، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطاباً مهماً؛ وكان أبرز ما فيه قوله: “نحن في حالة حرب”.
 
بقلم:ياسر عبدالعزيز
عند درجة معينة من تفشي الجائحة، وجد الرئيس الفرنسي أن بلاده باتت في حالة حرب فعلية؛ لذلك فقد أقدم على اتخاذ قرار مهم، سيتخذه لاحقاً عدد من الرؤساء والقادة في مناطق مختلفة من العالم؛ إذ أعلن إطلاق عملية عسكرية باسم “مرونة” Resilience، بناء على اقتراح من وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان؛ وهي عملية تُكلف خلالها القوات المسلحة بدعم السكان، وتعزيز الخدمات العامة المقدمة لهم للتعامل مع الوباء، وتوفير المزيد من الدعم اللوجستي والطبي للسلطات المدنية، ونقل المرضى والإمدادات، واستخدام الطائرات المروحية في الإجلاء الطبي، وإقامة المشافي الميدانية.
 
وبموازاة إطلاق العملية “مرونة”، حرص ماكرون على التأكيد أن ذلك التكليف لن يؤثر في قدرة القوات المسلحة في بلاده على القيام بمهامها الحيوية، ومن ذلك استمرار العملية الرئيسة “الحارس” Sentinel، المخصصة لمكافحة الإرهاب.
 
يشير إعلان ماكرون إلى عدد من العناصر المهمة في ظل تصاعد خطر “كورونا” فيما يخص أدوار القوات المسلحة؛ أولها أن خطر هذا الفيروس يفرض تحدياً كذلك الذي تفرضه الحرب، وثانيها أن دوراً للقوات المسلحة في تلك المواجهة مطلوب وضروري وفعال، وثالثها أن الجهود التي تبذلها القوات المسلحة في إطار تلك المعركة ضد “كورونا” لا يجب أن تعوقها أو تخصم من جهودها الرئيسة المتمثلة في الدفاع عن أمن البلاد.
 
إطار كفاءات وقدرات واسع
لطالما لعبت الجيوش النظامية أدواراً مؤثرة ومهمة في مواجهة الكوارث الطبيعية والبيئية والصحية. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، فإن الجيوش الأكثر تنظيماً وكفاءة كانت جزءاً من الإجراءات والتدابير الحكومية في مواجهة الأوبئة والكوارث عادة.
 
تُعرف الكارثة بأنها “”حادث أو خطر كبير يُحدث دمارا أو معاناة عميقة ومأساوية. وهي كل حادث مفاجئ غالبا ما يكون بفعل الطبيعة ويهدد المصالح القومية لبلد ويخل بالتوازن الطبيعي للأمور؛ ويتطلب مواجهتها اشتراك جميع أجهزة الدولة في التصدي لها”.
 
وانطلاقاً من هذا التعريف يتضح أن “كورونا” بوصفه كارثة، يمثل تهديداً للمصالح القومية في كل دولة يسجل فيها إصابات مؤثرة، وهو الأمر الذي يستلزم اشتراك كافة مؤسسات الدولة في مواجهته.
 
تمتلك الجيوش إطار كفاءات وقدرات يساعد في مواجهة الأزمات والكوارث الخطيرة، حتى وإن كانت ذات بعد طبيعي أو بيئي؛ كما حدث حين انخرطت القوات المسلحة الأمريكية في جهود مكافحة إعصار كاترينا في 2005، وإعصار ساندي في 2012، وحين تفشى وباء إيبولا في 2015.
 
تتميز أنظمة الدفاع عادة بعدد من السمات التي تتحول إلى مزايا مهمة في أوقات مواجهة الأزمات والكوارث؛ ومن تلك السمات انطواؤها على قدرات إدارة أزمة متقدمة.
جزء أساسي من التعليم الذي يتلقاه الضباط والدورات التدريبية التي يخضع لها القادة كمسوغ للترقي داخل المؤسسات العسكرية يتعلق بفهم الأزمات وتعزيز مهارات إدارتها؛ وهو أمر يصعب جداً توفيره في كل مؤسسة مدنية.
 
وتتسم القوات النظامية المسلحة كذلك بامتلاكها القدرة على إنجاز المهام المتنوعة على التوازي وبنتائج قابلة للقياس وفق بيان مهمة واضح؛ وهي قدرة ومهارة تحرص إدارات الجيوش على ضمان تعزيزها لدى منسوبيها.
 
تمتلك القوات المسلحة أيضاً موارد لوجستية مثل الوقود، ووسائل النقل، والغذاء، والماء، والدواء، وغيرها من المواد والمتطلبات التي يمكن أن تعاني الدول من نقص فيها خلال الأزمات. بسبب طبيعة القوات المسلحة، وطبيعة المهام التي تتصدى لها، فإن التأمين اللوجستي لها يجب أن يحتل موقعاً متقدماً؛ وهو أمر يبدو نادراً بين مؤسسات الدولة الأخرى في أوقات الكوارث.
 
القدرة على الانتشار
عندما تضرب الأزمات الأوطان، فإن القوات المسلحة تكون صاحبة قدرة نادرة على الانتشار الفوري في أعماق البلاد؛ وهو أمر تتحه لها قدراتها اللوجستية ونزعتها التنظيمية ودورة العمل فيها.
 
كما تمتلك الجيوش الوطنية أيضاً القدرة على مخاطبة الجمهور في أي وقت، وليس هذا فقط، لكنها عادة ما تنجح في الحصول على الامتثال والمطاوعة خلال أوقات الأزمات. وفي بعض الأحيان يتطلب الأمر في مواجهة كوارث وأزمات قدراً من الحزم والصرامة، وهو أمر يقبله السكان عندما يصدر عن القوات المسلحة، بسبب الثقة التي عادة ما تحظى بها تلك المؤسسة.
تستطيع القوات المسلحة في أوقات الأزمات وعند استفحال المخاطر أن تتولى القيادة على المستوى الوطني أو الإقليمي، بفضل ما يتوافر لها من قيادات مدربة وبرامج عمل مجهزة وخطط إدارة ومواجهة معدة سلفاً.
 
كما يمكنها أن تعين وتدرب وتجهز القوى العاملة المطلوبة من المدنيين وفق خطط محكمة وفي أوقات محدودة، كما يمكنها أن تستخدم الموارد العامة أو تقنن استخدامها وتفرض احترام السكان لمبادئ هذا التقنين.
 
وبموازاة تلك الأدوار كلها، فإن قدرة القوات المسلحة على حفظ الأمن الداخلي معروفة، وقد تمت البرهنة عليها في عدد كبير من الدول التي شهدت انتفاضات أو تمرداً أو أعمال شغب وفوضى واسعة، كما أن السياسات والممارسات التي تصدر عنها في مجال مكافحة الجرائم الداخلية تبدو أكثر صرامة من تلك التي تتبعها الأجهزة الأخرى.
لذلك، فإن القدرة على ضمان الأمن وحفظ النظام العام وتنفيذ تدابير الصحة العامة؛ مثل العزل والحجر والحظر، كلها عوامل تندرج ضمن إطار كفاءات وقدرات القوات المسلحة.
 
محددات وقيود
في شهر فبراير 2020، أعلن الكولونيل إدوارد بالانكو، قائد إحدى الوحدات الأمريكية العاملة في كوريا الجنوبية، عبر فيديو قام ببثه، تشخيص إصابة أحد جنوده الذي يدعى جاريسون دايجو بفيروس كورونا.
تنشر الولايات المتحدة نحو 75 ألف عسكري خارج أراضيها في مناطق باتت متضررة بوضوح من فيروس “كورونا”، لذلك فقد بات من المتوقع أن تشهد صفوف العسكريين الأمريكيين خارج البلاد، وربما داخلها، مزيداً من الإصابات.
 
وفي الفيديو الذي وجهه الكولونيل بالانكو لجنوده برز قوله: “دعونا نعيد تجميع صفوفنا ونهاجم الفيروس”؛ وهو قول يشير إلى أهمية أن تنتبه القوات المسلحة لعدم اختراق الأزمات والكوارث لصفوفها، فإذا كانت تلك الأزمات تتمثل في وباء ما، فإن أول محددات دور القوات المسلحة وأول القيود على دورها المفترض في مجابهة الأزمة يتعلق بمدى قدرتها على البقاء حصينة ضد اختراق الوباء لصفوفها.
 
لذلك، فقد كان لافتاً أن يتحدث وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر أمام الكونجرس في نهاية شهر فبراير 2020، قائلاً: “الأولوية لحماية شعبنا، وأفراد القوات المسلحة وعائلاتهم، ثم التأكد من أننا نحمي قدرتنا على إنجاز مهمتنا”.
 
في العام 1918، مني الجيش الأمريكي بخسارة فادحة، حين استفحل وباء الأنفلونزا بين عناصره، حيث انطلقت الجائحة من الجيش وانتشرت لاحقاً بين المدنيين.
وبسبب هذه الكارثة، فقد تكونت لدى القوات المسلحة الأمريكية خبرات كثيرة في التعامل الصحي والإداري والقانوني في مثل تلك الحالات، لذلك فإن القوات المسلحة في الدول التي تشهد انتشاراً للفيروس عليها أن تجعل حرصها الأساسي منصباً على حماية قواتها من الاختراق، لأن في ذلك حماية لقدرتها على القيام ببقية مهامها.
 
الجيوش تتحرك
لم يكد شهر مارس 2020 ينقضي حتى تلقت جيوش الصين والأردن والسلفادور وإيطاليا وغيرها الأوامر بالتحرك والانخراط في التصدي لأزمة “كورونا”.
ويقول الكولونيل مارك كانسيان، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن الأدوار التي تلعبها هذه الجيوش يمكن أن تحد بدرجة كبيرة من تداعيات انتشار الفيروس، وأن تمكن تلك البلدان من احتواء مخاطر كبيرة.
 
ويشير كانسيان إلى ضرورة أن تنطلق الجيوش في مهامها ذات الطبيعة المدنية لمواجهة الوباء من وضع قانوني سليم، وأن تحظى باعتمادات مالية إضافية تهيئ لها الإنفاق على جهودها المستحدثة، مذكراً في هذا الصدد بالاعتمادات المالية التي وفرها الكونجرس للجيش عند تكليفه بالتصدي لانتشار حرائق الغابات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الحالات التي تم الطلب فيها إلى الجيش أو الحرس الوطني المشاركة في جهود الإنقاذ والإغاثة.
 
للمؤسسة العسكرية مكانة فريدة تؤمن لها قدراً من الثقة العامة في معظم دول العالم، وبسبب إطار كفاءاتها وقدراتها الواسع، فإن إمكانيات نجاحها في احتواء تداعيات الكوارث والأزمات غير العسكرية، أو الحد منها، كبيرة، وهذا الأمر يتطلب أولاً أن تحصن نفسها من مخاطر تلك الكوارث، وأن تحظى بالاعتمادات المالية اللازمة، والغطاء القانوني لدورها.
يبدو أن العالم فعلاً في حالة حرب كما قال الرئيس الفرنسي ماكرون، وفي تلك الحرب سيكون للجيوش دور حيوي.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-04-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2014-11-17
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره