مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-10-11

المؤسسة العسكرية تاريخ ومحطات تستحق التأمل والتصفح والتدبر

نظريات الفن العسكري والنظريات الإستراتيجية ونظريات الحرب التشغيلية ونظريات التكتيكات تركز علي شرح وتعاقب وطرائق وتخطيط وإعداد وتنفيذ الإجراءات الرامية إلى تحقيق الأهداف العسكرية.
 
 بقلم: اللواء الركن (م) / خالد محمد عابدين 
 
الدراسة التاريخية للمؤسسة العسكرية تركز علي التطور التاريخي للقوات المسلحة وطرق إدارة الحرب خاصة في النواحي التى أحدثت تغيراً جذرياً في التنظيم والتسليح والفكر العسكري، كما أن دراسة التاريخ العسكري سيكشف النقاب عن ما سيكون عليه مستقبل المؤسسة العسكرية، فقراءة التاريخ العسكري والتمعن فيه من حين لاخر يسمح للقادة العسكريين تجنب الوقوع فى اخطاء الماضى.
 
المؤسسة العسكرية فى العصور القديمة 
نشأت مع نمو الحضارات فى أودية نهري دجلة والفرات فى آسيا وفى وادى النيل بأفريقيا عام 2200 ق.م، حيث كون البابليون جيشاً من حملة الرماح ورماة القوس والسهم. وفى عام 2500 ق.م إستخدم السومريون الذين إستوطنوا جنوب بابل مركبة حربية ذات عجلات فى البداية تجرها حمر وحشية صغيرة الحجم، ثم استبدلت الخيول بها فيما بعد، عندما إستخدمها أحمس الأول قائد الجيش المصرى الذى طرد الهكسوس، وهو مؤسس الأسرة الفرعونية الثامنة عشر، ثم تطورت هذه العربات فى عهد الأسرة الفرعونية الثامنة عشر، وفى عهد رمسيس الثاني أثناء حربه ضد الحيثيين.
 
فى القرن السابع قبل الميلاد أدخل قدماء الإغريق الكردوسة وهى أول تشكيل تكتيكى مهم فى التاريخ العسكرى، وفي هذا التشكيل حملة الرماح يرتدون الدروع الواقية ويقفون فى أربعة صفوف، طول الصف (50) رجلاً مكونين بذلك مستطيلاً مترابطاً، وعلى الرغم من إمكان إستخدامها فى الهجوم إلا أن الكردوسة أبتكرت كتشكيل دفاعى.
 
فى القرن الرابع قبل الميلاد قام الإسكندر الأكبر ملك مقدونيا وثانى الفاتحين فى العالم، بابتكار أول نظام تموين عسكرى عرفه العالم، وقد قام الرومان بتطوير ثاني أعظم تشكيل تكتيكى، وفى بدايات القرن الرابع قبل الميلاد إبتكر الرومان الفيلق، وقد كان ذو تشكيل مستطيل وأكثر مرونة من الكردوسة وكان يتكون من ثلاثة خطوط من الكراديس الصغيرة المسماة قطعاً أو فيما بعد كتائب.       
 
المؤسسة العسكرية فى العصور الوسطى
بعد إنهيار الإمبراطورية الرومانية فى حوالي عام 476م لم تكن لأوروبا جيوشاُ نظامية كبيرة لعدة مئات من السنين، فلقد كان المحاربون هم أولئك الذين إكتسحوا الإمبراطورية من رجال القبائل الأحرار الأقوياء فى البنية الجسمانية، وفى هذه الفترة بدأ تقليد المليشيا في الظهور.
 
بدءاً من القرن الهجري السابع الميلادي، إنطلقت الجيوش الإسلامية فى فتح البلدان شرقاً وغرباً مطورة أساليب الهجوم  بالمشاة والجنود والخيالة (الفرسان)، ثم أصبحت أغلب القوات من الخيالة، ويستخدم المحاربون السيوف والرماح والسهام، وابتكر أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إبان فترة حكمه فكرة القوات الإحتياطية الراكبة، والتى يدفع بها فى المواقف الصعبة لحسم المعارك، وفى العصر الأموي إستخدم العرب المنجنيق، كما كانت لهم أساليب حربية متميزة تقوم على عناصر الخداع والمباغتة والدوران حول الخصم والإستدراج.
 
كذلك عرف العرب مبكرا تقسيم الجيوش النظامية إلى مقدمة وميمنة وقلب وميسرة وظهر، ونفذوا عمليات التموين والإسعاف، وكانت للخلفاء وصايا حكيمة لقادة الجيوش تعلمهم أساليب الحرب الشريفة، وترشدهم إلى طرق معاملة الجنود والأسرى وسكان البلاد المفتوحة. 
 
فى القرون الوسطى فى الغرب نشأ المجتمع على قاعدة من العلاقات العسكرية حيث نظم ملاك الأراضي جيوشهم الشخصية الخاصة من عمالهم، وكان هؤلاء العمال غير المتفرغين يقاتلون في وقت الحرب لفترات محددة وفى مهام محددة فى الدفاع الداخلي، غير أن الحكام وجدوا أنه من الصعوبة بمكان تنظيم الجيوش الإقطاعية على نحو فعال، فبدؤوا يستأجرون المرتزقة الذين كانوا يستخدمون القوس والسهام والأسلحة الأخرى التى تدربوا عليها فى ديارهم.
 
  فى أواخر العصور الوسطى كان الرماحون السويسريون، ورماة القوس والسهام هم اشهر المرتزقة، وفى القرن الرابع عشر الميلادي جرى تشكيل المرتزقة فى ألمانيا وإيطاليا وسويسرا فى اول سرايا عسكرية، وفيما بعد أصبحت السرية الوحدة الأساسية فى العديد من الجيوش.
 
أما فى القرن الرابع عشر الميلادى أصبح الأتراك العثمانيون أول شعب بعد الرومان ينشئ جيشاً من قوات متفرغة للعمل العسكرى، وكانت القوات العثمانية المسماة بالإنكشارية تعمل فى وقت السلم والحرب على السواء. وفى عام 1445م استأجر الملك شارل السابع ملك فرنسا سرايا من المرتزقة للعمل بصفة دائمة وأنشأ فيما بعد أول جيش نظامي تعرفه أوروبا منذ العهد الروماني.
 
إن الكثير من التنظيمات العسكرية الحديثة يرجع أصلها إلي المشاة والفرسان الألمانية فى القرن الخامس عشر الميلادى، وقد بنى الألمان تنظيمهم على غرار الجيوش الإنجليزية المرتزقة المعروف بإسم السرايا الحرة والمرتزقة السويسرية، كما نظم الألمان أيضاً أول وحدات تموين لقواتهم القتالية، حيث كانت الجيوش البدائية تقتات من الأرض التى تقاتل فيها، ولم تكن تملك تنظيمات تموين منفصلة، حيث أنشأت الفرسان الألمانية فى القرن السادس عشر الميلادي مكتباً للإمدادات والتموين لتأمين السكن والطعام.
 
لقد عجل إختراع البارود بتطوير تنظيم الجيوش وتكتيكها، وقد بدأ إستخدامه فى المدافع بأوروبا أثناء القرن الرابع عشر الميلادي، حيث إستخدم الجنود الإنجليز أول مدافع فى معركة (كريسي) عام 1346م، وهى مدافع ترمي بالحجارة، مما جعلها غير فعالة فى الرماية وبطيئة الحركة، ومع إتساع نطاق إستخدام البارود طورت الجيوش مدافع لها من الفعالية ما يهد ويهدم جدران الحصون السميكة. 
 
ظهور المؤسسة العسكرية الحديثة
فى أواخر القرن السابع عشر الميلادى كان المشاة المسلحون بحراب (السنكي) يدافعون عن انفسهم ضد هجمات الفرسان دون الاعتماد على الرماحين، وكان الجنود يقفون فى ثلاثة صفوف حسب الصنف فى تشكيل يسمى الخط وكان الجنود المشاة يطلقون في  آن واحد نيران بنادقهم علي مدى قصير.
 
فى القرن الثامن عشر الميلادى إستمرت معظم الدول فى بناء جيوشها بالتجنيد التطوعي، لا سيما فى أوساط الفقراء والمتعطلين عن العمل، فاصبحت الجيوش جماعات محترفة، قوامها جنود مشاة جيدو التدريب تسندهم المدفعية والفرسان، ولقد إتبعت معظم الدول نظماً معينة فى الحرب، فلم تجرد الحملات إلا عندما يكون الطقس لطيفاً، وكان الجنود يأوون إلى سكنهم فى الشتاء ولا يخرجون للقتال إلا فى الربيع، وكانوا يحاولون الحصول على موقع مناسب قبل مهاجمة عدوهم، كما كان القادة الذين يفاجأون فى مواقع غير مواتية كثيراً ما يختارون الإنسحاب بدلاً من القتال حتى النهاية.
 
فى أواسط القرن الثامن عشر أدخل (فريدريك الكبير البروسى) مزيداً من خفة الحركة على فن الحرب، فكان عندما يفوقه أعداؤه عدداً ينقض عليهم بسرعة وعلى نحو غير متوقع، وقد وجد (فريدريك) نفسه مضطراً لخوض حروب على عدة جبهات فى آن واحد، مما حمله على التحرك بسرعة لمهاجمة جيش واحد قبل أن يتمكن هذا الجيش من الإتحاد مع جيوش أخرى لمهاجمته.
 
تبنت الحكومة الفرنسية نوعاً من التجنيد الإجبارى عام 1792م، فقد جند (نابليون بونابرت) جيوشاً جرارة بصورة إلزامية لغزواته، وقسمها إلى فرق تتحرك كل منها بمعزل عن الأخرى، ولكنها تتحد جميعا للقتال. وكان (نابليون) يحشد كل مدافعه الثقيلة ليصب حمماً من النيران على نقطة واحدة من خطوط العدو، ولقد إضطر أعداء نابليون أن يتبنوا التجنيد الإجبارى لتطوير جيوش وطنية لإلحاق الهزيمة به.
 
كان من شأن نمو حجم الجيوش أن جعل التنظيم ضرورياً للسيطرة على القوات من بعد. ولم يكن من السهل توجيه ذلك العدد من الوحدات العسكرية فى الميدان بصورة شخصية إلا لعبقرية عسكرية كنابليون. وفي عام 1840م فصاعدا أخذت السكك الحديدية الإنتشار فى أرجاء أوروبا، و أيقن (البروسيون) أنهم يستطيعون نقل الجيوش بسرعة أكبر بالسكك الحديدية.
 
فى القرن التاسع عشر أدت الثورة الفرنسية إلى إنتاج الأسلحة والذخائر على نطاق واسع، ثم جاءت فيما بعد بإختراع الطائرة والعربات المزودة بالمحركات، وقد استطاع القادة توجيه جيوشهم فى مناطق متباعدة من جبهات ا لمعركة بأجهزة اللاسلكي ووسائل الإتصالات الاخرى.    
 
المؤسسة العسكرية فى الحربين العالميتين 
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، أصبح المدفع الرشاش السلاح المهيمن على ميدان المعركة، وقد جعل إستخدام المدافع الرشاشة من حرية الحركة أمراً مستحيلاً على الجبهة الغربية، مما إضطر كلاً الطرفين الى حرب الخنادق. فعندما تجد قوات المشاة  التقدم نحو العدو مستحيلا، كانت تتخندق للتمسك بمواقعها.
 
حاول القادة الميدانيون وضع نهاية لحرب الخنادق وتحقيق خفة الحركة التكتيكية، فكانوا يرجمون ويخصفون خطوط العدو، ويتبعون ذلك بهجمات مكثفة بالحراب المركبة على البنادق، غير أن هذه الهجمات التى استمرت لثلاث سنوات باءت بالفشل فى النهاية، وإذ بقيت خنادق الجبهة الغربية صامدة تماماً، ولم يمضى وقت طويل حتى عثر قادة الجيش علي حل، وإن كانوا قد إستخدموه على نحو خاطئ وفى وقت متأخر، فلقد طور الانجليز عربة مدرعة مجنزرة ذات محرك يعمل بالبنزين، كما صنعوا أول دبابة عسكرية.
 
حلت الدبابات فى النهاية محل فرسان الخيالة وفى تلك الحرب استخدمت الطائرات لأول مرة لمساندة القتال على الأرض.  وفى الحرب العالمية الثانية استطاعت الدبابات والطائرات أن تعيد خفة الحركة إلى الحروب، ولقد طور الألمان الحرب الخاطفة، وكانت الدبابات والقاذفات تبدأ بقصف دفاعات العدو لتصنع ثغرات كبيرة، ومن ثم يتدفق المشاة من خلال الفجوات والثغرات لتنقل الحرب إلى عمق أرض العدو، وقد شهدت الحرب أيضاً أول إستخدام للجيوش المحمولة جواً فى عمليات واسعة النطاق.
 
فى الحرب العالمية الثانية طورت الجيوش فن التجهيزات العسكرية (المؤن والخدمات) العسكرية الى مستوى رفيع، فقد تمكنت من تنظيم قيادات ضخمة مهمتها توفير الأطعمة والألبسة والأسلحة والمؤن والنقل للقوات المقاتلة، و يعزى نصر الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية جزئياً ًإلى تفوقهم فى التجهيزات العسكرية وفى الإنتاج الصناعي المدني.   
 
المؤسسة العسكرية فى العصر النووي   
 وضعت الحرب العالمية أوزارها بعد وقت وجيز من إسقاط الطائرات الحربية الأمريكية قنابل نووية على المدينتين اليابانيتين (هيروشيما وناجازاكى)، ولم يؤدى ذلك الى القصف الى إستسلام اليابان فحسب، بل شكل خط البدء للعصر النووي.
 
أحدثت الأسلحة النووية تغييرات كاسحة فى الحرب، ولقد شك بعض الخبراء العسكريين فى البداية فى أهمية تلك الأسلحة فى ميدان المعركة، فقد كانت الأنواع البدائية من الروؤس النووية ترمى فقط من قازفات تطير على ارتفاعات عالية، وهذا النوع من الرمي لم يكن من السهل إستخدامه فى ميدان المعركة، بل أعتبر وقفاً على الأهداف الإستراتيجية فحسب، وفى بدايات الستينيات من القرن العشرين طورت الجيوش مدافع نووية وصواريخ موجهة قصيرة المدى وصواريخ بالستية، ولقد تغير تفكير العديد من الخبراء حول الإستخدام التكتيكى للأسلحة النووية.
 
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظل الخوف من إنفجار حرب نووية حائلا يمنع الجيوش الكبرى من استخدام الأسلحة النووية، ونتيجة لذلك لم تخرج الحرب عن طبيعتها التقليدية فى العصر النووى. وكانت الحرب الكورية التى إندلعت عام 1950م أول صراع رئيسي، وكان معظم القتال فى هذه الحرب من نصيب الجيوش الكبرى، وفى الستينات والسبعينات من القرن العشرين إزداد عدد الأسلحة النووية وأنواعها وقدرتها ازدياداُ لافتا للأنظار، ومع ذلك إستمرت الجيوش فى إستخدام التكتيكات والأسلحة التقليدية فى الحرب. 
 
بدأت جيوش الدول الكبرى بمنتصف سبعينات القرن العشرين فى حسم الصراعات بواسطة حروب قصيرة الأمد كثيقة العمليات، وكان للتطور الكبير فى صناعة الحواسيب وغيرها من الأجهزة  الإلكترونية أثراَ كبيراً على الجيوش الحديثة، حيث نلاحظ الآن أن كثيراً من الجيوش تستعين لإنجاز مهامها بصور الأقمار الصناعية والأجهزة التى تلتقط الصور الحية من ميادين القتال والمعارك، كما أنها تستعين بوسائل الإتصالات المتطورة التى تعينها على تلقي الأوامر من الزعماء السياسيين والعسكريين.
 
كذلك إهتمت الجيوش بالتعبئة الإستراتيجية أى القدرة على نقل الجنود والعدد و العتاد إلى أى بقعة وفى وقت قصير مستخدمه السفن السريعة وطائرات النقل العملاقة ففى عام 1990م إستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية نقل 200,000 جندي امريكي بكامل عتادهم إلى منطقة الخليج العربى.    
 
الخاتمة 
عندما يقوم القادة بدراسة التاريخ العسكرى بشكل دقيق فبإمكانهم إحداث تطور فى تكوين وأساليب الجيوش التكتيكية والاستراتيجية فالأفكار الإبداعية فى اغلب الأحيان تأتى من أفكار قديمة يتم تنقيحها وإدخال بعض الإضافات عليها، فالعقل البشرى يعطى بسخاء عندما يتوفر له أرشيف غني بالمعلومات والتجارب، و يقول المارشال (فوش): لكي تغذي دماغ جيش من الجيوش فى أيام السلم وتجعله يتجه باستمرار نحو الحرب فليس هناك كتاب أخصب من التاريخ العسكري).
 
تأملات وتصفح التاريخ العسكري يتيح للباحثين مراقبة تطور العقائد العسكرية وما يرتبط به من التطور فى التسليح والعتاد والهيكليات العسكرية، والأساليب التكتيكية والإستراتيجيات عبر الزمن مما يؤهل لمعرفة وإدراك طبيعة معارك المستقبل وكيفية تشكلها وحدوثها. يقول الجنرال الأمريكى (ماك أرثر): (لنكتشف المستقبل علينا أن نبحث فى الماضى، ليس لنختلى به، بل لنحضر لحرب حديثة، وإيجاد العلاج المناسب لخطأ تم اكتشافه). 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-10-07 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره