مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-05-01

السياسة والحرب على رقعة شطرنج

تحلو لكثيرين استعارة لعبة «الشطرنج» في ترتيبات السياسة، وتجهيزات الحرب والتخطيط لها، وهي في هذا ربما تكون أقرب الألعاب التي تؤدي دورها هذا في صمت وبراعة، وإن كانت تقوم بتصوير السياسات الدولية على أنها «عقلانية» و»منتظمة» و»هادئة» وتصوير الحرب على أنها ممارسة بشرية تمضي بإحكام شديد، حيث يتمكن القادة العسكريون من أن يحققوا في ميادين القتال كل ما دار في عقولهم، وفكروا فيه مليا، قبل النزال المهول، وهذا أمر فيه الكثير من الخيال.
 
بقلم: د. عمار علي حسن
 
وقد ولدت لعبة الشطرنج في حضن تصور فلسفي يرى أن «السياسة عقلانية» إلى حد بعيد، إذ 
يقال إن ملكا هنديا يدعى بلهيث أراد اختراع لعبة تعتمد على العقل الصرف بدلا من لعبة فضلها ملك هندي سابق هو باهبود تعتمد على الحظ والعقل معا وهي “الطاولة” أو “النرد”، من منطلق إيمان الملك اللاحق بأن العقل وحده محرك الحياة، فجاء “الشطرنج” معبرا عن فلسفته تلك. وهذا النزوع العقلاني ربما هو ما دفع وزير المالية الألمانية بيير شتاينبروك، الذي  تمنى لو نازل نابليون بونابرت في لعبة الشطرنج، أن يرى أن هناك أشياء مشتركة تربط الشطرنج والسياسة حيث قال: «كل منهما له علاقة بالتخطيط الاستراتيجي حيث يتحرى الشخص موقفه أولا ثم يضع نفسه محل الخصم ليعرف ماذا ينوي فعله في الخطوة التالية».
 
لعبة ملكية
وإذا كان «الشطرنج» هو لعبة الملوك المفضلة فهو كذلك لعبة العموم التي تمكن خيالهم من التحليق بعيدا عن القاع، لينصبوا أنفسهم، طيلة وقت اللعب، قادة وملوكا يسوسون الجيوش ويدخلون الحروب ليكسبوها او يخسروها على رقعة واحدة، وهم في هذا مثل الملوك اللاعبين، يحققون النصر دون أن يروا صور القتل والتدمير والأشلاء التي تصاحب الحروب الحقيقية، أو حتى بعض الألعاب الإلكترونية الحديثة، فإن انتصروا تواضعوا بلا ضوضاء، وإن هُزموا صبروا بلا انفعال ولا احتداد ولا احتقان.
 
وبذا باتت «لعبة الشطرنج مجازا متكررا دالا على شؤون العلاقات الدولية، تزين الصورة الملتقطة فنيا لملوك وفرسان (شاهات وبيادق) العديد من الكتب أو المقالات البحثية، خصوصا تلك المتعلقة بنظرية العلاقات الدولية»، كما أنها صارت كـ «لعبة ملكية» هي المفضلة لدى ساسة مشهورين مثل نابليون بونابرات الذي كان يخطط لمعاركة على رقعة شطرنج، ولينين وهتلر وتشرشل وجيفارا وكاسترو وأوباما، كما مارسها أدباء مثل شكسبير وماركيز، ووظفها الأول سياسيا في مسرحيته «العاصفة» حين أضاف مشهدا فيها تقديرا للأميرة إليزابيث التي كانت واحدة من لاعبات الشطرنج الماهرات، فيما أورد الثاني شيئا عنها في روايته «الحب في زمن الكوليرا»، حين توقف الدكتور أوربينو عن لعبها بعد انتحار صديقه جيرمايه.
 
وقد تعددت استعارة الشطرنج في السياسة والتخطيط الاستراتيجي، فها هو مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبجينو بريجنسكي يرى العالم على أنه رقعة شطرنج في كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى: الأولويّة الأمريكية ومتطلباتها الجيوستراتيجية»، والذي يحوي تنظيرا وتحليلا ونبوءة لكيفة استمرار بلاده مسيطرة على العالم أطول فترة ممكنة، عبر سرد تاريخي أراد من خلاله أن يبرهن على أن الإمبراطورية الأمريكية مختلفة عن غيرها من الإمبراطوريات التي حكمت العالم منذ فجر التاريخ، ثم يعدد ركائز قوتها، وأسرار ظهورها السريع كقطب أوحد في العالم المعاصر، والقوى الأخرى التي يمكن أن تنافسها، والتحديات والتهديدات التي ستواجهها، والأماكن التي سيتعزز فيها النفوذ الأمريكي، والأرض التي ستكون نقطة انطلاقها إلى الهيمنة على العالم، والقوى التي ستساندها في سبيل تحقيق هذا الهدف.
 
أدوار
وهناك من حاول توزيع أدوار الدول في منطقة الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التي تتوزع بها قطع الشطرنج على رقعتها، فدولة تمثل «الملك» وأخرى تمثل الوزير» وثالثة تمثل «الطابية» ورابعة تمثل «الحصان» وخامسة هي «الفيل»، وهناك من ليس بوسعها سوى أن تكون «بيادق»، ويدور التزاحم والتنافس والصراع بينها على هذا الأساس، بينما تحاول قوى أخرى أن تقحم نفسها على الرقعة باحثة عن دور بأي ثمن. 
 
واستعار راى تاكير، من واقع خبرته الطويلة بالشؤون الإيرانية وعضويته في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية،  لعبة الشطرنج في تحليل السياسة الإيرانية الخفية، خاصة حيال العراق، التي تم تنفيذها بأيدي أحمدى نجاد الذي يمثل جيل العائدين من الحرب، وأستاذه خامنئي، والبراجماتي هاشمي رافسنجاني، والإصلاحي محمد خاتمي، في غفلة من إدارة الرئيس جورج بوش الذي غزا العراق، فسلمه، دون قصد منه، إلى النفوذ الإيراني.
 
وصور وليام جاري كار، وهو كان ضابطا بالبحرية الكندية وكاتب تمت تصفيته وعائلته في ظروف غامضة، الأرض على أنها مجرد رقعة شطرنج، تمتد أيد خفية لتحرك ما عليها من قطع في صمت ومكر ودهاء، ليصبح القادة بل الشعوب طوع بنانها، قاصدا بهذه القوة الخفية حاخامات اليهود وجماعات الضغط التابعة لهم في مختلف الدول، مسميا إياهم بالنورانيين الملحدين، الذين يسعون إلى نشر الفساد والرذيلة، خصوصا بين الشباب، وإنهاك الأمم، سواء بدفع عملائهم إلى سدة الحكم، أو بنصب أفخاخ لكبار الساسة كي يقعوا في الفساد والرشوة والتزوير، وبالتالي يسهل على هؤلاء المخفيين ابتزازهم، ومن ثم تسييرهم كيفما شاءوا، أو عبر إثارة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لترهق الدول بالديون والاضطراب والفوضى.
 
ويصل كار في تصوره هذا إلى درجة أنه يعتبر الثورات الكبرى، الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية حلقات في مسلسل واحد متناسق ومخطط له من قِبَل المنظمات السريّة العالمية، وأن قادة كبار مثل تشرشل وستالين وروزفلت هم مجرد أحجار على رقعة شطرنج، تحركوا بلا إرادة منهم مستشهدا في كتابه هذا، الذي استغرق إعداده أربعة عقود، بقرائن تبين تغلغل عائلات يهودية كبرى في صفوف النخب الحاكمة في بلدان عدة لتصبح في طليعتها، وبكتب سابقة منها «برتوكولات حكماء صهيون» وبعض المخطوطات المحفوظة في مكتبات عامة. 
 
بل تعدت استعارة لعبة الشطرنج مسائل السياسة والحرب، حيث تم توظيفها في التعبير عن اللغة ذاتها، وهي بالقطع حامل المجازات الأول. وقد استخدم عالم اللغويات السويسري ردينان دي سوسور كي يقرب قواعد اللغة ومكوناتها إلى الأذهان، متجاوزا الدرس اللغوي ذي الطابع التاريخي، باعتبارها تطورا للأصوات، وناظرا إلى اللغة على أنها كرقعة شطرنج يتغير وضعها باطراد في كل نقلة يقوم بها أحد اللاعبين، وعندها يمكن وصفها بشكل كامل نحدد فيه وضع كل قطعة في الصورة الإجمالية الماثلة أمامنا، متجاوزين الشكل السابق لها، كما نغض الطرف باستمرار عن نقلاتنا الفائتة على الرقعة ونحن نتقدم في اتجاه تحقيق الهدف وهو «موت الملك» أو خنقه. 
 
وقد كرر الفليسوف النمساوي لودفج فتجنشتاين الاستعارة ذاتها، رابطا المعنى المفرد لأي اسم بالقضية التي نعالجها في كلامنا أو كتابتنا، ليشترك اللعب واللغة، بوصفها ممارسة اجتماعية، مع الشطرنج في عملية تبادل الأدوار بين اللاعبين، واحترام قواعد اللعبة، وفهم السياق العام الذي تتم فيه.
 
مغامرة
لكن استعارة الشطرنج في عالم السياسة تبدو أشبه بمغامرة، أو تمرين عقلي خيالي، لأن واقع اللعبة غاية في التعقيد، حيث يخبرنا اللاعب الروسي جاري كاسباروف، الذي احتل عرش بطولة العالم للشطرنج بلا منازع طوال 15 سنة، أن البدائل أو الاحتمالات في لعبة الشطرنج، التي لها أبعاد سياسية وحربية وقانونية وفكرية ونفسية وروحية، تصل إلى 10 مرفوعة 120 من الألعاب المحتملة (10^120).
 
لقد كان الشطرنج في سالف الأيام وسيلة مجدية لإرساء دعائم السلم العالمي حين يقبل المتحاربان بنتائج مباراة في هذه اللعبة، إلا أنه سرعان ما نسبت المشاكل السياسية إليها، بعد أن لعبت بها السياسة وغيرت أهدافها النبيلة أو البريئة إلى استعمار مباشر، أو غير مباشر، للدول والمجتمعات، بل أحياناً استعمار للعقول والأفكار التي تدعو إلى النقيض من هذا. ولم تلبث أن زاحمت لعبة «الدومينو»  الشطرنج في السياسة الدولية، قبل أن تتحدث وزير الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عما أسمتها «الفوضى الخلاقة»، فنظرية الدومينو ظهرت خلال الحرب الباردة، وتقوم على أنه إذا تشابهت دول في نظم الحكم فإن أي تغيير في نظام منها ستبعه تغييرات متتالية في البقية، في حالة أشبه بتتوالي أو تدحرج قطع الدومينو، حيث أن سقوط إحدى قطع الدومينو على القطع الأخرى التي تليها، تؤدي إلى توالي سقوطها في اتجاه واحد. وتم استعمال هذه النظرية في مجال النظم السياسية المقارنة، لتتوصل إلى نتيجة مفادها أن تقدم وتراجع درجة الديموقراطية في دولة معينة ينتشر ويُعدي الدول المجاورة لها.
 
وربما وجد كاسباروف نفسه أن استعارة الشطرنج في عالم السياسة ليست بهذا الترتيب المحكم الذي كان يدور في ذهنه، فقد حاول اقتحام عالم السياسة بدخوله في منافسة شرسة على الرئاسة الروسية، فلم يجد خصمه مستعدا لمنازلته بالهدوء والعقلانية والحكمة التي تسيطر على لاعبي الشطرنج، إنما أودعه السجن، وأنهى اللعب قبل أن يبدأ، وبذا تبقى الحقيقة المعبرة عن عدم إحكام هذا اللون من الاستعارة هي ما تقولها كارن روس: «يتعذر التنبؤ بالطابع المستقبلي لهذا العالم .. لقد مضى إلى غير رجعة زمن استغفالنا وجعلنا نرى العالم رقعة شطرنج: مخططا ومفصلا وواضحا، بل سوف يتبدى لنا كما هو في الواقع الفعلي».
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-06-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1435

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره