مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-03-01

الذكاء الاصطناعي.. أهميته ومختلف صوره وأبعاده

لم يكن الوصول إلى هذا المستوى الفائق من توظيف الذكاء الاصطناعي بغائب عن ذهنية أولئك الذين تحدثوا بإفراط عن دور «الخيال الأدبي» و»الخيال العلمي» و»أدب الخيال العلمي  في الارتقاء إلى ما وصلنا إليه، حيث كانت هذه المسارات الفنية والمعرفية تطلق المخيلة لتتصور مستقبلا مختلفا ومغايرا، ليعكف العلماء في معاملهم طويلا وعميقا من أجل تحويل هذه الأحلام إلى حقائق، لكن الكثيرين لم يلتفتوا إلى الجانب البليغ في هذا التطور التقني الرهيب، والذي وصل إلى آخر أطواره الآن بمحاولة خلق تماثل أو مشابهة بين الآلة والإنسان، أو أن تقوم الأولى بأدوار الثاني، وربما تفوقه، أو على الأقل تريحه في مسعاه من أجل الرفاه.
 
بقلم: د. عمار علي حسن
 
 
فهذا التماثل، هو لون من ألوان استعارة بعض ما يصبو إليه الإنسان، الذي لا يتوقف في سعيه نحو مزيد من القوة، كي يلزم الحاسوب بتحقيقه، بعد أن بات كثيرون مدركين أن نماذج الكمبيوتر أدت إلى تثوير العالم. وأن الحاسب الآلي «يغير طريقة تفكيرنا، ويقلب بيروقراطيتنا وطرائقنا العقلية رأسا على عقب، ففي كل خطوة يضع الحاسب بحوزتنا الآلاف المؤلفة من المعلومات التي تغمرنا وتعودنا على حساب الملايين بل والمليارات كما لو كانت مجرد وحدات رقمية مفردة».
 
وهذه الاستعارة لاقت اهتمام علماء الاجتماع وهم يسعون إلى معرفة وقياس تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع، وهنا يقول أحدهم: «صديقنا الحاسوب، هو الذي لعب اللعبة، قلب المجتمع الإنساني، وأحدث انقلابا لم يخطر على بال أحد. ولم يحدث هذا منه بدافع الثورة طبعا، أو بدافع الاستقرار، أو الاستمرار، أو التغيير، أو البقاء، أو ما شابه، بل حدث بلا دافع أصلا. فالحاسوب، حتى الآن، آلة صماء، بلا وعي. 
 
ربما له حواسه الفائقة، وأحاسيسه الشائقة، وأفكاره، وخبراته، وآراؤه .. الخ. ولكن قطعا لا وعي له بعد. وبالتالي، لا دافع له من ذاته فيما وصل إليه، أو فيما وصلنا نحن به. ومع ذلك لا شك في أنه يفعل فعله في حياة الإنسان اليوم، وأصبحنا نعطيه القيادة شيئا فشيئا، ليواصل عنا، وبنا الطريق، وليصل إلى ما لا نصل إليه من دونه، وليحقق ما لا يمكننا تحقيقه بسواه، بمفردنا نحن عاجزون».
 
قصة الروبوت
إن قصة الروبوت ولدت في قلب الاستعارة السياسية، حين استخدمها الكاتب التشيكي كارل كابيك للمرة الأولى عام 1920 في نص مسرحي تدور حول آلة اخترعها أحد العلماء بوسعها أن تنجز جميع الأعمال التي يقوم بها البشر، وحين حاول أن يطابق بينها وبين الإنسان، خارجا بها من مجال الاستعارة والمقابلة المجازية، ليجعلها تتألم وتهنأ، وتحب وتكره، ثارت عليه، إثر شعورها بالظلم الواقع عليها، متمردة على معناها الأصلي وهي «الخادم المطيع».
 
وعموما فإن تبادل الأدوار بين الإنسان والآلة ليس بجديد، فبعض البشر تمضي حياتهم بطريقة روتينية آلية منتظمة، بينما يمضي التفكير في جعل الروبوتات تمتلك بعض سمات البشر وخصائصهم، وتقوم ببعض أدوارهم. وقبل الذكاء الاصطناعي بكثير كانت مساحات التشبيه والمجاز بين الإنسان والآلة لا تتوقف منذ أن انتقلت البشرية إلى عصر البخار، حيث أخذ العلم يعزز مكانته كقوة حركة، وسلطة اجتماعية، ومصدر هيمنة ثقافية، وحامل للتطور والارتقاء.
 
ويأخذنا العلم للدمج بين الاثنين، فجسد الإنسان يمكن، ولأسباب طبية أن يُمد بأجهزة تساعده على أن يبقى على قيد الحياة مثل جهاز منظم ضربات القلب والمفاصل الصناعية واستعمال التنفس الصناعي لبعض الوقت، فيما تساعد الآلة الإنسان في تمديد حواسه augmented reality بواسطة العدسات و الميكروسكوبات وغيرها من الأجهزة، وقد يأتي يوم تزرع فيه شرائح دقيقة في دماغ الإنسان قادرة على حمل برامج ومعلومات هائلة، لتزيل الفروق الطبيعية بين العبقري ومنخفض الذكاء.
 
فالذكاء الاصطناعي بوصفه «علم وهندسة صنع الآلات الذكية» هو خصائص وتصرفات معينة تتسم بها برامج الكمبيوتر تجعلها تحاكي أو تسعى إلى أن تماثل القدرات الذهنية البشرية، وأنماط عملها، ومن أهمها القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج بعد في الآلة. وقد تأسس هذا المجال على افتراض أن الآلة بوسعها أن تقلد ملكة الذكاء البشري، وهي مسألة طالما تصورتها أساطير وخيالات وفلسفات منذ القدم.
 
الذكاء الاصطناعي والسعادة
إن الآلة في «الذكاء الاصطناعي» في موضع استعاري عن البشر، لأن هناك محاولات مستمرة لجعلها تمتلك قدرات وملكات بشرية مثل التفكير المنطقي والتعلم والإدراك والربط والتواصل والمعرفة والتخطيط وفهم العلاقات بين الأشياء والمسائل والأفكار، وتحريك وتغيير الأشياء، وفي كل هذا نحن أمام حالة من «التمثيل الكامل» لما هو موجود، وسعي دائب نحو اتساع المعرفة المنطقية عبر الحاسوب، حيث «تختلف برامج الذكاء الاصطناعي  عن برامج الإحصاء في أن بها تمثيل للمعرفة، فهي تعبر عن تطابق بين العالم الخارجي والعمليات الاستدلالية الرمزية بالحاسب».
 
ويمكن أن نستدل على هذه النزعة الاستعارية بالتصريحات التي صاحبت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بإعلان وزارة للذكاء الاصطناعي، بعد تشكيلها وزارة للسعادة. فبينما طُرح سؤال مفاده: هل يمكن قياس الشعور بالسعادة والتأثير فيها؟  أجاب المدير التنفيذي لمؤسسة حكومة دبي الذكية: «من يسأل عن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وتحقيق السعادة، كأنه يسأل هل للسعادة مكان في المستقبل، والإجابة البديهية هي نعم، فالذكاء الاصطناعي والتقنية بشكل عام من ممكنات تحقيق السعادة للإنسان، ومن أبرز مكتسبات الذكاء الاصطناعي هو إضفاء السهولة والراحة على حياة الإنسان، وتوفير الوقت والجهد عبر أتمتة الكثير من العمليات التي تتم بطرق تقليدية اليوم، وفي الوقت ذاته فتح الباب لعالم من الخيارات والفرص غير المحدود .. 
 
كلما زادت التقنية تطوراً أو تعقيداً إن جاز التعبير، زادت حياة الناس سعادة، لكن بشرط واحد: هو أن يتم بناء التقنية وتبنيها لتصميم تجارب إنسانية سعيدة لا لمجرد التقنية بحد ذاته».
 
التعليم الذاتي
لكن الاستعارة ظهرت أكثر في ذلك الحديث الإماراتي المنهمر عن المنصة التقنية التي ستعزز استراتيجية «التعلم الذاتي» وستغير طبيعة التعليم وشكله التقليدي، وستساعد في البحث الجنائي، وضبط المرور، وتأمين حماية المواطنين والمقيمين والسائحين، وسيقوم الكمبيوتر بتقديم خدمات تلقائية على مدار الساعة دون تدخل بشري بتقنيات الذكاء الاصطناعي في الرد على الاستفسارات وتوفير الخدمات للمتعاملين واستقبالهم، ومراقبة المنشآت الحيوية عن طريق روبوتات، وستكون أجهزة الخدمة الذاتية الشاملة فعالة به، وسيتم تطبيق تكنولوجيا الاستجواب والتحقيق، ويعتمد على الدوريات الذاتية القيادة، ويسخّر التكنولوجيا المساعدة لعمل رجال الشرطة مثل تقنيات التعرف إلى الوجوه، وأنظمة التحري والاشتباه، إلى جانب التنبؤ باحتياجات المتعاملين. 
 
لكن هذه الاستعارة لا تعني نفي الحقيقة التي تبين أن الذكاء الاصطناعي هو في النهاية محصلة الذكاء البشري، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأن «الروبوت» لا يفكر مثل الإنسان وإنما يحاكي بعض مدارك البشر، ويمكن تدريبه على أن يكون متحيزا لقيم وثقافات وطرائق عيش ومقاربات حياتية لشعب من الشعوب، شرط أن يخضع لقواعد أربع: لا يجوز أن يتسبب الروبوت في إيذاء البشر، وأن يطيع أوامرهم، وأن تتم حماية الكائن البشري، وأن يحافظ الروبوت على نفسه، وفي الوقت ذاته يجب ألا يثق الإنسان ثقة عمياء في التكنولوجيا، وألا يتم إهمال تنمية الموارد البشرية، وهو ما يعني أن «الاستعارة» ليست تامة بين الإنسان والروبوت، إذ هناك دوما حرص من البشر أن ألا ينسوا قاعدة «البقاء للأذكى»، ما يعني ضرورة ألا ينفي الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري، ويكون على الإنسان أن يسبق العقل الإلكتروني ويسيطر عليه ويقوده.


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-07-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1465

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره