مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-03-01

الذكاء الاصطناعي .. كيف غير من مفاهيم الردع وتوازن القوى وحروب المستقبل؟

يشهد العالم الآن تحولات كبيرة في المفاهيم والنظريات العسكرية التقليدية التي سادت لعقود، وذلك بفضل الثورة الهائلة التي أحدثتها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي باتت من أهم المحددات المؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوة العسكرية في العالم، ولعل هذا يفسر توجه العديد من القوى الكبرى في الآونة الأخيرة إلى تخصيص جزء من ميزانياتها للاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وخاصة في الجوانب العسكرية والدفاعية والأمنية.
 
بقلم: يوسف جمعة الحداد
 
توجه دولي متنامي نحو عسكرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
بات العمل على تعظيم مخرجات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والعسكري توجهاً عالمياً متنامياً، حيث بدأت العديد من القوى الكبرى تدمج هذه التكنولوجيا ضمن عقيدتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية، من منطلق إدراكها بأنها ستشكل أهم مرتكزات حروب المستقبل، التي تعتمد بشكل رئيسي على ما يطلق عليه “القتال عن بعد”.  فالاستراتيجية الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الدفاع الأمريكية في شهر مارس 2019 تحت عنوان “تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز أمننا ورفاهيتنا”، تستهدف تسريع عملية تبني الذكاء الاصطناعي والاعتماد عليه في المستقبل، حيث تشير هذه الاستراتيجية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة ميدان المعركة في المستقبل، وسيغير سرعة التهديدات التي تواجه البيئة الأمنية الحالية، ومن ثم فإن على الولايات المتحدة أن تعتمد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للحفاظ على موقعها الاستراتيجي؛ حتى تكون لها الغلبة في ساحات المعارك المستقبلية. 
 
هذا في الوقت الذي تنظر فيه روسيا إلى الذكاء الاصطناعي، باعتباره العامل الرئيسي في إعادة ضبط موازين القوى مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكشفت في أكتوبر 2019 عن استراتيجية وطنية جديدة لتطوير الذكاء الاصطناعي حتى عام 2030، تستهدف التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وإجراء البحوث العلمية التي تعزز مكانتها في هذا المجال. هذا في الوقت الذي تعمل فيه وزارة الدفاع الروسية على إدماج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الصناعات العسكرية، مثل المركبات القتالية والطائرات المسيرة، والروبوتات والأسلحة ذاتية التحكم، والطاقة الموجهة. أما الصين فلديها خطة طموحة كي تصبح الدولة الأولى عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول 2025، لأنها تدرك أهمية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وتخطط لبناء غواصات يتم التحكم فيها ذاتياً، وتتمتع بالقدرة على العمل من مدى بعيد، كما نجحت في إنتاج طائرات مسيرة عسكرية قادرة على تجاوز الرادارات والقيام بمهام قتالية. 
 
الذكاء الاصطناعي، وسباق التسلح العالمي
لا شك في أن تخصيص القوى الكبرى جانباً كبيراً من ميزانياتها الدفاعية للإنفاق على تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد يزيد من سباق التسلح العالمي، خاصة أن هذه التكنولوجيا باتت تدخل بشكل رئيسي في بناء الجيوش الحديثة، وتزويدها بأسلحة نوعية لم تكن متوافرة من قبل، كالجنود الآلية وأسلحة التحكم الذاتي في إدارة المعارك الحربية، كما أصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تدخل في العديد من التطبيقات مثل الطائرات دون طيار والعربات ذاتية القيادة وأمن الشبكات.
 
وفي السنوات القليلة الماضية، بدأت العديد من القوى الكبرى تعزز برامجها الصاروخية والنووية بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلها قابلة للانطلاق وتدمير الأهداف المحددة مسبقًا في حالة استشعارها بوجود أي خطر أو هجوم عليها، وهي تطورات تشير إلى أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من سباق التسلح أكثر خطورة عن تلك التي شهدها العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق إبان حقبة الحرب الباردة.
 
وهناك العديد من المعطيات التي تشير إلى تعاظم تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على سباق التسلح الراهن، خاصة بين كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث تتنافس الدول الثلاث في تطوير تكنولوجيا عسكرية معتمدة على نظم الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن استخدامها في مجالات عديدة من بينها أسلحة الانترنت والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية غير المأهولة المستقلة وذات التحكم الذاتي، والمركبات الجوية والسطحية، والمركبات تحت الماء غير المأهولة، بالإضافة إلى الروبوتات العسكرية، حيث تدرك الدول الثلاث أن التفوق في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يتيح فرصاً عديدة لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية، بل تتضمن أيضاً تعزيز المكانة والنفوذ السياسي في النظام الدولي، وهذا ما عبر عنه بوضوح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر خلال مؤتمر عقد في واشنطن في شهر نوفمبر 2019، حينما قال: “الدولة التي سوف تسخر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أولًا سوف يكون لها ميزة حاسمة في ساحة القتال لعدة سنوات قادمة”، وهو نفس المعنى الذي كان قد عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، حينما حث الجهات المختصة في بلاده لزيادة تمويل البحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدا “أن من يستطيع تقديم ابتكارات تكنولوجية في هذا المجال، سيتمكن من التحكم بالعالم”. وكان الرئيس الروسي تحدث في خطابه أمام الجمعية الفيدرالية في عام 2019، عن إعداد برنامج واسع النطاق لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، واصفا في الوقت نفسه بأن هذا المجال هو واحد من المجالات التي ستحدد مستقبل العالم بأسره وروسيا.
 
لقد تزايد الاعتماد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري بصورة واضحة في الآونة الأخيرة، سواء من حيث تطوير منظومات الأسلحة الحالية أو إنتاج أجيال جديدة، كالدبابات الصغيرة التي تعمل تلقائياً ويتم اختبارها على جانبي المحيط الأطلسي، وتم تزويدها بالصواريخ، ويمكنها نقل حمولات ثقيلة تلقائياً، كما يمكنها أن تتقدم فرقة عسكرية على الأرض. كما تعد الطائرات المسيرة القتالية أحد أهم مخرجات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، حيث باتت مهامها لا تقتصر فقط على الرصد والاستطلاع والتجسس، وإنما، أيضاً، أصبحت تقوم بمهام قتالية، فالطائرة الروسية المسيرة الجديدة المسماة “الصياد” (أوخوتنيك)، والتي تم الإعلان عنها عام 2019، يطلق عليها طائرة عصر الذكاء الاصطناعي، وتدشن- بحسب الخبراء- لعصر المعارك “الذكية” التي تستخدم فيها آليات عسكرية خالية من الطاقم البشري، حيث تسعى روسيا من وراء هذه النوعية من الطائرات إلى تغيير الملامح الخارجية لحروب المستقبل.  
 
الصين بدورها تتبنى رؤية مستقبلية للذكاء الاصطناعي العسكري، تطلق عليها “العمليات الذكية”، وتستهدف بالأساس تحقيق التفوق في العديد من التطبيقات العسكرية مثل التمويه الخفي، والصمت الكهرومغناطيسي، والتدابير المضادة الإلكترونية، والاستيلاء الإلكتروني، ويسعى جيش التحرير الشعبي الصيني إلى تطوير عملية صنع القرار العسكرية بحيث تكون مدعومة بالذكاء الاصطناعي، من خلال تقييم المواقف واختيار الخطوات الفعلية وتنفيذها بناء على أهداف ووضع العدو وبيئة المعركة وذلك في خضم عملية تعلم وتطور مستمرة.
 
الذكاء الاصطناعي..والتحول في مفاهيم الردع وتوازن القوى وحروب المستقبل 
ليس ثمة شك في أن التوجه الدولي المتنامي نحو عسكرة الذكاء الاصطناعي قد أحدث تأثيراً في النظريات الأمنية والعسكرية والمفاهمي المرتبطة بهما، وبالفعل يمكن رصد أهم التحولات في هذا السياق على النحو التالي: 
 
1 - تراجع مفهوم السيادة الوطنية واختراقها: إذا كانت نهاية الحرب الباردة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وما أعقبها من مفاهيم مثل التدخل الإنساني، والشرعية الدولية، أدت إلى تراجع مفهوم السيادة الوطنية خلال الثلاثة عقود الماضية، على النحو الذي بدا واضحاً في تزايد اللجوء إلى القوة العسكرية في إدارة الصراعات الإقليمية والدولية، وتزايد مصادر التهديدات التي تواجه الأمن الوطني، فإن الذكاء الاصطناعي قد رسًخ من هذا التراجع، وأفرز مهددات جديدة لم تكن موجودة من قبل، تمثل اختراقاً كبيراً للسيادة الوطنية للدول، بل والتأثير في تفاعلاتها السياسية الداخلية، يستوي في ذلك الدول المتقدمة والنامية والفقيرة على حد سواء، ولعل ما أثير من جدل خلال الأعوام القليلة الماضية عن تدخل جهات خارجية، وتحديداً روسيا، من خلال مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي في التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية الماضية في 2016، ليس سوى مؤشر على الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف مخرجات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأحداث السياسية الداخلية في العديد من دول العالم، بل وتهديد استقرارها والتحريض على الأنظمة الحاكمة فيها، ولعل الجميع يتذكر هنا أحداث ما يسمى “الربيع العربي”، التي لعبت فيها وسائل التواصل الاجتماعي دوراً رئيسياً في التعبئة والحشد للمظاهرات ثم التحريض على إطاحة الحكومات، وهذا يشير إلى أن ثورة الاتصالات والتكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، التي باتت أكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي، أصبحت تشكل أحد مهددات السيادة الوطنية للدول في وقتنا الراهن، الأمر الذي ينبغي على مخططي السياسات الأمنية والدفاعية أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار لدى وضع استراتيجيات الأمن القومي. 
 
2 - معايير جديدة لقياس القوة في النظام الدولي، رغم أن قوة الدول ما تزال تقاس بالاستناد إلى مركب القوة الشاملة الذي يتضمن الجوانب الدفاعية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والبشرية، إلا أنه منذ ظهور مخرجات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، المدنية والعسكرية، فإن دور التكنولوجيا أصبح أكثر العوامل المؤثرة في تحديد موازين القوى في النظام الدولي. إذ أن الدول التي تمتلك أدوات التكنولوجيا وتحرص على تطويرها باستمرار تكون فرصها أكبر في ممارسة النفوذ والتأثير في تفاعلات السياسة الدولية، وهذا ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القول إن «من سيقود الذكاء الاصطناعي سوف يحكم العالم».  وهذا يعني أن العالم قد يشهد خلال المرحلة المقبلة تحولاً في موازين القوى على الساحة الدولية، خاصة أن هناك قوى إقليمية ودولية عديدة تستثمر بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، والهند وربما يؤدي التنافس على التفوق في الذكاء الاصطناعي إلى اندلاع صراعات وحروب جديدة، وهذا يتفق مع التحذير الذي أطلقه معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس في نوفمبر 2017، حينما أشار إلى أن الصراع الدولي حول الذكاء الاصطناعي ربما يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة.  
 
3 - إعادة تشكيل حروب المستقبل: يجمع الخبراء على أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ستغير من شكل حروب المستقبل في العديد من الجوانب، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن السنوات القليلة الماضية شهدت نوعيات جديدة لأسلحة الذكاء الاصطناعي أحدثت انقلاباً في مفاهيم الردع التقليدية، كالصواريخ الجديدة العابرة للقارات،والتي تفوق سرعتها سرعة الصوت بأضعاف، ويطلق عليها «هايبرسونيك»(Hypersonic). وفي هذا السياق، فقد خلصت دراسة أعدها جيمس جونسون، الأستاذ بجامعة لستر في بريطانيا نُشرت في مجلة (Defence & Security Analysis)  في أبريل 2019، إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري سيؤدي إلى إدخال متغير جديد في المعادلة العسكرية، فلن تتساوى الجيوش التي تستخدم تلك التكنولوجيا الجديدة مع غيرها، ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعي سيحدث مجموعة من الآثار الاستراتيجية التي من المحتمل أن تزعزع الاستقرار الأمني إلى حد كبير، وتؤثر على ديناميكيات الصراع والتصعيد العسكري في المستقبل. 
 
وبالفعل فإن الأسلحة التي تم الإعلان عنها في السنوات القليلة الماضية، وتعتمد بالأساس على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، قد تلعب الدور الحاسم في إعادة تشكيل حروب المستقبل، ومنها أجهزة الطاقة الموجهة، مثل الليزر التي لديها القدرة على تدمير الأهداف واستهداف المناطق، إضافة إلى الصواريخ عابرة القارات التي يصعب اكتشافها مسبقاً من قبل أنظمة الدفاع الجوي، وشبكات الأقمار الاصطناعية الذكية القادرة على كشف حركة الصواريخ، وتمكن الدول من ردع الصواريخ الباليستية. 
 
ولا ينفصل عما سبق، الحديث المتنامي في الآونة الأخيرة عما يسمى بـ»رقمنة الحروب» بفضل التطور الهائل في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، حيث أن الأثر المتوقع لهذه الحروب قد يفوق الحروب التقليدية، دون تحمل تكاليف أو أعباء مالية كبيرة، لأن هذه الحرب تعتمد على أجهزة حاسوب ذكية، وغالباً ما تكون نتائجها كارثية تفوق بمراحل اللجوء إلى الأسلحة التقليدية. والمثال الدال على ذلك يتمثل في الطائرات المسيرة(الدرونز)، التي بات بإمكانها، من خلال التحكم بها عن بعد، تدمير العديد من الأهداف العسكرية دون أية تكلفة بشرية أو مادية عالية، مقارنة بالأسلحة التقليدية التي تعتمد على الطائرات المقاتلة ومنظومات الصواريخ ، بينما تمتلك الطائرات المسيرة العديد من المزايا النوعية التي تعزز من مهامها القتالية بالسرعة والكفاءة المطلوبة، ولعل عملية اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري في الثالث من يناير 2020 بواسطة الطائرة الأمريكية المسيرة «إم كيو تسعة» يؤكد تزايد أهمية هذه الطائرات في الصراعات والحروب الحديثة وكذلك في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، حيث تعتمد الولايات المتحدة بصورة كبيرة على الطائرات المسيرة في ملاحقة قيادات «داعش» و»القاعدة» في مختلف المناطق بالعالم، خاصة في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان والصومال.
 
4 - ظهور أدوات جديدة للردع في إدارة الصراعات بين الدول: رغم أن التهديد بالقوة العسكرية لا يزال يشكل أهم أدوات الردع التي يتم اللجوء إليها من جانب القوى الكبرى في وقتنا الراهن، إلا أنه ظهرت أدوات جديدة في السنوات القليلة الماضية، لا تقل في تأثيرها وفاعليتها عن الأدوات العسكرية، وإن كانت تتسم بأنها أقل تكلفة وخطورة، كالهجمات الإلكترونية أو السيبرانية، والتي تؤسس لتحول جديد في مفهوم وأدوات الردع، يطلق عليه «الردع الإلكتروني»، الذي يستهدف الشبكات الإلكترونية، التي قد تكون مدنية أو عسكرية، وهذا يختلف في جوهره عن المفهوم التقليدي للحرب الإلكترونية التي تعود جذورها لما قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتطورت على مدار العقود الماضية، حتى أصبحت تشير إلى مجموعة الإجراءات التي تنفذ بهدف الاستطلاع الإلكتروني للنظم والوسائل الإلكترونية المعادية، وإخلال عمل هذه النظم والوسائل الإلكترونية، ومقاومة الاستطلاع الإلكتروني المعادي، والإعاقة الإلكترونية.   
 
في حين أن الردع الإلكتروني في هذا السياق يعد أكثر فاعلية في الحروب الحديثة، خاصة أنه قد يؤدي إلى تدمير البنى التحتية والأساسية والشبكات الإلكترونية المسئولة عن قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات في الدول المستهدفة، أي أنه يترك آثاراُ تدميرية على أمنها الوطني الشامل قد تصل إلى تعطيل دورة الإنتاج والاقتصاد فيها بشكل كلي. ونظراً لتصاعد الوزن النسبي للردع الإلكتروني في إدارة الصراعات والحروب الحديثة، فإن القوى الكبرى باتت تعمل على تأسيس وحدات خاصة بحرب الفضاء الإلكتروني (الهجمات السيبرانية) ضمن أفرع الجيش الرئيسية.  
 
وإذا كان مفهوم الردع التقليدي الذي يرتكز على التهديد باستخدام القوة العسكرية التقليدية والنووية، يقتصر فقط على القوى الكبرى، فإن الردع الإلكتروني لا يشترط أن تمتلك الدولة ترسانة عسكرية، حيث يمكن لدولة عادية محدودة القدرات العسكرية، ولكن تمتلك عقول ماهرة  متخصصة في التقنيات الحديثة، استهداف شبكات الحاسوب المسئولة عن دورة الإنتاج والتشغيل لدى دول أخرى . ولأجل هذا، فإن العمل على تأمين الأمن الإلكتروني والرقمي، بات من ضرورات بناء أي استراتيجية دفاعية وطنية ناجحة، ليس فقط لأن ذلك يحول دون استهداف البنية التحتية والمعلوماتية لأي دولة من محاولات الاختراق الخارجي، وإنما أيضاً لأنه يعزز من قدراتها الرادعة، ويسهم في الحفاظ على مكتسباتها التنموية. 
 
في السياق ذاته، فإن الطائرات المسيرة، التي تعتمد في تشغيلها على الذكاء الاصطناعي، باتت أهم أدوات الردع العسكري بعد أن تزايد دورها بصورة كبيرة إدارة الصراعات والحروب الحديثة، لأنها إضافة إلى مزاياها الفنية والقتالية، لا تترك أي أثر على الجهة التي تستخدمها، سواء كانت دولة أو ميليشيا مسلحة أو جماعة إرهابية، وما يعنيه ذلك من إمكانية الإفلات من المساءلة أو العواقب القانونية المترتبة على تنفيذها في أي عمليات عسكرية. كما أن هذه الطائرات أعادت إلى الواجهة مجدداً ما يسمى بـ»الردع بالاغتيال»، كما حدث في عملية مقتل قاسم سليماني، وباتت ضمن أدوات استراتيجية الردع الأمريكية الجديدة في مواجهة إيران والخصوم بوجه عام.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-06-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2014-11-17
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره