مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-08-08

الخيارات الاستراتيجية السلمية والأمنية لدولة الإمارات في مواجهة المخاطر النووية والصواريخ الباليستية

بعد انتهاء الحرب الباردة منذ حوالي ربع قرن، وظهور عالم أحادي القطبية استمر لأكثر من عشرين عاماً، نشاهد اليوم بداية تشكّل عالم متعدد القطبية، وظهور اصطفافات دولية جديدة، لتصبح البيئة الأمنية الدولية والإقليمية بذلك في غاية التعقيد، حيث تتصارع القوى العالمية سعياً لتوسيع رقعة نفوذها في المسرح الدولي، وتعمل على امتلاك أكبر قدر من أدوات القوة، بما في ذلك تعزيز قدراتها العسكرية الاستراتيجية والتكتيكية لتحقيق تفوق نوعي على منافسيها، إلى جانب سعيها لكسب تأييد أكبر عدد من الدول وتكوين تحالفات إقليمية جديدة. 
 
 
بقلم: محمد بن أحمد البواردي
ومع انهيار العديد من التفاهمات الاستراتيجية وانقضاء أمد المعاهدات القديمة مؤخراً، والتي كان من شأنها الحد من التسلح النووي والالتزام بعدم تطوير قدرات الصواريخ الباليستية بمختلف فئاتها بين القوى الكبرى، وبالتالي الحفاظ على توازن القوى وتحقيق الردع ودرجة معقولة من الأمن والاستقرار العالمي على مدى عقود من الزمن، فقد دخل العالم اليوم في دورة جديدة من سباق للتسلح النووي والصاروخي، وتصاعَدَ التنافس لإمتلاك أكبر قدر من الأسلحة الاستراتيجية والتكتيكية، وقد شجع هذا الأمر بعض الدول والقوى الإقليمية على عدم التقيد بالتزاماتها وفقاً للمواثيق والمعاهدات الدولية، حيث تسعى بعض تلك الدول - مثل إيران - لإمتلاك الأسلحة النووية وبناء منظومة من الصواريخ الباليستية، على الرغم من تصريحها بأن برنامجها النووي سلمي، بالإضافة إلى انتهاجها لسياسات إقليمية ودولية عدائية. 
 
 
وفي ظل الثورة الصناعية الرابعة القائمة على التكنولوجيا الرقمية والمعلوماتية اليوم، ومع تطور أنواع الأسلحة الاستراتيجية والتكتيكية من الجيل الخامس، إلى جانب تطور القدرات السيبرانية، أدى كل ذلك إلى تزايد وتيرة وحجم التهديدات والتحديات على الصعيدين الإقليمي والعالمي. ولهذا، فقد تحتّم على دولة الإمارات العربية المتحدة أن تعمل على مواجهة مختلف التهديدات المباشرة وغير المباشرة، بما فيها النووية إلى جانب الصواريخ الباليستية، من خلال منظومة حديثة وبرامج عمل متكاملة ومتعددة الأوجه والطبقات، ومتدرجة بالإجراءات تبدأ من جهة سلمياً بالوقاية من العدائيات والحماية من الإعتداءات، ومن جهة أخرى بكشف التهديدات وتوفير الدفاع وردع ومواجهة المعتدين. ويتم تحقيق هذا الهدف من خلال محورين رئيسين كالآتي: باستخدام القوة الناعمة والوسائل السلمية؛ السياسية والدبلوماسية والإقتصادية والقانونية وغيرها، وتطوير وتعميق شبكة علاقات الدولة مع مختلف دول العالم. وأيضاً بالوسائل العسكرية والأمنية من خلال تطوير القدرات والإمكانات الذاتية للتعامل مع أنواع التهديدات كافة وبالتعاون مع الحلفاء والدول الصديقة والمنظمات الدولية. 
 
 
وتعمل دولة الإمارات على تطوير وتعميق شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية، والتعاون مع الدول الحليفة والشقيقة والصديقة في شتى المجالات، وتسعى من خلال علاقاتها الدولية الواسعة إلى ترسيخ مبادئ الأمن والسلام والاستقرار الدولي، بالإضافة إلى قيم التسامح والتآخي بين الدول بناءً على ما تتمتع به الدولة من مصداقية في الساحتين الدولية والإقليمية، وإدراكاً منها بأن عجلة التنمية والازدهار لا تقوم من دون توفر درجة معقولة من الأمن والاستقرار. كما تتعاون دولة الإمارات العربية المتحدة مع المنظمات الدولية والإقليمية وتلتزم بالمواثيق والمعاهدات والتفاهمات الدولية لضمان توفير الحماية للمجتمع الدولي من جميع أنواع المخاطر والتهديدات النووية والصاروخية المباشرة وغير المباشرة. ومن خلال فهمها واستيعابها للبيئة الاستراتيجية والمتغيرات العالمية، تعمل الدولة على تحويل التحديات كافة إلى فرص، لتخدم المجتمع الدولي في تعزيز السلام والنمو والازدهار، وتعزيز مكانتها في الساحة الدولية. 
 
 
 تأتي سياسة دولة الإمارات الخارجية في مقدمة الوسائل والأساليب التي توفر الوقاية للدولة وتمنع الاعتداء عليها، وتستند هذه السياسة في تنفيذها عموماً إلى استخدام القوة الناعمة والأساليب الدبلوماسية المقنعة والمؤثرة، وقوامها الالتزام بمبادئ عدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والاحترام المتبادل، وسمتها الانفتاح على دول العالم بالمحبة والتسامح والتعايش السلمي مع مختلف شعوب الأرض، بالإضافة إلى وقوفها إلى جانب القضايا العادلة. كما تسعى دولة الإمارات إلى دعم الدول الفقيرة والأقل حظاً من خلال قيامها بمحاربة الجهل والفقر والمرض، وتقوم بمد يد العون بالمساعدات الإنسانية من دون مقابل أو شروط، وتعمل كذلك على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية في هذه الدول، علماً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تسعى دائماً إلى مساعدة المنكوبين جراء الكوارث الطبيعية أو الحروب، الأمر الذي يُكسب الإمارات الإحترام والمصداقية في تعاملها مع المجتمع الدولي حول مجمل القضايا الإنسانية ومعالجة الهموم الدولية، سعياً لتحقيق السلام والاستقرار.
 
 
وعلى صعيد السياسة الداخلية، فإن وجود ذلك الحشد من شعوب الأرض في دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر من مئتي جنسية، يعيشون ويعملون على أرضها تحت سقف القانون بأمن وسلام، ومن دون تمييز بين عرق أو لون أو دين، ويتمتعون بحرية العبادة وممارسة الطقوس الدينية، هو دليل دامغ على سياستها المنفتحة وعلى تسامحها ورغبتها في التعايش السلمي، علماً أن أغلبية هؤلاء يعتبرون أن دولة الإمارات العربية المتحدة مصدر قوتهم وعنصر مهم لحياتهم، بحيث أصبحت وطناً ثانياً لهم، فأصبحوا سفراءها لدى دولهم باعتبارهم يشكلون مصدر دخل قومي لبلادهم، الأمر الذي عمّق من احترام دول العالم للإمارات العربية المتحدة ، وعمّق حبها في قلوب البشر، كما ساهم بتعزيز مكانتها في الساحة الدولية وأكسبها مناعة ضد مختلف العدائيات أياً كانت طبيعتها وأينما كان مصدرها.
 
 
وتعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على تطوير اقتصادها المحلي، وجعل الدولة منارة اقتصادية جاذبة للاستثمارات ووجهة عالمية للسياحة ومقراً دولياً للتجارة والصناعة والأعمال، كما تعمل على تعميق علاقاتها الاقتصادية ومصالحها المشتركة مع مختلف دول العالم، وتتعاون معها لبناء منظومة اقتصادية ثنائية وإقليمية ودولية دائمة وقائمة على الاعتماد التجاري والاقتصادي المتبادل، وذلك من خلال توقيع اتفاقيات وبناء شراكات استراتيجية تضمن الكسب المشترك والتنمية الاقتصادية لجميع الأطراف، كما تسعى إلى التعاون مع الاقتصادات الكبرى لإقامة المشاريع الاستثمارية العالمية التي من شأنها تكوين تحالفات وكتل اقتصادية جماعية تنعكس من خلالها الرؤى الموحدة حول المصالح المشتركة، وكذلك التطلع إلى مزيد من الفرص الاقتصادية، ليصبح التعاون حافزاً ومصدراً لدفع عجلة التنمية والازدهار وتعميق أسس الاستقرار، ويساهم ذلك بطبيعة الحال بوقوف الشركاء جنباً إلى جنب في وجه المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تعيق مسيرة تقدمهم أو تعطل مصادر دخلهم. 
 
 
ومن خلال مشاركاتها في مختلف المحافل والمنظمات الدولية وانضمامها إلى المواثيق والاتفاقيات والبروتوكولات والمعاهدات الدولية كافة مثل (NPT/CWC/BWC/MTCR) وغيرها المتعلقة بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وبالتعاون مع المجتمع الدولي، تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تقييد جميع الدول بنصوص تلك المعاهدات لاحتواء مصادر التهديد النووي والصاروخي. ولهذا تؤيد دولة الإمارات العربية المتحدة اتخاذ الإجراءات والتدابير الكفيلة بمنع الدول المارقة والمعادية من امتلاك الأسلحة المحرمة دولياً بهدف تحقيق أكبر قدر من الأمن والاستقرار العالمي، وتحث على تطبيق برامج المراقبة الدولية المتعلقة بمبيعات مثل تلك الأسلحة والقدرات، وتعمل في الوقت ذاته على إيجاد أطر دولية قانونية جديدة لتوقيع عقوبة دولية على الدول التي تخالف قواعد القانون الدولي، أو تلك التي تهدد الأمن والسلم الدوليين عبر ممارستها لأنشطة صاروخية أو نووية خارج الأطر الشرعية.
 
 
جهود الإمارات في مكافحة أسلحة الدمار الشامل 
وبهذا الصدد، تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة حثيثاً إلى جانب العديد من دول العالم، بما فيها الدول العربية، في سبيل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وتحث على ضرورة وضع برنامج زمني للتخلص مما تمتلكه دول المنطقة من قدرات نووية وصاروخية، بالإضافة إلى وقف برامج تجارب الصواريخ الباليستية، خاصة ما تقوم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار سياساتها العدائية، فهي تعد مصدر تهديد أمني استراتيجي ليس لدول المنطقة فحسب، وإنما للعالم أجمع، مع التأكيد على ضرورة توجيه جهود المجتمع الدولي لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وذلك من خلال التنسيق بين أجهزة ومؤسسات الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإخضاع البرنامج النووي الإيراني للرقابة الدولية الدقيقة، واتخاذ أية إجراءات قانونية يمكن أن تترتب نتيجة المخالفات بهذا الخصوص. 
 
 
وانطلاقاً من العلاقات الدولية لدولة الإمارات العربية المتحدة، تسعى إلى توسيع دائرة تعاونها الأمني والعسكري المشترك مع مختلف دول العالم وفي مختلف القطاعات، ومن بينها التعاون في مجال الصناعات الدفاعية وتطوير القدرات العسكرية بإنتاج المعدات ومنظومات الأسلحة التكنولوجية الحديثة، كما تقوم ببناء الشراكات والتحالفات العسكرية الاستراتيجية مع العديد من دول العالم، ومن بينها الدول الكبرى والقوى الإقليمية التي تمتلك قدرات نووية وصاروخية متقدمة، كما تقوم بإجراء التدريبات والعمليات العسكرية المشتركة في مناطق مختلفة من العالم، علماً أن دولة الإمارات شاركت على مدى أكثر من أربعة عقود في العديد من التحالفات العسكرية الدولية ومحاربة الإرهاب، إلى جانب مشاركتها في عمليات حفظ السلام بكفاءة عالية، وقد حققت القوات المسلحة الإماراتية مراحل متقدمة من التوافقية مع الأنظمة والأسلحة المختلفة للدول الحليفة والشقيقة والصديقة، وذلك بهدف توفير الدعم العسكري المتبادل وتوفير الحماية والأمن اللازمين لجميع الأطراف.
 
 
 وتحرص القيادة العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة على تحقيق الأمن والاستقرار للدولة من خلال تطوير منظومة وطنية دفاعية متكاملة ومتطورة. وإلى جانب الخيارات الأمنية والعسكرية التقليدية لمواجهة مختلف التحديات وجميع أطياف العدائيات، فإن القيادة تعمل على الارتقاء بقدرات الدفاع والردع الاستراتيجي من أجل حماية الدولة وضمان الأمن الوطني الإماراتي والأمن القومي الخليجي والعربي الأوسع، وذلك بتوفير باقة متنوعة من الإمكانيات الحديثة، بما في ذلك امتلاك قدرات سيبرانية نوعية وشبكة معلوماتية متفوقة، واستخدامها لأسلحة الجيل الخامس والتقنيات الحديثة والمبتكرة، والتكنولوجيا الرقمية المتطورة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والروبوتات والمنصات القتالية الذكية المأهولة وغير المأهولة.
 
 
القيادة.. الرؤية والريادة
وبهذا الصدد، تحرص القيادة أيضاً على تطوير شبكة المراقبة والإنذار المبكر، وتوفير مظلة من الأنظمة الدفاعية والإلكترونية التبادلية للحماية من أنواع الاختراقات كافة، وتهدف إلى ضمان توافق عمل المنظومات القتالية المختلفة، والمحافظة على كفاءتها في أسوأ ظروف العمليات، لتضمن بقاءها كي تتمكن - ولو بجزء بسيط من طاقتها - من الرد وشل قدرات الخصم بالسرعة والدقة اللازمين واستعادة الموقف، علماً أن احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل لا يأتي عادة بشكل مفاجئ، وإنما تكون له دلالات مسبقة يمكن التقاطها والاستعداد لها، وأن احتمال استخدام تلك الأسلحة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة سيكون بمثابة اعتداء على جميع حلفائها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2016-11-01
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره