مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-09-09

الحرب الباردة .. مصطلح في حاجة إلى مراجعة

حين نسمع كلمة «حرب» في زماننا هذا فإن أول صورة ترتسم في الذهن هي انطلاق نيران كثيفة من مختلف أسلحة القوات البرية والبحرية والجوية. ومثل هذه النار لا يمكن أن تكون باردة، إلا على سبيل المجاز. لكن نظرا لأن اندلاع مواجهة مباشرة بين القطبيين العالميين آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي المنهار صار ضعيف الاحتمال، في ظل رفض الشعوب الغربية لحرب أخرى بعد حربين عالميتين مدمرتين، ومع نتاج سباق التسلح الرهيب بين القوتين العظميين الذي وصل إلى مستوى «الردع» المتبادل، فقد ساد ارتياح لصك الغرب مصطلح «الحرب الباردة»، وتداولته الأغلبية الساحقة من الساسة التنفيذيين والدبلوماسيين والباحثين والكتاب في مختلف أنحاء العالم على أنه مسلمة، لا تقبل الجدل والنقاش، أو أن كثيرا منهم لم يفكروا أصلا في مراجعته.
 
بقلم: د.عمار علي حسن
 
فبينما أدارت واشنطن وموسكو حروبا بالوكالة، ومناطحة قوية بين أجهزة المخابرات، وصراع أيديولوجي حاد بين الليبرالية والشيوعية، كانت الحركة الدبلوماسية الدائمة، ومحادثات التسلح، والخطابات المتبادلة التي تتسم بها العلاقات المباشرة بين الشرق والغرب، توحي كلها بأن هناك ارتياحا لإضافة كلمة «الباردة» إلى «الحرب»، ولكل ما يرتبط بها من مفردات مثل  «جليد» و»ذوبان» و»برود» و»صقيع» .. الخ، وجميعها استعارات مستقاة من أحوال المناخ والطقس إلى السياسة الدولية في أعلى صورها، كان بوسعها أن تلفت الانتباه إلى جمود العلاقات بين القوى الكبرى، وهي وافقت رغبة الغرب في هذه اللحظة.
 
لكن هذا المجاز له جذور أبعد قليلا من اللحظة التاريخية التي رسخ فيها المصطلح، فالأديب الشهير جورج أورويل أتى على ذكره في مقال نشره عام 1945 تحت عنوان «أنت والقنبلة الذرية»، ليطرح نبوءة أخرى تضاف إلى تلك التي وردت في روايته ذائعة الصيت «1984»، يرى فيها أن حصول قوتين أو ثلاث على أسلحة ذرية سيكرس الاستبداد السياسي، وإصابة الشؤون الدولية بشلل، حيث ستصبح الهزيمة مستعصية على أي من هذه القوى، ومن ثم تدخل في حرب باردة طويلة. كما ذكره  عام 1947 برنارد باروخ ممثل الولايات المتحدة  للجنة الطاقة الذرية. 
 
وهناك من يرى أن المصطلح قد صكه الصحفي الأمريكي إتش. بي. سووب ودعمه والتر ليبمان، واصفا به حالة «اللاحرب» و»اللاسلم» التي استمرت بين القطبين المتناطحين، وقد تجنب كل منهما الصدام المسلح المباشر، مثلما تم اختباره في أزمة كوبا 1962 و الحرب العربية ـ الإسرائيلية 1973، وأدار كل منهما العداء بطريقة مختلفة، منها سباق التسلح، ونشر الأيديولوجيات المتصارعة.
 
ويقلب جون لويس جاديس المصلح نازعا عنه مجازيته وكل ما تحمله من دلالات، ليرى أن الفترة التي تراوحت بين نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط حائط برلين ليست حربا باردة إنما هي «سلام طويل». لكن هناك من أصاب هذا المجاز في مقتل، إذ إن ما دار بين القوتين العظميين لم يحمل أي برودة، إنما سخونة دائمة، انتقلت من المركز إلى الأطراف، ومن الاطراف الأصيلة أو الأصلية إلى الوكلاء. ففي إطار رعاية الاتحاد السوفيتي للأنظمة اليسارية عبر العالم، ومقاومة الولايات المتحدة لتمدد الشيوعية، سقط أكثر من عشرين مليون في حروب دارت رحاها في كوريا ولاوس وكمبوديا وفيتنام وأفغانستان، وفي الصومال وإثيوبيا وأنجولا وغيرها، وفي الانقلابات العسكرية التي وقعت بقارة أمريكا اللاتينية وحملت إلى السلطة نظم حكم دموية تلقت دعما ماليا وعسكريا من الولايات المتحدة، وكذلك في حوادث الحدود أو خطوط التماس الجغرافي بين المعسكرين المتناطحين، وجراء السجون والمعتقلات في أوروبا الشرقية، وفي الغزو السوفيتي للمجر وتشيكوسلوفاكيا، وفي ركاب كل هذا العدد من الموتى، تم تدمير البيئة وانتشار الأوبئة وانتهاك حقوق الإنسان بشكل صارخ.
 
وبذا يكون وصف الصراع العالمي على مدار نحو أربعة عقود ونصف بأنه «بارد» هو مجاز خادع، ساهم في تزييف الوعي، وينطوي على نوع من القصور الذاتي وفقدان التوازن، علاوة على أنه يساهم في تكريس نزعة المركزية الأوروبية التي تحدد وفق أحوالها ومصالحها وتقدير الغرب فقط ما إذا كان الوضع العالمي باردا أم ساخنا، علاوة على أنه مجاز فاضح لنوايا الغرب أو فهمه للآخر، ومدى عدم تعاطفه مع أحواله، وعدم إرادكه لمصالحه، واحترام حق شعوبه في السلام. فكل هذه الملايين التي سقطت خلال خمسة أربعين سنة، وكل هذا الدمار والخراب والتشريد والتهجير والتعذيب وتشييد تلال من الجماجم، لم يره أولئك الذين اعتبروا تلك الفترة أطول فترة سلام شهدها العالم منذ بسمارك، واصفين هذه الحروب التي انتقلت من أوروبا وأمريكا إلى قارات ثلاث هي: أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بأنها نزاعات دارت في المناطق الطرفية من العالم، وأن ما يستحق أن يُطلق عليه حرب هو ما يقع من قتال بين القوى الكبرى.
 
وفي ركاب هذا التصور أو الاتجاه السياسي والفكري كان التلاعب باللغة والصور في المجال العام سببا رئيسيا في ذلك التشكك الذي يراه كثيرون ملمحا محددا لثقافة الحرب الباردة، مع أعمال الدعاية المستمرة ومناخ التجسس السائد والاستخبارات  المضادة والتآمر الدولي، ولم يكن هناك سوى القليل من الحقيقة التي يمكن أن يؤسس عليه المرء اقتناعاته الأيديولوجية».
وإمعانا في تكريس المجاز الغربي حول «الحرب الباردة» تم تجاهل الغرب للآداب والفنون التي عبرت عن الصراعات المسلحة والمنافسات السياسية الحادة والتطاحن الاجتماعي الذي ساد في دول خارج أوروبا وأمريكا، والتي أنتجها أدباء عالمثالثيون تفاعلت مضامينها مع البنى السياسية والعسكرية والفكرية والثقافية واللغوية والدبلوماسية لتلك الفترة، ويخلص من يطلع عليها إلى أن فترة «الحرب الباردة» كانت ساخنة بمعايير دول ومجتمعات غير غربية.
 
إن ما في الحرب من قسر وإجبار وإرغام وعنف انتقل في العقل الأوروبي مجازا من ميادين القتال الموزعة على خرائط العالم غير الغربي إلى عالم اللغة، الذي يمكن فيه أن يمارس عنف من نوع آخر، فتم فرض اصطلاح «الحرب الباردة»، ونسجت حوله عبارات كانت ترجمة لنيات وحسابات وإدعاءات ومزاعم، لا تساق من فراغ إنما لتحقيق أهداف محددة، استقرت في يقين الغرب بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وفرضها على الجميع، مثلما فرضت الولايات المتحدة بعد انهيار غريمها الأول الاتحاد السوفيتي مصطلح «النظام الدولي الجديد». ومع أن المصطلحات ربما تكون قد تغيرت من «التدخل الحميد» إلى «تغيير النظام»، ومن «الخطر الأحمر» إلى «الرعب الكوني» فإن المشهد السياسي ظل على حاله، متمثلا في قوة تسعى إلى الهيمنة وعالم يتمرد بعضه على الوضع السائد ويقاومه.
 
يبقى المجاز الذي لم يسع من صكوه إلى مخاتلة أو خداع وكان من نتاج ما تسمى «الحرب الباردة» هو «سباق التسلح»، الذي ظهر في سياق التنافس بين بريطانيا وألمانيا في الفترة من 1900 إلى 1914، هو الذي قاد إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وذاع صيت المصطلح حين كان الصراع على التفوق في تصنيع واقتناء السلاح بين موسكو وواشنطن على أشده . وكلمة سباق مجازية تعني أن التقدم في حيازة السلاح من قبل طرف يقابله مسارعة من الطرف الآخر لحيازة أسلحة أكثر مي يسبقه، وولدت في ركابها مجازات أخرى مثل تعبير «حرب النجوم» الذي أطلقه الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ووصفه بأنه أوسع وأعلى من أن يبلغه الروس أو يتجاوزوه.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره