مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-10-11

الجمهور العربي في مواجهة آليات الخطف الذهني

العدوان الإعلامي القطري - التركي يستهدف خلق واقع بديل

 
لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط بؤرة لصراعات إقليمية ودولية، ولطالما كانت مطمعاً لقوى خارجية أرادت دوماً السيطرة على مقدراتها، وقد كانت تلك الخطط تبدأ عادة بإضعاف الدول الرئيسية في المنطقة وإنهاك شعوبها.
 
بقلم / ياسر عبد العزيز        
 
وفي تلك الآونة تتخاطف المنطقة تهديدات عديدة؛ لكن أبرز تلك التهديدات ربما يكمن في مشروع قطري- تركي، يعززه تحالف تكتيكي بين البلدين، ولا تنقصه الموارد الكافية لإدامة الصراع وتنفيذ أهدافه، وهي موارد تشمل فوائض مالية ضخمة، وقدرات عسكرية، وجهود سياسية ودبلوماسية... أما أهم عنصر في تلك التهديدات فيكمن في القدرة الإعلامية.
 
اجتهدت معاهد العلوم العسكرية ومراكز البحث الاستراتيجي في السنوات الأخيرة في التنظير لواقع الحرب في العصر الراهن، وتم استخدام عديد المقاربات النظرية لتجسيد حالة الحرب المعاصرة، فبرزت مفاهيم الحرب اللامتماثلة والحرب الهجينة وحروب الجيل الرابع وغيرها.
 
وقد اتفقت معظم تلك المقاربات على أن أهم ما يميز الحرب المعاصرة يكمن في تراجع أهمية السلاح والأفعال الخشنة والصدامات المعلنة لمصلحة سلاح بدا أكثر أهمية وأمضى تأثيراً؛ إنه سلاح الإعلام، بما يمتلكه من آليات تأثير في وعي الشعوب المستهدفة بالعدوان.
 
تغيرت آليات الصراع السياسي في العالم بفعل التطورات الجديدة الناجمة عن الامتزاج الخطير بين تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات، وبسبب هذا الامتزاج نشأت آلية تأثير فعالة، كان بإمكانها في أحيان عديدة أن تحسم حروباً، وتشعل فوضى، وتسقط أنظمة، وتقود دولاً بدت راسخة ومستقرة لعقود إلى التفتت والضياع.
 
خسائر فادحة
لقد مضى وقت مناسب بما يكفي لمعاينة حصاد الانتفاضات التي اندلعت في المنطقة العربية بدءاً من العام 2011؛ وهي انتفاضات اشتعلت تحت شعارات براقة، روجت لها منابر إعلامية توزعت ما بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، واتخذت اسماً جذاباً وبراقاً في آن... “الربيع العربي”.
 
بسبب هذه الانتفاضات التي أُطلق عليها تمويهاً وخداعاً لقب “الربيع العربي”، انهارت دول مثل سوريا وليبيا واليمن، وكادت مصر تنزلق إلى حرب أهلية مهلكة، كما تعرضت تونس لتغيرات جوهرية، وشهدت دول أخرى محاولات للتثوير وصناعة التمرد بهدف جرها إلى أتون الثورات وصولاً إلى انهيارها وانزلاقها في دوائر العنف.
 
كان الإعلام عاملاً جوهرياً وأداة رئيسية في صناعة حالة الغضب العمومية في الدول المستهدفة كلها، وقد جرى هذا عبر تنسيق محكم ما بين آليات الإعلام التقليدي والإعلام الجديد.
 
وبموازاة الجهد الإعلامي الذي استهدف صناعة واقع افتراضي مختلق ومواز، برزت الأدوار الصلبة المتمثلة في جهود سياسية، وتمويلات، وصناعة حالة إرهابية قوامها متشددون أيديولوجيون ومرتزقة، تمت إتاحة الفرص الكاملة لهم لشن هجمات مؤثرة وتحقيق أهداف تخريبية.
 
لم ينته مشروع التثوير وإشاعة التمرد وخلق حالة الفوضى في المنطقة، والدليل على ذلك يمكن إيجاده في الخطاب الإعلامي الصادر عن المنابر الإعلامية الهدامة، التي لم تتوقف لحظة عن بث الدعاية السوداء الهادفة إلى صناعة الفتنة وجلب الخراب.
 
مشروع العدوان
يقوم مشروع العدوان القطري- التركي على ثنائية غريبة وشديدة التناقض؛ إذ يتأسس هذا المشروع على قاعدة أيديولوجية تقليدية، تنطلق من موقف متطرف ذي سند ديني، ينتج عنه خطاب يصور للجمهور المستهدف أنه يدعو إلى “نصرة الإسلام” والذود عن حياضه، ويتبنى قضايا الأمة الإسلامية وعلى رأسها بالطبع القضية الفلسطينية ومجابهة إسرائيل.
 
عند تحليل العلاقات الإسرائيلية مع كل من قطر وتركيا تبرز حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها رغم كل محاولات التعتيم عليها؛ إذ ترتبط الدولتان بعلاقات قوية بإسرائيل، وتنشأ أنماط تعاون وتفاهم مشتركة بين الجانبين، وصولاً إلى مفهوم العلاقات الاستراتيجية كما في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب.
 
ورغم ازدهار هذه العلاقات في الحالتين القطرية والتركية، فإن وسائل الإعلام التابعة للدولتين الأخيرتين تتبنى خطاباً مزدوجاً إزاء إسرائيل، وتصور للجمهور العربي أن الدوحة وأنقرة معاديتان للدولة العبرية وداعمتان للقضية الفلسطينية وهو أمر يناقض الواقع ولا يقوم عليه أي دليل.
 
وبموازاة الخطاب الزاعق والمتوسل بالشعارات التقليدية، تزدهر العلاقات مع إسرائيل، ويتم استخدام القضية الفلسطينية من أجل تعزيز مراكز نفوذ تركيا وقطر.
 
ولأن بعض دول المنطقة مثل الإمارات والسعودية ومصر والبحرين لا تزال قادرة على لعب دور قوي مناصر للقضية الفلسطينية وحافظ للنظام الإقليمي العربي وقادر على صيانة الأمن الوطني، فإن تلك الدول باتت على “لوحة الاستهداف” القطرية والتركية.
 
لقد أدركت الدوحة وأنقرة أن تنفيذ مشروع العدوان على المنطقة، عبر تفتيت دولها الرئيسية وإسقاط أنظمتها واستباحة أمنها الوطني، لن يتأتى من دون القضاء على التماسك الوطني الداخلي في تلك الدول من جانب، وتفتيت عرى تحالفها واتساق سياساتها من جانب آخر.
 
ولم يكن هناك سلاح يمكنه التأثير في قوة هذه الدول وقدراتها الضخمة والمتنوعة سوى سلاح التزييف والفبركة والاصطناع، وصولاً إلى خطف الجمهور في الدول الأربع، وغيرها من دول العالم العربي، ذهنياً.
 
الخطف الذهني
يشير التحليل الدقيق لآلة الإعلام التركية والقطرية إلى أن تلك الآلة تعمل وفق استراتيجية معدة بإحكام لتنفيذ أهداف سياسية واستراتيجية يمكن من خلالها القضاء على الدول العربية الرئيسية وتفتيتها وصولاً إلى ضرب مشروعات الدولة الوطنية وتهيئة الأرض لمشروع الخلافة المزعومة وخلق كيانات طائفية تنخرط في احتراب أهلي وفوضى ودمار.
 
بدأت قطر مشروعها مبكراً في عام 1996 مع انطلاق شبكة “الجزيرة” الإعلامية، التي فتحت باباً واسعاً لعناصر تنظيم “الإخوان”، واعتمدت خطاباً تثويرياً وتحريضياً.
 
وعبر موارد مادية وكوادر مدربة وأنماط إنتاج متقدمة، استطاعت “الجزيرة” أن تتمركز سريعاً في الواقع الفضائي العربي، وبات لها جمهور انخدع بمقولاتها ومنحها قدراً من المصداقية.
 
راحت “الجزيرة” بعد تمركزها كوسيلة إعلام رئيسية مهمة قادرة على الوصول إلى كل البيوت العربية تسفر عن وجهها المشين، عبر ارتكاب كافة الأخطاء التي شخصتها الأكاديميات الإعلامية الدولية.
 
اعتمدت “الجزيرة” على البث المتكرر للأكاذيب والافتراءات تحت ستار حرية الرأي والتعبير ومنح صوت لمن لا صوت له، وفي غضون ذلك مارست تشويه الحقائق، واختلاق الوقائع، والتحريض على العنف، وإثارة الكراهية، والفبركة والاصطناع، والنزع من السياق، والاختيار المغرض للمصادر.
 
لم تكن الاستجابة العربية للأخطار التي تُصدّرها “الجزيرة” على المستوى المطلوب في البداية؛ وهو الأمر الذي مكنها من كسب أرض واسعة في ساحة الوعي العربية، ويسر لها خطف قطاعات مهمة من الجمهور ذهنياً.
 
وعندما أضحت “الجزيرة” أحد مصادر الاعتماد المهمة لدى قطاعات من الجمهور العربي فيما يخص الشئون الداخلية والخارجية، راحت تخلق واقعاً زائفاً مثّل واقعاً بديلاً في عديد الدول العربية، واستطاعت من خلاله أن تسقط عواصم وتفتت دولاً.
 
أيدت “الجزيرة” كل حراك استهدف تدمير الدولة الوطنية العربية، وعززت كل نزعات التخريب، وعارضت جمع السلاح غير الشرعي، وصورت الإرهابيين في صورة الأبطال والثوار.
 
مع وصول حزب العدالة والتنمية في تركيا للحكم في مطلع 2003، بدأت خطة تطوير الإعلام التركي ليلعب دوراً مماثلاً إزاء المنطقة العربية. 
 
راحت أنقرة تضخ موارد ضخمة في وكالة أنباء الأناضول، وتنشئ منظومة إعلامية تتحدث بالعربية لمخاطبة جمهور المنطقة، وتنفق الملايين على صناعة الدراما التي استهدفت تقديم صورة براقة لما يجري في تركيا من جانب، واستعادة أمجاد الخلافة الإسلامية المزعومة من جانب آخر، مع تصوير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوصفه “الخليفة المنتظر”.
 
ولم تكتف تركيا بهذا الاقتراب المثير للاهتمام عبر أدواتها الإعلامية المباشرة، لكنها بموازاة ذلك أطلقت عدداً من الأدوات الإعلامية العربية التابعة لتنظيم “الإخوان” من أراضيها، ووفرت لها الحماية والموارد والمساعدة التقنية والإشراف السياسي، لكي تمارس دورها التخريبي عبر مخاطبة الجمهور العربي من إسطنبول، لتحريضه على التمرد والتخريب وممارسة العنف ضد الدول العربية المناوئة لمشروعها العدواني.
 
السيادة الإعلامية
لقد تغير مفهوم السيادة الإعلامية تغيراً جذرياً بسبب التطورات الحادة والمتسارعة في المجال الاتصالي العالمي؛ وبعدما كان بمقدور كل دولة ذات سيادة أن تحمي مجالها الإعلامي الوطني، قادت التغيرات الجديدة إلى تضعضع السيادة الإعلامية على هذا المجال لمصلحة تدخلات إعلامية ورسائل لا يمكن الحد منها مهما انطوت على جرائم أو ممارسات حادة ومسيئة.
 
تعتمد الخطة الإعلامية القطرية- التركية على استغلال تداخل نطاقات الترددات الفضائية بين الأقمار الاصطناعية في المنطقة للنفاذ إلى الوعي الوطني في الدول المستهدفة عبر بث سمومها من خلال الفضائيات.
 
وإلى جانب القصف الفضائي، وظفت الدوحة وأنقرة آليات وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الوصول إلى قطاعات واسعة في الجمهور العربي الذي يسجل أحد أكبر معدلات التفاعل مع “السوشيال ميديا” على الصعيد العالمي.
 
تعمل اللجان الإلكترونية التابعة للدولتين على بث الأكاذيب والأخبار المفبركة والدعاية السوداء على مدار الساعة من خلال تنظيم محكم، بشكل أدى إلى خطف ملايين العرب ذهنياً، وإبقائهم أسرى لواقع مصطنع لا يمت بصلة للحقيقة.
 
كان إعلان الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (الإمارات، والسعودية، والبحرين، ومصر) مقاطعة قطر عملاً ضرورياً وأسلوب مواجهة جوهرياً للضغط على الدوحة والحد من أخطار مشروعها العدواني على المنطقة.
 
بسبب هذه المقاطعة تأثرت قدرات قطر التخريبية على أكثر من صعيد، لكن آلتها الإعلامية لا تزال قادرة على بث الأكاذيب وصناعة الواقع المزيف، كما أن تنسيقها الواضح مع المشروع العدواني التركي ورديفه “الإخواني” لا يزال قادراً على التأثير.
 
ستكون الدولة الوطنية العربية مطالبة ببذل المزيد من الجهد من أجل الحفاظ على وعي جمهورها وتحرير القطاعات التي تم خطفها ذهنياً منه، ولن يحدث ذلك إلا من خلال جهود إعلامية ذكية ومستدامة ودؤوبة.
 
تقوم تلك الجهود على مواصلة فضح أكاذيب وافتراءات الآلة الإعلامية التركية- القطرية المشتركة، وهو أمر يحتاج إلى المزيد من القدرات الاستقصائية.
 
لا يجب أن يكتفي الخطاب العربي المناصر للوعي والفاضح للاختلاق بالرد على أكاذيب آلة الإعلام المعادية، لكن ذلك الخطاب ينبغي أن يتضمن أيضاً توضيح آليات التزييف المعتمدة في خلق الواقع البديل، لأن مثل ذلك التوضيح يعد خطوة أساسية في تحرير الوعي المستلب والمتماهي لبعض قطاعات الجمهور.
 
وكلما كان الإعلام العربي المناهض للمشروع العدواني القطري- التركي منفتحاً وشفافاً ومهنياً، تعززت قدراته على المواجهة في تلك المعركة الصعبة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-10-07 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره