مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-06-01

التسامح في تاريخ المجتمعات .. مقارنة بين العرب والغرب

ارتبط التسامح في النص الإسلامي المؤسس (القرآن الكريم) بقيم مثل الرفق الذي هو ضد الحمق والخرق والعنف، وكذلك الحلم، الذي يعني الوعي بحالات الضغف التي تتناب الإنسان والصبر عليها، وأيضا العفو وهو الاستعداد للتنازل عن الحق الشخصي، وقبل كل هذا بالرحمة،1 التي هي القيمة المركزية للإٍسلام، ما يدل عليه مخاطبة الله سبحانه وتعالى للرسول الكريم قائلا له: «وإنك لعلى خلق عظيم».
 
بقلم: د.عمار علي حسن
 
وتجلت هذه المعاني في الكثير من التصرفات التي أتى المؤرخون على ذكرها مثل «وثيقة المدينة» التي أبرمها الرسول مع أهل يثرب بمن فيهم اليهود، وتعامله مع نصارى نجران، وتصرفات الخليفة الثاني عمر بن الخطاب المتمثلة في «العهدة العمرية» والتي كانت ثورة بمقاييس زمنها، وعقابه لابن والي مصر عمرو ابن العاص حين ضرب صبيا قبطيا. وقد احتشدت عبقريات العقاد، على سبيل المثال، بكثير من هذه المعاني، وكذلك كتابات خالد محمد خالد عن الصحابة، وكتابات عبد الحليم محمود عن المتصوفة.
 
لكن قضية التسامح الديني لم تتبلور نظريا بشكل محدد المعالم إلا مع كتابات «إخوان الصفا»، حيث لم تشتمل رسائلهم على عبارة صريحة أو ضمنية تنطوي على تعصب لشعب على آخر، أو لأمة على أخرى. وينهض التسامح لديهم على أساسين هما: 
1 ـ الأديان متماثلة في حقائقها الإلهية، وإنما يقع الاختلاف في الشرائع أو مناهج العمل والأوامر والنواهي، وهو اختلاف ينسجم مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.
2 ـ اكتساب الفرد لدين ما لم يقع باختياره، بل تم في صغره وترسخ في نفسه، بحيث عاد لا يستطيع الخروج عليه، ما يجعله غير مسؤول عما لا يرضى الآخر عنه منه.
 
وتحدث «إخوان الصفا» عن التسامح المذهبي والقائم على عدة نقاط اختلاف، مثل اختلاف في ألفاظ القرآن كالذي بين القراء، واختلاف في المعاني مثل ما هو بين المفسرين، واختلاف في أسرار الدين وحقائق معانيه الخفية كالذي بين المقلدين والمستبصرين، واختلاف في الأئمة كالذي بين الشيعة، واختلاف في أحكام الشريعة، وسنن الدين، كالذي بين الفقهاء.2
لكن الفكر والفقه الإسلامي فيما بعد اعتبر أن المشكلة الأساسية لا تحل بـ «التسامح» إنما بـ «فتح باب الاجتهاد» فانشغلت العقول بهذا، ولم يخل انشغالها من معنى وسبب مقنع، نظرا لأن توقف الاجتهاد ساعد على بقاء كثير من الآراء التي تكرس التعصب، وتقلل من قيمة التحاور والتعارف، لاسيما في ظل دخول العالم الإسلامي في صراعات متواصلة بدءا بالصليبيين والمغول وانتهاء بالحركة الاستعمارية في العصر الحديث.
 
وعاد العرب يطرحون القضية مع نهضتهم الحديثة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، فاشتبك المسيحيون العرب في جدل حول نظرية داروين، ثم تدخل بعض المسلمين للدفاع عن الإسلام في مواجهة مستشرقين وسياسيين تحدثوا عن حرية الضمير، وحرية تغيير الدين، واخذوا على المسلمين مسألة حد الردة والجهاد وتهميش النساء،3 ثم تحدث أمين الريحاني عن التساهل الديني، ورأى أنه أساس التمدن، لأنه أطلق طاقة الفكر الجرئ في كل مجال، وعزز سلطة الضمير، وقيد السلطة السياسية المتألهة، ومنح الحريات الفردية والعامة، وكتب أديب اسحق عن التعصب والتساهل، وكتب جمال الدين الأفغاني عن مثالب التعصب، وقدم سليم البستاني وشبلي شميل العديد من الآراء التي التقطوها من الفكر الغربي في هذا الصدد. وقد التف الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي على المسألة على نحو اعتذاري قبل أن يميزوا مع الكواكبي بين تسامح سياسي يقبلونه، وبين تساهل ديني غير مقبول.4 وقد استفاض فرح أنطون في تناول قضية فصل الدين عن السياسة.
 
وفي الوقت المعاصر أخذت قضية التسامح دفعة قوية، بعد ترسيخ الدساتير والقوانين للمساواة، على المستوى النظري، بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتعزز قدرة المجتمع المدني في التأثير، وتبنيه لقضية «المواطنة»، والالتفات إلى ضرورة الحوار، على المستوى الداخلي بين الفئات والشرائح التي تشكل الدولة، وعلى المستوى الأكبر حيث حوار الحضارات.
 
أما في السياق الغربي فقد ظهر لفظ «التسامح» في القرن السادس شعر بأوروبا، وتم تداوله باللغة اللاتينية، على لسان وبأقلام الأدباء الكلاسيكيين، على أنه يعني «التحمل السلبي والقبول». وفي النصف الثاني من القرن المذكور بدأ المفهوم يعني «السماح المتصل بالحرية الدينية»، ليطرح القديس توما الأكويني الأسئلة الجوهرية في تلك الآونة: هل نتسامح مع غير المؤمنين؟ وهل يمكن أن نسمح بوجود ديانتين أو أكثر أو بالأحرى هل نتسامح معهما في مملكة مسيحية واحدة؟ وكان اللاهوتيون يفضلون في البداية «السماح» بمعنى «إعطاء الإذن» على «التسامح»، ونبه بعضهم إلى أن السماح لا يعني بالضرورة تأييد ما عليه أصحاب الأديان المغايرة.5
 
وأخذ المفهوم يرتبط وقتها بنقاش حول «العودة إلى الضمير» و»العودة إلى الكتاب المقدس» وقضية «الروحانية الصوفية»، ليأخذ بعدها طريقه إلى الانتقال من التسامح إلى الحرية الدينية، ومنها إلى تعبير وتدبير يضمن التسامح الأهلي والسياسي.
 
ومثلت كتابات بيير باييل ( 1647 ـ 1706)  نقطة تحول مهمة في هذا الاتجاه، حيث جاءات لتعطي مسألة التسامح دفعة قوية، حيث جعله شاملا كل العقائد والمذاهب، وشرطه ألا يخل صاحب معتقد مخالف بالنظام العام، ولا يكون من رقيب عليه في هذا، ولا معيار لقياس التزامه، سوى ضميره، أو ما أسماه «نور الضمير». أما جون لوك فقد استثني من تسامحه الملحد والكاثوليكي والمسلم. فالأول في نظره، لا ثقيه فيما يقسمه من يمين، والثاني ولاءه لسلطة خارج الدولة التي يعيش في ظلها، والثالث لا يعيش تحت حكم دولة مسيحية. لكن فصل لوك الحاسم بين الدين والدولة، وبين مجتمع السياسة ومجتمع الإكليروس، قد أفاد قضية التسامح.
 
وقبل الثورة الفرنسية كان موضوع التسامح مرتبطا بسبل التعايش بين الكاثوليك والبروتستانت. وبعد الثورة صار متعلقا بفصل الدين الدولة. أما في التجربة الأمريكية فقد ارتبط بمنع الدولة من التدخل في الشأن السياسي استهدافا أو استعمالا أو استغلالا.6
وقد كانت فكرة التسامح في السياق الغربي هي المخرج من الحروب الأهلية التي استمرت طويلا بين المذاهب المسيحية، ثم لم تلبث أن صارت هذه الفكرة قيمة مدنية مناطها الحرية الفردية.7 ففي إطار البحث عن حلول فلسفية ومعرفية ومجتمعية للاختلافات التي كانت تعصف بالمجتمعات الغربية، تم نحت وبلورة مفهوم التسامح كإجابة بديلة للاختلافات العقدية والسياسية.8
 
وتأثر فولتير في نظرته إلى التسامح بحضور الرأي العام إلى المشهد، بعد أن كانت هذه المسألة ذات طابع نخبوي. وساهم هذا في انتقال التسامح إلى الإقرار بمشروعية وحيوية وأهمية «التعددية الثقافية»، ليتحول من قضية دينية إلى قضية ثقافية، يسعى إلى الإجابة على سؤال مهم هو: كيف تتعايش الثقافات بما فيها الأديان؟.9
 
وقد جاء الاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه مكونا أساسيا للحقوق الإنسانية ليرسخ قضية التسامح، وهو إن كان ظاهرة جديدة، فإن مساره يعود إلى زمن بعيد، لكن صوته كان غير مسموع وسط النزاعات والصراعات، وبدا أن هناك دوما ما يميل إلى إخفاء ذاكرة زمن كانت فيه قضية التعدد الثقافي مقموعة، تواجه رفضا في الاستماع إليها.10
 
هوامش  (Endnotes)
1 - ماجد الغرباوي، «التسامح ومنابع اللاتسامح  .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات»، (بغداد، مؤسسة العارف للمطبوعات، 2008) الطبعة الأولى، ص: 154 ـ 160.
2 - على خليل حمد، “التسامح في الفكر العربي”، (رام الله، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، 2011) الطبعة الأولى، ص: 9 ـ 18.
3 - د. رضوان السيد، “في الحاجة إلى التسامح”، في: عبد الإله بلقزيز (محرر) “الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية .. من الفتنة إلى دولة القانون”، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2013) الطبعة الأولى ، ص: 109 ـ 111.
4 - صالح مصباح، “من التساهل إلى الخصوصية الثقافية .. تحولات أشكال التسامح في حركة التنوير العربية”، في: مجموعة باحثين، “التنوير والتسامح وتجديد الفكر العربي”، (تونس، بيت الحكمة، 2005) الطبعة الأولى، ص: 325 ـ 330.
5 - جوزيف لوكلير، “تاريخ التسامح في عصر الإصلاح” ترجمة: د. جورج سليمان، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2009) الطبعة الأولى، ص: 23 ـ 24.
6 -  رضوان السيد ، مرجع سابق، ص: 109 ـ 110.
7 -  هبة رؤوف عزت، “التسامح بوصفه أداة للإدارة الاجتماعية”، في: مجموعة كتاب، “التسامح .. القوة المنسية”، (الرياض، كتاب مجلة المعرفة، 2006) الطبعة الأولىن ص: 26.
8 - محمد محفوظ، “التسامح وقضايا العيش المشترك”، (القطيف، مركز آفاق للتدريب والدراسات، آطياف للنشر والتوزيع، 2007) الطبعة الأولى، ص: 10.
9 - علي أومليل، “من التسامح إلى التعددية الثقافية” في: عبد الإله بلقزيز، مرجع سابق ، ص: 99 ـ 107.
10 - أرمان ماتلار، “التنوع الثقافي والعولمة”، ترجمة: خليل أحمد خليل، (بيروت، دار الفارابي، 2008) الطبعة الأولى، ص: 14.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2016-11-01
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره