مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-08-01

الإعلام العربي...هل واكب صراعـات المنطقـة التنمويـة أم كان سـبباً في خلقها؟

عاشت منطقة الشرق الأوسط منذ القدم العديد من الصراعات والنزاعات حتى بات ذلك مرادفاً لها، فليس بجديد ما يحدث في منطقتنا ولكن الجديد هو كيفية استخدام الإعلام من قبل جميع الأطراف، فتقنيات الإعلام والاتصال أزالت الحدود بين الدول وقاربت بين الشعوب تارة وباعدتهم تارة أخرى. 
 
 
بقلـم: 
مريم عيد المهيري 
 
 
وقد يرى البعض أن الإعلام لعب دوراً بارزاً في تشجيع حرية التعبير والتي ساعدت في اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربي، بينما يرى البعض كما أن هذا الإعلام هو ذاته السبب وراء تدهور بعض الدول خاصة وأنه أضاف حروباً إعلامية إلى الحروب العسكرية الدائرة، إذ وظفت الجهات المتنازعة الإعلام الحديث والتقليدي للتعبير عن سياساتهم وتغطية أخبارهم وعملياتهم من وجهة نظرهم بالإضافة إلى تأليب الرأي العام واستقطاب مناصرين.
 
 
أيضاً، ينقسم الرأي حول دور هذا الإعلام، فالبعض يرى أن وجوده لا غنى عنه، فهو يمثل حق المواطن في المعرفة والتعبير ومتنفس حرية، حتى أنه قد يرى الصحفي بقلمه أرفع منزلة من المعلم. بينما يرى البعض الآخر أن الإعلام مهنة وصناعة تكبر مع الكوارث وتخبو أيام السلم. قد يبدو لهذه الفرضية جانب من الصواب، فـ»صناعة» الإعلام عربياً تقدر حالياً بحوالي 12.4 مليار دولار، بنسبة نمو %25 مقارنة لما كانت عليه قبل 2011.
 
 
ما لا اختلاف عليه، هوأن إعلامنا العربي وجد نفسه خلال العقد الحالي، تحت العديد من التحديات. 
 
 
أول هذه التحديات هو المهنية والمصداقية، ففي خضم التطورات الكثيرة والمتسارعة والمتشعبة في المنطقة، ارتأت بعض المؤسسات الإعلامية أن تغض الطرف عن أقل أبجديات العمل الصحفي، ألا وهي تدقيق المصادر وتحري المعلومة وتأمين مصادر محأيدة مستقلة وموثوقة. وهي تسارع في نشر المعلومات قبل التحقق منها وذلك سعياً وراء السبق الصحفي و”السكوب”، حتى أصبح السباق يدور حول من يأتي بالخبر أولاً بغض النظر عن صحته ومصداقيته.
 
 
وفي نفس النطاق، تأتي الموضوعية كتحدٍ آخر، فالمعروف أن مهمة الإعلامي، خاصة الصحفي الذي ينقل الخبر من مناطق الصراعات، هي عرض الحقائق والمعلومات دون إصدار أي من الأحكام. والذي نراه يحدث كثيراً الآن أن هناك مؤسسات إعلام إقليمية قد ارتأت تعديل الأخبار لتغير المحتوى ليتماشى مع أجندتها السياسية، ضاربة عرض الحائط بالمهنية والمسؤولية الإعلامية في احترام عقول المتلقي.
 
 
هذا التخبط وضع القارئ أو المشاهد وسط حالة من الحيرة، فقناة تُكذِّب الأخرى وصحيفة تقول القول وأخرى تقول عكسه، حتى أصبحت الأخبار الكاذبة والمغلوطة والوقائع المزيفة حدثاً يومياً في نشراتنا الإخبارية وصحفنا اليومية، لينتهي الأمر بالمتلقي إلى سؤال نفسه “من وماذا أصدق؟”. ولتجاوز هذا التحدي بنجاح، يجب على مؤسساتنا الإعلامية العودة إلى الأصل، وتحمل مسؤولياتها تجاه المتلقي في ضرورة التحقق من مصادر الأخبار والتدقيق، حتى يعود الإعلام مصدر للحقيقة و”سلطة رابعة” بكل ما تحمله هذه الصفة من معنى، محافظاً على رسالته السامية في نقل الحقيقة دون تزييف أوتجميل أوما يمكن أن يوصف بالتدنيس.
 
 
من جهة أخرى، كان على صناعة الإعلام في عالمنا العربي خوض مواجهة أخرى وطيسها أحمى، فالتكنولوجيا وثورة مواقع التواصل الاجتماعي، نافست، بل وتفوقت في كثير من الأحيان على الإعلام التقليدي، فكان على إدارات الصحف والقنوات، أن تحاول جاهدة مواكبة سرعة الضوء التي كان إعلام “تويتر” و”فيس بوك” يسير بها. 
 
 
الفجوة بين الإعلامين التقليدي والرقمي بدأت بالتنامي بشكل ملحوظ مع ظهور جيل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد لُوحظ تغير واضح في السلوك الاستهلاكي لقارئ اليوم الذي لم يعد يتحمل صبر تصفح الورق ومشاهدة التلفاز، حيث يفضل الصحف الإلكترونية، التي تتيح له تصفح جميع الصحف ومتابعة جميع القنوات من خلال صفحته على “تويتر” أو“فايس بوك” دون عناء يذكر. كما أتاحت هذه المنصات الإلكترونية للمتلقي فرصة متابعة الأحداث لحظة حدوثها ونقل المعلومات بالصوت والصورة، في الوقت الذي على الصحف انتظار “طبعة الغد” لتزويد القارئ بأخبار حدثت بالأمس، وهوما يجعلها تفقد السبق الصحفي الذي كان في سنوات مضت مؤشراً لتَفوُّق صحيفة عن الأخرى.
 
 
والأهم من هذا ظهور وانتشار صحافة المواطن والتي تسمى أيضاً بالصحافة التشاركية وصحافة الشارع، والإعلام البديل وغيره من المسميات الأخرى، والتي تعتمد على تمكين الأفراد غير المتخصصين بفضل هذه التقنيات ليصبحوا صحافيين ينشرون الأخبار ويساهمون في عرض القضايا والأفكار والموضوعات والتأثير في الرأي العام، دون أن يكونوا مؤهلين في مجالات العمل الإعلامي.
وكأي إعلام حديث النشأة فصحافة المواطن، على الرغم من أنها توفر بيئة للنقاش والتفاعل وطرح الآراء ووجهات النظر المتنوعة، فهي تضيف للتحديات إذ إنها تساعد أحياناً في نشر الشائعات والتقارير الخاطئة بشكل سريع جدا، وقد تحد العواطف من سرد الأحداث بموضوعية. 
 
 
مرة أخرى وكما في التحدي الأول، ترمى الكرة في ملعب المؤسسات الإعلامية لمواجهة التحدي الثاني، لن تجدي محاولة منافسة الإعلام الرقمي، بل الأفضل التأقلم مع الوضع الجديد من خلال إيجاد صيغة للتكامل مع صحافة المواطن والتي يمكن أن تضم قواعد وتشريعات تحدد أخلاقيات العمل الإعلامي بكل أوجهه وأشكاله، وتشجيع على اتباع أدبيات معية تلتزم بضوابط وأخلاقيات المجتمع.
 
 
التحدي الثالث الذي كان على السلطة الرابعة المرور عبره خلال السنوات الأخيرة، تمثل في الحيادية وعدم الانحياز، وهو ما فشلت فيه معظم المؤسسات الإعلامية. ومع ارتفاع الوعي حول الأخبار المغلوطة منذ أن فاز دونالد ترمب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ترسخت عند المتلقي حقيقة لا جدال فيها، وهي أنه لا توجد هناك حيادية فيما تتناقله وسائل الإعلام سواءً في محيطنا العربي أم حول العالم، من أخبار وموضوعات. إذ تحكم الجغرافيا والتاريخ بأحكامها تارة، فيما يكون للأيديولوجية السياسية والمال والتمويل اليد العليا فيما يكتب ويذاع تارات أخرى.
 
 
طبعاً، قد نتفهم بعضاَ من هذه اللاحيادية في معالجة الأخبار مراعاة للصالح العالم، فهنا يتحول دور المؤسسة الإعلامية من “سلطة رابعة” إلى “قوة ناعمة”، وهومصلطح مقبول عالمياً، حتى أن أشهر المؤسسات الإعلامية كهيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) وفرانس 24 الفرنسية وسي إن إن الأميركية مارسته وتمارسه، فمن مسؤوليات الإعلام بصفته سلطة رابعة خدمة الصالح العام، ونشر الإيجابيات خصوصاً في ظل ما نعانيه في الآونة الأخيرة من انتشار للأخبار السلبية من كل حدب وصوب. هنا قد يحتاج المتلقي إلى بقعة ضوء تعزز طاقاته الإيجابية. وليس أفضل من مثال على ذلك، الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات الإعلامية في تحسين صورة دول مثل كندا والسويد وفنلندا والدنمارك، حتى أصبح العامة يعتقدون بأن هذه الدول لا سلبيات فيها وأنها ملاذ المظلوم والضعيف ومصنع الأحلام، وهووبعد قليل من التفكير، سنجد أنه غير صحيح.
 
 
الخيط الفضي هنا هو التفريق ما بين نقل الإيجابيات كما هي واختلاق إيجابيات من العدم، وأستشهد بالتجربة الإماراتية كمثال، فالإعلام في دولة الإمارات دوره نقل التجربة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وتسليط الضوء على المشاريع الضخمة والاستراتيجية المستقبلية التي وضعها قادة الدولة، محاولاً التركيز على الإيجابيات دون تضخيمها بلا داعٍ، وأيضاً إبراز السلبيات دون تضخيمها دون داعٍ. هنا يكون للقارئ الحق في تصديق الخبر من عدمه، ولعل أرض الواقع خير ميزان قد يستخدمه المتلقي لتدقيق صحة المعلومة من عدمها، فالمشاريع التي تعلنها الدولة، يمكن للمتلقي معاينتها على الأرض والمؤشرات الاقتصادية التي تعلنها مؤسسات التصنيف العالمية خير دليل على جدوى هذه المشاريع. هذه الحقائق دفعت المتلقي إلى بناء جسر من الثقة في إعلامه وفي حكومته، فيصدق أخبار إعلامه عن حكومته ودولته تلقائياً نظراً لعدم وجود ما ينفي ذلك في تجاربه السابقة.
 
 
في حين قد نجد دولاً أخرى في عالمنا العربي صنعت من خلال إعلامها مشاريع من ورق، وباعت “الوهم” لمواطنيها، حتى أن بعضها فاز في حروب في صحفه فقط بينما الواقع يقول أموراً أخرى. في هذه الحالة، خسرت هذه الدول ومؤسساتها الإعلامية من خلال هذه الاستراتجية “الكاذبة” ثقة مواطنيها، فحتى لوجاءت بخبر صادق، كذبه المتلقي دون تردد مستعيناً بذلك بتجاربه السابقة.
 
 
خلاصة القول، إعلامنا العربي وضع في اختبار صعب منذ 2011، فنجح في حين وفشل في أحيان، ولا تزال تحديات الماضي يواجهها الحاضر، وسيواجهها المستقبل. أقل ما يمكنه القيام به هواحترام المتلقي ومراعاة قدسية “القلم”.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره