مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-02-01

الأمن: نحو مفهوم أكثر شمولية

إن احتواء أسباب الخوف مع المقدرة على بث الطمأنينة، ومعالجة الحاجة الدائمة للأفراد في توفير مستويات مناسبة ومستقرة من السلم الأكيد، وتكريس الحريات الأساسية والمحافظة على الحقوق في فروعها الأساسية، كالحق في الحياة والحفاظ على المصالح الضرورية، النظام العام، والقيم الاجتماعية، بعيدا عن القلق والاضطراب والإرهاب، هو الركيزة الأساسية للأمن.
 
ويعتبر مفهوم الأمن مفهوما نسبيا ومتغيرا ومركبا. ولأنه يمثل الهاجس الأول للأفراد والجماعات والأمم التي تسعى إلى تحقيقه بشتى الوسائل، فإنه يصعب تحديد مفهوم واحد له، وإن تعددت التعاريف المقدمة له تبعا للسياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي الذي يتحكم في سيرورته، لذلك سنحاول من خلال هاته الورقة توضيح وإبراز مجموعة من المحاولات التي قام بها الباحثون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. 
 
مفهوم الأمن
لقد تعددت تلك التعاريف التي عالجت مفهوم الأمن، وفي ذلك يرى «باري بوزان» أنه مفهوم معقد وينبغي لتعريفه الإحاطة بثلاثة جوانب أساسية؛ تنطلق من السياق السياسي للمفهوم، مرورا بالأبعاد المختلفة له، وانتهاء بالغموض والاختلاف الذي يرتبط به عند تطبيقه في العلاقات الدولية. كما ارتبط مفهوم «الأمن « في الأدبيات السياسية الدولية التقليدية بمفهوم «الدولة «، التي تمثل العنصر المحوري في سياق النظام الدولي، وقد ميز «هوبز» بين وضعية حالة «المجتمع» وحالة «الطبيعية»، فالبحث عن الأمن جعل البشر ينخرطون في مجتمعات يربط بينها عقد اجتماعي تتخلى بموجبه  عن حريتها لصالح سلطة مركزية مشتركة، ويرى هوبز أن السلطة المركزية  (الدولة) قد جاءت من اجل حماية الشعب ضد العدوان الخارجي، وبذلك فإن الأفراد فوضوا للدولة حماية أمنهم.
 
وجدير بالإشارة طابع التمايز بين جل التعاريف التقليدية في مضمون الأمن في طابعه العسكري السياسي المحض، ويعتبر «والتز ليبمان» من أوائل الذين وضعوا تعريفا لمصطلح الأمن، إذ يرى أن الدولة تكون آمنة إذا لم تبلغ الحد الذي تضحي فيه بقيمها إن أرادت أن تتجنب الحرب، وفي ذلك يقول « إن الأمة تبقى في وضع آمن إلى الحد الذي لا تكون فيه عرضة للخطر، للتضحية بالقيم الأساسية إذا كانت ترغب في تفادي وقوع حرب كهذه»، فأمن الدول تبعا لهذا التعريف غير منفصل عن معيار القوة العسكرية لأنه مرادف للحرب.
 
أما «سموك»  فيقول « إن البديهية التي أساسها سيادة مبدأ حماية الأمن القومي على أي وظيفة أخرى للدولة، ليست في حاجة إلى مناقشة »، في حين يعرف «بروكوفيتر بوك  Bock  Birkovetz « الأمن القومي بأنه « حماية الدولة من الخطر الخارجي ... فصيانة السيادة و الوحدة الترابية و سلامتها ينبغي أن تفهم على أنها متطلبات أساسية لتحقيق الأمن بالنسبة للدولة الأمة».
 
أما التعاريف التي ساهم بها الباحثون العرب في هذا الإطار، فنذكر من ضمنها تعريف «حامد ربيع» الذي يرى أن مفهوم الأمن القومي، هو في أساسه عسكري، ينبع من خصائص الأوضاع الدفاعية للإقليم القومي، ويتحول في صياغة تنظيرية ليصبح مجموعة قواعد منظمة للسلوك الجماعي، والقيادي بدلالة سياسية، وبجزاء لا ينحصر فقط في التعامل الخارجي. بعبارة أخرى فان الأمن  يفرض على الدولة أن تفرض على الدولة التي تتعامل معها، مراعاتها وأخذ وجودها بعين الاعتبار لكي تضمن لنفسها نوعا من الحماية  الذاتية الوقائية الإقليمية، إلا أن هذا لا يحدث إلا إذا توفر قدر من الإمكانات العسكرية لدى الدولة. 
 
ويكاد يتفق العديد من الباحثين العرب مع هذا التصور، إذ نجد على سبيل المثال المفكر عبد الوهاب الكيالي، في «موسوعة السياسة» يعرف الأمن القومي، بأنه «تامين سلامة الدولة من أخطار داخلية وخارجية، قد تؤدي إلى الوقوع تحت سيطرة أجنبية نتيجة ضغوط خارجية أو انهيار داخلي». أما «عدلي سعيد» فيرى أن الأمن القومي، هو «الحفاظ على بقاء الدولة بكامل سيادتها على أرضها، وتماسك شعبها في مأمن من الأطماع أو تهديدات الغير، وتوفير الحد اللازم من الاستقرار والسلام الذي يضمن لها دوام التقدم وصولا إلى رخاء شعبها ، مع صيانة ذلك من خلال القدرة على دفع أي طرف دولي عن النيل من استقرارها واستقـلال أمـنها».
 
من جهة أخرى، نلاحظ من خلال وجهة نظر ميثاق الأمم المتحدة، أن مفاهيم «السلم» و»الأمن» ترتبط بغياب استخدام الأسلحة. فالميثاق يعطي طابع عسكري للمفهومين، فحسب «يوهان غالتون» «Johan Goltung» «السلم» هو غياب العنف. من ناحية أخرى، يمكن اعتبار «الأمن» بصفة عامة هو الحالة التي تكون فيها الدولة محمية من أي خطر خارجي قد يهدد سلامتها واستقرارها واستقلالها، ووحدة أراضيها. فيمكن اعتبار أن السلم والأمن الدوليين يبقى مرتبطا بالبعد العسكري، وفي هذه الحالة يكون «السلم» يعني غياب الحرب و»الأمن» هو غياب التهديد بالحرب.
ويرى الفقيه «محمد بنونة»، بأن السلم والأمن الدولي ليس له أي قيمة ذاتية، إذا لم يأت بأفكار العدالة والمساواة واحترام الاختلاف الثقافي والحضاري.
 
الاستقلال والسيادة
ويتبين مما تقدم أن مفهوم الأمن وفق هذه التعاريف الضيقة السابقة، يتجسد في جوانب معينة ، ويرتبط أساسا بقضايا الاستقلال والسيادة ومصالح الدول وكيانها، ويتعلق بقضايا الحرب والصراع من أجل القوة، ويتمثل كذلك في الردع ضد التهديد الخارجي، و وينبني على القوة والزيادة في إمكانيات الدول في تسلحها، لذلك تكتسي ملامح الأمن حسب هذه التعاريف التقليدية  طابعا عسكريا ويمكن وصفه بالأمن الخشن Hard Security . 
 
غير أن هذه التعاريف السابقة، على الرغم من أهميتها، ستعرف تراجعا بفعل تطور مفهوم الأمن، إذا لم تعد القوة العسكرية هي مصدر التهديد الرئيسي له، بل ظهرت قوى جديدة تمثلت في التهديدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، مما حذا بالعديد من المفكرين والباحثين إلى المناداة والتنبيه إلى دلالات أكثر استيعابا، تؤسس مفهوما جديد للأمن خارج فضائه القومي الضيق، وفي هذا السياق نجد كلا من «كينيث» و «والتز» قد عرفا الأمن على أنه « ذلك الفعل أو الحدث الذي يهدد بطريقة كارثية وفي مدة زمنية قصيرة مستوى حياة سكان الدولة، ويهدد مجموعة من الخيارات الخاصة بصياغة السياسة العامة المتاحة أمام دولة ما، أو أمام مسيري التنظيمات و التكتلات الخاصة (شركات، تكتلات اقتصادية ، منظمات دولية وغير حكومية)»، بينما قدم «ويفر» مفهوما متخصصا للأمن، وهو الأمن المجتمعي، « إذ يرى أن الأمن هو حماية المجتمع من تهديدات مرتبطة بجملة من الظواهر، كالعولمة والظواهر العابرة للحدود كالهجرة السرية، الجريمة المنظمة ، الإرهاب.. وغيرها».
ويتبنى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان « نفس الدلالة الجديدة وأكثر، كما تعبر عن ذلك خطبه وتوجيهاته؛ حيث يؤكد دائما على ضرورة تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي، وتوفير شروط الكرامة والهوية والعيش الكريم؛ وهو بذلك لا يحصر مفهوم الأمن في البعد العسكري، بل يتعدى ذلك إلى التنمية بمفهومها الواسع للأمن، أي التنمية في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ... .
 
وهو بالتالي-حفظه الله-، يؤمن بصيغة موسعة للأمن، تتضمن الدفاع عن القيم الوطنية، الوحدة الترابية، بقاء الدولة، وضمان سلامة السكان، وإيجاد ظروف مواتية للرخاء، و الحفاظ على الانسجام الاجتماعي، والبناء الوطني، محددا بذلك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسكانية كأبرز جوانب الأمن في دولة الإمارات، ويمتد -طبعا- ليتضمن سلامة الدولة وسيادتها ووحدة ترابها،  وكذا استقرار جوارها والمنطقة.
 
ويشير وزير الخارجية الكندي السابق Liyad axworthy  إلى أن: «الأمن البشري يتضمن الأمن ضد الحرمان الاقتصادي، ونوعية مقبولة من الحياة، وضمانا لحقوق الإنسان الأساسية»، ويعرف «باري بوزان» الأمن على أنه «العمل على التحرر من التهديد، وهو قدرة الدول والمجتمعات في الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي، ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية، سواء كانت عسكرية أو غير عسكرية»، ولقد سمحت تحليلات «بوزان» بتوسيع مجال البحث في الدراسات الأمنية إلى مجالات جديدة: (اقتصادية، بيئية، سكانية...)، وتعميقها بإدراج موضوعات جديدة مرجعية أو وحدات تحليل مثل: الدولة، الإقليم، المجتمع ،الأمة،  الجماعة ، الفرد.. 
 
ويذهب الفكر الاستراتيجي إلى تعريف أكثر عمقا، حين يركز  على كون الأمن هو معرفة الدولة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها، ومواجهتها، لإعطاء الفرصة كي تنمّى القدرات تنمية حقيقية في جميع المجالات الحاضرة والمستقبلية. وذلك بغية الوصول لمستوى ثابت من السلم، يسمح بتدفق الحركة الاجتماعية وحريات الأفراد، وكل المكتسبات الشاملة للرخاء الإنساني.
 
لقد تبنت هذه التعاريف السابقة الذكر نظرة أوسع لتشمل الجوانب العسكرية وغير العسكرية، وتبعا لهذه التعاريف فإن الأمن يشمل ويتفاعل مع مختلف الظواهر (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية)، و هو ليس ظاهرة مستقلة، إذ لا نكاد نعثر على مفهوم الأمن منفردا، إلا عندما يعني السلام والطمأنينة، وبذلك تكاد هذه التعاريف المعاصرة تنسجم مع التعريف الذي ذهب إليه العميد الدكتور محمد ياسر الأيوبي بالجامعة اللبنانية الذي اعتبر الأمن « الخيط الذي يجمع العقد ويربط بين حلقات مختلف الظواهر، والنشاطات الاجتماعية الأخرى، بدون أن يكون هو إحدى هذه الحلقات، بل هو الجامع المشترك بينها جميعا، يأخذ منها ويعطيها. 
 
إنه الروح الخفية التي تفعل وتنفعل وتتفاعل معها جميعا، وتأسيسا عليه، فمفهوم الأمن بات لصيقا بمختلف النشاطات الاجتماعية، وهي على سبيل المثال لا الحصر: الأمن الفردي (الكلاسيكي)، الأمن المجتمعي، الأمن الاجتماعي، الأمن القانوني، الأمن الغذائي، الأمن الاقتصادي، الأمن البيئي، الأمن العسكري، الأمن الصحي، الأمن الثقافي، الأمن الرقمي.


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-05-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1419

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره