مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-07-08

الأمن الاجتماعى فى زمن كورونا.. الإمارات نموذجاً

يمثل الأمن أهمية قصوى فى قائمة احتياجات الإنسان الأساسية، ويأتى فى المرتبة الثانية بعد الحاجات الفسيولوجية وفقا لهرم ماسلو. ويقوم الأمن فى جوهره العام على تحقيق الحماية للفرد، ودفع الخوف، وتوفير الطمأنينة، وقد شهد مفهوم الأمن تطوراً كبيراً، لم يعد قاصراً على البعد العسكرى فقط، بل بات يشمل مختلف الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 
 
بقلم : علاء جمعة 
زميل كلية الدفاع الوطنى – مصر
 
يهدف الأمن الاجتماعى إلى حماية المواطنين من الاعتداءات والأخطار التى تستهدفهم من داخل البلاد وخارجها، وتزداد حاجة الإنسان له وقت الأزمات والكوارث وتفشى الأوبئة، وتحرص الدول على تعظيم مقوماته درءاً للتداعيات السلبية على الأفراد والجماعات. 
 
ولقد أدى انتشار فيروس كورونا المستجد “كوفيد - 19” إلى حدوث تهديد غير مسبوق للدول، ووضع الحكومات والشعوب أمام تحد حقيقى، الأمر الذى تطلب العمل على حماية الأمن الاجتماعى. وقد حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة فى مواجهة “كورونا” على تقديم نموذج فعال فى كيفية تحقيق الأمن الاجتماعى. 
 
مفهوم الأمن الاجتماعى 
   ظل المفهوم التقليدى للأمن يركز على حماية أمن الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية باستخدام القوة العسكرية، لكن مع ظهور مشكلات أمنية جديدة ومعقدة ناجمة عن الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والاختلالات المناخية، والأوبئة، بدأ التوسع فى مفهوم الأمن. وأضافت مدرسة كوبنهاجن لأبحاث السلام والأمن فى ثمانينيات القرن الماضى قطاعات أخرى فى مجال البحث عن «الأمن»، منها القطاع الاقتصادى، والبيئى، والمجتمعى.  
 
   كذلك تبنت الأمم المتحدة فى تقرير التنمية البشرية عام 1994 مفهوم «الأمن الإنسانى»، الذى يركز على مراعاة احتياجات الإنسان وتحقيقها سواء فى الصحة كالحماية من الأمراض والأوبئة، أو الاحتياجات الشخصية والاجتماعية والبيئية والغذائية.
 
  فى ظل هذا التطور كان الأمن الاجتماعى أحد المجالات الرئيسية للأمن. ونتيجة لشموليتة مختلف جوانب الحياة الإنسانية، تعددت تعريفات الباحثين له، لعل من أهمها أنه «يهدف إلى تحقيق سلامة الأفراد والجماعات من الأخطار الداخلية والخارجية.» و»العمل على التحرر من التهديد». ويتمثل جوهره العام فى بث الطمأنينة وعدم الخوف، والحرص على استغلال كل الطرق والوسائل والسبل الممكنة من أجل تأمين الاستقرار فى المجتمع. وتعتبر هذه متطلبات أساسية تدفع الإنسان لتحقيق أهدافه وتطلعاته فى تنمية المجتمع، وبدونه لا يستطيع انجاز أى عمل، وينصرف فكره وجهده إلى البحث عنه، ما يصيبه بالكثير من الأمراض العضوية والنفسية. 
 
مخاطر وتهديدات «كورونا» للأمن الاجتماعى
مع ظهور وانتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19» برزت مجموعة من المخاطر، ارتبطت جميعها بتهديد فعلى للأمن الاجتماعى. جاءت المخاطر الصحية فى المقدمة، نتيجة الانتشار السريع للفيروس ونقص المعلومات المتوافرة حوله، وعدم وجود العلاج الناجع. وقد برز الخطر الداهم فى انتشاره فى نحو 190 دولة، وصلت أعداد الإصابات التى خلفها منذ الإعلان عنه حتى 19 يونيو 2020، بحسب منظمة الصحة العالمية، نحو 8 ملايين إصابة، تُوفى منها 435 ألف، وسط توقعات بتفاقم الإصابات فى الأمريكيتين وأفريقيا وجنوب آسيا. 
 
ارتبط بذلك التأثير النفسى على الأفراد والجماعات، نتيجة حالة الخوف الجماعى التى تتزامن مع انتشار الأوبئة، التى تكون فى بدايتها أمراضاً جديدة، غير معروف نطاق انتشارها، أو كيفية تحورها، أو سبل مواجهتها. كما تسود المجتمعات حالة من عدم اليقين والشك فى كل شى، بدءاً من الفرد ذاته الذى يتشكك فى قدرته على النجاة، أو أن يكون هو مصدر نقل العدوى. وكشفت بعض التقارير الإعلامية التى تناولت ذلك مظاهر الخوف الذى انتاب الأفراد فى ظل التعلىمات الصحية بضرورة مراعاة «التباعد الاجتماعى» كأحد سبل الوقاية من الفيروس.
 
 كما انتشرت الخرافات حول سبل الوقاية، كما حدث فى العديد من الدول ومنها الصين، حيث أعلن نائب وزير العلوم والتكنولوجيا الصينى فى فبراير الماضى أن 85% من مرضى كورونا فى البلاد تلقوا مزيجاً من العلاج الدوائى والتقليدى. كذلك واجهت المجتمعات مخاطر بث الشائعات حول الفيروس، التى تزايدت حدتها مع وسائل التواصل الاجتماعى وغيرها، وساعدها فى ذلك الحاجة لمعلومات سريعة ومطمئنة، دون انتظار معلومات رسمية بطيئة. 
 
كانت الخسائر التى مُنِىَ بها الاقتصاد الدولى مهدداً أخر للأمن الاجتماعى. وانعكست آثارها فى حدوث اضرار بسوق العمل والإنتاجية، واضطرابات فى العرض والطلب فى القطاعات المختلفة نتيجة تراجع حركة التجارة والنقل وحركة الأفراد والسياحة. وكشف ذلك مدى الترابط الوثيق بين انتشار الأوبئة والتدهور الاقتصادى، كما جاء فى تقرير «مخاطر الوباء» الذى أصدره البنك الدولى فى 2013 ، من أن إجمالى الخسائر الاقتصادية لتفشى الأمراض المعدية تسهم فيه جهود تجنب العدوى، التى تتسبب صدمات فى العرض والطلب مثل القيود على السفر والتجارة وإغلاق المؤسسات ووسائل النقل وغيرها تصل إلى نسبة 60%، بينما تسهم تبعات الإصابة بالمرض والتغيب عن العمل بـ28% من الخسائر الإجمالية، والوفيات بـنسبة 12% المتبقة.
 
استمرار الخسائر الاقتصادية يمكن أن يؤثر سلباً على الأمن الاجتماعى، حيث أشارت مجلة ناشيونال انترست الأمريكية فى دراسة نشرتها خلال مارس 2020 أن الولايات المتحدة قد تواجه عاصفة اقتصادية محتملة يمكن أن تدفع البلاد إلى حالة من الركود جراء تفشى كورونا، وحذرت من الاضطراب الاجتماعى الذى يمكن أن يسببه الفيروس على المدى القريب لملايين الأمريكيين.
 
النموذج الإماراتى.. أولوية الأمن الاجتماعى 
أولت دولة الإمارات العربية المتحدة فى مواجهة «كورونا» أهمية كبيرة لتحقيق الأمن الاجتماعى داخل البلاد، كشف عنها بصورة مباشرة تغريدات سمو الشيخ محمد بن زايد على حسابه بموقع تويتر، حيث قال»الإمارات بتوجيهات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات وفرت الإمكانات كافة لأخذ التدابير الوقائية لحماية المجتمع.. لن نتوانى فى اتخاذ ما يلزم لضمان صحة الناس.. كلنا شركاء فى مواجهة هذا التحدى».
 
فى هذا السياق اتخذت الإمارات مجموعة من الإجراءات والتدابير الاحترازية والوقائية التى تصب فى نهاية المطاف فى قناة الأمن الاجتماعى، تركزت حول تعلىق رحلات الطيران، وأعادة الطلاب الإماراتيين المبتعثين فى الخارج، ومطالبة المواطنين والمقيمين على أراضيها بضرورة الالتزام بعدم الخروج من المنازل إلا في حالات الضرورة القصوى، ولدواعي العمل، ولغرض شراء الحاجات الأساسية من الدواء والغذاء، والحفاظ على مسافات آمنة عند الاختلاط العائلي، والالتزام بالإجراءات الوقائية ومراعاة التباعد الاجتماعي، كما وسعت نطاق الفحوصات بهدف الاكتشاف المبكر وحصر الحالات المصابة بفيروس كوورنا. وحرصت على تطبيق نظام المعلومات الصحية «وريد» فى المنشآت الصحية. 
 
ساهم فى تحقيق ذلك توافر الإمكانات الصحية للدولة، حيث كشف مؤشر الصحة العالمى لعام 2019، الذى يقيم قدرة الدول على منع الأوبئة أو التخفيف من حدتها، أن الإمارات جاءت فى ترتيب متقدم من بين دول العالم، فحلت الثانية عربياً ، وتبوأت المركز 56 فى الترتيب العالمى.
 
كذلك اهتمت الإمارات بالبعد النفسى للأفراد، فاطلقت برنامج المساندة والدعم النفسى والمعنوى «حياة» والحملة الوطنية للدعم النفسى، وخصصت الخط الساخن للدعم النفسى، بهدف التغلب على الاثر النفسى الناتج عن «كورونا»، وتعزيز الطمأنينية والوعى والالتزام المجتمعى، تجنباً لأى أثار سلبية تؤثر على المجتمع، وتفادى أنماط مغايرة فى السلوك وفى النفسية الجماعية وقت تفشى الأوبئة.
 
 وحرصاً منها على زوال” هستيريا الشراء” وتحقيق الاستدامة فى مجال الغذاء، أصدرت الإمارات القانون الاتحادى رقم 3 لسنة 2020 بشأن تنظيم المخزون الاستراتيجى للسلع الغذائية فى الدولة حال حدوث أزمات وطوارئ وكوارث.  
 
كذلك وفرت الإمارات المعلومات والبيانات الصحيحة بصورة مستمرة من خلال  إنشاء صفحة خاصة على موقع البوابة الرسمية للحكومة على الإنترنت للتعامل مع انتشار فيروس كورونا، تناولت فيها التدابير التى اتخذتها الدولة لمواجهة الفيروس منذ مارس، والجهود الحكومية لاحتواءه والحد من انتشاره، وضمان استمرارية الخدمات الحكومية والأعمال والتعلىم وغيرها من الخدمات الحيوية فى الدولة. 
 
ودرءاً لمخاطر الشائعات، أصدر مجلس الوزراء  قراراً بخصوص نشر وتبادل المعلومات الصحية الخاصة بالأمراض السارية والأوبئة كفيروس كورونا، والمعلومات الخاطئة ذات العلاقة بصحة الإنسان، بهدف الحفاظ على صحة وسلامة المجتمع، والتصدي لأي معلومات صحية مغلوطة قد يكون لها تداعيات سلبية في المجتمع، وتعمل على تضليل الرأي العام. ونص القرار على قيام وزارة الصحة والجهات الصحية بالإعلان عن أى معلومات صحية وإصدار اعتماد الارشادات الصحية فى الدولة، بالإضافة إلى إصدار الارشادات الصحية التى تتعلق بالأوبئة بعد اعتماد هيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث.
 
 وعلى الصعيد الاقتصادى تم الإعلان عن خطة دعم اقتصادى شاملة بقيمة 100 مليار درهم بهدف دعم الاقتصاد الوطنى وحماية المستهلكين والشركات. رغم الصعوبات التى واكبت انتشار الفيروس نتيجة تدهور أسعار النفط والركود الاقتصادى.
 
أفرز النموذج الإماراتى فى تحقيق الأمن الاجتماعى زمن كورونا نتائج مهمة منها:
 
تعزيز مناعة الدولة فى مواجهة الأزمات والطوارئ، من خلال توفير سبل الأمن والطمأنينة داخل البلاد بكافة صورها، والحرص على شمولية التدابير التى اتخذتها كافة مؤسسات الدولة، وتوظيف البينة التكنولوجية المتطورة فى مواصلة التعلم والعمل عن بعد.
 
 تحقيق الرضاء المجتمعى فى إدارة أزمة”كورونا”، حيث كشف استبيان أجرته شركة «بلاك بوكس» الأمريكية المتخصصة فى خدمة الاتصالات أن نسبة الرضاء لدى الشعب الإماراتى بلغ 59% احتلت بها المرتبة الثالثة من بين 23 دولة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-07-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2013-01-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره