مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-04-01

حرب البوير الثانية

لم تنل هذه الحرب حظاً من الشهرة والصيت، مثل ما كان للحروب الأخرى التي عاصرتها، ربما لأنها كانت أشبه بالحرب الأهلية أو بعمليات الأمن الداخلي، أو ربما لأن توقيت وقوعها أتى في غمار حروب المد الاستعماري العديدة التي جرت خلال تلك الحقبة، أو ربما لبعدها المكاني في أقصى جنوب القارة الأفريقية، ورغم عدم شهرتها فقد حظيت بمسميات عديدة.

إعداد: لواء ركن ( م ) سعود أحمد حسون

فبجانب اسمها الذي عرفت به وهو «حرب البوير» أطلق عليها اسم «حرب البوير الثانية» منسوبة إلى «حرب البوير الأولى» التي وقعت في وقت سابق في نفس المكان، وبين نفس طرفي النزاع، كما أطلق عليها اسم «حرب جنوب أفريقيا»، أما محلياً فقد أطلق عليها أهل تلك البلاد أسماء أخرى مثل «حرب التحرير الثانية» أو «حرب الحرية الثانية» أو «حرب الإنجليز».
 
خلفيات وأسباب الحرب
لا تخلو خلفيات «حرب البوير» وأسبابها من تعقيدات نتجت عن نزاعات، تواصلت لما يقارب القرن السابق من الزمان، بين الإمبراطورية البريطانية والمستوطنين البيض، ويمكن النظر إليها على أنها نزاع بين أمم من الأوروبيين البيض للسيطرة على أرض يذخر باطنها بثروات كبيرة.
في بداية القرن التاسع عشر، وخلال الحروب النابليونية، ألقت بعثة بريطانية مراسيها على السواحل الجنوبية للقارة الأفريقية، وبعد معارك دارت بين البريطانيين والمدافعين عن تلك الأرض من المستوطنين البيض، من الهولنديين وأقليات أوروبية من الفرنسيين والألمان وغيرهم من الجنسيات الأوروبية الأخرى ممن يسمون بـ«البوير»، الذين استوطنوا تلك الأرض منذ القرن السابع عشر، كان النصر من نصيب البريطانيين، الذين قاموا باحتلال الأرض محققين بذلك أهدافهم في زيادة رقعة إمبراطوريتهم وتأمين طريقهم الملاحي الرئيسي إلى الهند والشرق الأقصى، فرض البريطانيون سيطرتهم على «مستعمرة الكاب» Cape Colony وقاموا بتشجيع هجرة المستوطنين البريطانيين إليها، والذين كانوا على خلاف دائم وعدم توافق تام مع «البوير»، بجانب رفض «البوير» لسياسات السلطة البريطانية، خاصة القوانين التي فرضوها بتحرير الرقيق مما اضطر المستوطنين من «البوير» إلى الهجرة من المنطقة فيما اشتهر باسم «الرحلة الكبرى» The Great Trek إلى إقليم «الناتال» Natal والذي بدوره تم احتلاله لاحقاً من قبل البريطانيين عام 1843، مما دفع «البوير» للهجرة مرة أخرى في اتجاه الغرب حيث أسسوا دولتين مستقلتين هما «جمهورية جنوب أفريقيا» الترانسفال Transval في الشمال و عاصمتها «بريتوريا»، و«دولة الأورانج الحرة» Orange Free State في الجنوب وعاصمتها «بلومفنتين»، وقد اعترفت السلطات البريطانية بالجمهوريتين في عامي 1852 و1854.
قاد احتلال البريطانيين لجمهورية «الترنسفال» عام 1877 إلى نشوب «حرب البوير الأولى» 1880 – 1881 التي تمت فيها هزيمة البريطانيين واستعادت الدولتان استقلالهما، إلا أن العلاقات ظلت متوترة بينهما والإمبراطورية البريطانية، مما أدى إلى احتدام الصراع السياسي والتصعيد من كلا الجانبين نحو الحرب.
 
تم اكتشاف ألماس في «كيمبرلي» الواقعة في دولة الأورانج الحرة في عام 1867، وأعقب ذلك اكتشاف الذهب في «الترانسفال»في عام 1886 مما تسبب في تدفق موجات كبيرة من المهاجرين الأوروبيين ومعظمهم من البريطانيين الباحثين عن الثروة والعمل، والذين أطلق عليهم أهل البلاد اسم «الأجانب»، وقد تزايد عدد هؤلاء المهاجرين الجدد وطغى على عدد أهل البلاد من «البوير» الذين أثقلوا عليهم بالضرائب والحرمان من الحقوق السياسية، وخاصة حق التصويت في الانتخابات، الذي إذا أتيح لهم فسيفقد «البوير» سلطتهم السياسية على دولتيهم، مما نتج عنه مواجهات بين الفئتين، كان أهمها الغارة التي شنها بعض «الأجانب»، بإيعاز من السلطات البريطانية لاحتلال مدينة «جوهانسبرج»، مصدر الذهب، وقد سميت هذه الغارة بـ «غارة جيمسون» على اسم قائدها، وقد تصدت لها سلطات «الترانسفال» وأوقعت بها الهزيمة واعتقلت قائدها.
تطورت الأحداث إلى الأسوأ بزيادة أعداد المهاجرين الأجانب ومطالبتهم بحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد ساندتهم السلطات البريطانية في ذلك، كما بدأت، في ذلك الوقت، الأطماع البريطانية في الظهور، بأمل السيطرة على مصادر الثروة من الذهب والألماس، مما جعل من الصعب على الدولتين «البويريتين» الاحتفاظ باستقلالهما، ومن ثم، لاحت نذر الحرب في الأفق.
 
أدى تصعيد العدائيات إلى تحالف دولتي «الترانسفال» بقيادة الرئيس «بول كروجر» ودولة الأورانج الحرة بقيادة الرئيس «مارتينوس استين» ضد بريطانيا في العام 1897، وتزامن ذلك مع سعى الدولتين الحثيث لجلب الأسلحة الحديثة من أوروبا، شملت أحدث البنادق وقطع المدفعية.
على الجانب الآخر، تزايدت رغبة القيادات السياسية البريطانية في احتلال الدولتين تحقيقاً لأهداف، أهمها: التزام بريطانيا بحماية مصالح رعاياها من المستوطنين في جنوب أفريقيا، ومنع «البوير» من الاستحواذ على الإقليم لصالح «هولندا» مما يضعف ويضر بسمعة الإمبراطورية البريطانية، هذا بجانب ما لا ترغب فيه بريطانيا ولا يتوافق مع سياساتها في معاملة «البوير»  السيئة للأفارقة السود.
وصل تأزم الموقف إلى قمته في سبتمبر 1899 عندما أصدر رئيس «الترانسفال» بول كروجر إنذاراً نهائياً إلى السلطات البريطانية بسحب قواتها من حدود الدولتين خلال 48 ساعة، وإلا فستعلن الدولتان الحرب على بريطانيا، ويبدو أن هذا ما كان ينتظره البريطانيون.
 
 ساحات المعارك
دارت معارك الحرب على مساحات شاسعة في ما يسمى اليوم بـ «جمهورية جنوب أفريقيا» والتي كانت تتكون آنذاك من أربعة دول، هي:«جمهورية الترانسفال» في الشمال الشرقي وإلى الجنوب والشرق منها مباشرة دولة «أورانج الحرة» وتشكل الدولتان أراضي «البوير»، إلى الشرق منهما تقع مستعمرة «ناتال» البريطانية على الشاطئ الجنوبي الشرقي لأفريقيا على المحيط الهندي، وإلى الجنوب، في أقصى جنوب القارة الأفريقية، تقع «مستعمرة الكاب» Cape Colony وهي كذلك مستعمرة بريطانية.
تمتد سلسلة جبال «دراكنزبيرج» على امتداد الحدود بين «الناتال» ودولة «أورانج الحرة» والجانب الشمالي من «مستعمرة الكاب»، تخترق المنطقة من الشرق إلى الغرب عدة أنهار، تصب في المحيطين الهندي شرقاً والأطلسي غرباً، أهمها نهر الأورانج الذي يقع على الحدود الجنوبية لدولة الأورانج ويخترق مستعمرة الكاب ليصب في المحيط الأطلسي، ونهر «توجيلا» الذي يجري شرقاً جنوب مدينة «ليديسميث» في «الناتال» ويصب في المحيط الهندي، وكذلك نهر «المودر» في جنوب «دولة الأورانج».
أما أهم مدن الإقليم، والتي تربطها جميعاً شبكة خطوط سكك حديدية، فهي مدينة «كيب تاون» الميناء الكبير في أقصى الجنوب، ويمتد منها شمالاً خط سكة حديد إلى «كيمبرلي» حيث مناجم ألماس، وإلى «بلومفنتين» عاصمة دولة الأورانج الحرة، ويمتد خط السكة حديد شمالاً إلى «بريتوريا» عاصمة «الترانسفال» ماراً بمدينة «جوهانسبيرج»، المركز الرئيسي لتعدين الذهب والتي تقع على بعد 60 كلم إلى الجنوب الغربي من «بريتوريا».
تتميز المنطقة بمناخها المعتدل، الشبيه بمناخ البحر الأبيض المتوسط مع تنوع في طبيعة الأرض، جبلية، وسهول مكسوة بالأشجار بدرجات متفاوتة.
 
طرفي القتال
دارت الحرب بين قوات الإمبراطورية البريطانية تساندها قوات من مستعمراتها، مستعمرة الكاب والناتال ومستعمرات الهند وأستراليا وكندا، في مواجهة قوات الكوماندوز من البوير من جمهورية جنوب أفريقيا «الترانسفال» ودولة الأورانج الحرة تساندها مجموعات من المتطوعين الأوربيين من هولندا وأسكندنافيا وألمانيا وروسيا وفرنسا وأمريكا وإيرلندا وبولندا والبرتقال وإيطاليا.
 
القوات البريطانية
بلغ أقصى عدد من القوات البريطانية خلال تلك الحرب، بعد وصول جميع التعزيزات حوالي نصف مليون مقاتل، منهم 347 ألفاً من البريطانيين والبقية من قوات المستعمرات المتحالفة معهم. أرسلت «نيوزيلندة»، وكانت الأولى في إرسال قوات مساندة البريطانيين في حرب البوير، 6500 مقاتلاً من الخيالة ومعهم 8000 حصان، كما قدمت أستراليا 16463 مقاتلاً منهم 6 ألف إلى 7 ألف من القوات غير النظامية، كما أرسلت كندا 8600 مقاتل.
أول تعزيزات وصلت من بريطانيا كانت بقيادة الجنرال «ريدفيرز بولر» لفك الحصار عن المدن المحاصرة، وقد خاضت العديد من المعارك خلال شهري نوفمبر وديسمبر 1899، وفي يناير 1900 أرسلت الحكومة البريطانية تعزيزات تتكون من فرقتين، مع أعداد كبيرة من المتطوعين من المستعمرات مما رفع العدد، آنذاك، إلى 180 ألف مقاتل، عملت القوات البريطانية تحت قيادة الجنرال «فريدريك سليه روبرتس» الذي قاد القوات خلال المرحلة الثانية من الحرب، وقد خلفه الجنرال «هوراشيو هربرت كتشنر» الذي تولى القيادة خلال المرحلة الثالثة وحتى نهاية الحرب.
القوات البريطانية قوات تقليدية مسلحة بأحدث أسلحة ذلك العصر، وقد دخلت وحداتها في حروب عديدة في شتى أرجاء المعمورة خلال فترة المد الاستعماري مما جعلها قطعات متمرسة على القتال يقودها قادة وضباط ذوي خبرة بالمعارك.
 
قوات البوير
لم يكن لدى البوير جيش نظامي، عدا وحدات المدفعية، كما لم يكن لديهم مشكلة في التجمع وفي نشر القوات، فقد كانت قواتهم عبارة عن مليشيات مدنية من المزارعين ورعاة الماشية، يرتدي أفرادها أزيائهم العادية التي تكون، في الغالب، رمادية اللون مع قبعة مترهلة، جرت العادة أن يتجمع سكان كل مركز ليكونوا وحدة تسمى بالكوماندوز، وتقوم الوحدة بانتخاب قادتها وضباطها الذين يتولون قيادتها في المعارك وإدارتها، يحمل كل فرد سلاحه الشخصي الخاص والذي يكون في العادة بندقية صيد ممتطياً فرسه الخاص، وتمد الدولة بالسلاح من لا يملك سلاحاً.
قدر عدد قوات البوير بـ 40000 مقاتل، منهم 25000 من الترانسفال، و15000 من دولة الأورانج الحرة.
كان لدى حكومة «الترانسفال»، حتى أكتوبر 1899 مدفعية قوامها 73 مدفعاً منها 59 جديدة، أربعة منها عيار 155 ملم و37 مدفع مكسيم عيار 37 مم وقد تم تسليح 25000 من المقاتلين ببنادق حديثة، كما تم جلب 37000 بندقية حديثة و40 إلى 50 مليون طلقة ذخيرة وأحدث قطع المدفعية الأوروبية عام 1897.
 
ليس لدى «البويري» العادي أي رغبة في القتال، ولا يرغب الكثيرون منهم في قتال أخوانهم المسيحيين، خاصة إذا كانوا من البروتستانت، وهم ينظرون بتفاؤل إلى نتيجة الحرب التي يعتقدون أنها حرب مقدسة وعادلة ومباركة من الرب، وأنه سوف يتحقق لهم النصر كما حدث في حرب البوير الأولى 1880-1881.
يجيد البوير ركوب الخيل واستخدام البندقية بحكم عملهم كمزارعين وصيادين يقضون معظم حياتهم العادية على صهوات جيادهم، ويتنافسون في الرماية وركوب الخيل في احتفالاتهم الموسمية، وقد عانت القوات البريطانية وتكبدت الكثير من الخسائر جراء مهارتهم وتكتيكاتهم المرنة والمبتكرة وخفة حركتهم.
كان من أشهر قادتهم في الحرب «بيت كونج» Piet Conje الذي قاد أول هجوم لمحاصرة مدينة «ليديسمث» في «الناتال» وكوس دي لاري Koos De La  Rey و«لويس بوثا» Lous Botha و«كريستيان دي ويت» Cheristian De Wet الذي لعب دوراً كبيراً في مرحلة حرب العصابات (المرحلة الثالثة من الحرب) وشارك في المفاوضات في نهاية الحرب.
 
مجريات القتال
كان لحرب البوير ثلاثة مراحل مميزة :
في المرحلة الأولى منها وجه «البوير» ضربات مفاجئة للقوات البريطانية في إقليمي «الناتال» و»مستعمرة الكاب» وفرض حصار على ثلاثة مدن رئيسية وهامة هي ليديسمث وكيمبرلي ومافيكنج، تمكن «البوير» خلال تلك المرحلة من تحقيق انتصارات تعبوية عديدة في مناطق أخرى، تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد.
أما المرحلة الثانية فقد بدأت بوصول تعزيزات كبيرة للقوات البريطانية من بريطانيا وبعض مستعمراتها مما حقق لها تفوقاً عددياً مكنها من شن هجمات مضادة شاقة، ونجحت أخيراً في تحرير المدن المحاصرة ومواصلة القتال لغزو دولتي البوير الترانسفال وأورنج الحرة.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فقد استغرقت وقتاً أطول، وكانت عبارة عن حرب عصابات شنها «البوير» على القوات البريطانية التي ابتدعت العديد من الوسائل وانتهجت الكثير من السياسات التي حققت لها النصر النهائي على البوير.
 
المرحلة الأولى: هجـوم البـويـر
أكتوبر - ديسمبر 1899
كانت بداية الحرب في 11 أكتوبر 1899 عندما شنت قوات البوير من «الكوماندوز» هجومهم السريع والمفاجئ على معسكرات القوات البريطانية في «الناتال» و مستعمرة الكاب الواقعتين تحت السيطرة البريطانية، اتجه البوير مباشرة إلى مدينة «ليديسميث» في الناتال حيث توجد حامية بريطانية كبيرة وقد تم الهجوم متزامناً مع هجومين آخرين على مدينتي «مافيكنج» و«كيمبرلي» في «مستعمرة الكاب».
حقق الهجوم السريع والمفاجئ انتصارات تكتيكية حاسمة على القوات البريطانية في تلك المواقع، فقد جرت معركة «تل تالانا» كأول اشتباك بين القوتين على مقربة من مدينة «دندي» في «الناتال» وقد تكبد فيها البريطانيون خسائر كبيرة بلغت 446 مقاتلاً بما فيهم القائد البريطاني الجنرال «بن سيمونز».
بعد أن تم حصار مدينة «ليديسميث» تعرضت لقصف مدفعي مكثف، مما دفع قائد الحامية البريطانية لشن هجوم على مواقع مدفعية البوير، كلف الهجوم القوات البريطانية خسائر كبيرة بلغت 140 قتيلاً، وأكثر من 1000 أسير وقد تواصل حصار المدينة لعدة أشهر.
هاجم البوير بقوة تقدر بـ 6000 مقاتل بقيادة «بيت كرونج» مدينة مافيكنج الواقعة على الحدود مع «الترانسفال» بتاريخ 13 أكتوبر وقاموا بحصارها، إلا أن قائد الحامية البريطانية العقيد «بادن باول» أعد فوجين مقاتلين قوامهما 1200 مقاتل استعداداً لصد أي هجوم على المدينة التي تواصل حصارها لمدة 217 يوماً.
 
أما الهدف الثالث لهجوم البوير فقد كان مدينة «كيمبرلي» التي تقع على مسافة 360 كلم إلى الجنوب من مدينة «مافيكنج» على حدود دولة الأورانج الحرة مع «مستعمرة الكاب»، ويبلغ عدد سكان المدينة 40000 نسمة، وتوجد بها مناجم ألماس، تم الهجوم عليها في بداية نوفمبر 1899 وبدأ حصار المدينة بقوة تقدر بـ 7500 مقاتل، وقد دافعت عنها قوات بريطانية بقيادة المقدم «كيلي ويتش».
مع استمرار عمليات الحصار على المدن عانى السكان من المدنيين والعسكريين، بعد عدة أسابيع من النقص في المواد الغذائية بجانب القصف المدفعي المعادي.
 
وصلت تعزيزات بريطانية كبيرة بقيادة الجنرال «ريدفيرز هنري بولر» الذي قام بوضع خطة لفك الحصار عن المدن المحاصرة، بجانب تأمين المناطق الشمالية والوسطى من مستعمرة الكاب من أي هجوم محتمل للبوير.
قام الجنرال «بولر» بتقسيم القوة إلى ثلاثة أقسام، يتوجه القسم الأول وقوامه فرقة متابعاً خط السكة حديد شمالاً لتحرير مدينتي كيمبرلي ومافيكنج، القسم الثاني، وقوامه 3000 مقاتل تم نشره لتأمين المناطق الشمالية من «مستعمرة الكاب»، أما القسم الثالث، والأكبر فقد قام الجنرال «بول» بقيادته بنفسه متوجهاً نحو «الناتال» لفك الحصار عن مدينة «ليديسميث».
لم يحالف القوات البريطانية التوفيق في العديد من عملياتها لفك الحصار حيث جوبهت بمقاومات عنيدة من البوير كان أسوأ ما فيها ما تم خلال الفترة من 10 إلى 15 ديسمبر، والتي سميت بـ«الأسبوع الأسود» ولم تتمكن القوات البريطانية من النجاح في فك الحصار عن المدن رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في الأرواح والعتاد في المحاولات العديدة التي جرت لتحقيق انتصار على «البوير».
 
المرحلة الثانية: الهجوم البريطاني
يناير - سبتمبر 1900
نتيجة لإحساس الحكومة البريطانية بمرارة الهزائم المتوالية، وباستمرار الحصار على المدن، قامت بإرسال تعزيزات شملت فرقتين من المقاتلين النظاميين البريطانيين بجانب أعداد كبيرة من متطوعي المستعمرات الأخرى، بلغت أعداد التعزيزات في يناير ما يزيد على 180000 مقاتل، وتعتبر تلك أكبر قوة ترسلها بريطانيا إلى ما وراء البحار حتى ذلك الوقت، مع الاستعداد لإرسال المزيد من التعزيزات.
تواصلت المحاولات لتحرير مدينة «ليديسميث» في «الناتال» خلال شهر يناير 1900 بقيادة الجنرال بولر، وذلك بمحاولات لعبور نهر توجيلا إلى الغرب من كولونسو، وقد نجح أخيراً في رابعة المحاولات التي تكبد فيها خسائر جسيمة حيث تمكن من هزيمة البوير في «معركة كولونسو» في 26 فبراير، وتم فك حصار مدينة «ليديسميث» بعد أن دام 118 يوماً تكبد فيها البريطانيون خسائر بلغت 7000 مقاتل.
تم تعيين الفيلد مارشال «لورد فريدريك سليه روبرتس» قائداً عاماً بدلاً عن الجنرال «بولر» وهو محارب متمرس على القتال، خاض الكثير من المعارك في الهند وأفغانستان، واصل «روبرتس» تنفيذ خطة العمليات التي وضعها الجنرال «بولر»، فقام بحشد قوة كبيرة جنوب نهر الأورانج وبجانبي خط السكة حديد الغربي استعداداً لتحرير مدينة «كيمبرلي» في الوقت الذي تسبب فيه جفاف المراعي صيفاً في إضعاف خيول وماشية «البوير» مما أدى إلى نزوح عوائل المقاتلين البوير والانضمام إليهم في مواقعهم ومعسكراتهم حول المدن المحاصرة.
بدأت عمليات الهجوم التي شنتها قوات «روبرتس» لتحرير مدينة «كيمبرلي» وتم تحرير المدينة بعد معارك طاحنة بتاريخ 15 فبراير بعد حصار دام 124 يوماً، واتجهت قوة بريطانية لمطاردة قوة كبيرة من البوير قوامها 7000 مقاتل بقيادة الجنرال «بيت كرونج» وأجبرتها على الاستسلام.
بعد الهزائم المتتالية التي أوقعها البريطانيون بالبوير نتيجة لتفوقهم العددي هبطت معنويات «البوير» وفقدوا الأمل في أي انتصارات أخرى.
 
تقدمت قوات بريطانية لاحتلال مدينة «بلومفنتين» عاصمة «دولة الأورانج الحرة» حيث قامت باحتلالها بتاريخ 13 مارس ومن ثم تم فك الحصار عن مدينة «مافيكينج» بتاريخ 18 مايو 1900، وبذلك اكتمل احتلال دولة الأورانج الحرة وأطلق عليها اسم «مستعمرة نهر الأوران».
زحفت القوات البريطانية شمالاً نحو «جمهورية الترانسفال» متجهة صوب مدينة جوهانسبيرج وتم احتلالها بتاريخ 31 مايو، وتلاها احتلال «بريتوريا» عاصمة الترانسفال بتاريخ 5 يونيو، وقد جرت بعد ذلك معارك صغيرة مثل معركة «تل ألماس» في يومي 11 و12 يونيو كان الهدف منها مطاردة البوير وإبعادهم إلى مسافات بعيدة من المدن المحررة والمحتلة.
بعد اكتمال احتلال عاصمتي دولتي «البوير» رسمياً، أعلن الجنرال «روبرتس» نهاية الحرب في 3 سبتمبر 1900.
خلال فترة تقدم القوات البريطانية نحو بريتوريا انسحب الرئيس كروجر يصحبه بعض أعضاء حكومته إلى المنطقة الشرقية من الترانسفال، تقدمت نحوهم قوات بريطانية بقيادة الجنرالين «روبرتس» و«بولر» مما حدا بالرئيس «كروجر» إلى اللجوء إلى دولة شرق أفريقيا البرتغالية (موزمبيق حالياً) وتم نقله بمساعدة بعض الدول الأوروبية إلى أوروبا حيث عاش هناك لفترة ثم انتقل إلى سويسرا وتوفى هناك في 14 يوليو 1904.
 
أما «استين» رئيس دولة أورانج الحرة فقد اصطحب قوة من البوير بقيادة «كريستيان دي ويت» والتي واصلت القتال في المرحلة الثالثة من الحرب.
رغم الهزائم العديدة التي مني بها البوير والخسائر الكبيرة في صفوفهم إلا أنهم ظلوا متواجدين على الساحة ومنتشرين في أرجاء واسعة من البلاد، ولم يكن من السهولة حصرهم في منطقة محددة أو أسر قادتهم، مما خلق لدى البريطانيين إحساساً بأن سيطرتهم تقتصر فقط على المدن التي قاموا باحتلالها ومناطق تمركز قواتهم.
نتج عن المعارك التي دارت خلال المرحلة الثانية من الحرب، وما قبلها، وقوع أعداد كبيرة من المقاتلين البوير في الأسر، ولما يشكله وجودهم في معسكرات الاعتقال من خطر، قررت السلطات البريطانية احتجازهم داخل سفن بعيداً عن الشاطئ، إلا أنه وبتنامي أعداد المعتقلين وزيادة أعباء إعاشتهم قرر البريطانيون إرسالهم إلى مستعمرات أخرى خارج البلاد، وقد تم فعلاً إرسال 5000 منهم إلى جزيرة «سانت هيلانة» و5000 آخرين إلى جزيرة «سيلان» (سيريلانكا حالياً) وأعداد أخرى إلى الهند و«برمودا» وقد بلغت جملة عدد هؤلاء المنفيون الذين أرسلوا إلى خارج البلاد 24000 فرداً.
 
المرحلة الثالثة: حرب العصابات
سبتمبر 1900 – مايو 1902
كما هو واضح من تاريخي بدايتها ونهايتها، فإنها كانت الأطول في مراحل الحرب الثلاثة، كما كان هنالك تداخل بينها والمرحلة الثانية، إذ أن قيادات البوير قد اتخذت قرارات في اجتماع في بداية عام 1899 في مدينة «كرونستاد» في «الأورانج»، للتخطيط لحملة حرب عصابات في مواجهة القوات البريطانية تبدأ بتدمير البنى التحتية ومصادر الإمداد الخاصة بها وقطع خطوط إمداداتها واتصالاتها أينما كانت.
حدث أول اشتباك في حرب العصابات في 31 مارس 1900 عندما هاجمت قوة من «البوير» تقدر بـ 1500 مقاتل بقيادة «كريستيان دي ويت» محطة إمداد المياه لمدينة «بلومفنتين»، الواقعة على بعد 37 كلم من المدينة، وتنفيذ عملية كمين لقافلة إمداد بريطانية أوقعت بها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
خلال مرحلة حرب العصابات تم إعادة وحدات «الكوماندوز» لتعمل في مناطقها الأصلية التي تم تجنيدها فيها، مما يسهل عليها الاعتماد على المصادر المحلية والاستفادة من معرفتها بالمنطقة وطبيعة أرضها، أما التعليمات التي صدرت إليها فكانت تتلخص في توجيه الضربات للبريطانيين، وكل ما يتعلق بهم، متى ما أمكن ذلك.
كانت تعبئتهم هي الهجوم وتوجيه ضربة موجعة ومفاجئة للعدو، ثم الانسحاب والاختفاء قبل وصول تعزيزات العدو، وقد ساعد اتساع أرجاء منطقة البوير على الحصول على حرية التحرك والعمل، وجعل من الصعب على القوات البريطانية، والتي كان قوامها آنذاك، أكثر من 250000 مقاتل، فرض السيطرة على المنطقة، وقد جرت عدة اشتباكات في مناطق مختلفة تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر كبيرة.
كان رد فعل البريطانيين بقيادة اللورد «هوراشيو هربرت كتشنر»، الذي كان رئيساً لأركان الجنرال «روبرتس»  ثم خلفه في قيادة القوات في حرب البوير، على أسلوب القتال الجديد الذي انتهجه «البوير» (حرب العصابات) أن قاموا، و بسرعة، بمراجعة تعبئتهم وإعادة تنظيم قواتهم بما يتناسب مع الموقف الجديد.
 
قام البريطانيون بالتركيز، أولاً، على حرمان «الكوماندوز البوير» من حرية الحركة وحرمانهم من الدعم والمساعدة المحلية التي يتلقونها من أسرهم ومن المواطنين المحليين وذلك بإتباع أسلوب «الأرض المحروقة» وذلك بإجراء عمليات تخريب وتدمير وحرق كل ما يصلح لأن يكون مصدراً لإمداد العصابات من مساكن ومزارع ومحاصيل وقرى وتسميم الآبار ومصادر المياه الأخرى، كلفت بذلك وحدات خاصة عبارة عن قوات إغارة راكبة، للقيام بهذا الواجب سميت بـ «قطعات الكنس» Sweeper Columns، بلغ عددها 90 وحدة، وقد شاركت فيها قوات من المستعمرات والمسلحين من الأفارقة والذين قدر عددهم بـ 20 ألفاً.
 
تم تجميع أسر «البوير» من النساء والأطفال، بجانب العمال الزراعيين من البوير والأفارقة في معسكرات الاعتقال حيث تم وضعهم في تلك المعسكرات تحت ظروف معيشية وصحية غاية في السوء، ما أدى إلى وفاة آلاف منهم بسبب الأمراض والجوع وسوء المعاملة.
لعبت شبكة خطوط السكك الحديدية دورا كبيراً وحيوياً في الحملة البريطانية لمقاومة العصابات، حيث استخدمت القوات البريطانية قطارات مدرعة في نقل القطعات والإمدادات بالسرعة المطلوبة التي تتناسب مع حرب العصابات.
ابتكرت القوات البريطانية طريقة جديدة في نشر بعض القوات في مبانٍ سميت بـ «البيوت الخرسانية» Blockhouses في النقاط الحاكمة وقرب المناطق الحيوية والهامة ولحماية طرق الإمداد، تم بناء 8000 من هذه المباني في جميع أنحاء مناطق العمليات وتم تطويقها بالأسلاك الشائكة وقد أثبتت فعاليتها، وقد كان يعمل بها أكثر من 50 ألف مقاتل.
بالإضافة إلى كل تلك الإجراءات الفعالة التي اتخذها البريطانيون، فقد اهتموا بجانب هام في معركتهم ضد العصابات، حيث قاموا بإنشاء أجهزة استخبارات ذات كفاءة عالية تعتمد على مصادر المعلومات المحلية من المتعاونين من البوير، والأفارقة السود الذين تم تجنيدهم في ما يسمى بـ «الحرس الوطني» National Scouts.
 
كان نشاط العصابات في دولة الأورانج الحرة تحت قيادة «كريستيان دي ويت» وقد قام بعدة عمليات ناجحة، إلا أن «سياسة الأرض المحروقة» التي اتبعت من قبل البريطانيين جعلت أرض الأورانج خالية تماماً مما حد كثيراً من نشاط العصابات.
أما مسرح نشاط العصابات الثاني فقد كان في غرب «الترانسفال» حيث جرت معارك عديدة في الفترة ما بين سبتمبر 1901 ومارس 1902 بقيادة «كوس دي لاري» أدت إلى إرسال تعزيزات بريطانية إلى الإقليم اشتبكت مع قوة من البوير في 11 أبريل 1902 وأوقعت بعصابات البوير هزيمة وخسائر كبيرة، وقد كانت تلك هي المعركة الكبرى الأخيرة في الحرب.
 
نتائج الحرب والدروس المستفادة
كانت نهاية الحرب بتوقيع اتفاقية «فرينيجنج» Vereeniging في 31 مارس 1902 بعد أن تحقق النصر للقوات البريطانية، بمقتضى تلك الاتفاقية، صارت جمهورية جنوب أفريقيا «الترانسفال» ودولة الأورانج الحرة مستعمرتان تحت التاج البريطاني، وقد تضمنت الاتفاقية تعويضاً من بريطانيا بمبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني لإعادة إعمار ما خربته الحرب، ووعداً بتوفير حكم ذاتي محدود للبوير مستقبلاً، وقد تحقق ذلك في عامي 1906 و1907.
كانت خسائر الحرب كبيرة على وجه العموم، فقد حصدت الحرب من الأرواح البشرية ما يقدر بـ 75000 قتيل، منهم 22000 من البريطانيين وحلفاؤهم حيث بلغ عدد قتلى المعارك 7894 بجانب 13250 ماتوا بسبب الأمراض و943 مفقوداً و22828 جريحاً.
أما البوير فقد قضى منهم 9098 منهم 4000 قتلى المعارك، كما قضى من المدنيين منهم 27927 في معسكرات الاعتقال معظمهم من النساء والأطفال، بجانب عدد غير معلوم من الأفارقة السود، كما تم نفي 24000 من البوير إلى خارج البلاد.
 
خرج العلم العسكري بالكثير والهام من الدروس المستفادة من «حرب البوير»، خاصة في مجال حرب العصابات وأساليب مقاومتها، فقد نجح البريطانيون في تحديد حركة العصابات وحرمانهم من كل مصادر الدعم بالاستهداف القاسي والحاسم لكل شيء أو شخص يمكن أن يعين العصابات، بالإضافة إلى استخدام غارات التخريب والقوات الراكبة والمباني المحصنة بجانب رد الفعل السريع على أي نشاط تقوم أو تنوي العصابات القيام به.
دخل البريطانيون الحرب وهم يجيدون فقط التعبئة التي كانوا يستخدمونها في «حرب القرم» على مستوى الكتيبة في شتى أنواع الأراضي، إلا أنهم لم يتدربوا بالقدر الكافي على مواجهة مقاتلين متخندقين في مواقع دفاعية غير تقليدية، ويتمتعون بمهارة عالية في استخدام الأسلحة الصغيرة.
على الجانب الآخر، اتبع «البوير» أسلوباً في القتال أثبت فشله في مرات سابقة، وهو أسلوب حصار المدن الذي أعطى الوقت الكافي للقوات البريطانية لتعزز قوتها، وكان تفوقهم العددي سبباً رئيسياً في كسبهم للحرب .
 
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره