مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-08-01

بدأ الخرائط والطاولات الرملية نشأتـها وتاريخ تطورها

لا يستطيع أحد أن يحدد أيهما ظهر أولاً طاولات الرمل أو الخرائط، فقد بدأت الخرائط في صورتها البدائية تُرسم على الأرض ببعض الرمال والحصى، إلى أن تطورت إلى صورتها المعروفة الآن. ولكن، مهما تقدمت الخرائط، فإن البعد الثالث وما يمثله من ارتفاع وانخفاض وتضاريس الجبال والهضاب، لن يظهر فيها، ومن هنا ظهرت أهمية طاولات الرمل وما تتميز به من دقة، مصدرها الرئيسي هو الخرائط بأنواعها المختلفة، ومن ثم فعلى دارس طاولات الرمل أن يدرس أولاً نشأة الخرائط بأنواعها المختلفة وتطورها.
 
إعداد: حنان الذهب
 
قد تظهر الحاجة إلى إيضاح سطح الأرض أو أجزاء منه، مثل: دراسة الخطط الحربية في شريحة معينة من الأرض، أو الدراسة التكتيكية للأرض، أو إجراء بحوث العمليات لتنفيذ المشروعات بصورها المختلفة، أو تنفيذ بعض موضوعات المساحة وغيرها.
غير أن صناع الخرائط واجهوا مشكلة رئيسية، وهي كيفية تمثيل البعد الثالث "الارتفاع" للهيئات والمعالم الطبيعية والصناعية للقشرة الأرضية على قطعة من الورق مستوية السطح، وقد حُلت هذه المشكلة بالعودة إلى بداية نشأة الخريطة في صورتها الطبيعية؛ وهو ما يطلق عليه طاولة الرمل، المتمثلة في إطار من الخشب أو الطوب، يشكل في داخله نموذج مصغر لشريحة من الأرض، يوحي بشكل التضاريس، من ارتفاع أو انخفاض، ما يزيد من سهولة إيضاح بنية المنطقة التي تمثلها الخريطة. 
 
وقد توضع عليها معالم أخرى غير معقدة لسهولة إدراك معالم سطح الأرض، حتى للإنسان الذي لا يجيد قراءة الخرائط، ثم تطورت بعد ذلك من حيث المواد المستخدمة في تصنيعها، ووسائل الإيضاح، وسهولة نقلها والعمل عليها، وكيفية إظهار الدروس المطلوب إبرازها، وهو ما يسمى بالخرائط المجسمة Block Diagrams.
 
الخرائط وتطورها 
إذا كان التفكير الجغرافي قديماً قِدم الإنسانية نفسها، فإن تاريخ ما يُسمى "الخرائط"، هو أقدم من التاريخ عينه؛ فقد سبقت صناعة الخرائط الإلمام بالكتابة، وهذا ما أكده عديد من الرحالين، الذين طافوا بمجتمعات بدائية، عرفت فن رسم الخرائط. فإذا ما سألوا أحد أفراد تلك المجتمعات عن مكان ما في نطاق بيئتهم، سارع بحركة لا إرادية إلى تشكيل بعض الأكوام من الرمال وبعض الحصى، راسماً بها رسماً تخطيطياً على الأرض يوضح مقصده، والحقيقة تلك هي فكرة عمل طاولات الرمل. 
 
والواقع أن معرفة المواقع وعمل الخرائط هما استعداد فطري لدى الجنس البشري، يتطور حسب متطلبات استخدامه مستفيداً من الإمكانيات والخامات المتوافرة في كل زمان ومكان، وقد تعددت الخرائط خلال التاريخ والحضارات، ففي الحضارات القديمة كانت هناك خرائط بابلية دفعتهم حاجتهم لرسم خرائط تفصيلية لسهول العراق حيث توجد الآن أقدم خريطة للبابليين في متحف الدراسات السامية في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك الخرائط الفرعونية وهي أول الخرائط في العالم حددت من خلالها مساحات الأراضي المزروعة فأول من رسم خريطة للإمبراطورية المصرية القديمة هو رمسيس الثاني، وأقدم خريطة مصرية مرسومة على ورقة بردى ومحفوظة في متحف في مدينة تورين بإيطاليا ترجع إلى عام 1320 ق.م. وهي توضح أحد مناجم الذهب المصرية في بلاد النوبة، أما الخرائط الصينية فبلغت خرائطهم القديمة درجة كبيرة من التقدم والإتقان في الوقت الذي لم تكن أوروبا قد عرفت الخرائط، وقد كان للعسكريين السبق في مجال الخرائط وطاولات الرمل؛ فمنذ عام 500 ق.م. تخيل القائد الصيني العظيم Sun Tzu معركته التي ستدار بين قواته والقوات المعادية، وصورها على شريحة أرض، مشابهة لمنطقة العمليات المقبلة بأشكال مصغرة، وبدأ بتحريكها طبقاً لاحتمالات تطور أعمال القتال، ومن ثم يكون Sun Tzu قد أنشأ بحاسته العسكرية أول نموذج صيني لطاولات الرمل.
 
أما الخرائط الإغريقية بدأت ببداية فكرة كروية الأرض التي نشأت كفكرة فلسفية تفتقر إلى المعلومات الفلكية، ونادى بها فيثاغورث واقتنع أحد الفلاسفة الإغريق بذلك فصنع كرة أرضية مجسمة يتعامد على سطحها محيط استوائي من الشرق إلى الغرب، وآخر من الشمال إلى الجنوب، ويُعَدُّ الإغريق أول من وضع أسس رسم الخرائط وعلم الجغرافيا ، ولعل أقدم خريطة إغريقية هي خريطة Hecataeus التي رسمها في نحو القرن السادس قبل الميلاد معتقداً أن العالم قرص مستدير تحيط به المياه من جميع الجهات، وقد صحح هذا الاعتقاد فلاسفة ومفكرون، مثل: هيرودوت إلى أن وصل عالم الرياضيات بطليموس إلى أقرب التصورات للواقع، من جهة أخرى لم يعتن الرومان بالجغرافيا الرياضية اعتناء الإغريق .
 
 بها، فلم يهتموا برسم خطوط الطول والعرض والأرصاد الفلكية فلم تكن الخرائط في نظرهم إلا وسيلة تخدم الأغراض الحربية والإدارية، ومن الخرائط الرومانية القديمة خريطة ملونة مرسومة على شريط طويل من الجلد الرقيق محفوظة بحالة غير جيدة في مكتبة مدينة فيينا.
وهناك حقبة أخرى اهتمت بالخرائط وهي العصور الوسطى في الفترة ما بين القرن الثامن ومنتصف القرن الخامس عشر وكان أولها الخرائط الأوروبية فقد اقترنت تلك الفترة بتأخر النهضة العلمية وسيطرة رجال الدين على كل نواحي الفكر والعلم، فامتازت الخرائط بالمبالغة في إظهار الأماكن المقدسة، واتفقت هذه الخرائط في إهمال التفاصيل الداخلية الموجودة على اليابس، مثل: الجبال والمدن والطرق والأنهار الداخلية؛ إذ إن معظمها خرائط بحرية، لا يهمها سوى شكل الساحل وما عليه من ظواهر تضاريسية تظهر للمبحرين.
 
 أما الخرائط العربية فبينما كانت أوروبا تعيش في ظلام العصور الوسطى، كانت هذه العصور فترة ازدهار بالنسبة إلى العرب، وكان لانتشار الإسلام واتساع الفتوح العربية واشتغال العرب بالتجارة بين جزر الهند الشرقية والهند وشرق إفريقيا وبلاد حوض البحر الأبيض المتوسط حتى الأندلس غرباً، كان له أثره في اتساع معرفة العرب ببلاد كثيرة؛ مما حفزهم إلى الاهتمام والتقدم في فن الخرائط، وقد أدخل الجغرافيون العرب إضافات جديدة ومهمة إلى الخريطة المعروفة في ذلك الوقت، علاوة على إضافة ثلاث مناطق، لم تكن معرفتها مؤكدة في تلك العصور، وهي: منطقة نهر الفولجا، وبعض أجزاء من شمال أوروبا، إفريقيا التي لم يكن معروفاً منها سوى ساحلها الشمالي، علاوة على اكتشاف جزيرة مدغشقر، ومنطقة وسط آسيا وجنوبها، حتى أراضي الصين، وقد ظهر في هذه الفترة بعض الجغرافيين العرب، الذين كان لهم أكبر الأثر في تقدم الخرائط وصنعها، من بينهم الإصطخري، والمسعودي. 
وهناك أيضاً خرائط عصر النهضة والتي ترجع بعد فترة العصور الوسطى إلى ثلاثة أسباب ساعدت على التطور السريع الذي طرأ على فن صنع الخرائط وتطويرها، وهي: إحياء جغرافية بطليموس خاصة مؤلفه المشهور باسم الجغرافيا، وذلك بعد تصحيح ما كان فيه من أخطاء، بوساطة العرب والأوروبيين، واختراع الطباعة الذي كان له الأثر الكبير في تقدم الخرائط خلال عصر النهضة، إذ كانت الخرائط تُرسم حتى ذلك الوقت باليد ما جعلها مرتفعة الأسعار، وقليلة التداول، وفي العصر نفسه اطَّرد تطور الخرائط، فاتسمت بدقة تمثيل المسافات والاتجاهات، والعلاقات بين الظواهر المكانية، وإظهار التضاريس، والمناسيب بدقة مقبولة، وبنهاية عصر النهضة، شهد القرنان التاسع عشر والعشرون تقدماً علمياً كبيراً، جعل كل العلوم في حاجة إلى استخدام الخرائط؛ فظهرت الخرائط الجيولوجية، والأطالس المناخية والبشرية، وغيرها من الخرائط المتخصصة. 
 
أما الخرائط الحديثة فقد أصبحت اليوم ضرورة حيوية في ميادين العمل، إذ ارتبطت بكثير من نواحي الحياة، العملية والعلمية؛ فهي الوسيلة المثلى لتفهم أي حقيقة جغرافية، وهي عون للجندي والمهندس والجيولوجي والمخطط والمستكشف والرحالة وغيرهم، ونظراً إلى هذه الأهمية، فإن استخدامها متنوع: خرائط كروكية بسيطة، وخرائط توضيحية للعالم؛ وخرائط تفصيلية، تتناول دقائق المعالم الموجودة على سطح الأرض، سواء كانت طبيعية أو بشرية. 
 
الخرائط العسكرية وأنواعها
وتقسم الخرائط العسكرية إلى أنواع: الخرائط الإستراتيجية وهي الخرائط المستخدمة في وضع الخطط الإستراتيجية، وتوضيح الموقف العام للعمليات، وتتداول هذه الخرائط على مستوى القيادات. والخرائط التعبوية وتستخدم لتوضيح الموقف التعبوي، وتطور المعركة والتحركات العسكرية، وتتداول هذه الخرائط على مستوى الفيالق والفرق، وهنالك أيضاً الخرائط التكتيكية وتستخدم لتوضيح خطط العمليات، على المستوى التكتيكي، وتوزيع القوات على أرض المعركة، بالإضافة إلى خرائط السير وهي خرائط تبين خصائص التربة، وطبيعة سطح الأرض؛ لبيان مدى صلاحيتها لسير الحملات والمركبات. 
 
وتقسم الخرائط حسب أنواعها إلى خرائط عادية طبُوغرافية، خرائط مصورة تجمع من عدة صور حية، وخرائط مجسمة تتميز بالتمثيل الحي لشكل التضاريس الأرضية، وأخيراً طاولات الرمل وهي صندوق أو إطار من الخشب أو الطوب، يُشكل في داخله نموذج مصغر من الرمل والمواد المساعدة، أو من الخشب، الفوم، أو الإسفنج؛ ليوضح طبيعة الأرض في المنطقة المراد إظهارها، وهو أقرب ما يكون إلى الخرائط المجسمة؛ ولكنه أكثر وضوحاً وتفصيلا. 
 
طاولات الرمل وأهميتها 
تُعَد طاولات الرمل ذات أهمية كبرى من الناحيتين المدنية والعسكرية؛ إذ إنها تمثل سطح الأرض بدقة فيما يتعلق بالشكل والمساحة ومقياس الرسم والاتجاه. وعلى ذلك، يمكن تعريفها بأنها نموذج مجسم يمثل الشكل الصحيح والدقيق لشريحة من الأرض، جُعِل حسب مقياس رسم محدد وحجم معين يمكن رؤيته والتعامل معه في آن واحد، وهي تعتمد في إنشائها بالدرجة الأولى على الخرائط الطبوغرافية التي توضح الشكل الطبيعي للتضاريس أو الطبوغرافي لسطح الأرض في منطقة ما بصورة مصغرة توضح الظواهر التضاريسية بأحد أساليب تطبيق البعد الثالث الارتفاع مثل: الكنتورات، الهواشير، التلوين، التظليل، ونقط المثلثات، ونقط الارتفاع، وطاولات الرمل هي عملية استرجاع للحقائق الطبيعية، بصورة مصغرة عن الواقع، ومكبرة عن الشريحة المطلوب دراستها أو تحليلها على الخريطة الطبوغرافية.
 
ومن ثم فإن الخطوة الأولى لإنشاء طاولة الرمل هي المعرفة الجيدة لأسلوب قراءة الخرائط، وخاصة الخرائط الطبوغرافية، وهذا يعني معرفة العلامات والرموز الاصطلاحية المختلفة، التي يستخدمها الخرائطيون، والتي تمثل اختزالاً للمعلومات والحقائق الجيولوجية والظواهر الطبيعية، وعدم الإلمام بها يحول دون إنشاء طاولات الرمل بالصورة التي تحقق الغرض منها.
 
فإذا كان الهدف مثلاً هو إنشاء طاولة الرمل للأغراض العسكرية فلا بد من إبراز: طبيعة الأرض ومدى صلاحيتها لسير الحملات، والإخفاء، والانتشار، وإمكانية الاستطلاع، والتعاون بين القوات، ومدى صلاحية التربة لأعمال الحفر، ومعرفة مدى توافر الهيئات، الحيوية والتكتيكية، وطرق الاقتراب إليها، والهيئات الحاكمة على طرق الاقتراب، ومدى توافر الموارد المحلية التي يمكن الاستفادة منها. 
 
مراحل إنشاء طاولات الرمل
- تمر طاولات الرمل بعدة مراحل في إنشائها منها تصميم وتحديد المنطقة المراد تمثيلها في الخريطة  كالموقع، التضاريس، الجيولوجيا، التصريف النهري، طبيعة الساحل، الظواهر البشرية كالزراعة، الصناعة، المواصلات، التجمعات العمرانية، الخدمات العامة، الحالة الجوية.
- إسقاط الجزء المراد من الخريطة على طاولة الرمل  يجب أن يتبع عدة طرق بعد أن يتم تجسيم وتكبير الخريطة، وتتوقف دقة الإسقاط على مدى المهارة في رسم الخرائط، وحُسن تقدير الأبعاد والنسب، وتستخدم آلة العرض وهو جهاز عرض الخرائط، ويفضل استخدام هذه الطريقة في حالة طاولات الرمل المطورة، والمصنوعة من الخشب أو الفوم أو الإسفنج، وهكذا تُرسم الملامح الرئيسية، والخطوط الخارجية، للظواهر المختلفة.
 
- طرق توضيح الهيئات وهي من أهم مراحل التجهيز وأدقها، ويتوقف عليها درجة دقة طاولة الرمل؛ إذ إن الخريطة لوحة مستوية، تمثل المسقط الأفقي لمساحة من الأرض بمقياس رسم معين، ورموز واصطلاحات خاصة. وهي لا تقبل تمثيل أكثر من بعدين فقط، بينما الهيئات والثوابت الأرضية لها ثلاثة أبعاد: طول، وعرض، وارتفاع.
- مقياس الرسم بما أن الخرائط الطبوغرافية تمثيل للتضاريس الموجودة في الطبيعة إنما بصورة مصغرة على الورق وبنسب ثابتة تعادل مقدار التصغير لهذه المنطقة، فقد اعتمد في رسمها على ما يسمى مقياس الرسم، وهو نسبة مسافة معينة على الخريطة إلى المسافة نفسها على الطبيعة، وعلى الرغم من أنها هي الأساس في رسم وإنشاء طاولات الرمل، إلا أن مقياس رسم هذه الخرائط يجب عدم الالتفات إليه بعد إنشاء طاولات الرمل، التي تمثل عملية استرجاع للطبيعة في صورة مصغرة، أي عكس الخرائط؛ فيكون مقياس رسم طاولة الرمل هو نسبة تصغير المسافة المقيسة على الأرض، إلى ما يماثلها على تلك الطاولة. 
 
الإخراج النهائي لطاولة الرمل
لكي نصل لنهاية تحضير طاولة الرمل يجب مراجعة مناسيب الهيئات، طبقاً لمقياس الرسم، واستخدام الألوان الملائمة في تلوين الهيئات، لتكون أقرب إلى الحقيقة، كما يمكن الاستعانة ببعض الأعشاب الصناعية، لتمثيل المناطق الزراعية والأشجار والوديان والواحات. وتُكتب أسماء المعالم على لوحات صغيرة، وتثبت على المعالم الطبوغرافية، بطريقة تتيح قراءتها من غير اتجاه، ويجب ان يُراعى توجيه الطاولة قبل إنشائها في اتجاه الشمال مع عمل سهم اتجاه يوضع إلى جوارها، يشير إلى اتجاه الشمال، ومن ثم تُرفع شبكة الإحداثيات المنشأة بالخيط من على الطاولة، أيضاً يمكن الاستفادة بنماذج مبتكرة على هيئة مبان، وباقي المعالم المختلفة لإخراج الطاولة بطريقة تحقق الغرض منها.
 
طاولات الرمل والتخطيط العسكري
استخدمت طاولات الرمال في التخطيط العسكري والألعاب الحربية على مدار سنوات عديدة باعتبارها موافقة للطبيعة الميدانية وخريطة مقياس الرسم وفي التدريب على الأعمال العسكرية، ولقد تم بناء قاعة طاولة رمال عام 1890 في الكلية العسكرية الملكية بكندا لتستخدم في تدريس التكتيكات العسكرية للمجندين الجدد، ولقد حلت هذه القاعة الجديدة محل قاعة طاولة الرمال القديمة في مبنى التدريب، حيث تدمرت الأرضية نتيجة ثقل الرمال، ولقد انخفض معدل استخدام طاولات الرمال انخفاضاً كبيراً لصالح الخرائط المتطورة، والصور الفوتوغرافية الجوية وصور الأقمار الصناعية، وأخيراً، المحاكاة الرقمية للتضاريس الأرضية، وتستخدم اليوم طاولات الرمال الافتراضية والتقليدية في التدريب على العمليات.
 
ففي عام 1991 اكتشفت فرق القوات الخاصة نموذجاً لطاولة رمال تفصيلية يوضح الخطة العسكرية العراقية للدفاع ضد مدينة الكويت، وفي عام 2006 وجد مستخدمو Google Earth الذين كانوا يشاهدون صور الأقمار الصناعية للصين، نموذجاً قياسياً لـ "طاولة رمال" ضخمة تبلغ مساحتها عدة كيلو مترات، والأمر المثير أنها مليئة بذكريات منطقة جبلية (أكساي تشين) التي تحتلها الصين عسكرياً في منطقة متنازع عليها مع الهند وتبعد 2400 كلم من موقع النموذج، وهناك بعض الآراء المتداولة التي تقول بأن التضاريس الأرضية تستخدم في تدريبات التعريف العسكرية.
 
طاولات الرمل والأساليب الدراسية
 وتعتبر طاولات الرمل من أهم الطرائق المتبعة لدراسة المشكلات والصراعات وتحليلها، والوصول إلى الحلول والإستراتيجيات، التي يُتخذ من خلالها القرار الملائم، سواء من الناحية العسكرية أو الجوانب الأخرى، كما تمثل طاولات الرمل أهم الأساليب التطبيقية للعملية التعليمية، وخاصة في مجال دراسة الأعمال المساحية، وأعمال الاستطلاع، والطبوغرافيا، والفلك، والجيولوجيا، وقراءة الخرائط، والتمارين التكتيكية والتعبوية، والمباريات الحربية، كتدريس مهارة تحديد الاتجاهات الأصلية والفرعية، وتدريس مهارة توجيه الخريطة باستخدام البوصلة وبالمطابقة، وتوجه تدريس مهارة مقياس الرسم، وقراءة رموز الخريطة وقراءة مفتاح الخريطة أو دليلها، واستخدام خطوط الكنتور والهاشور والتظليل كرموز، وتدريس مهارة تحديد الأماكن.
 
وتعدّ طاولات الرمل من الموضوعات الحيوية التي يجب أن يلم بها العسكريون وخاصة القادة، ومن يعملون في مجال الاستطلاع والعمليات، وبحوث العمليات، وتختلف طريقة إنشائها طبقاً للغرض الذي تُنشأ من أجله، كما يختلف الحجم مع المستوى القائم بالدراسة أو التطوير، فتستخدم طاولات الرمل من الناحية العسكرية في عدة استخدامات:
 
الدراسة الطبوغرافية للأرض
تمثيل دقيق لسطح الأرض بعناصره الطبيعية والبشرية، وتهدف الدراسة الطبوغرافية إلى استغلال إمكانات مظهر السطح في كل التحليلات والاستنتاجات المتعلقة به أو بأحد العناصر المجسدة والقائمة بشرية كانت أو حيوية، وفي وضعها كإمكانية أو عائق، وتشكل الطبوغرافية أساساً خرائطياً لدراسة جل مشاريع التخطيط والاستصلاح واستعمال الأسطح، أي كل ما يتعلق باستعمال خرائط مظاهر السطح بما في ذلك الهندسية المدنية والأشغال العمومية والبناء واستعمال الأرض في مختلف الاختصاصات.
ومن أهم طرق اسقاط مظاهر السطح على الخريطة الطبوغرافية الألوان فهي تساعد على فهم التفاصيل المرسومة عليها بكل سهولة وتجعل الصورة التي تمثلها أكثر وضوحا، ولمظاهر السطح بالرموز الاصطلاحية الطبوغرافية أهميتها كذلك فهي تشكل مجموع التفاصيل المنتشرة على سطح الأرض سواءً كانت طبيعية مثل مجاري المياه، وحافات البحيرات، وشواطئ البحار، والغابات، وبشرية مثل خطوط المواصلات كالطرق، السكك الحديدية والقنوات والبناءات من منازل ومساجد وجسور.
 
الدراسة التكتيكية للأرض
أظهرت الحروب السابقة أهمية دراسة الخصائص التكتيكية للأرض التي بناءً عليها تحدد خطط العمليات والحجم الأمثل للقوات لتحقيق مهامها، وتختلف الأهمية التكتيكية للهيئات الأرضية طبقاً لأهمية دورها بالنسبة إلى المعركة التي ستدور عليها، ولذلك تطلق أسماء توضح مدى أهميتها بالنسبة إلى خطط العمليات، فالأرض الحيوية وهي ذلك الجزء من الأرض الذي بنجاح المدافع بالتمسك به، أو نجاح المهاجم بالاستيلاء عليه، يفقد الدفاع ثباته واتزانه، ويسهل تطوير الهجوم، واستكمال تدمير العدو وتخصص لمستوى الفرقة. والأرض ذات الأهمية التكتيكية تصلح لاتخاذ القوات مواقع الدفاع عليها، ويحقق الدفاع عنها، أو الاستيلاء عليها، ميزات تكتيكية. وتخصص لمستوى اللواء، والهيئات الحاكمة والتي تتحكم في طرق الاقتراب من الهيئة ذات الأهمية التكتيكية، فالأرض الحيوية. وهي تتحكم في الأرض المحيطة بها، بالملاحظة والنيران. وتخصص لمستوى كتيبة فأقل. 
 
تنفذ الدراسة التكتيكية للأرض على طاولة الرمل بطرق عدة وهي دراسة الأرض جيداً، داخل نطاق مهمة الفرقة، وتحديد الأرض الحيوية، والتي بالتمسك بها أو الاستيلاء عليها، تتحقق مهمة الفرقة، أيضاً تحديد طرق الاقتراب من الأرض الحيوية. وتحديد الهيئات ذات الأهمية التكتيكية، والهيئات الحاكمة المسيطرة على طرق الاقتراب، سواء بالملاحظة أو بالنيران. وتحديد السعة التكتيكية لمحاور الاقتراب "السعة التكتيكية للمحور: هي حجم ما يستوعبه المحور من قوات بالفواصل والأعماق التي تمكنها من إدارة أعمال قتال ناجحة"، وتحديد حجم القوات، التي يلزم دفعها إلى المعركة، على كل محور، حتى يمكن الوصول إلى الهدف الحيوي، أو التمسك بالهدف الحيوي، وتحديد النوعية الملائمة للقوات، طبقاً لطبيعة المحور. وأخيراً تحديد أفضل مهام، يمكن أن تخصص للقوات. 
 
تنظيم التعاون واختبار خطط العمليات
تُعدُّ طاولات الرمل هي الطريقة الرئيسية لإجراء تنظيم التعاون بين القوات المتحاربة، ولتحليل الصراع المحتمل، والوصول إلى البدائل والإستراتيجيات التي من خلالها يُتخذ القرار على مستوى الفرقة، ويجري تنظيم التعاون على طاولات الرمل، بهدف اختبار خطط العمليات وتوضيحها، وارتباطها بطبوغرافية الأرض. وتدريب القادة على التصرف حيال المواقف المختلفة، أثناء إدارة المعركة، ونقل خبرة القادة إلى هيئات القيادة، وتأكيد إلمام القادة وهيئات القيادة بخطط العمليات، والتدريب على بدائل القرار، وخلق روح المبادأة والابتكار وتبادل المعلومات. 
 
اختيار طاولات الرمل لإجراء تنظيم التعاون
احتواؤها على قوات متضادة قوتين أو أكثر ولها أهدافها المتعارضة، التي تسعى إلى تحقيقها، في صورة صراع مسلح. وفي هذا الصراع تظهر المشاكل والمواقف المختلفة التي يلزم إيجاد الحلول الملائمة لها، وهو ما يسمى بمواقف إدارة المعركة، ولذلك، تكتسب القيادة الخبرة اللازمة من دون التعرض لخسائر، فضلاً عن محدودية الخسائر التي قد يستنزفها تنفيذ ذلك على الأرض، ويجب اختيار نوع طاولة الرمل طبقاً للمستوى القائم بها، على حسب المستوى التكتيكي الذي يستخدم طاولات الرمل المصنوعة من الخامات المحلية: طوب، رمل، حصى، وعلى حسب المستوى التعبوي الذي يستخدم طاولات الرمل على المستوى التكتيكي، أو المصنوعة من الفوم والفلين، إلى جانب المستوى الإستراتيجي الذي يستخدم الخرائط المجسمة. 
 
تسلسل تنظيم التعاون على طاولات الرمل
التجهيز العملياتي لطاولة الرمل من أهم المراحل حيث يوضع المشروع أو الخطة للقوات المتحاربة، على طاولة الرمل بالأشكال التي تمثل الاصطلاحات والرموز العسكرية وذلك في المرحلة التي سينظم التعاون عليها، ويتولى المسؤول عن العمليات التوجيه الطبوغرافي والتكتيكي فهو ضروري حيث يوجه الحاضرين إلى اتجاه الشمال ويقوم بشرح مختصر لأوضاع القوات الصديقة، ويقوم بشرح معلومات عن العدو وأوضاعه، ومن ثم يتولى القائد ذكر القرار، ويبدأ بتنظيم التعاون طبقاً للمراحل المختلفة كموضوع المرحلة، وتأكيد قرار القائد في المرحلة، والهدف من المرحلة، وأعمال العدو المنتظرة، وأعمال المستوى الأعلى، والجوار، ويُفترض موقف عملياتي، ويوضح أعمال القوات في هذه المرحلة، كما يعلن القائد قراره في الموقف. ويبادر المسؤولون إلى توضيح دورهم، وأسلوب تأمين قرار القائد، ويجري تأكيد أهم نقاط التعاون في هذه المرحلة، إلى جانب تكرار باقي المراحل، كما يقوم القائد بتأكيد النقاط التي يجب أن تتبعها القوات لنجاح المهمة النهائية بعد المرحلة الأخيرة .
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره