مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-01-01

المرأة المحاربة ... عبر التاريخ

كانت المرأة المحاربة جزءاً مكملاً لتاريخ العديد من الأمم المكتوب  منذ آلاف السنين، ويشكل وجود المرأة في ساحات الحرب جانباً هاماً من تراث تلك الأمم، الذي تزخر به رواياتها وأساطيرها، وتفتخر وتعتز به، ولا يكاد التاريخ القديم لأي أمة من الأمم يخلو من ذكر امرأة قادت ثورة أو تزعمت تمرداً أو قادت مقاتلين أو رافقت جيشاً أو شاركت في القتال حاملة سيفها ودرعها.
 
إعداد: لواء ركن ( م ) سعود أحمد حسون
 
 تحتاج  أى دولة عندما تكون طرفاً في نزاع عسكري،  لتسخير كافة إمكاناتها المادية والمعنوية لتحقيق النصر في ذلك النزاع، و أهم هذه الإمكانات قواها البشرية ذكوراً و إناثاً ولا تقتصر حاجة الدولة إلى ما يبذله أبناؤها المقاتلون على ساحات القتال فقط ، بل يتعدى ذلك إلى شحذ همم كافة أبناء الدولة و بناتها لدعم الجهد العسكري، كل في مجال اختصاصه، منذ فجر التاريخ وكقاعدة عامة، كان الرجل بطبيعة تكوينه الجسماني والنفسي هو الذي  يحمل السيف والرمح والدرع ليقوم بدور المقاتل، ويقتحم القلاع والحصون أو يدافع عنها، كما كان للمرأة دورها الهام كامرأة محاربة  ( Warrior Woman )  تؤدي دورها في المجهود الحربي، داخل وخارج ساحات القتال، بما يتناسب مع طبيعتها، إلا أنه وبمرور الزمن وسنة التطور في شتى مناحي الحياة،  ومنها التطورات الاجتماعية والعلمية  وخاصة  التطور في معدات القتال ، حدث نوع من التراخي في تلك القاعدة، مما جعل دور المرأة يزحف ليتساوى مع دور الرجل المقاتل  لتكون امرأة مقاتلة Combatant Woman  إلى جانب الرجل على أرض المعركة وفي السفينة والغواصة والطائرة المقاتلة.
 
لقد كشف التاريخ العسكري على مدى امتداد ما يقارب 4 الآف سنة  عن أدوار  متفاوتة  قوة وتأثيراً لعبتها  المرأة في شتى أوجه النزاعات العسكرية،  فقد برزت في العديد من حروب التاريخ القديم كقائدة ومقاتلة، أو كمثيرة لحماس المقاتلين ومشجعة لهم على مواجهة العدو وداعية إلى البذل والعطاء، بجانب تفانيها في أعمال أخرى تتقنها وهى ترافق الجيوش في ساحات القتال في مجال الطبابة والإمداد إلى غير ذلك من المهن التي تتناسب مع طبيعة تكوينها الجسماني و النفسي، وقد تمكن المؤرخون من تقصى مشاركات المرأة في مختلف الأنشطة العسكرية منذ أقدم العصور، فبالرغم من الحواجز التي أقامتها العديد من الدول أمام المرأة لتحول بينها و المشاركة في الأعمال العسكرية، إلا أن ذلك لم يمنعها من المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة  في القتال بجانب الرجل في شتى أنواع الحروب .
 
 
 في العصور القديمة 
أبرز التاريخ أسماء الكثير من النساء، و تم نسج القصص والأساطير في مختلف المجتمعات البشرية حول بطولاتهن، من هذه القصص و الروايات ما كان واقعاً ومنها ما كان من نسج الخيال مما تداولته  شعوب تلك الأمم عبر الأجيال .
فمنذ ظهور الحضارة الإغريقية كان هنالك  "الأمازونيات"  في آسيا الصغرى  وهن أمة من النساء المقاتلات تقودهن "ارتيميس" آلهة الصيد ابنة  الإله "زيوس"، كما ذاع اسم الآلهة "أثينا" التي تصورها الأساطير الإغريقية كامرأة قوية مسلحة تقوم بمساعدة مشاهير الأبطال مثل "هيركيوليس"، كما كان هنالك العديد من النساء الرومانيات  المحاربات مثل "بيلونا" آلهة الحرب عند الرومان وهي أخت "مارس" إله الحرب، ولم تكن أسماء النساء المقاتلات في أوروبا في العصور القديمة قاصرة على الحضارتين الإغريقية والرومانية فقط ، بل تعدتها إلى دول أخرى مثل الملكة "بوديكيا" البريطانية التي قادت جيوش بلادها ضد المحتلين الرومان عام 61 ق.م،  وكذلك " القديسة أولجا" الروسية التي شنت العديد من الحملات انتقاماً لمقتل زوجها الملك " ايقور" وتغلبت على أعدائها  بجانب العديد من أسماء النساء الروسيات "البولينتزات" اللائي شاركن في الحروب خلال مختلف حقب التاريخ الروسي القديم، كما نجد في التاريخ القديم لغرب أفريقيا فى حضارات "داهومى" و " اللانجو" و "الهوسا" من قمن بقيادة مقاتلين، أو القتال لأسباب مختلفة مثل الأميرة النيجيرية المسلمة " أمينة سخيرا " التي استقرت سلطتها على عرشها بعد خوض العديد من المعارك في مواجهة خصومها، وقد برز في شمال أفريقيا خلال القرن السابع الميلادي اسم " الكاهنة "  وهي امرأة  من البربر  ذات شخصية قيادية دينية وعسكرية قادت مقاومة ضد العرب في  إقليم "نوميديا" ما يعرف بالمغرب حالياً، ولم تخل الحضارة المصرية الفرعونية من أسماء بعض الملكات المحاربات مثل"كليوباترا" و"سخمت" التي تظهرها النقوش الأثرية وهي تحمل وجه لبؤة والسورية "زنوبيا" وقد عاصرتهن في تلك العصور في أواسط آسيا من الفارسيات و الأشوريات مثل  "عشتار" والسومرية "انانا".
 
وشهدت الألفية الأولى بعد الميلاد العديد من النزاعات العسكرية خاضتها الجيوش الرومانية والفارسية، كان البعض منها فتوحات توسعية أو حروب دينية، كان أبرزها الفتوحات الإسلامية والتي برزت من خلالها أسماء العديد من النساء العربيات اللائي شاركن في تلك الفتوحات منذ بداية الدعوة داخل الجزيرة العربية،  كما رافقن الجيوش الإسلامية في فتوحاتها خارج الجزيرة العربية .
 
المرأة العربية المسلمة 
خاضت الجيوش الإسلامية حروباً عديدة  منذ "موقعة بدر" وحتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ولم يكن الرجال وحدهم عدة  تلك الحروب ، فقد كانت المرأة المسلمة دوماً بجانب الرجل، آخذة بنصيبها في المعارك، يدفعها إيمانها لأداء واجبها لنصرة دينها، مما جعلها خير مثال لقطاع من الجيش الإسلامي، يحس بواجبه ويقدر مسؤولياته ويفهم رسالته ويدرك أعباءه. 
فمنذ فجر الإسلام كانت السيدة " خديجة بنت خويلد" أول من ساند الرسول -عليه الصلاة والسلام- في دعوته، وكانت " سمية " أم عمار بن ياسر أول شهيدة في الإسلام، كما كان لـ "أسماء" بنت أبابكر الصديق (ذات النطاقين) دورها في هجرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وصاحبه  في هجرتهما التي كانت عبارة عن معركة فاصلة بين الخير والشر .
 
كان الرسول – عليه الصلاة والسلام- عادة ما يصطحب معه إحدى زوجاته إذا غزا،  فقد كانت عائشة أم المؤمنين حاضرة في غزوة بدر تحمل القرب و تسقى الظمآن، كما صاحبته " أم سلمة" للحج في مكة وحضرت صلح الحديبية، وصاحبته "عائشة" في "غزوة بني المصطلق" وصاحبته "ميمونة" و "أم سلمة" في غزوة "فتح مكة"، كما صاحبته "أم سلمة" في حرب الطائف، كما كانت ابنته " فاطمة" حاضرة في "غزوة أحد" تضمد جراحه .
 
لم تكن تلك المرأة المسلمة تحمل السلاح في تلك الغزوات وتقاتل به ، ولكنها كانت تقوم بالأعمال التي تناسب طبيعتها كامرأة كأعمال الإعاشة، وهي أعمال هامة ذات قيمة كبيرة للمقاتلين ، فالمقاتل في حاجة دائمة للماء والطعام والسلاح، وكانت المرأة تتقدم بين الصفوف لتسقى العطشى و تقدم الطعام و السلاح لمن فقد سلاحه، كما تقوم بخدمة الجرحى فتعتني بهم وتضمد جراحهم وتسهر على راحتهم  وتعمل على رفع الروح المعنوية  بين صفوف المقاتلين .
 
ولا يمكن لمن يطّلع على تاريخ الإسلام إلا أن ينظر بعين الإعجاب إلى ما قامت به البطلتان المحاربتان" أم عمارة" نسيبة بنت كعب" المازنية الأنصارية، والمقاتلة الشريفة المناضلة العظيمة "خولة بنت الأزور"، فقد كانت الصحابية الجليلة " أم عمارة " مثلاً و قدوة للمرأة العربية المسلمة والمقاتلة الشجاعة الصابرة، فقد رافقت جيوش المسلمين في معظم غزواتهم وأهمها غزوتي " أحد " و" حنين "، حيث قامت بمساعدة المقاتلين و سقايتهم و تضميد جراحهم، و قد وقفت مدافعة عن الرسول – عليه السلام- في موقعة " أحد " حتى قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم (ما التفت يميناً أو شمالاً إلا و أنا أراها تقاتل دوني)، كما رافقت جيوش المسلمين في حروب الردة وحضرت "معركة الحديقة"، وشهدت مقتل "مسيلمة  الكذاب"،  وقد توفيت في عام 13 هجرية، ودفنت في المدينة المنورة.
 
أما الصحابية الجليلة "خولة بنت الأزور" فقد كانت مثالاً آخر للمرأة المسلمة المحاربة، فقد رافقت جيوش المسلمين بقيادة " خالد بن الوليد " في فتوحات الشام وحضرت "معركة اليرموك" و معارك أخرى، و قد أبلت تلك الفارسة الملثمة، و رفيقاتها المسلمات بلاءاً حسنا ً  ساهم في انتصار المسلمين ودحر أعدائهم ، وقد توفيت بعد حياة مليئة بمواقف الجهاد في سبيل الله، خلال خلافة سيدنا عثمان بن عفان بعد أن شهدت معارك كثيرة.
 
في العصور الوسطى
 أبرزت المصادر التاريخية ما قامت به المرأة من أدوار فردية وجماعية في الحروب بين الدول والحروب الأهلية خلال حقبة القرون الوسطى و حتى بداية القرن العشرين في الكثير من الدول منها: انجلترا، فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، البرتغال، أسبانيا غرب أفريقيا، وجنوب وشرق آسيا، وبقاع أخرى من العالم  .
رافقت المرأة الجيوش خلال تلك الفترة التي دارت فيها الكثير من الحروب خاصة في أوروبا، حيث كن يقدمن بعض الخدمات الهامة مثل أعمال الغسل والطبخ والرعاية الصحية، ومنهن من التقطن أسلحة الجنود القتلى والجرحى، وواصلن القتال بدلاً عنهم، وفي أحيان أخرى نجد أن بعض النساء قد اخفين أشخاصهن كنساء وتسمين بأسماء رجال وارتدين أزيائهم ليتسنى لهن العمل في صفوف الرجال.
من ألمــــع أسماء النساء الأوروبيـــــات المقاتـــلات في القـــــرون الوسطى الفرنسية " القديسة جان دارك" JOAN DE ARC التي ترجع شهرتها إلى نجاحها في رفع حصار القوات الانجليزية عن مدينة " اورليانز" الفرنسية عام 1429 م، بعد أن قامت بقيادة جيش صغير وتمكنت من الانتصار وتخليص المدينة، إلا أنه قد تم أسرها لاحقاً ووجهت لها تهمة الإلحاد، وصدر الحكم عليها بالإعدام و تم إعدامها حرقاً و هي حية، إلا أنها ظلت محل تكريم الفرنسيين منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا .
 
وفي جنوب آسيا؛ تعاقبت على التاريخ الهندي العديد من أسماء النساء مثل" رازيا سلطانة " التي تولت عرش " دلهى" بين عامي 1236م  و 1240م، فقد كانت سليلة أسرة سلجوقية ـ تركية، تلقت تدريباً على قيادة الجيوش و إدارة الممالك، وكانت أول ملكة تركية مسلمة في التاريخ، و قد أعقبتها عدد من الملكات والمحاربات اللائي قمن بقيادة الجيوش في مواجهة البرتغاليين والمغول عام 1596م والبريطانيين عام 1857م، أما في شرق آسيا فقد كانت الصين وفيتنام واليابان مسارحاً للحروب التحررية التي شاركت فيها المرأة بمختلف الأدوار . 
وفي أواخر حقبة القرون الوسطى، بدأت بعض الدول في قبول النساء للخدمة كممرضات منذ العام 1850م، وقد أتى  ذلك نتيجة لما قامت به المجندات البريطانيات في مهنة التمريض في "حرب القرم" وأشهرهن  البريطانية،  رئيسة الممرضات " فلورنس نايتنجيل" 1820م - 1910م التي ترأست فريقاً مكوناً من 38 من زميلاتها الممرضات المتطوعات، وأقامت مستشفى لمعالجة الجرحى من المقاتلين البريطانيين في حرب القرم 1854م، وقد أرست بذلك الأسس الصحيحة لعمل المرأة المنظم في مجال التمريض في ساحات الحرب.
ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تم تنظيم خدمات التمريض في جيوش الولايات المتحدة، كندا، وبريطانيا، حيث كانت تقوم بها ممرضات يرتدين الزى العسكري، إلا أنهن لم يكن يحصلن على نفس مزايا واستحقاقات المجندين الذكور. 
ومع بداية القرن العشرين، ظهر للمرأة وجود أكثر في العمل العسكري في مختلف التخصصات، ومنها المهام القتالية في الحركات الثورية وحركات المقاومة والحروب الداخلية الأخرى في أفريقيا والصين وايرلندا وروسيا وأسبانيا ويوغسلافيا. 
 
في الحرب العالمية الأولى
أثبتت وقائع التاريخ أنه في حالة وجود نقص في عدد الرجال المؤهلين للقتال، خاصة في حالات الطوارئ تزداد نسبة المشاركة الرسمية للمرأة في الأعمال العسكرية؛ وكرد فعل للحاجة إلى المقاتلين في الحرب العالمية الأولى، تم تجنيد أعداد كبيرة غير مسبوقة من النساء للعمل في مهن تمريضية و غير تمريضية تتعلق بمساعدة المقاتلين في ساحات المعارك. 
ففى ألمانيا تم تجنيد النساء للعمل فى الصناعات الحربية والمهن المكتبية ووسائل وأدوات الاتصال فى المناطق الخلفية، وقد قمن بتنفيذ تلك الواجبات بصفتهن مدنيات رغم تجنيدهن من قبل السلطات العسكرية.
وفي بريطانيا، قدمت النساء المدنيات أنواعاً مختلفة من الخدمات، كما تم تجميع و تنظيم وإعداد وحدات إضافية أو احتياطية من النساء في صفوف وحدات المشاة و البحرية عام 1917م، و في القوات الجوية في عام 1918م ، كانت المجندات يتقاضين رواتب مقابل أعمالهن، وأثناء الحرب قامت الحكومة البريطانية بدراسة موضوع التجنيد الاجبارى للنساء، إلا أنه لم يوضع موضع التنفيذ . 
 
أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد قامت القوات المسلحة بتأسيس وتنظيم وحدات نسائية عام 1917م في الأسطول، وفي القوات البرية عام 1918م ، حيث ارتدت المجندات الزى العسكري وأوكلت إليهن مهام تتناسب مع قدرات المرأة كعاملات البدالات و كاتبات وموظفات أو عاملات في وحدات الخدمات الإدارية، في حين تم إرسال بعضهن للعمل في ما وراء البحار، وقد حلت المرأة في تلك الوظائف محل أعداد من الرجال الذين تم تحويلهم إلى وحدات مقاتلة، وكانت وحدات النساء مؤقتة و قد تم حلها عند نهاية الحرب .
 
في الحرب العالمية الثانية 
يمكن اعتبار الحرب العالمية الثانية نقطة تحول كبرى في تاريخ مشاركة المرأة في الأعمال العسكرية، فبجانب عمل النساء في الصناعات الحربية نجدهن يؤدين أعمالاً أخرى متعددة في القوات المسلحة،  فقد عملن في المجالات الطبية وسائقات شاحنات ومرشدات اجتماعيات.. الخ ، وقد لحقت الدول التي لم تنظم الأعمال الطبية بمشاركة المرأة بتلك الدول التي سبقتها في هذا المجال، وتم إنشاء وحدات طبية تتكون في معظمها من النساء، كما تم إنشاء وحدات نسائية في كل من كندا وفرنسا وهولندا وايطاليا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة لانجاز مهام غير تمريضية في مختلف أفرع و تشكيلات القوات المسلحة جنباً إلى جنب مع الرجال، وقد اعتبرت وحدات النساء كوحدات إضافية أو احتياطية اتخذت مكانتها العسكرية، وتم الاعتراف بها رسمياً في أوقات لاحقة.
 
وقد طبقت ألمانيا نظام التجنيد الاجبارى للنساء للعمل في قوة العمل المدنية في الصناعات الحربية، وفي بعض الوحدات  العسكرية مثل وحدات الدفاع الجوى و إدارة وتشغيل كشافات الغارات الجوية وبطاريات الرادارات، و ذلك في داخل ألمانيا وفي الدول الأخرى التي تواجدت فيها القوات الألمانية، في حين خضعت خدمة النساء في الاتحاد السوفيتي للتجنيد الالزامى، حيث تم استيعابهن في البداية  لشغل المهن المساعدة، ولكن مع تطور أحداث الحرب والخسائر الكبيرة في القوة البشرية في صفوف المقاتلين من الرجال، شاركن في القتال في الخطوط الأمامية ضمن وحدات مختلطة رجال/نساء  ووحدات نسائية صرفة، وقد وصل عددهن خلال الحرب إلى 400000 امرأة، وقد اشتملت وحدات النساء بجانب وحدات المشاة، على أفواج جوية مقاتلة وقاذفة قنابل، كما عملت النساء في مهام الكشف والاستطلاع والجاسوسية وكقناصات كانت أشهرهن "روزا شامينا " التي بلغ عدد ضحاياها 54 بإصابات قاتلة مؤكدة، وبحكم قيام النساء بهذه المهام سقطت منهن قتلى وجرحى وأسيرات حرب، و قد تم إلغاء التجنيد الالزامى للنساء عند نهاية الحرب، وفي بريطانيا لم يختلف الحال عما كان عليه في ألمانيا، فقد تم تطبيق التجنيد الالزامى للنساء خلال الحرب، إلا أن مشاركتهن كانت قاصرة على الأعمال التي تناسبهن في الصناعات التي تدعم المجهود الحربي، وقد عملت بعضهن كطيارات في طائرات النقل العسكرية.
 
 أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تم توظيف أعداد كبيرة من النساء في خدمات الصناعات المدنية والعسكرية، و تم تكوين مجموعات نسائية لكافة الخدمات، بما في ذلك وحدات نسائية احتياطية، ورغم أن معظم النساء شغلن وظائفهن التقليدية، إلا أن البعض منهن عملن في كل التخصصات عدا القتال المباشر، فعملن كميكانيكيات طائرات، وفي إعداد و تطبيق المظلات، وكمدربات على الأسلحة وضمن أطقم طائرات النقل العسكرية، وعلى الرغم من منع النساء من المشاركة في القتال، إلا أن ذلك لم يمنع إرسالهن للعمل في مسارح عمليات خارج الوطن مما عرضهن للكثير من المخاطر، وقد أسر اليابانيون ممرضات أمريكيات كن يعملن في الفلبين وجزيرة جوام في المحيط الهادي، كما تم أسر بعضهن بواسطة الألمان في أوروبا. 
كما عملت النساء الأمريكيات والبريطانيات والروسيات في مجال الجاسوسية وأعمال التخريب خلال الحرب، كما انضمت الفرنسيات والايطاليات والروسيات واليوغسلافيات إلى صفوف المقاومة  ضد القوات التي احتلت بلادهن خلال الحرب. 
 
ما بعد الحرب العالمية الثانية 
رغم الأعداد الكبيرة التي شاركت في الحرب العالمية الثانية من النساء، وتعــــدد مهنهن وتخصصاتهن، إلا أن نهاية الحرب أدت إلى تسريح أعداد كبيرة منهن، وجاءت بتحديدات أكثر في المهن التي يشغلنها ، وفي دورهـــــن في العمل العسكري على وجه العموم،  ففي الولايات المتحـــــدة صدرت تشريعـــات في عامي 1947م و 1948م تتيح للمرأة العمل في القوات المسلحة، إلا أنها تضمنت تحديدات كثيرة في العدد الذي يتم استيعابه و أنواع المهن التي يشغلنها . 
كان للمشاركة الكثيفة للمرأة في الحرب العالمية الثانية أثر كبير في زيادة مشاركتها، والتي كان أكبرها في الحرب الكورية وما تلاها من حروب،  كانت في معظمها ذات طبيعة ثورية أو حروب مقاومة ضمن قوات غير نظامية، إلا أننا نجد أن استقرار الأوضاع بعد نهاية تلك الحروب يعيدهن إلى مهن و أعداد محددة في الجيوش النظامية كما حدث في فيتنام وفي إسرائيل بعد حرب 1948 م ، وقدمت النساء المصريات دعماً كبيراً للقــوات المقاتلة في حرب فلسطين عام 1948م وفي الحروب العربية الإسرائيلية التالية في الأعوام 1956م و 1967م و 1973م.
وشهدت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي تحولات جذرية في طبيعة دور المرأة في العمل العسكري، وقد ظهر ذلك جلياً بانضمام أعداد كبيرة من النساء للقوات المسلحة في العديد من الدول (حتى تلك التي لم يكن للمرأة فيها مكان في القوات المسلحة)، وفي بعض الدول تم دمج الهيكل الادارى للعاملات من النساء مع الهيكل الإدارى العام، وفي دول أخرى أتيح للمرأة لأول مرة التطوع للخدمة العسكرية،  وقد التحقن بالمعاهد العسكرية ومعاهد التدريب على مختلف المهن والتخصصات المهنية، إلا أن العديد من الدول لا زالت تفرق بين الرجال و النساء في الكثير من النواحي ومنها فترة التجنيد الالزامى وأساليب التدريب والرواتب واللوائح الانضباطية و نظام الترفيع والوظائف.
 
 أما الآن فنجد أن تواجد المرأة ضمن المجتمع العسكري قد صار في معظــم الدول حقيقة ثابتـــة لا تخطئها العين، والشواهد على ذلك كثيرة، فنصف جيش كوريا الشمالية من النساء، ويبلغ تعداد جيش النساء الصيني 324701244 امرأة، كما تمدد دور المرأة في القوات المسلحة الكندية في  جميع أفرعها بين عامي 1979 م  و 1985 م بفتح المجال لها  للتطوع  والعمل ضمن القوات المقاتلة والعمل بالغواصات عام 2002م، وقد كانت  النقيب "نيكولا جودارد " أول امرأة كندية  تسقط قتيلة في العمليات في أفغانستان في 17 مايو (أيار) 2006م، كما شاركت في حرب الخليج أكثر من 40 ألف امرأة أمريكيـة قمن بمختــلف المهام التي كلفن بها، و الآن يقمــن بأعمــال قياديــة و قتاليـــة في السفن الحربية، و قد حازت الأمريكية " آن إيه. دنودى" على رتبة فريــق أول في نوفمــبر ( تشرين ثاني) 2008 م،  وتشكـــــل الأستراليات حالياً  نسبة 12.8 % من القوات المسلحة الأسترالية  كما بلغ عدد النساء من الضباط وضباط الصف في عام 2005م في تركيا 1245 امرأة، ورغم مشاركة المرأة البريطانية في القتال خلال التاريخ العسكري البريطاني، إلا أننا نجدها تشكل 9 % من القوات المسلحة البريطانية في الوقت الحاضر، وهنالك الكثير من الإحصاءات  التي تعكس تواجد المرأة المكثف في القوات المسلحة لمختلف الدول.  
 
المرأة العسكرية .. بحث ودراسة 
كان شأن مشاركة المرأة في الأمور العسكرية عامة وفي القتال خاصة، موضوعاً لدراسات عديدة ومتعمقة في الماضي والحاضر، فقد أخضعت لتلك الدراسات العديد من المقاييس في مجالات القوة البدنية وقوة التحمل، بجانب المفاهيم الخاصة بتماسك وروح الوحدة العسكرية التي تشكل المرأة جزءاً منها، كما سلطت أضواء البحث على موضوعات مثل وجود المرأة والرجل في مكان ضيق لفترات طويلة (مثل الغواصة)، وسلوك الرجل عند رؤية زميلته الجريحة، ودرجة مبدأ قبول وقوع امرأة في الأسر ومعاملتها كأسيرة حرب، و سلوك مقاتلي العدو الذين يفضلون الموت على الاستسلام لامرأة تقاتلهم ، إلى غير ذلك من المفاهيم التي جعلت دور المرأة كمقاتلة موضوع جدل دائم إلى يومنا هذا.


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره