مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2012-09-01

الغواصة....سلاح حديث ذو جذور تاريخية

أول ما يتبادر إلى الذهن عندما يرد ذكر "الغواصة" هو أنها سلاح حديث لم تعرفه أو تتعامل معه الجيوش إلا في العصور الحديثة، كما يتبادر إلى الذهن أيضاً أنها سلاح ثانوي، لا يرقى في تأثيره إلى مستوى الأسلحة الأخرى، ولا يتساوى مع تلك الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، ومنها حاملات الطائرات العملاقة وغيرها مما يمخر عباب البحر.
ولكن، عندما نقترب منها أكثر نجد أن العكس هو الصحيح، ففكرة الغوص والقتال من تحت سطح الماء كانت فكرة راسخة في أذهان البشر منذ القدم، أما أثر الغواصة على سير الحروب فقد ظهر من خلال تلك الآلاف من السفن وملايين الأطنان التي ذهبت إلى قاع البحر بعد أن أغرقتها الغواصات في معارك الحروب الأخيرة وخاصة معارك الحرب العالمية الثانية.
إعداد: لواء ركن (م) سعود أحمد حسون
 
 
التاريخ المبكر للغواصات 
الغواصات هي  تلك الزوارق التي تعمل تحت سطح الماء بصورة مستقلة، ويطلق عليها اسم Submarine التي تعني: سفينة تغوص تحت سطح الماء.
ولمفهوم الزوارق التي تعمل تحت سطح الماء جذور عميقة في العصور القديمة، فبجانب وجود بعض الصور التي تظهر رجالاً يستخدمون عصياً مجوفة للتنفس تحت سطح الماء للصيد قرب معابد طيبة القديمة، نجد أن أول استخدام عسكري للغواصين كان لإزالة العوائق خلال حصار «سيراكيوز» (حوالي 413 ق.م) كما ورد في تاريخ الحروب الفينيقية، وقد تم استخدام الغواصين بعد ذلك في حصار «صور» في 332 ق.م من قبل جيوش الإسكندر الأكبر، وطبقاً لما ورد في بعض الأساطير التي راجت في الإسكندرية في القرن الثاني عشر الميلادي، فإن قوات الإسكندر الأكبر استخدمت بعض أدوات الغوص في مهام الاستطلاع من داخل أداة تشبه الجرس.
بعد عدة محاولات جرت في القرون الوسطى صمم الإنجليزي «ويليام بورن» الطراز الأول للغواصة في عام 1578، رغم أن أفكاره لم تخرج إلى حيز الوجود، ولم تترجم إلى حقيقة واقعة، إلا أن أول غواصة تم بناؤها في القرون الوسطى كانت في العام 1605 بواسطة «ماجنيس بيجلوس» إلا أنها غاصت، عند تجربتها، ودفنت داخل الطين.
 
ورغم أن جهود المخترعين اتجهت، بعد ذلك، إلى إيجاد غواصات لاستطلاع ما تحت سطح الماء، إلا أنهم لم يغب عن أذهانهم استخدامها لأغراض عسكرية، خاصة عندما وضع المفكر البريطاني، البيشوب «جون ويلكنس» في عام 1648 مزايا إستراتيجية تبين مدى الفوائد التي يمكن جنيها من استخدام الغواصة، وأغلبها فوائد عسكرية، وتتلخص تلك المزايا في الآتي:
- الخصوصية، بمعنى أنها توفر لكل شخص الذهاب إلى أي شاطئ في العالم متخفياً دون أن يكتشف أحد وجوده.
- السلامة من الأخطار المتوقعة خلال التحرك بحراً مثل حركات المد والجزر والعواصف.
- القيام بأعمال قتالية إذ انه من الممكن أن يكون لها فوائد عظيمة في مواجهة أسطول العدو والذي يمكن مهاجمته من أسفل الماء وتدميره.
- يمكنها اختراق أي حصار بحري والمساعدة في إيصال أي مواد إغاثة أو أسلحة للمحاصرين .
- يمكن أن يكون لها فوائد جمة في إجراء تجارب أو استكشافات تحت الماء.
كان نشر هذه الفوائد، أو المزايا التي يمكن الحصول عليها من الغواصة، دافعاً قوياً للمخترعين والمصممين وأرباب الصناعة للمزيــد مــن السيـــر قدماً في اختراع و تحسين تصميم الغواصة.
خلال الفترة من عام 1690 إلى 1692 تمكن الفيزيائي الفرنسي «دينيس بابين» من تصميم وبناء غواصتين، وقد أعطى وصفاً مفصلاً لها في كتاب صدر له عام 1695، كان التصميم الأول عبارة عن صندوق معدني مكعب، قوي وثقيل ومزود بمضخة هواء ذات كفاءة عالية، يوضع البدن على الماء ثم توضع الحمولات داخل الصندوق، ويتم إغلاق فتحة البدن، ثم تدار مضخة الهواء لرفع مستوى الضغط الداخلي، وعندما يؤشر جهاز الضغط (الباروميتر) إلى وصول الضغط الداخلي إلى المستوى المطلوب، يتم فتح منفذ من الأسفل لإدخال كمية المياه المطلوبة بما يمكن من السيطرة على مستوى الغطس، لم تتم تجربة هذه الآلة بسبب حادث أدى إلى تدميرها قبل تجربتها، أما التصميم الثاني الذي تم بناؤه عام 1692 فقد تغير شكل البدن ليكون بيضاوياً، بدلاً من مكعباً،ص وقد تمت تجربة هذا النموذج بنجاح في نهر «لان».
خلال القرن السابع عشر استخدم القوزاق الاوكرانيون مركباً نهرياً يسمى «شيكا»، يعمل تحت الماء لأغراض الاستطلاع ومهام التسلل، وهو يشبه إلى حد كبير جرس الغطس المستخدم حالياً للأغراض السياحية والذي سبق واستخدمه الأسكندر الأكبر، يتم دفعه بواسطة السير على الأرجل في قاع النهر، وتوضع الأوزان المناسبة لإبقائه غاطساً، كما تستخدم أنابيب إضافية للتنفس.
حتى العام 1727 تم التقدم باختراعات مختلفة بلغت 14 اختراعاً في مجال الغواصات في انجلترا وحدها، إلا أن أفضلها كان ما تم تصميمه بواسطة «جيوفاني بوريللي» الذي استخدم القرب (جمع قربة) من جلد الماعز، يؤدي ملؤها بالماء إلى الغوص كما يؤدي إفراغها إلى الطفو، وكانت هذه، على ما يبدو، أول محاولة للوصول إلى خزان الموازنة المستخدم حالياً.
 
أوائل الغواصات الحربية
كانت أول غواصة تم تصميمها وبناؤها لأغراض عسكرية هي الغواصة TURTLE وتعني السلحفاة، كان ذلك في أمريكا في العام 1776 بواسطة الأمريكي «ديفيد بوشنيل» وقد تم تصميمها بشكل بيضاوي وتحمل رجلاً واحداً، وكانت أول غواصة لها القدرة على التحرك والعمل تحت سطح الماء باستقلالية، والأولى التي استخدمت فيها طريقة الدفع اللولبي (إدارة المروحة باليد بدلاً عن استخدام المجاديف)، تم تكليف «تيرتيل» بمهمة خلال حرب الاستقلال الأمريكية حيث قامت بمحاولة إغراق سفينة القيادة البريطانية «ايجل» في ميناء «نيويورك» في 7 سبتمبر 1776 ولم تنجح المحاولة ولا يوجد في سجل السفينة المذكورة ما يشير إلى حدوث هذا الهجوم.
في عام 1800 تم في فرنسا بناء أول غواصة من فئة «نيوتيلوس» تعمل بنوعين من الدفع، بالشراع على سطح الماء ويدوياً داخل الماء، وقد تلت تلك التجربة فترة ركود في إجراء التجارب على الغواصات في كل من انجلترا و فرنسا.
قام الروسي «كارل شيلدر» في عام 1834 ببناء واختبار أول غواصة معدنية في «سانت بيترسبيرج» وهي مسلحة بستة صواريخ، كما قام عريف المدفعية البافاري «فيلهلم باور» بتصميم غواصة وتجربتها في ميناء «كيل» عام 1851، غرقت تلك الغواصة وتم رفعها عام 1887، وهي معروضة حالياً في متحف التاريخ العسكري في «دريسدن».
خلال الحرب الأهلية الأمريكية 1861- 1865 استخدمت القوات الاتحادية الغواصة الفرنسية التصميم  Alligator(التمساح) التي تم فيها استخدام الهواء المضغوط، ولأول مرة نظام تنقية الهواء، كما كان بها حجيرة معزولة لتمكين الغواصين من الخروج والدخول إلى الغواصة لزرع الألغام الكهربائية على السفن المعادية.
 
على الصعيد الأوروبي، شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً كبيراً في تصميم وصناعة الغواصات، حيث تم تصميم وبناء الغواصة الفرنسية «بلونجير» التي تم إنزالها في البحر عام 1863، وتتميز بأنها أول غواصة في التاريخ لا تعتمد على الطاقة البشرية لدفعها بل تعتمد على محرك ترددي باستخدام الهواء المضغوط، وتبعتها في نفس مصدر الطاقة الغواصة «استينيو 2» باستخدام محرك احتراق داخلي (مثل محرك السيارة العادية).
في انجلترا، حصل القس «جورج جاريت» في «مانشستر» عام 1878 على تصريح بإنشاء مصنع لصناعة وتطوير الغواصات، حيث تم إنتاج عدد من الغواصات التي تعمل بمحرك بخاري، وقد تم نوع من التعاون بين «جورج جاريت» و»سويد ثورستون نوردفيلد» لإنتاج سلسلة من الغواصات باسم «نوردفيلد»، وقد تم تطويرها حتى العام 1887 لتعمل بمحركين وأنبوبي طوربيد، وكانت أول غواصة لإطلاق الطوربيد من تحت الماء، يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن زوارق الطوربيد كانت تبحر على سطح الماء وتضطر إلى الاقتراب إلى مسافة قريبة من هدفها لتتمكن من إصابته مما يعرضها إلى خطر الإصابة قبل أن تطلق الطوربيد، مما دعا إلى إيجاد زورق طوربيد يتحرك تحت سطح الماء، الشيء الذي تحقق من خلال تطوير صناعة الغواصات في القرن التاسع عشر.
 
كانت خلاصة جهود التطوير خلال تلك الحقبة، الغواصة التي صممها المهندس البحار الأسباني «اسحق باريل» عام 1888، كانت مزودة بأنظمة تهوية متطورة وتسير بسرعة، هي الأسرع حتى ذلك الوقت، 10 عقدة في الساعة تحت الماء، ولديها نظام توجيه تحت الماء، إلا أنها ولاعتبارات تمويلية لم تجد فرصة للتطوير لاعتراض بعض الجهات الحكومية على مشروعات تطويرها، وقد واكب تطوير تلك الغواصة غواصة أخرى في فرنسا هي الغواصة «جينوت»  التي تسير بدفع كهربائي تحت  الماء وتعتبر غواصة حربية بمعنى الكلمة حيث قامت بأكثر من ألفي عملية غطس ناجحة.
في عام 1897 قام المخترع الأيرلندي «فيليب هولاند» بتطوير سلسلة من الغواصات من  طراز «هولاند»، كان أولها فئة «هولاند 6» وقد كانت من أوائل الغواصات المعتمدة في البحرية الأمريكية، وزودت العديد من الدول المتقدمة أساطيلها بغواصات من شركة «هولاند لزوارق الطوربيد / شركة الزوارق الكهربائية» والتي تغير اسمها ليكون «جنرال دايناميكس» التي تقوم ببناء أفضل الغواصات إلى يومنا هذا.
شهدت صناعة وتطور تكنولوجيا الغواصات في أواخر القرن التاسع عشر طفرة كبيرة، فقد تم استخدام ماكينات الديزل لقوة الدفع على سطح الماء، والدفع داخل الماء كهربائياً بواسطة بطاريات يتم شحنها بمحرك الديزل، كما أجريت تحسينات على أنظمة التوازن والبيرسكوب وأدوات الملاحة، كما شهدت تلك الفترة اقتناء العديد من الدول لغواصات ضمن أساطيلها البحرية، وبانتشار استخدام الغواصات بدأت في الظهور تكتيكات وأساليب استخدامها وتطوير واستخدام الأسلحة الخاصة بها.
 
خلال الحرب الروسية – اليابانية 1904-1905 اشترت اليابان 5 غواصات  من فئة «هولاند 7»، كما حصلت بعض الشركات اليابانية على حق إنتاج غواصتين أخريين من نفس الطراز، وقد تم فعلاً إنتاجهما بنجاح، إلا أن هذه الغواصات لم تشارك في الحرب التي كانت نهايتها قبل إعداد الغواصات للقتال، من الجانب الآخر، فضلت روسيا استخدام غواصات من ألمانيا حيث قامت بشراء 7 غواصات تم استخدامها في الحرب مع اليابان إنطلاقاً من ميناء «فلاديفوستوك» عام 1905 وهي نفس طراز الغواصات التي استخدمتها البحرية الألمانية لاحقاً.
 
الغواصات في الحرب العالمية الأولى
ظهر في الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 الأثر الواضح لاستخدام الغواصات، حيث قامت ألمانيا باستخدامها لمهاجمة قوافل سفن الحلفاء التجارية، وقد اعتمدت قدرة الغواصات على العمل على التكتيكات الجديدة وعلى  إعدادها وتقنيتها التي تعتمد على الطاقة المولدة من الديزل والكهرباء.
كان لدى ألمانيا عند بداية الحرب 48 غواصة، وقد اتبعت ألمانيا في بداية الحرب القواعد الدولية للسفن التي تقع في الأسر، و ذلك بإخلائها من بحارتها وركابها قبل إغراقها، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، خاصة بعد أن تم تحويل بعض السفن التجارية البريطانية إلى طرادات مقاتلة، وقد تم بناء 360 غواصة ألمانية خلال الحرب، فقدت منها 178 في المعارك، وتم أسر البقية عند نهاية الحرب، أما الإمبراطورية العثمانية، حليفة ألمانيا في الحرب فقد كان لدى أسطولها 7 غواصات اثنتان منها فقط صالحتان للعمل.
 
على جانب الحلفاء، استخدمت دول الحلفاء الرئيسة بريطانيا وفرنسا وروسيا آخر ما توصلت إليه من تقنيات في مجال صناعة الغواصات، كان لدى بريطانيا عند بداية الحرب 77 غواصة منها 15 جار بناؤها، وأهم فئات الغواصات البريطانية كانت هي الفئة E-Class، ولكن تم تصميم العديد من الفئات منها الفئة K-Class، التي اشتهرت بسوء طالعها، والفئة M-Class التي تحمل على متنها مدفعاً كبيراً، كما تم تصميم الفئة R-Class خصيصاً لمهاجمة الغواصات المعادية، وقد عملت الغواصات البريطانية طيلة فترة الحرب في بحر البلطيق وبحر الشمال والمحيط الأطلسي بجانب نشاطها في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، وفقدت بريطانيا خلال الحرب ما يزيد على 50 غواصة لأسباب مختلفة.
 
أما فرنسا فقد دخلت الحرب بـ 62 غواصة من 14 فئة مختلفة، عمل أسطول غواصاتها في البحر الأبيض المتوسط بصورة رئيسة وفقد منها 12 غواصة خلال الحرب.
كما شاركت روسيا في الحرب العالمية الأولى بـ 58 غواصة منها 24 من فئة BARS، وفقدت روسيا 24 غواصة خلال الحرب.
من أهم أحداث الحرب العالمية الأولى التي لعبت فيها الغواصة دوراً كبيراً، ما حدث في الساعة الثانية من صباح يوم 7 مايو 1915 حيث أغرقت غواصة ألمانية الباخرة المدنية الكبيرة «لويزانا» المتوجهة من نيويورك إلى ليفربول في انجلترا وعلى متنها ألفي راكب غرق منهم 1200 معظمهم من الأمريكيين مما أحدث ضجة كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت أهم أسباب دخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء في 2 ابريل 1917، وما ترتب على ذلك من مسار الحرب و نتائجها.
 
تطور الغواصات بين الحربين
بعد أن أدت الغواصات دوراً هاماً في الحرب العالمية الأولى، اجتهدت الدول  الصناعية  الكبرى بعد نهاية الحرب في تطوير وبناء غواصات ذات قدرات أكبر، ونتج عن ذلك تطوير العديد من أنواع الغواصات كان أبرزها الغواصة حاملة الطائرات، وهي عبارة عن غواصة تحوي غرفة مغلقة ضد تسرب الماء وبداخلها طائرة بحرية صغيرة أو أكثر، يتم إخراج الطائرة بعد صعود الغواصة إلى سطح الماء لتقوم بطلعات استكشافية، مما يجعل من الغواصة والطائرة وحدة استطلاع متقدمة لكشف تحركات الأساطيل المعادية، كان لهذا الدور أهمية كبرى، خاصة وأن ذلك سبق اكتشاف الرادار، من أمثلة تلك الغواصات، الغواصة البريطانية M2 والفرنسية «سيركوف» وأعداد كبيرة منها في الأسطول الياباني.
لم يكن دور الغواصات حاملة الطائرات قاصراً على الاستطلاع فقط بل تم تصميم بعضها للعمل، إلى جانب ذلك كطرادات مقاتلة تقوم بأعمال قتالية في مواجهة سفن السطح والغواصات المعادية.
ورغم الحظر المفروض على ألمانيا بمقتضى معاهدة «فرساي» إلا أنها بدأت في تصميم وبناء الغواصات سراً خلال عقد الثلاثينيات، ولما صارت أعمالها معلنة تم إبرام اتفاقية ألمانية - بريطانية عام 1936 تكون بمقتضاها قوة البلدين من الغواصات متساوية.
 
الغواصات في الحرب العالمية الثانية
برز خلال الحرب العالمية الثانية التأثير الفعلي والمدمر لوجود الغواصات كأدوات قتال لها خطورتها الكبيرة وأثرها على مسار ونتيجة الحرب، كانت كافة الساحات البحرية لتلك الحرب مسرحاً لعبت فيه الغواصات دوراً رئيسياً وفعالاً، خاصة في ما سمي بمعركة الأطلسي، ومعارك المحيط الهادي وشرق آسيا بجانب البحر الأبيض المتوسط والبحار الأخرى المحيطة بأوروبا.
بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، لم يسعفها الوقت المتاح بين الحربين لمجاراة بريطانيا والدول الأخرى في مجال بناء سفن السطح، مما اضطرها، ومع بداية الحرب العالمية الثانية، لإيقاف إنتاج سفن السطح والشروع فوراً وبسرعة في بناء أسطول غواصات، مما يحقق لها التغلب على قوة الحلفاء البحرية وخاصة الأسطول الملكي البريطاني المتفوق عدة وعتاداً. 
 كان لدى ألمانيا عند بداية الحرب 65 غواصة فقط، منها 21 منتشرة في البحار، ولكنها تمكنت وبسرعة من بناء أكبر أسطول غواصات في وقت قصير، بنهاية عام 1940 (العام الأول للحرب) كان لديها أكثر من ألف غواصة، وقد استطاعت من خلال تطوير إمكانات الغواصات وخاصة في مجال وسائل الاتصال والمستشعرات من ابتداع تكتيكات جديدة في القتال البحري  تعتمد على تجميع أعداد كبيرة من الغواصات في ما يسمى بـ «مجموعات الذئاب» لمهاجمة القوافل التجارية والحربية المعادية، وكانت هذه العمليات تتم في الغالب ليلاً، تكبد الحلفاء خسائر كبيرة جراء تلك الهجمات حيث تم إغراق آلاف السفن التجارية والحربية في النصف الأول من الحرب، إلا أن الحلفاء أسرعوا، كذلك، في معالجة الموقف بإنتاج المزيد من الغواصات وزيادة وتطوير قدرات قوة الحراسات للقوافل البحرية باستخدام الطائرات والتقنية المتقدمة في مجالات الرادار والسونار ووسائل الاتصال، مما مكنهم من تحقيق نوع من التوازن في معارك الغواصات.
في الجانب الآخر، نجد أن الحلفاء قد خاضوا معارك الغواصات خلال الحرب العالمية الثانية بقدرات وأساليب تباينت واختلفت بتطور مراحل الحرب وبتنوع أساليب قتال قوات المحور، وتدرجت من اتخاذهم لإجراءات دفاعية لحماية قوافلهم وطرق إمداداتهم في بداية الحرب، ثم  تطوير وسائل دفاعهم وتحول موقفهم إلى كشف ومهاجمة الغواصات المعادية.
 
دخلت بريطانيا الحرب وكان لديها 70 غواصة عاملة، زادت من معدلات إنتاجها، بعد اختيار فئتين ليتم إنتاجهما بمعدل أسرع وبكمية أكبر، هما الفئة S-Class للعمل في البحار، والفئة T-Class للعمل في المحيطات، وبجانبهما الفئة U-Class لحماية الشواطئ، وقد تم بناء كل من هذه الفئات خلال الحرب بكميات كبيرة.
أما فرنسا، فبرغم تطور صناعة الغواصات لديها إلا أن الاحتلال الألماني الذي تم في مرحلة مبكرة من الحرب قد حد من استخدامها لغواصاتها، كان لدى فرنسا في بداية الحرب 112 غواصة عاملة، تعمل في بحر الشمال وشواطئ النرويج، بعد هزيمة فرنسا كان على تلك السفن العودة إلى فرنسا إلا أنها صودرت من قبل البريطانيين. تجدر الإشارة هنا إلى أن احتلال الألمان لفرنسا مكنهم من حرية استخدام الموانئ وقواعد الغواصات الفرنسية المطلة على المحيط الأطلسي مما كان له أثره الايجابي الكبير على موقف الألمان في معركة الأطلسي، في حين كان  لدى الأسطول السوفيتي عند بداية الحرب ما مجمله 144 غواصة عاملة وتحت الإنشاء.
 
أما البحرية الأمريكية فقد خاضت الحرب بمجمل 314 غواصة، كانت البداية بـ 111غواصة عام 1941 وقد تم إدخال 203 غواصة أخرى خلال الحرب، استخدم الأسطول الأمريكي الغواصات في مهاجمة السفن التجارية اليابانية.
بصورة عامة، كان استخدام الغواصات في الحرب العالمية الثانية عبارة عن تطبيق مثالي لما يسمى بحرب الغواصات، والتي تعني، في مجملها، استخدام الغواصات ضمن إطار الإستراتيجية العسكرية البحرية لكل من الدول المتحاربة، كان الغرض الأساسي من استخدام الغواصات هو تدمير السفن الحربية والتجارية المعادية بهدف تدمير الاقتصاد بتعطيل عمليات الإمداد والتموين وقطع خطوط الإمداد البحرية وفرض السيطرة على البحار، كذلك القيام بمهام قتالية من شأنها إضعاف قوات العدو بمهاجمة قطعه البحرية المبحرة أو الراسية في الموانئ والقواعد البحرية، بجانب تدمير البنى التحتية لتلك القواعد البحرية، أما الدور الدفاعي للغواصات فكان يتمثل في حماية القوات البحرية الصديقة والمشاركة في حماية الموانئ وقوافل الإمداد، بجانب مهمات ثانوية مثل إنزال الجواسيس أو مجموعات التخريب والضفادع البشرية، ونقل الأسلحة والمؤن وعمليات استطلاع الشواطئ وقد تم استخدام غواصات صغيرة لإنجاز بعض تلك الأعمال سميت بالغواصات القزمة.
في المقابل، وللحد من تأثير الغواصات، تم ابتداع ما يعرف بـ «الحرب المضادة للغواصات» Anti-Submarine Warfare وهي العمليات التي تهدف إلى كشف الغواصات وتدميرها، أو إعاقة عملها ومنعها من تنفيذ مهامها باستخدام الوسائل المتاحة وذلك ضمن إطار خطط إستراتيجية عسكرية عامة.
 
غواصات ما بعد الحرب العالمية الثانية
شهد عقد الخمسينات من القرن الماضي تطوراً مذهلاً في تصميم وصناعة الغواصات. كان ذلك في إطار تنافس القوتين العظميين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في فترة الحرب الباردة.
كان أبرز التطورات التي حدثت خلال تلك الفترة، استخدام الطاقة النووية لتحل محل طاقة الديزل والطاقة الكهربائية في  قوة الدفع وفي تشغيل الغواصة وكافة أنظمتها.
في عام 1955  تم لأول مرة إبحار الغواصة النووية الأمريكية  NAUTILUS وقد تبعتها في ذلك المجال كل من بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، اقترن استخدام الطاقة النووية،  كمصدر رئيسي للطاقة للغواصة، بإمكانية تزويد الغواصة بالأوكسجين المستخلص من ماء البحر، مما أتاح للغواصة البقاء لفترات طويلة، ربما تمتد لعدة أشهر، تحت الماء، حيث لا تواجهها أي مشكلة غير مشكلة إمداد الطاقم بالطعام والحفاظ على معنويات الطاقم خلال فترات بقائه لفترات طويلة في مكان ضيق تحت سطح الماء.
 
تزامن تطوير الغواصات التقليدية جنباً إلى جنب مع الغواصات النووية خاصة في تطوير الأجهزة الكاتمة لصوت محرك الديزل وزيادة معدلات سرعة ومديات عمل الغواصة، رغم بطء الغواصات التقليدية وقلة حمولتها من الأسلحة إلا أنها كانت أقل تكلفة في إنتاجها.
واكب التطور الكبير والسريع لقدرات الغواصات ابتداع التكتيكات الخاصة باستخدامها داخل مناطق الصراعات وخاصة في المناطق الساحلية في مجالي العمليات الهجومية والدفاعية، مما  يمكنها من أداء مهامها في جمع المعلومات والدفاع الساحلي ودعم الأعمال القتالية لأسطول السطح وإمداد القوات البحرية التي تعمل بإسنادها بالمعلومات الجو - مائية والعمل كعقدة اتصالات لأغراض القيادة والسيطرة بين وحدات التشكيل البحري.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره