مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-06-01

الدعاية للحرب عبر التاريخ

العلاقة بين الدعاية والحرب قائمة منذ زمان بعيد، فقد شكلت الدعاية أداة هجوم ودفاع في الحرب، متساوية أحياناً من حيث التأثير مع أدوات القتل والتدمير، بل ربما تتجاوز أعتى وسائل التدمير، لكونها قد تنفذ إلى العقول التي تتحكم بكل شيء، ومع بدء الحرب تطلق من جنباتها حملات الترهيب والتضليل والتشويه للحقائق، والتلاعب المنظم بجميع مصادر المعلومات.
 ومن ثم تصبح الدعاية جزءاً لا يتجزأ من الحرب، ويمكن القول أن المقصود بالدعاية الحربية هو مجموعة الأنشطة التي تقوم بها القوات المسلحة في هذا الصدد على مستوى الدعاية الموجهة إلى القوات المعادية، قادة وجنوداً وعلى مستوى القوات الصديقة نفسها، فيما يتعلق برفع الروح المعنوية وتحصين هذه القوات ضد الدعاية الموجهة إليهم من قبل العدو.
 
إعداد: لواء د.على محمد رجب
 
لم يحدث في تاريخ العالم كله أن حظيت الدعاية الحربية باهتمام الناس مثلما حدث خلال الحروب الحديثة، وذلك بسبب تطور الإمكانات التقنية والكفاءات البشرية، حيث أصبح المدنيون يجدون أنفسهم أمام إعلام في الحرب، وكل طرف يستخدم أحدث ما وصل إليه العصر من الأدوات والوسائل التي مكنت المتلقى من أن يصبح مشاركاً في الأحداث، وليس مجرد متابع سلبي، فأصبح قادراً على الدخول إلى قاعات صنع القرار، ووجد الناس أنفسهم، ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة، في قلب المعارك من خلال التلفزيون، والأقمار الصناعية والشبكات الإذاعية وشبكة الانترنت.
ولقد شهد القرن العشرون ظهور نوع مختلف اختلافاً أساسياً من الأعمال الحربية، وعلى الرغم من أن الحروب النابوليونية وحرب الاستقلال الأمريكية كانتا نذيراً بوصول هذه الظاهرة، بسبب حجم ومستوى المشاركة الشعبية، فإن الحروب الحديثة في القرن العشرين اختلفت بقدر ملحوظ عن الصراعات السابقة، ليس فقط في مدى اتساعها، وإنما أيضاً في درجة تأثر المدنيين ومساهمتهم المباشرة في أحداث خطها الأول، وأصبحت الحرب شأناً يهم كل مواطن، ونضالاً من أجل البقاء القومي لابد من تعبئة جميع موارد الأمة، العسكرية والاقتصادية والصناعية والبشرية والنفسية بهدف تحقيق النصر فيه، أو تجنب الهزيمة.
 
وفضلاً عن ذلك، فقد رأى القرن العشرون أيضاً ظهور وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة، حيث ظهرت إلى الوجود الوسائط الرئيسة للاتصالات الجماهيرية: الصحافة، والإذاعة، والفيلم السينمائي، والتلفزيون، والإنترنت، فحققت ثورة الاتصالات بذلك قفزة فلكية، وكان امتزاج الحرب بوسائط الاتصال الجماهيرية هو ما أعطى الدعاية الحديثة للحرب أهميتها وتأثيرها. 
 
الدعاية للحرب فى الحروب القديمة
كان البشر الأوائل، حتى قبل أن يتعلموا الكلام بلغة يمكن التعرف عليها، كانوا يقدرون الحاجة إلى التواصل، سواء لأغراض سلمية أو حربية، وقد تمكن الإنسان القبلي من ابتكار أقنعة وصيحات الحرب وإشارات التهديد، سواء لكي يخيف أعداءه أو لكي يؤثر في أصدقائه، وكانت تقام على بوابات المدن أو على الحدود أعمدة مرتفعة، ذات رؤوس مثلثة الشكل، عرفت باسم "النصب المنقوشة"، تصور الملك مع إلهه، أو مع عدوه المهزوم، وغالباً ما تصحب الصورة نقوش مطولة، ومثل هذه التذكارات، بطبيعتها الاحتفالية، تشير إلى إدراك للدعاية بعد وقوع الحدث، أما الشعارات والدروع المزخرفة وما يشبهها فتظهر استخدام الدعاية في أثناء المعركة، وكانت النصب تقام غالباً عند نقاط دخول الغزاة لردع الهجمات في المستقبل، والنصب كان يقوم بتذكير الغزاة بقوة الجيش المدافع ووحشيته، وفي منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حينما كان الأشوريون يتحدون البابليين على السيادة، جلبوا معهم الترانيم والقصائد البطولية الحربية.
 
وكان الدين مبدئياً هو المصدر الذي استمدت منه الدعاية المتعلقة بالنتائج المتوقعة للحروب الوشيكة، وكان استحضار الآلهة وسيلة مثلى للمحافظة على سلطة ومكانة الكهان في مجتمع تحكمه الخرافات، ولكنه أيضاً كان وسيلة مناسبة لرفع المعنويات قبل القتال إذا ما كان الكهنة والملوك على رأي واحد، وكانت النقود المعدنية وسيطاً مهماً من وسائط حمل الدعاية الرومانية، ووسيلة ثمينة لنشر صور مرئية للانتصارات الرومانية في كل أنحاء الإمبراطورية. 
 
الدعاية للحرب في عصر البارود والطباعة
لقد قدر لظهور البارود في نهاية القرن الرابع عشر أن يغير وجه المعارك تغييراً عميقاً، غير أن اختراع Gutenberg Johannes للمطبعة فتح البوابات أيضاً أمام فيضان النمو الهائل لكل أنواع الإقناع المكتوبة، التي لم تكن الدعاية للحرب أقلها أهمية، ويعود الفضل إلى الكتب حيث أصبحت "حقائق" الحرب أقرب منالاً للناس الذين لم يكونوا قد ألفوا الحرب كحقيقة فعلية، فقد انتشرت الصور للحرب وللعمليات الحربية بين جموع عريضة من القراء، لكي تؤثر في الخيال الجمعي بدرجة لم يكن أبداً في مقدرة النصب التذكارية أو الرسوم الجامدة الساكنة في الزمان والمكان أن تحققها، فضلاً عن أنه أصبح بالإمكان إعادة إنتاج الصور المرئية بهدف نقل الأفكار إلى جمهور أوسع بكثير من أي زمن سابق، وقد أدى طبع الخرائط وما تحقق من تقدم في علم رسمها إلى المزيد من اتساع آفاق خيال الحكام والمحكومين معاً مما ساعد على جعل الأماكن البعيدة في متناولهم.
 
كان القرن السابع عشر قرناً من التجديد والابتكار بسبب حجم الدعاية الضخم فيه، وكانت حرب الثلاثين عاماً خطاً فاصلاً في التاريخ بسبب ما شهدته من تهويل الدعاية، وكانت غالبية صراعات القرن السابق ما تزال على أشدها ومع هذا، فقد كانت أوروبا على عتبة ثورة في اﻟﻤﺠال العسكري، وكانت مفاهيم العصور الوسطى عن العمليات الحربية قد اختفت مع مجيء البارود وتزايد دور رجال المدفعية ورماة البنادق، وعلى ضوء هذه الخلفية  ينبغي أن ننظر إلى الدعاية الحربية في حرب الثلاثين عاماً (1618 - 1648) في أوروبا، فإذا كانت أهداف الحرب قد طرحت وراء القناع القديم للدين، فلابد أن يذهب الكثير من الفضل في ذلك إلى الشعراء وكتاب الأغاني ومؤلفي الكتيبات والرسامين الذين وصلت أعمالهم إلى كل طبقة من طبقات اﻟﻤﺠتمع تقريباً، وبعد ثلاثين عاماً من الصراع، كون القلم والسيف تحالفاً قوياً، اعترف فيه كل منهما بأن النجاح مستحيل أن يتحقق لأيهما دون الآخر، وعلى الرغم من أنه لم يكن ثمة جديد في هذا المزج بين الأعمال القتالية والدعاية، فإن ما ميز هذه المرحلة هو مدى العمق الذي وصله هذا التحالف، ومدى الاتساع الذي حققه توزيع المواد الدعائية إلى درجة جعلت تلك المرحلة نقطة تحول مهمة في تاريخ الدعاية للحرب.
 
الدعاية الحربية في الحرب العالمية الأولى
انطلقت قاطرة التغير التاريخي بكامل سرعتها عام 1914 بالنسبة لكل من الحرب والدعاية، وكانت كل من بريطانيا وألمانيا هي أفضل شريك تجاري بالنسبة للأخرى، وعندما نشبت الحرب أصبح من الضروري لكل منهما أن تعوض خسارتها عن طريق زيادة تجارتها وتبادلها التجاري مع أسواق الولايات المتحدة سريعة الاتساع، أو الأفضل من ذلك كثيراً، إقناع الأمريكيين بمشاركتها قضيتها، ولكي تشن هذه الحملة الدعائية البالغة الحساسية بهدف أن تضمن التعاطف الأمريكي، فقد أقامت الحكومة البريطانية مكتباً سرياً لإدارة الدعاية الحربية، وكانت هذه الإدارة هي أكثر الفروع أهمية في شبكة الدعاية البريطانية فيما بين عامي 1914 و 1917، وكان عملها بالغ السرية، ولقد كانت الحكايات عن الأعمال الوحشية من الأساليب التي طالما استخدمها أبطال الدعاية الحربية وقدروها، ولم تكن الحرب العالمية الأولى استثناء من هذه القاعدة.
وحالما دخل الأمريكيون الحرب، أقاموا إدارتهم الدعائية الخاصة باسم "اللجنة العامة للإعلام" التي عرفت بالحروف الأولى من اسمها C.P.I  ، وكانت هذه الهيئة مسؤولة عن الرقابة والدعاية.
 
وقسمت اللجنة إلى قسمين: القسم المحلي الذي حاول تعبئة أمريكا من أجل الحرب، والخارجي الذي انقسم بدوره إلى مكتب الصحافة الخارجية ومكتب خدمة اللاسلكي والبرق، ومكتب الأقلام الخارجية، وأشرف القسم الخارجي على مكاتب في أكثر من ثلاثين دولة وراء البحار، وتعامل أكثر من عشرين قسماً أخرى مع الجوانب التخصصية الأخرى من العمل.
 
ولما كان المذياع ما يزال - إلى حد كبير- في مرحلة الإرسال القائم على شفرة "مورس"، فقد أنشئت شبكة من المتحدثين عرفت باسم "رجال الدقائق الأربع"، الذين تولوا إلقاء مليون خطاب، مدة كل منها أربع دقائق، تصل إلى ما يقرب من 400 مليون نسمة، وقد كانوا ناجحين نجاحاً باهراً في إثارة المشاعر وفي زيادتهم لنسبة ومستوى المشاركة الشعبية في الحرب، وفي ترويجهم لمبيعات سندات الحرب، والتشجيع على التطوع والتجنيد في الجيش، وتعرضت أمريكا أيضاً لقصف كثيف بالملصقات والصور والمعارض، بينما وظفت شركات الإعلان الأمريكية، التي كانت قد بذلت الكثير قبل الحرب، لكي ترتاد طريق الأساليب الحديثة في التسويق والتوزيع، وظفت هذه الشركات لكي تضع خبرتها المهنية فائقة الاحتراف في خدمة الحرب.
 
وكانت صناعة الصور المتحركة الأمريكية تبرز بسرعة بوصفها الأكثر قوة في العالم، نتيجة لما أنزلته الحرب من آثار بإنتاج الأفلام الأوروبية، وكانت هذه الصناعة قد انتقلت من نيويورك إلى هوليوود، فغمرتها السعادة أن تتقدم لمساعدة الحكومة من خلال لجنة صناعة الصور المتحركة للتعاون الحربي، وجاءت أفلام الجاسوسية بالتهديد الألماني إلى الأرض الأمريكية نفسها، بينما ساعدت أفلام على المحافظة على المناخ الشامل للمشاعر المعادية للألمان، ومع وجود جمهور من النظارة يصل إلى 80 مليون نسمة كل أسبوع، إضافة إلى تقدير متزايد لدور السينما وقدرتها على الإقناع والإعلام، فإن اللجنة العامة للإعلام لم يكن بوسعها أن تتجاهل شرائط السينما باعتبارها وسيلة للدعاية، وفضلاً عن ذلك فقد كانت الوسيلة الرئيسية لتوزيع دعاية الأعداء، حتى قرب نهاية عام 1918 هي البالونات لا الطائرات.
 
وكانت الدعاية الألمانية سيئة التنظيم والتنسيق منذ البداية، على رغم استعداد ألمانيا المسبق للحرب، وكان لمكتب الصحافة الألماني وظيفة مزدوجة تتمثل في إمداد الصحافة الألمانية بأنباء الحرب، وتنسيق عمليات رعاية المعنويات والمحافظة عليها في الداخل وبين الجنود، وعلى العكس مما فعله البريطانيون، الذين فصلوا بين الإدارات القائمة بالعمل في هذه اﻟﻤﺠالات التخصصية، كانت الهيئة الألمانية، بتكليفها المزدوج، مثقلة بالعمل دون تحديد لوظيفتها، فاختارت أن تركز على أخبار الحرب بأكثر من تركيزها على المعنويات، الأمر الذي أسفر عن اكتشاف أن المعنويات قد أهملت إهمالاً خطيراً، وذلك حينما بدأت دعاية الحلفاء تتصاعد خلال عامي 1917 و 1918 ولذلك فقد جاءت المحاولات الألمانية لشن حملات الدعاية المضادة متأخرة للغاية. 
 
الدعاية في الحرب العالمية الثانية
شهدت الحرب العالمية الثانية أكبر المعارك الدعائية في تاريخ الحروب، فطوال ست سنوات استخدم جميع الأطراف المشاركة في الحرب الدعاية على نطاق تتضاءل بالمقارنة معه جميع الصراعات الأخرى، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى نفسها، وحينما دخل الأمريكيون الحرب أمكن للجنة التنفيذية للحرب السياسية في بريطانيا أن تحصل على جهاز قوي للبث الإذاعي على الموجة المتوسطة، وقد أعان هذا الجهاز اللجنة على الوصول إلى أجهزة الموجة المتوسطة الأكثر شيوعاً بكثير بين غالبية السكان المدنيين الألمان، على الرغم من العقوبات القاسية التي كانت توقع على من يلقى القبض عليهم لسماعهم للدعاية الأجنبية، وقد حاولت الإذاعات التي بثت عن طريق جهاز الإرسال أن تنسف الولاء للنظام النازي عن طريق خفض ما يقدمه المدنيون للمجهود الحربي.
 
ولقد ميز الأمريكيون بين الدعاية البيضاء والسوداء، ولهذا السبب فقد أقاموا منظمات منفصلة، فالمادة السوداء يعالجها ويتعامل فيها مكتب الخدمات الاستراتيجية، أما البيضاء فهي من اختصاص مكتب الاستعلامات الحربي، وكان من الواضح أن الأمريكيين كرهوا كلمة "دعاية" بقدر ما كان يحترمها البريطانيون، وقد أفرد الأمريكيون سرباًً خاصاً من القلاع الطائرة للقيام فقط بمهمة شن غارات إسقاط المنشورات، وفي نهاية الحرب كان الأمريكيون يسقطون أكثر من سبعة ملايين نسخة من المنشورات كل أسبوع فوق أوروبا المحتلة، وقد مهدت هذه المنشورات طرق غزو كل من صقلية وإيطاليا، واستخدمت استخداماً واسعاً في فرنسا، إضافة إلى "جريدة هوائية" أصدرها مكتب الاستعلامات الحربي بعنوان  "أمريكا في الحرب"، وقد تلقت المدن الألمانية جريدة "العلم المزين بالنجوم"، وحظي التوزيع بدعم قوي باختراع قنبلة مونرو، وهي جهاز يحمل أكثر من 80 ألف منشور تنطلق في الهواء عندما تهبط القنبلة إلى ارتفاع ألف قدم، وكانت المنشورات والجرائد محملة بالحقائق إلى حد كبير، على رغم أن البعض منها كان يحمل خرائط وأدلة إلى الممرات والطرق الآمنة لتشجيع الجنود على الاستسلام أو الهرب من الخدمة العسكرية.
 
أما الإنجاز العظيم الآخر للمجهود الدعائي الأمريكي في زمن الحرب فيكمن في المساهمة التي حظيت بها المعنويات الأمريكية ومعنويات الحلفاء على السواء من جانب هوليوود، أو بالأحرى من جانب صناعة الصور المتحركة الأمريكية، وحالما أنشئ مكتب الاستعلامات الحربية في شهر يونيو عام 1942 أصدرت الحكومة الأمريكية دليلاً موجهاً إلى هوليوود يضم أنواع الموضوعات التي يمكن أن تخدم اﻟﻤﺠهود القومي، وهي:
- توضيح وتفسير لماذا يحارب الأمريكيون
- تشجيع العمل والإنتاج
- رفع المعنويات في الجبهة الداخلية
- وصف الأمم المتحدة وشعوبها
- تصوير بطولات القوات المسلحة
 
وكانت الدعاية السوفييتية تقر من خلال المكتب السياسي للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي، وتشرف عليها إدارة الدعاية والإثارة التابعة للجنة المركزية، ويديرها مكتب الاستعلامات السوفييتي الحديث التأسيس، وكانت الأفلام ذات الموضوعات التاريخية ثمينة بشكل خاص، وقد استخدم جميع الأطراف المتحاربين التاريخ بوصفه أداة لحمل الدعاية السينمائية، ولكن لم يفعل أحد ذلك بقدر ما فعله الروس.
يرجع سقوط الأمريكيين فريسة للمفاجأة في "بيرل هاربور" إلى حملة المعلومات الإعلامية المضللة التي قام بها اليابانيون فيما بين عامي 1939 و 1941، وقد نفذت الدعاية اليابانية أو "حرب الأفكار" كما يفضل اليابانيون أن يسموها، بواسطة منظمات عدة (فلم تختلف عما كان قائماً في بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة)، ووجد لهذا الغرض "مكتب الإشراف على الفكر" في وزارة التعليم منذ عام 1932.
 
وفي ألمانيا النازية كان السكان المدنيون قد خضعوا لأكثر حملة دعائية شمولاً وعمقاً شهدها العالم على الإطلاق، وهي الحملة التي وصفت بأنها الحرب التي كسبها هتلر، ومع ذلك فمن الصعب كما في حالة اليابان، التمييز بين دور النزعة الوطنية وبين دور الدعاية في دفع الناس إلى القتال حتى النهاية المريرة. وكان هتلر قد أعلن في عام 1923 بعد فشل "انقلاب" ميونيخ الذي حاول القيام به، قائلاً: الدعاية، الدعاية، الدعاية، إن الدعاية هي كل شيء"، وكان "العبقري الشرير" الكامن وراء كل هذا هو بالطبع Goebbels  Josephالذي اعتبر أن هتلر هو الإنسان الوحيد غير القابل للإفساد، فخلق أسطورة "مبدأ الزعيم" ونسجها حول الرجل الذي قال عنه "إن كلمة واحدة كاذبة مضللة أو قذرة لم تعبر شفتيه"، ولم يحدث إلا قرب نهاية الحرب أن بدأت الشكوك تراود عقله بشأن احتمال خطأ خرافة الزعيم التي خلقها بنفسه، وفي مارس عام 1933 أصبح  Goebbelsالمسؤول الأول عن الوزارة الجديدة لشؤون الدعاية والتنوير (R.M.V.P) ، وطوال الأعوام الستة التالية قام بتنظيم وتنسيق حملة دعائية استهدفت الشعب الألماني لإعداده لتحقيق هدف وحيد هو استعادة مكان ألمانيا "الصحيح والمشروع" في العالم، ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية امتدت فروع الوزارة الجديدة إلى كل جوانب الحياة الألمانية.
ومن بين جميع وسائل الاتصال الجماهيرية كانت أفلام السينما هي محور اهتمام هتلر وجوبلز، وكانت الجرائد السينمائية هي التي تولت عملية إقناع الناس بعدالة القضية الألمانية، وبأمجاد التفوق العسكري الألماني في سنوات الحرب الأولى، وكانت الموضوعات الكبرى للحملات الدعائية الأولى قد وجهت ضد أعداء ألمانيا العسكريين، وبوجه خاص إلى بريطانيا، وبذلت المحاولات لبذر بذور الشقاق والخلاف بين الحلفاء، مع إشاعة اتهامات من نوع "إن بريطانيا سوف تحارب حتى آخر رجل فرنسي". 
 
الدعاية الحربية في حرب فيتنام
لم يزحف الصراع الفيتنامي على شاشات التلفزيون الأمريكي إلا بالتدريج، وبشكل يعكس خطوات التورط الأمريكي في الحرب، وفي عام 1963 كان في فيتنام 16 ألف جندي أمريكي ونحو عشرين مراسلاً حربياً، وعندما حل عام 1968 كانت هذه الأرقام قد بلغت نصف مليون رجل و 637 مراسلاً، وكانت تلك هي أول حرب تدور أمام آلات تصوير التلفزيون، وكان تأثيرها في الرأي عام الأمريكي "والعالمي" وفي الحكومات على السواء تأثيراً عميقاً، لقد ظهرت الصور التلفزيونية للرهبان المحترقين والأطفال المقتولين بالنابالم ومقاتلي الفيتكونج في أثناء إعدامهم، وظهرت كل هذه الصور وغيرها كل ليلة في غرف المعيشة في منازل المدنيين البعيدة بعداً قصياً عن جبهة القتال، فجعلت الحرب الفيتنامية أكثر حرب "مرئية" في التاريخ، وحينما قام التلفزيون بتغطية أول حروبه في فيتنام، فقد أظهر أن الحرب حقيقة مرعبة بدرجة لم تألفها البشرية، وقامت بذلك حالة جديدة لابد من دراستها بكل تأكيد، وهي أن هذه التغطية الإعلامية للحرب كانت حاسمة في دفع الأمريكيين إلى رفض هذه الحرب.
 
الدعاية الحربية في الحرب الأمريكية على العراق 
في نفس الوقت الذي بدأ فيه حشد القوات الأمريكية، توجهت مجموعة من خبراء ومخططي الدعاية الحربية والحرب النفسية، التابعين للمجموعة الرابعة للعمليات النفسية، لوضع خطط العمليات النفسية الاستراتيجية والتكتيكية، التي ستمهد لعمليات القتال وتصاحبها، وشارك في وضع هذه الخطط - في مرحلة من المراحل- عدد من الخبراء غير الأمريكيين، وذلك للتنسيق وتوزيع الأدوار، خاصة في الموضوعات التي تتعلق بالقومية أو العروبة أو الإسلام....الخ، وهي موضوعات ما كان يمكن لأمريكا تناولها في دعايتها الموجهة أو المضادة، وكان الهدف الاستراتيجي لخطة الدعاية والحرب النفسية تحطيم إرادة القوات العراقية على النحو الذي يسلبها القدرة على الاستمرار بالمقاومة، أي دفعها إلى اليأس الذي يؤدي إلى الإحباط ثم الانهيار والاستسلام، ولتحقيق ذلك قامت مجموعة العمليات النفسية التابعة لقيادة العمليات الخاصة بالدعاية الموجهة إلى صدام حسين، والتي تستهدفه باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، وصاحب القرار في كل ما يتعلق بعملياتها، إضافة إلى الدعاية الموجهة إلى القوات العراقية، والتي أطلق عليها "التخريب الدعائي لضرب معنويات الحشود في الجبهة المقابلة"، وكانت المهمة سهلة ميسورة، خاصة بعد أن قامت طائرات قوات التحالف في غاراتها الأولى بتدمير محطات الراديو والتلفزيون في العراق، وبات العراقيون نهباً للشائعات.
 
وهناك عشرات القصص التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية (كقصة تلك القوة التي أرسلت لاغتيال صدام حسين، ولكن سوء الأحوال الجوية حال دون ذلك....الخ)، كان الهدف منها هو " تخويف" صدام حسين من خلال التأكيد له بأن المخابرات الأمريكية تعرف كل شيء عنه، وتعرف تفاصيل حياته اليومية ودقائقها، كذلك استخدمت الدعاية الأمريكية أسلوب التمويه والتضليل، كأن تقوم بنشر سيناريوهات الحرب وتكتيك العمليات ومحاور الهجوم، وذلك بقصد صرف العراقيين عن الأهداف العسكرية الحقيقية للعمليات العسكرية للحلفاء.
واستخدمت القوات الأمريكية ميدان القتال للدعاية المباشرة، وكان التركيز واضحاً على استخدام مكبرات الصوت والمنشورات التي أسقطتها الطائرات فوق الجنود العراقيين، تدعوهم للاستسلام، وتحدد لهم الطرق التي يسلكونها للفرار، أما الرسومات والعبارات التي تضمنتها المنشورات فقد جرى تصميمها بمعاونة خبراء يجيدون اللغة العربية، والعبارات التي كانت تذاع من خلال مكبرات الصوت كانت تستخدم فيها أشرطة مسجلة بأصوات عراقية (من الأسرى أو المناهضين للنظام العراقي)، فضلاً عن استخدام اللغة الإنجليزية، في بعض الحالات، وهذا الأسلوب في العمليات النفسية، نجح في تحقيق الهدف منه إلى حد بعيد.
 
ولم تكن الدعاية العراقية الموجهة إلى قوات الحلفاء الغربيين مؤثرة، ذلك لأن الوصول إليهم لم يكن ميسوراً إلا من خلال وسيلة الإذاعة بالراديو، وقد خصص العراقيون موجة إذاعية ناطقة بالإنجليزية، هي "صوت السلام"، أما الوسائل الأخرى من مطبوعات وأشرطة مسموعة أو مرئية، فلم يكن استخدامها ممكناً، نظراً لأن العراقيين لم يكن باستطاعتهم توصيلها إلى قوات الحلفاء بأي طريقة من الطرق، وعلى ذلك ركزت الخطة الأمريكية للحيلولة دون وصول أي تشويش ذهني أو فكري لقواتهم، وقد كانت الوسيلة إلى ذلك هي التركيز على تلبية احتياجات الجنود الشخصية بتأمين كافة الاحتياجات التي تربط المحاربين بأسرهم وأرض الوطن، ومن ذلك خدمات البريد والهواتف، بالإضافة إلى هذا فقد خصصت وحدات الشؤون العامة عدداً من الفرق الموسيقية، تم توزيعها على عدد من الوحدات العسكرية المختلفة، وقد نجحت تلك الفرق في إقامة مئات الحفلات الترفيهية مع زيارات خاصة لنجوم الفن والغناء الأمريكيين، وكان هناك نحو 2000 رجل وامرأة يعملون في مجال التوجيه الديني.
 
كلمة أخيرة
قد لا تستطيع الدعاية كسب الحروب، ولكنها تستطيع تمهيد الطريق إلى النصر، كما أنها لا تستطيع إخفاء الهزيمة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره