مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-02-01

الجنرال باتون .. قائد أتقـن فـن قيادة الرجـال

كان لهذا  القائد الأمريكي حضور قيادي مميز في ثلاثة حروب كبيرة خاضتها جيوش بلاده في النصف الأول من القرن العشرين، وذاع صيته كقائد ميداني أتقن فن قيادة الرجال، خاصة خلال معارك الحرب العالمية الثانية، وتمتع بدرجة عالية من الشجاعة والبسالة والقدرة على تحريك التشكيلات المدرعة الكبيرة في عمليات سـريعة وخاطفة أذهلت أعداءه، وحققت انتصارات كانت محل اعتزاز وفخر لكل من عملوا تحت قيادته، والذين ظلوا يرددون بفخر عبارة I served with Patton بما يعني: (يكفي إنني عملت تحت قيادة الجنرال باتون).
ولد جورج سميث باتون الابن GEORGE SMITH  PATTON Jr في 11 نوفمبر 1885 في «سان جابرييل» في ولاية كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة، ونشأ في أسرة ثرية بريطانية الأصل من ولاية فيرجينيا.
 
 إعداد: لواء ركن ( م ) سعود أحمد حسون
 
كانت أسرته ذات تاريخ طويل في الخدمة العسكرية، حيث شارك أسلاف باتون في حرب الاستقلال الأمريكية والحرب الأهلية الأمريكية، وتعلق باتون منذ صغره بالحياة العسكرية، وقد ازداد شغفاً بها نتيجة لما كان يرويه له أسلافه من العسكريين وأصدقاؤهم عن تجاربهم وأعمالهم خلال المعارك التي خاضوها، بجانب ذلك، كان باتون شغوفاً بالإطلاع على كتب التاريخ العسكري، وقد تمنى منذ ذلك الوقت  المبكر من حياته أن يكون جنرالاً في القوات المسلحة.
التحق باتون بأفضل المدارس الابتدائية ومعهد فرجينيا العسكري، الذي درج أفراد العائلة على الالتحاق به وذلك قبل التحاقه بأكاديمية ويست بوينت العسكرية والتي تخرج منها عام 1909،  وكلف بعد تخرجه، بالخدمة في سلاح الفرسان.
عرف عن باتون خلال مراحل تعليمه المختلفة، أنه كان يتميز بنشاط زائد ومشاركة فعالة في جميع الأنشطة المدرسية، وخاصة الرياضية منها في مجال ألعاب القوى.
نظراً لمهارته في الفروسية، فقد مثل بلاده في أولمبياد ستوكهولم عام 1912 في أولى بطولات لعبة الخماسي الحديث (سباحة، ركض، فروسية، رماية، مبارزة) وقد أحرز نتائج جيدة في تلك المنافسات، بعد ذلك بعام، التحق بالمدرسة الفرنسية للفروسية.
عند عودته إلى الولايات المتحدة قام بتأليف أول كتيب له وهو كتيب إرشادي عن سيف المبارزة.
 
حياته العسكرية 
في عام 1916 انضم باتون إلى أول حملة عسكرية بقيادة الجنرال جورج بيرشينج التي توجهت إلى المكسيك لمطاردة «بانشو فيلا»، وهنالك نال خبرته الأولى في استخدام العربات ذات المحركات في القتال، وقد اكتسب خلال تلك الحرب شهرة واسعة نتيجة لبسالته في القتال، وقد قام بقيادة عملية هامة تم من خلالها القضاء على بعض منفذي التمرد، وشكلت جانباً هاماً من تلك الحرب.
 
في الحرب العالمية الأولى
في عام 1917 ظل باتون يعمل مع  الجنرال بيرشينج معاوناً له عند نشر القوات الأمريكية في فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، هناك تم تعيينه كأول قائد لوحدة مدرعات أمريكية، والتي تم استخدامها في تلك الحرب لكسر الجمود الذي ساد عمليات الجبهة باستمرار حرب الخنادق لفترة طويلة دون أن يحرز أحد جانبي القتال نصراً على الآخر، مما استدعى تسميتها بحرب الخنادق. 
ثم عهد إليه بالإشراف على مدرسة للتدريب على عمليات وتعبئة المدرعات في نوفمبر 1917 في «لانجريه» بفرنسا.
أصيب باتون خلال هجوم «ميوزـ ارجون» عندما كان قائداً لوحدة دبابات من طراز «رينو» الفرنسية، وكانت إصابته بجروح طفيفة، وقد حصل على صليب الخدمة المتميزة تقديراً لشجاعته وبسالته في القتال، وكانت تلك مشاركته الأخيرة في الحرب العالمية الأولى.
 
ما بين الحربين
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد باتون إلى بلاده وهو لا يزال قائداً لأول سلاح مدرعات أمريكي، عرف بـ «لواء الدبابات 314».
خلال فترة عمله في واشنطن التقى باتون، لأول مرة، بالجنرال دوايت د. ايزنهاور، الذي لعب دوراً كبيراً في مستقبل حياة باتون العسكرية، خلال فترة عملهما سوياً قاما بتطوير العقيدة القتالية للمدرعات والتي استخدمها الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، وقد ظل باتون خلال فترة ما بين الحربين مدافعاً متحمساً لمستقبل سلاح المدرعات.
سعى باتون منذ بداية العشرينات لدى المسؤولين في الكونجرس الأمريكي لزيادة النفقات المرصودة لتطوير وتوسع القوات المدرعة، غير أن انخفاض الإنفاق  والمنصرفات في أمريكا خلال فترة السلم وأزمة الكساد الاقتصادي الكبير الذي ساد العالم في نهاية عشرينات القرن الماضي، كان لهما أثر كبير في انخفاض ميزانية الأبحاث في مجال الدبابات وإنتاجها.
خلال تلك الفترة قام باتون بكتابة العديد من المقالات حول المدرعات واستخداماتها وتعبئتها مقترحاً أساليب جديدة لاستخدامها، كما اجتهد من جانب آخر، في الإشراف على تطوير الدبابات وتحديث أنظمتها ووسائل الاتصال اللاسلكي بها.
انتقل باتون في بداية الثلاثينيات للعمل ضمن القوات الموجودة في هاواي والمكلفة بالدفاع عن تلك الجزر، وقد قام بوضع وكتابة خطة دفاعية، أطلق عليها اسم «المفاجأة» Surprise للدفاع عن ميناء بيرل هاربور ضد الغارات الجوية، وقد كان ذلك قبل 10 سنوات من الهجوم الذي شنه الأسطول الياباني على ميناء «بيرل هاربور» في 7 ديسمبر 1941.
 
في الحرب العالمية الثانية
عند بداية الحرب العالمية الثانية، ونجاح الهجمات الخاطفة التي قام بها سلاح المدرعات الألماني  البليتزكريج Blitzkrieg في أوروبا، بدأت الولايات المتحدة في بناء سلاح مدرعات خاص بها.
في يوليو 1940 تولى باتون، الذي كان برتبة العقيد آنذاك، قيادة اللواء الأول مدرع والذي تم توسيعه فيما بعد ليصبح الفرقة الأولى في أبريل 1940. تولى باتون، بعد ذلك قيادة مركز التدريب الصحراوي على طول الحدود بين كاليفورنيا وأريزونا في الفترة ما بين مارس ويوليو 1942، وقام خلال تلك الفترة بوضع مبادئ ومناهج استخدام المدرعات كما قام بالإشراف على تدريب القوات المدرعة الأمريكية على الحروب الصحراوية تمهيداً واستعداداً لخوضها المعارك في شمال أفريقيا.
بعد دخول الولايات  المتحدة  الأمريكية الحرب، ساهم باتون في التخطيط للإنزال الأمريكي في شمال أفريقيا وقاد قوة المهام الغربية للإنزال في ميناء كازابلانكا إبان العملية الفعلية، وتولى قيادة الفيلق الأمريكي الثاني في مارس 1943 ونجح في تحويل ذلك الفيلق من قوة منهارة معنوياً إلى قوة مقاتلة ذات بأس شديد.
 
في يوليو 1943 تولى باتون الذي وصل إلى رتبة جنرال، قيادة الجيش الأمريكي السابع في أثناء غزو صقلية، وهناك اكتسب شهرة واسعة. إلا أنه، وبسبب صفع اثنين من جنوده، متهماً إياهما بالتمارض والجبن حرم باتون من المشاركة في العملية الكبرى التي تلت ذلك، وهي عملية غزو إيطاليا، وكادت تلك الحادثة أن تدمر مستقبله العسكري، لولا تمسك القيادة العليا ببقائه في قيادة عمليات غزو أوروبا.
تم نقل باتون في يناير 1944 إلى انجلترا للمساعدة في عملية غزو نورماندي، وتم توليته قيادة بعض الوحدات الثانوية التي كان الهدف من استخدامها إبعاد نظر الألمان عن موقع الهجوم الرئيسي في «كاليه».
بعد شهر من نجاح الإنزال في نورماندي تم تعيين الجنرال باتون قائداً للجيش الثالث الأمريكي، أثناء توليه قيادة الجيش الثالث ذاع صيته بوصفه أحد أكفأ القادة الميدانيين، في أغسطس 1944 قاد باتون الهجوم الأمريكي على «افرانشيه» انطلاقاً من رأس الشاطئ وحاصر ما يزيد على 100 ألف جندي ألماني في  فتحة «فاليه ـ ارجنتن»، وفي ديسمبر 1944 قام بقيادة قواته صوب «ميتز»، ثم حوّل مسار القوة في اتجاه 90 درجة، عندما قام الألمان بهجوم مباغت في الأردين مهددين المناطق الخلفية للحلفاء، ونجح في إيقاف التقدم الألماني في الأردين، ومن هناك انطلق نحو ألمانيا مدمراً الحصون التي رفضت الاستسلام، عبر نهر الراين عند اوبنهايم وهزم الألمان في جيب «الرور» واندفعت قواته صوب «بافاريا» واخترقتها إلى تشيكوسلوفاكيا والنمسا وهناك وضعت الحرب أوزارها.
 
بعد الحرب العالمية الثانية
نتيجة لصراحته وتصريحاته بأن على الولايات المتحدة البدء في محاربة الشيوعيين، آنذاك، بالإضافة إلى معاملته اللينة للنازيين السابقين الذين وقعوا في قبضته والذين كان يعتقد أنه سوف يكون في حاجة إليهم لإعادة بناء ألمانيا بعد الحرب، كلفه ذلك منصبه القيادي في الجيش وعين في منصب غير ذو أهمية نسبية وهو منصب الحاكم العسكري لمقاطعة بافاريا الألمانية.
 
وفـاته
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أدت إصابته في حادث سيارة إلى وفاته في 21 ديسمبر 1945 وقد بلغ عمره الستون عاماً، وتم دفنه في المقبرة الأمريكية في «لوكسمبرج» إلى جوار الجنود الأمريكيين الذين سقطوا في القتال أثناء الحرب في أوروبا.
 
فكره العسكري
كانت تكتيكاته التي اتبعها في معارك المدرعات تعتمد على خفة الحركة وعامل الصدمة، فكانت دباباته تشن الهجوم بأقصى سرعة ممكنة وذلك لمنع الألمان من تشكيل خطوط دفاعية جديدة، وغالباً ما كانت قواته تتقدم أسرع مما هو متاح لخطوط الإمداد، وكان يطلب الإمداد من الوحدات الأخرى أو يسرق المؤن والذخيرة منهم، وقد عبر عن رأيه في أهمية عامل السرعة، بأن سرعة التحركات، رغم ما عليها من مآخذ، إلا أنها تؤدي إلى توفير الكثير من الخسائر في الأرواح.   كان يتجاهل أوامر قادة التشكيلات الأعلى، في بعض الأحيان، فيشن الهجمات دون الاستفادة من احتياطي كبير ويسخر كل ما لديه من طاقات للجهد الرئيسي، وقد استخدم نفس الأسلوب الألماني في الحرب الخاطفة، مما مكنه من الانتصار عليهم.
يعتبر باتون من أشهر القادة الغربيين المتخصصين في المدرعات، أن لم يكن أشهرهم على الإطلاق، مما جعل الأمريكيين يطلقون اسمه على أقوى جيل من الدبابات التي صنعوها بعد الحرب العالمية الثانية، (الدبابة باتون).
 
شخصيته
كان باتون رجلاً استعراضياً، يظهر دائماً وهو يرتدي زيه الموشح بالأوسمة ويضع مسدسه ذو القبضة العاجية عيار 45  في حزامه، كان ذلك سبباً في افتتان العامة به.
تمكن من إلهام رجاله روح القتال ببسالة، وكان أن أطلقوا عيه لقب «العجوز القوي الجسور» Old blood and Guts.
كان باتون قائداً ميدانياً أفضل منه مفكراً عسكرياً، لكنه كان أكثر شهرة من القادة الذين وضعوا فلسفة حرب المدرعات، كان ذو مزاج عنيف وصرامة في معاملته لجنوده ومعاملته لنفسه على حد سواء، فقد كان دائماً في مقدمة الصفوف، ضارباً المثل الأعلى لجنوده، كما كان يفتقر في كثير من الأحيان إلى اللباقة في مخاطبة جنوده، إلا أن شجاعته وانتصاراته جعلتهم يحترمونه ويقدرون مواهبه، من أشهر العبارات التي رددها (سنهاجم ونهاجم حتى نحس بالإرهاق، وعند ذلك سنهاجم من جديد).
التعليقات السياسية التي كان يطلقها ما بين الحين والآخر حول القضايا السياسية البعيدة كل البعد عن اختصاصاته جعلته رائجاً إعلامياً مما جعل الكثير من القادة الأمريكيون يحاولون محاكاته. نشرت مذكراته بعد وفاته، في عام 1947، تحت عنوان (الحرب كما عرفتها).
 
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره