مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2012-12-01

الجنرال الفيتنامي فو نجوين جياب.. قائد عسكري لم يتلقى أي تدريـب عسكـري

لم يهدأ أوار الحروب الدامية المتوالية في إقليم الهند الصينية، في جنوب شرق آسيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف سبعينات القرن الماضي، فبقدر ما استماتت القوى الغربية الرأسمالية في قتالها لإبقاء هذا الإقليم تحت سيطرتها واعتناق إيديولوجيتها، كان الفيتناميون، أهل تلك البلاد، يقاومون بضراوة أي سلطة استعمارية أو أي إيديولوجية لا يرغبون في إتباعها..
لقد توفرت لهم مقومات عديدة، حققت لهم النصر في نهاية الأمر، منها طبيعة أرضهم التي يقاتلون عليها، بجانب ما حصلوا عليه من دعم خارجي، إلا أن أهم تلك المقومات تمثلت في تلك الزعامات والقيادات السياسية والعسكرية التي قادتهم من نصر إلى نصر عبر مخاطر كبيرة وتضحيات جسيمة.
كان أبرز هؤلاء القادة الجنرال جياب القائد السياسي والعسكري الذي تولى القيادة العسكرية منذ بداية تلك الحروب، التي تواصلت لثلاثة عقود، حتى تحقق لهم النصر في نهايتها.
 
إعداد:  لواء ركن (م) سعود احمد حسون
 
 
المولد والحياة الباكرة
كان مولد "فو نجوين جياب" في 25 أغسطس 1911 في "آن كسا" في مقاطعة "كوان بينه" وهي إحدى مقاطعات فيتنام الوسطى الفقيرة في الهند الصينية الفرنسية آنذاك، وهو سليل أسرة متوسطة الحال تعمل في مجال الزراعة، بجانب عمل والده كباحث ومدرس بسيط للغة الصينية، كما عرف عن والده أنه كان وطنياً شارك في الكثير من أعمال الثورة ضد الفرنسيين، وكان عضواً في إحدى المجموعات الثورية التي كانت ترفع راية النضال من أجل التحرير.
لم تخل تفاصيل حياة جياب الباكرة من الغموض الذي شابها نتيجة لتصارع التيارات السياسية التي أدت إلى إخفاء بعض جوانبها وإظهار البعض الآخر وفقاً لمصالح وأهداف تلك التيارات.
عند بلوغ جياب سن الثانية عشرة التحق بـ "مدرسة هوى الوطنية" في مدينة هوى، وقد ظهرت منذ ذلك الوقت ميوله واتجاهاته الوطنية بانضمامه إلى "حزب فيتنام الكبرى" السري عام 1926 ومشاركته في العديد من الحركات المناوئة للحكم الفرنسي وذلك بالتحريض والمشاركة في الاضطرابات والمظاهرات في أوساط الطلاب، مما أدى إلى فصله من الدراسة.
واصل "جياب" تعليمه في  مدرسة "البرت ستيوارت" الفرنسية في هانوي، وقد كان من زملائه في الدراسة بعض السياسيين الفيتناميين الذين تقلدوا مناصب هامة بعد تخرجهم من تلك المدرسة، وقد  أكمل "جياب" تعليمه الثانوي عام 1933.
 
الدخول في معترك الحياة السياسية
التحق جياب بجامعة هانوي لدراسة العلوم السياسية والقانون والاقتصاد وتخرج فيها عام 1937 ليعمل مدرساً للتاريخ في مدرسة "ثانج لونج" في هانوي.
خلال أغلب فترة الثلاثينات كان جياب ناشطاً في مجموعات العمل والحركات الثورية   المختلفة مما أدى إلى سجنه عام 1930. وبعد الإفراج عنه بعد ثلاثة عشر شهراً قضاها في السجن، انضم إلى الحزب الشيوعي الفيتنامي عام 1931، وكان عضواً في المكتب السياسي وشارك في تأسيس الجبهة الوطنية التابعة للحزب في عام 1933.
عمل جياب خلال فترة الثلاثينيات في مجال الصحافة وخاصة في صحيفتي "الأخبار" و"الشعب" وهما الصحيفتان الرسميتان للحزب الشيوعي الفيتنامي (لا زالتا تصدران حتى الآن)، كما قام بتأسيس بعض الصحف السرية التي تحمل أفكاراً مقاومة للاستعمار الفرنسي.
 
حرص جياب رغم كل الأنشطة التي كان يقوم بها خلال تلك الفترة، على دراسة الفلسفة والتاريخ العسكري وعلوم ونظريات الحرب، وخاصة ما صدر منها متعلقاً بأفكار "صن تسو" و"نابليون بونابرت"، إلى جانب ذلك، واصل جهوده الدراسية لنيل شهادة الدكتوراه التي حصل عليها عام 1938، وقد تزوج في نفس العام من ابنة أستاذ جامعي كان يشاركه في السكن خلال دراسته، وأنجب منها بنتاً.
في عام 1939 منعت فرنسا ممارسة أي أنشطة شيوعية، وقامت السلطات بحل الحزب الشيوعي الفيتنامي وتحريم نشاطه مما أدى إلى هروب جياب، الذي كان مطلوباً لدى السلطات إلى الصين، وهنالك التقى بالزعيم الفيتنامي "هو تشي منه" زعيم التحالف الفيتنامي للتحرير "الفيات منه" وتلقى خلال تلك الفترة تدريباً عسكرياً، وخاصة في مجال حرب العصابات، تحت رعاية السلطات الصينية التي قدمت دعماً كبيراً للحركات الفيتنامية المناوئة للاستعمار وأهمها حركة   "الفيات منه"، كما أوكل له الزعيم "هو تشي منه" مهمة تنظيم وقيادة الأعمال العسكرية لمقاومة الاستعمار الياباني الذي كان مسيطراً على  فيتنام خلال تلك الفترة.
 
خلال فترة تواجد جياب في الصين ألقت السلطات الفرنسية القبض على أفراد عائلته في فيتنام، زوجته وأختها ووالده وأخته، وتم إعدامهم بعد تعذيبهم، وقد لحقت بهم ابنته التي توفيت متأثرة ببقائها في السجن وسوء معاملتها.
عاد جياب إلى فيتنام عام 1944 وشرع فوراً في تنظيم المقاومة ضد المستعمرين اليابانيين، وفي أكتوبر من ذلك العام، أصدر "هو تشي منه" الأمر إلى جياب بتشكيل قوة عسكرية للعمل من أجل تحرير فيتنام في 22 ديسمبر من ذلك العام، قام جياب بتنظيم أول مجموعة عسكرية مؤلفة من 24 رجلاً بالقرب من الحدود الصينية، ويعتبر الفيتناميون هذا التاريخ بمثابة تاريخ ميلاد الجيش الفيتنامي وهو حالياً من الأعياد الرسمية في فيتنام.
عند نهاية الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابانيين في أغسطس 1945 سلم اليابانيون معظم سلطاتهم للقوى الوطنية الفيتنامية المتمثلة في "الفيات منه" ومجموعات أخرى، الذين قاموا بتشكيل حكومة انتقالية عين فيها "جياب" وزيراً للداخلية.
في سبتمبر 1945 أعلن "هو تشي منه" عن قيام جمهورية فيتنام الديمقراطية، إلا أن قادة الحلفاء (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا) الذين خرجوا منتصرين من الحرب، قرروا في مؤتمرهم في "بوتسدام" أن يتم تقسيم فيتنام إلى قسمين، يكون القسم الشمالي منها تحت سيطرة الصين الوطنية والقسم الجنوبي تحت سيطرة بريطانيا، إلا أن نهاية الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء جعلت فرنسا تتطلع لاستعادة سيطرتها على فيتنام مرة أخرى، وقد حلت بذلك محل بريطانيا التي قامت بالانسحاب من فيتنام الجنوبية، وكذلك  حلت محل  الصين الوطنية التي أخلت شمال فيتنام مقابل تنازل فرنسا لها عن سيطرتها على إقليم آخر في الصين، وبذلك عادت السيطرة الفرنسية الشاملة على فيتنام.
 
جياب وحرب الهند الصينية الأولى 1946 - 1954
فور إعادة فرنسا لسيطرتها على فيتنام، بدأت أعمال المقاومة الفيتنامية تأخذ شكل اشتباكات متقطعة، تزامنت معها حملات توعية وتأليب لأبناء الشعب الفيتنامي من المزارعين وسكان القرى البعيدة للانضمام لصفوف مقاومة الاحتلال.
بزيادة التأييد لـ "الفيات منه"، ارتفعت وتيرة عمليات المقاومة وتطورت إلى حرب تقليدية بين قوات جمهورية فيتنام الديمقراطية المدعومة من قبل الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي في مواجهة  القوات النظامية الفرنسية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.
 
شرع الجنرال جياب خلال تلك الفترة في تنفيذ إستراتيجيته التي يمكن إيجازها في خطة تشتمل على ثلاثة مراحل:
- القيام بحرب عصابات وعمليات إرهابية للسيطرة على السكان من الفيتناميين وإدخالهم في قوة المقاومة سواء كان بالترغيب أو بالترهيب.
- تكوين الفصائل المقاتلة وتنظيمها في وحدات نظامية واجبها القيام بمهاجمة النقاط والمراكز الحكومية البعيدة عن المدن الرئيسية، لتشتيت جهد القوات النظامية المعادية وتجنب الدخول معها في معارك حاسمة.
- توحيد تلك الفصائل وتنظيمها في وحدات وتشكيلات نظامية كبيرة لخوض حرب تقليدية ومعارك حاسمة لاحتلال المدن والمراكز الرئيسية.
كان تكوين القوات الفرنسية من قوات تم تأليفها من قوات المستعمرات الفرنسية الأخرى، مثل المغاربة والجزائريون والتونسيون واللاويون، ما يسمى بالفيلق الأجنبي الفرنسي ومناصريهم من  بعض الفيتناميين وبعض الطوائف الاثنية الفيتنامية، لم يستخدم الفرنسيون قوات من الجنسية الفرنسية الأصلية تجنباً لمعارضة المجتمع الفرنسي للحرب، التي أطلق عليها اليسار الفرنسي اسم "الحرب القذرة" The Dirty War والتي كان قطاع كبير من المجتمع الفرنسي يعتبرها حربا تدور دون مبرر أخلاقي، كان الرأي العام الفرنسي ضد تلك الحرب التي استمرت منذ 1946 إلى 1952 والتي فقد فيها الفرنسيون أعداداً كبيرة من الجنود بين قتيل وجريح وأسير، كما شكلت تكلفتها الباهظة عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الفرنسي المنهار أصلاً منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تواصلت الحرب لفترة طويلة دون أن تبدو فيها أي بوادر نصر للفرنسيين.
 
أتى مسار الحرب بتلك الصورة، التي لاقى فيها الفرنسيون مشاقاً عظيمة، نتيجة لإستراتيجية  الجنرال جياب الذي انتهج أسلوب حرب العصابات ضد القوات الفرنسية مما جعل جهدها مشتتاً على مناطق واسعة ومسبباً لها خسائر فادحة، متجنباً الدخول معها في معارك حاسمة، مما حدا بالجنرال "هنري نافيير" قائد القوات الفرنسية إلى التفكير في نصب مصيدة لقوات "الفيات منه" التي اتخذت شكل قوة نظامية بالإضافة إلى قوات شبه نظامية وما يزيد عن 150000 من المليشيات الشعبية، كانت جميعها تحت قيادة "الجنرال جياب".
قام الجنرال الفرنسي بوضع وتطبيق خطة تتضمن إنشاء منطقة دفاعية، اختار لها منطقة "ديان بيان فو" التي تمثل نقطة هامة في طرق إمداد قوات "الفيات منه" من "لاوس"، وقد توقع أن تكون هي النقطة الجاذبة لتجرى فيها المعركة الحاسمة للقضاء على "الفيات منه".
 
لم يتأخر الجنرال جياب كثيراً في قبول التحدي، فقام بتعبئة قواته للعمل على محاصرة القوات الفرنسية المتمركزة في "ديان بيان فو" تمهيداً للهجوم والقضاء عليها.
قامت قوات "الفيات منه" بنقل قطع المدفعية الثقيلة (هاوتزر 105 ملم) مفككة إلى أجزاء يمكن حملها بواسطة الحمالين والحيوانات والدراجات إلى القمم والسفوح الأمامية في الجبال المرتفعة  التي تحيط  بالقوات الفرنسية، والقيام بأعمال التخفية اللازمة لها، كانت عملية شاقة كلفت جهداً كبيراً، بجانب الاستخدام الفعال لمصادر م/ط المتوفرة لديهم لقطع إمدادات الفرنسيين جواً، وقد جرى ذلك بالتزامن مع تكثيف العمليات في مناطق أخرى من فيتنام، قامت قوات "الفيات منه" بحفر خنادق مخفية للمدفعية وخنادق وأنفاق وصل بعضها إلى مسافة 200 متر من المواقع الدفاعية للفرنسيين.
 
عندما تبين للجنرال "نافيير" أنه قد وقع في فخ، طلب مزيداً من المساعدات من العالم الغربي، إلا أنه لم يجد الدعم الكافي والذي لم يتجاوز إلحاق بعض الطيارين والمستشارين الأمريكيين، رغم تعاطف العالم الغربي مع فرنسا، وقد طرحت آنذاك فكرة استخدام القنبلة النووية التكتيكية في مواجهة الـ "فيت منه" إلا أن الفكرة لم تجد قبولاً من القيادات السياسية الغربية.
بتاريخ 13 مارس 1954 شنت قوات "الفيت منه" هجومها الذي تواصل لمدة 54 يوماً، والذي تمكنت من خلاله من احتلال موقع أثر موقع من المواقع الفرنسية، إلى أن تم حصر القوات الفرنسية في موقع واحد قامت قوات "الفيت منه" باكتساحه، وتم استسلام الفرنسيون في 7 مايو. تكبد الفرنسيون من الخسائر ما يزيد على 2200 قتيل، و5600 جريح، وما يزيد على 11721 أسير، منهم الجنرال "دي كاستري" قائد القلعة والذي تم أسره في مركز قيادته.
 
في اليوم التالي لاستسلام قلعة "ديان بيان فو" أعلنت الحكومة الفرنسية عن انسحابها من فيتنام، كان لهذا النصر الذي حققته القوات الفيتنامية تحت قيادة الجنرال "جياب" أهمية خاصة، فقد تحطمت، لأول مرة، أسطورة القوى الغربية التي لا يمكن التغلب عليها، مما شجع العديد من الدول الأخرى المستعمرة لتبدأ حقبة من النضال ضد الاستعمار، وبهذا النصر اقترن اسم "فو نجوين جياب" في أوساط أفريقيا وأمريكا اللاتينية بأسلوبه في حرب العصابات وبهزيمة قوات نظامية استعمارية.
 
جياب وحرب فيتنام 1960 - 1975
تم توقيع اتفاقية جنيف في مايو 1954 والتي نصت على انسحاب فرنسا وتقسيم فيتنام إلى دولتين، فيتنام شمالية وفيتنام جنوبية وإنشاء هيئة رقابة دولية وإجراء انتخابات عامة بهدف توحيد فيتنام، لم تتم الانتخابات خلال الفترة المحددة لها مما دفع "الفيت منه" إلى مواصلة النضال والحرب لتوحيد فيتنام وتحرير فيتنام الجنوبية من سيطرة القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وبذلك بدأت حرب فيتنام بين قوات فيتنام الجنوبية المسندة من قبل القوات الأمريكية، التي بدأ تدخلها التدريجي في التصاعد حتى وصل إلى ما يزيد عن نصف مليون جندي أمريكي عام 1969، في مواجهة قوات فيتنام الشمالية (جيش الشعب الفيتنامي) المساندة لقوات "الفيات كونج".
ظل  الجنرال جياب قائداً عاماً لجيش الشعب الفيتنامي طيلة فترة الحرب ضد الولايات المتحدة المعروفة بحرب فيتنام، والتي بدأت في التصاعد تدريجياً بعد نهاية الحرب ضد فرنسا، خلال تلك الحرب أشرف الجنرال جياب على توسيع وتطوير "جيش الشعب الفيتنامي"، من قوة دفاعية صغيرة إلى أن صار جيشاً تقليدياً كبيراً مسلحاً بأحدث الأسلحة من قبل حلفائه من دول المعسكر الشرقي.
كانت حرب فيتنام مسرحاً لعمليات كبيرة ومعارك ضخمة أهمها "هجوم التيت"  و"هجوم رأس السنة" و"احتلال سايجون" تمت كلها بتخطيط وتحت إشراف وقيادة الجنرال جياب الذي تابع حربه الشعبية ضد الاستعمار الجديد بمنتهى الصلابة، والذي استطاع ابتكار وسائل كثيرة لمجابهة الحرب الجوية والالكترونية والكيماوية وإلحاق الخسائر الجسيمة في صفوف القوات المعادية.
كان "هجوم التيت" هو مجموعة العمليات التي شنتها قوات  الثوار الفيتناميون "الفيت كونج" بمساندة جيش الشعب الفيتنامي بتخطيط من الجنرال "جياب" وقيادته، والذي تم في الفترة ما بين    29 يناير و25 فبراير 1968 والذي استمد اسمه من الاحتفالات الفيتنامية ببداية السنة القمرية حسب التقاليد والتوقيت المحلى لفيتنام.
 
كان الغرض الأساسي من "هجوم التيت" والذي اكتسح فيه المهاجمون أكثر من 90 موقعاً ومركز قيادة للقوات الأمريكية والفيتنامية الجنوبية وكبدوها فيه خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات، هو إشعال انتفاضة شعبية عامة ضد حكومة فيتنام الجنوبية، رغم أن الهجوم قد تم صده ولم يحقق نتائج عسكرية واضحة، إلا أنه حقق أهدافاً إستراتيجية هامة، فقد زاد من وتيرة المعارضة السياسية من قبل السياسيين الأمريكيين والرأي العام الأمريكي لحرب فيتنام، وكان تعليق الجنرال جياب على أهداف "هجوم التيت" بأنها عسكرية وسياسية ودبلوماسية، فقد ترتب عليها بدء مفاوضات باريس بين مندوبي الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية من جانب، ومندوبي  جمهورية فيتنام الشمالية الديمقراطية وجبهة التحرير الوطنية من الجانب الآخر في يناير 1969. والتي تواصلت حتى عام 1972 وتمخضت عن وعد من الأمريكيين بالانسحاب مقابل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الأمريكيين كوسيلة للضغط اتخذها طرفا النزاع، لم تتوقف الأعمال العدائية من كلا الجانبين خلال المفاوضات، فقد بقيت قوات فيتنام الشمالية في المواقع التي سبق أن احتلتها في فيتنام الجنوبية بعد "هجوم عيد الفصح"، كما شنت القوات الجوية الأمريكية غارات كثيفة على "هانوي" و"هايفونج" في سلسلة عمليات جوية ضخمة  تحت اسم "عملية لاين بيكر الثانية" والتي انتهت في 27 يناير 1973 بعد 12 يوماً من القصف المكثف والذي تكبد فيه الطرفان خسائر جسيمة.
 
مع بداية عام 1975 أصدر الجنرال "جياب" أوامره بشن هجوم على  مدينة "بان مي ثوت" ذات الأهمية الإستراتيجــية، ومـــدن رئيســــــية أخرى وقاعدة "دانانج" التي سقطت بعد ثلاثة أيام من القتال مما كان له أثر سلبي بالغ على قوات  فيتنام الجنوبية وحلفاؤها الغربيون.
قام الجنرال "جياب" بتعيين الجنرالين "فان تين دونج" و"لي ترونج تان" لقيادة "حملة هوتشي منه" وهي عبارة عن عدة عمليات تقليدية كبيرة استخدمت فيها المدرعات والمدفعية الثقيلة، كان الهدف منها احتلال المرتفعات الوسطى والطريق الرئيسي الساحلي والعاصمة "سايجون"، وبتوجيهات من الجنرال جياب دخلت قوات الجنرال "لي ترونج تان" سايجون في 30 أبريل 1975.
بعد سقوط سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية، تم توحيد الدولتين في دولة واحدة هي "جمهورية فيتنام الديمقراطية"، كما تم تشكيل حكومة واحدة كان الجنرال جياب نائباً لرئيس وزرائها ووزيراً للدفاع الوطني، وقد تقلد بجانب ذلك العديد من المناصب الهامة الأخرى حتى عام 1991.
 
كما وضح من السيرة الذاتية للجنرال جياب أنه لم يتلقى أي تدريب في أي معهد عسكري يؤهله لتولى القيادة، ولكن، رغم ذلك فقد كان نوعاً من القادة يجمع بين التكتيك المبدع والقدرات السياسية المتعددة الجوانب وتولى قيادة قوات كبيرة، خاضت تحت قيادته معارك كبيرة وقاسية،  عانت فيها من العديد من الهزائم والخسائر الجسيمة وتحقق لها النصر في النهاية، وقد تمـيزت تكتيكاته وخططه بالبساطة مع ترك أكبر قدر من حرية التصرف لقادته الميدانيين، وقد نال الجنرال جياب أرفع الأوسمة والنياشين مقابل إنجازاته العسكرية.
 
لم يكن الجنرال جياب قائداً مميزاً فحسب، بل كان مفكراً أيضاً، وقد صدرت له العديد من الأعمال تحت عناوين شملت "النصر الكبير" و"الواجب العظيم" و"جيش الشعب" و"الحرب الشعبية" و"ديان بيان فو" و"سوف ننتصر". وقد تم تصنيف الجنرال جياب تاريخياً كأحد أعظم القادة العسكريين مثل ولنجتون ورومل وماك آرثر. 
ولا زال الجنرال جياب على قيد الحياة وقد تجاوز عمره المائة عام، ولا زال يشارك في الكثير من شؤون بلاده.
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره