مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-05-01

الإسكندر الأكبر.. أذكى وأعظم القادة الحربيين على مر العصور

كان الإغريق لعصور طويلة يعتقدون أنهم هم وحدهم أصحاب العلوم والمعارف وأنهم أرقى من سائر البشر وكان الإسكندر أول من أدرك مدى الوهم الذي عاشه فيه قومه طويلاً، بعد أن لمس بنفسه مقدار رقي حضارات الشرق.
الإسكندر الثالث المقدوني المعروف بأسماء عديدة أخرى أبرزها الإسكندر الأكبر، والإسكندر المقدوني، والإسكندر ذو القرنين، هو أحد ملوك مقدونيا الإغريق، ومن أشهر القادة العسكريين والفاتحين عبر التاريخ.
 
إعداد: حنان الذهب
 
 وُلد الإسكندر في اليوم السادس من شهر "هيكاتومبايون" باليونانية حسب التقويم الإغريقي القديم، الموافق 20 يوليو من سنة 356 ق.م، في مدينة پيلا العاصمة القديمة لمقدونيا، كان ابن فيليبّوس الثاني ملك مقدونيا وابن الأميرة اولمبياس أميرة إبيروس ابنة نيوبطليموس الأول ملك إقليم إيبيروس، وهي الزوجة الرابعة لفيليب.
 
نشأته وتعليمه وتأثره بأرسطو
تربّى الإسكندر خلال السنوات الأولى من حياته على يد مرضعة وخادمة تُدعى "لانيك"، وهي شقيقة كليتوس، أحد القادة المستقبليين في جيش الإسكندر، ونشأ نشأة الشباب المقدونيين النبلاء وتتلمذ على يديّ ليونيدس الإيبروسي وهو أحد أقارب أمه، وليسيماخوس أحد قادة الجيش العاملين في خدمة والده، فتعلّم القراءة والكتابة، وعزف القيثارة، وركوب الخيل، والمصارعة، والصيد. 
وكان الإسكندر من الناحية الجسمية شاباً مثالياً وذلك أنه كان يجيد كل ضروب الألعاب الرياضية، كان عداءً سريعاً، وفارساً جريئاً، ومبارزاً ماهراً؛ وكان يجيد الرماية بالقوس، ولا يرهب أي شيء في الصيد، وقد اتصف أيضاً بالحماسة وقوة الإرادة وحبه للمغامرة والبطولة فعندما بلغ الإسكندر عامه العاشر، أحضر أحد التجار الثيساليين حصاناً إلى الملك فيليب، وعرض أن يبيعه إياه، وعندما حاول الملك ركوب الحصان قاومه الأخير ورفض أن يسمح له أو أي شخص آخر بامتطائه، فأمر الملك بذبحه كونه جامح لا يُروّض، غير أن الإسكندر طلب من والده أن يسمح له بمحاولة تهدئة روعه وركوبه، قائلاً أن الفرس خائف من ظله، فقبل فيليب وسمح لولده أن يحاول ترويض الحيوان، فنجح وانصاع له الحصان انصياعاً تاماً، يقول پلوتارخ أن فيليب من شدّة ابتهاجه بالشجاعة والتصميم الذي أظهره ابنه، قبّله وأذرف الدمع قائلاً: "يا بنيّ عليك أن تجد مملكة تسع طموحك، إن مقدونيا لصغيرة جدًا عليك"، ثم اشترى الحصان ومنحه لولده، وعندما نفق في نهاية المطاف بسبب تقدمه بالسن، أطلق الإسكندر اسمه على إحدى المدائن التي أسسها ألا وهي مدينة "بوسيفلا" التي كانت واقعة شرق نهر السند.
عندما بلغ الثالثة عشر من عمره أخذ والده يبحث له عن معلّم يلقنه الفلسفة والمعارف البشرية المختلفة، فعُرض عليه حشد كبير من العلماء اختار منهم أرسطو، تأثر الإسكندر بالفيلسوف أرسطو الذي غرس في عقله التحمس الشديد في إثبات الذات ورفع قدراته الشخصية.
 
 مواجهة المدن اليونانية
غادر والده فيليب ليشن حرباً على بيزنطة وكان الإسكندر قد أنهى تعليمه وهو في سن السادسة عشرة، فترك شؤون الحكم في بلاده إلى ابنه الشاب، فحكم الإسكندر بالنيابة عن والده بصفته ولياً للعهد، بعد مغادرة فيليب ثارت القبائل الميدية التراقية على الحكم المقدوني مستغلة حداثة سن الإسكندر وعدم درايته بالشؤون السياسية والحربية، لكن الأخير فاجأهم ورد عليهم رداً قاسياً، فأجلاهم عن مناطقهم ووطن فيها أغريقاً، وأسس مدينة أسماها "ألكساندروپولس" أي "مدينة الإسكندر".
 
بعد عودة فيليب أرسل الإسكندر على رأس قوة عسكرية صغيرة إلى جنوب تراقيا لإخضاع الثورات القائمة فيها، بدأت هذه الحملة بالهجوم على مدينة "بيرينثوس"، حيث يُقال أن الإسكندر أنقذ حياة والده عند تعرضه لهجوم، وفي ذلك الحين كانت مدينة أمفيسا قد شرعت بالتوسع في أراض وقف بالقرب من دلفي، تعتبر أراض مقدسة ومكرسة لخدمة الإله أبولو، فاستغل فيليب هذه القضية للتدخل في الشؤون اليونانية، معتبراً أنه يُدافع عن الدين ويحمي المقدسات من التدنيس، ولمّا كان فيليب لا يزال مشغولاً بالصراع في تراقيا، أمر الإسكندر بأن يحشد جيشاً ويتحضر لحملة على اليونان، لجأ الإسكندر إلى الخديعة وتظاهر بأنه يعزم مهاجمة أليريا عوض أمفيسا، خوفاً من أن تثور مدن يونانية أخرى وتهب لمجابهته ومساعدة شقيقتها، وفي خضم هذه الفوضى هاجم الأليريون مقدونيا فعلاً، فأسرع الإسكندر وردهم على أعقابهم.
 
 انضم فيليب وجيشه إلى الإسكندر في سنة 338 ق.م، وسارا جنوباً عبر ممر "البوابات الحارقة"، وتابعا طريقهما ليفتحا مدينة إلاتيا التي تبعد مسافة بضعة أيام فقط عن كل من طيبة وأثينا. سار فيليب وجنوده حتى وصلوا أمفيسا، واعتقلوا كافة المرتزقة الذين أرسلهم ديموستيني إلى هناك ليناوشوا الجيش المقدوني، وأمام هذا الأمر استسلمت المدينة للمقدونيين، ثم عاد هؤلاء إلى إلاتيا حيث أرسل فيليب عرض السلام الأخير إلى كل من أثينا وطيبة، لكنهم رفضوه مجدداً. 
تعرّض الأثينيون والطيبيون للجيش المقدوني أثناء توجهه جنوباً، وقطعوا عليه الطريق بالقرب من بلدة خايرونيا في منطقة بيوتيا، ليحتكوا معه في معركة هائلة عرفت باسم معركة خايرونيا. خلال هذه المعركة، تولّى فيليب قيادة الجناح الأيمن من الجيش، فيما تولّى الإسكندر قيادة الجناح الأيسر، برفقة جماعة من القادة الموثوقين،  فكان النصر حليف الإسكندر ووالده. 
 
بعد هذا النصر الكبير سار الإسكندر وفيليب إلى شبه جزيرة المورة دون أن يتعرض لهما أحد، بل رحبت بهما كل المدن اليونانية وفتحت أبوابها للجيش المقدوني، أنشأ فيليب في مدينة كورنث "الرابطة الهيلينية"، وقد استمد فكرته من "الحلف المقاوم للفرس" الذي قام أبّان الحروب الميدية قديماً، وضم هذا الحلف الجديد جميع المدن الإغريقية عدا إسبرطة، نودي بفيليب بعد ذلك قائداً أعلى للرابطة الهيلينية، وسرعان ما أعلن عن رغبته في غزو الإمبراطورية الفارسية، بعد أن وحّد صفوف بلاد اليونان.
 
الإسكندر ملك لمقدونيا
توجه فيليب عام 336 ق.م إلى إيجة لحضور حفل زفاف ابنته كليوپترا على إسكندر الأول ملك إيبروس، أخ زوجته أوليمبياس، فاغتاله قائد حرسه الشخصي، بعد مقتل فيليب بايع النبلاء الإسكندر ملكاً على عرش مقدونيا وقائداً عاماً لجيشها، وهو لم يتخط العشرين من عمره. 
بعد أن انتشر خبر وفاة فيليب، ثارت عدّة مدن خاضعة لمقدونيا وانتفضت على حكّامها، وكان من ضمنها: طيبة، وأثينا، وثيساليا، بالإضافة للقبائل التراقية قاطنة الأراضي شمال المملكة، وما أن وصلت أخبار الثورة مسامع الإسكندر حتى قام وجهّز جيشاً قوامه 3000 فارس، على الرغم من أن مستشاريه نصحوه باعتماد الحلول الدبلوماسية، وسار به جنوباً ناحية ثيساليا، وما أن وصل المعبر الفاصل بين جبل الأولمب وجبل أوسا، حتى فوجئ بالثيساليين وقد احتلوه وتمركزت قواتهم فيه، فأمر رجاله بتسلق جبل أوسا والالتفاف حول الثيساليين ومباغتتهم، صُدم الثيساليون حين استفاقوا صباح اليوم التالي ليجدوا المقدونيين قد أصبحوا خلف مؤخرة جيشهم، فاستسلموا على الفور، وانضم فرسانهم طواعيةً إلى جيش الإسكندر، الذي أكمل المسير جنوباً إلى شبه جزيرة المورة.
تابع الإسكندر مسيرته حتى وصل ممر البوابات الحارقة، وتابع جنوباً حتى وصل كورنث، وحينها طلب منه الأثينيون الأمان، وعاهدوه بالخضوع لمقدونيا، فعفا عنهم وأمّنهم على أرواحهم وممتلكاتهم.
 
فتح آسيا الصغرى
عبر الإسكندر مضيق الدردنيل سنة 334 ق.م بجيش قوامه 48,100 جندي من المشاة، و6,100 فارس، وأسطول مكوّن من 120 سفينة بلغ عدد أفراد طاقمها 38,000 نفر، أحضروا من مقدونيا ومختلف المدن اليونانية، كما ضمّ الجيش عدد من المرتزقة والمحاربين الإقطاعيين من تراقيا، وبايونيا، وأليريا. اشتبك المقدونيون مع الفرس في أوّل معركة على ضفاف نهر كرانیکوس، المعروف حالياً باسم "نهر بیكا"، شمال غرب آسيا الصغرى بالقرب من موقع مدينة طروادة، حيث انهزم الفرس وسلّموا مفاتيح مدينة "سارد" عاصمة ذلك الإقليم، إلى الإسكندر، الذي دخلها ظافراً، واستولى على خزائنها، ثم تابع تقدمه على طول ساحل البحر الأيوني، ضرب الإسكندر الحصار على مدينة هاليكارناسوس الواقعة في إقليم كاريا، لتكون بذلك أوّل مدينة يحاصرها، وقد كان الحصار ناجحاً لدرجة أن قائد المرتزقة في المدينة "ممنون الرودسي" وحاكم الإقليم الفارسي "أراندباد" المقيم بالمدينة، اضطرا إلى الانسحاب منها عن طريق البحر، سلّم الإسكندر حكم كاريا إلى "أدا الكاريّة". 
 
تقدم الإسكندر وجيشه من هاليكارناسوس إلى منطقة ليكيا الجبلية في جنوب الأناضول فسهل بامفيليا، فاتحاً كل المدن الساحلية الواحدة تلو الأخرى حارماً الفرس من الكثير من الموانئ البحرية الهامّة، سار الإسكندر إلى داخل الأناضول بعد فتح بامفيليا، ولمّا وصل مدينة ترمسوس البيسيديّة، عدل عن اقتحامها بعد أن شبهها بعش عقاب، حيث خاف أن يؤدي عمله ذلك إلى غضب زيوس عليه وعدم توفيقه في حملته، بعد ترمسوس كانت كورديوم المحطة التالية للإسكندر وجيشه، وفيها قام بحل "العقدة الكوردية"،غير المحلولة قبلاً، التي قيل بأن أحداً لن يقدر على حلّها سوى ملك آسيا الحق، يفيد المؤرخون بأن الإسكندر قطع العقدة بسيفه قائلاً أنه من غير الضروري معرفة الطريقة الصحيحة لحلها. 
 
فتح بلاد الشام
بعد أن أمضى الإسكندر وجيشه الشتاء بكامله يغزون ويفتحون المدن والقلاع الحصينة في آسيا الصغرى، تابعوا زحفهم جنوباً وعبروا بوابات قيليقية سنة 333 ق.م، فالتقوا بالفرس ثانية عند إسوس يقودهم الشاه داريوش الثالث بنفسه، فاشتبك الجيشان في معركة حامية الوطيس أسفرت عن تحقيق الإسكندر لنصر حاسم، وانكسار الجيش الفارسي وفرار الشاه ناجياً بحياته. 
خلّد الإسكندر نصره هذا الذي فتح له أبواب الشام على مصراعيها، بأن أنشأ مدينة في شمال البلاد على حدود الأناضول، هي "الإسكندرونة"، وكان أمام الإسكندر الآن أن يختار إحدى خطتين: إما أن يتعقب الفرس إلى بلادهم نفسها، وإما أن يزحف جنوباً لفتح المدن الفينيقية ومصر قبل أن ينقض على فارس، وقد وقع اختيار الإسكندر على الخطة الثانية لكي يصون خطوط مواصلاته، ولكي يُحبط كل محاولة قد يقوم بها الأسطول الفارسي لتحريك اليونان إلى الثورة عليه، وكانت المدن الفينيقية رازحة تحت نير الاستعمار الفارسي الثقيل، ففتحت أبوابها للإسكندر واستقبلته كمنقذ مخلص. 
 
وفي شهر يوليو سنة 332 ق.م سقطت "صور" في يد الإسكندر بعد حصار دام سبعة أشهر،  وبعد تدميرها خضعت معظم المدن والبلدات الشامية للإسكندر دون قتال، أثناء مروره بها متجهاً إلى مصر، إلا غزة فقد رفض حاكم المدينة الفارسي فتح أبوابها للقائد المقدوني، وأعلن عزمه مقاومته، وكانت غزة من أكثر مدن الشام تحصيناً، وكان موقعها على تله يفرض على أي جيش ضرب الحصار عليها كي يتمكن من فتحها، حاول المقدونيون اقتحام المدينة ثلاث مرات متتالية، فلم ينجحوا، وفي المرة الرابعة وفقوا بعد أن استخدموا أدوات حصار أحضروها خصيصاً من صور، غير أن الإسكندر دفع ثمن الحصار غالياً، فقد أصيب بجرح خطير في كتفه، وكانت مدينة القدس قد فتحت أبوابها سلماً للإسكندر فدخلها دون مقاومة، 
 
فتح مصر
وصل الإسكندر إلى الفرما بوابة مصر الشرقية، في خريف عام 332 ق.م، ولم يجد أي مقاومة من المصريين ولا من الحامية الفارسية عند الحدود ففتحها بسهولة، ثم عبر النيل ووصل إلى العاصمة منف، فاستقبله أهلها كمحرر منتصر، بعد ذلك سار بقواته بمحاذاة الفرع الكانوبي للنيل، متجهاً إلى ساحل البحر المتوسط، وحط رحاله بالقرب من بحيرة مريوط، وكلف أحد معاونيه ويدعى "دينوقراطيس" لكي يشرف على بناء مدينة قرية "راكودة" تحمل اسم القائد المقدوني، ألا وهي الإسكندرية، التي قُدّر لها أن تصبح عاصمة مصر لاحقاً خلال عهد البطالمة خلفاء الإسكندر.
 
وقبل مغادرته مصر حرص على أن ينظم البلاد تنظيماً دقيقاً، فقد حرص على الإبقاء على النظم المصرية القديمة، وتنويع الحكم بين المصريين والإغريق الذين وضع بين أيديهم السلطة العسكرية والمالية، وأبقى للمصريين السلطة الإدارية، ووزع السلطات بالتساوي، ولم يعين حاكماً عاماً مقدونياً، وبذلك ضمن رضى المصريين وعدم قيام الثورات الوطنية، أصبحت مصر بهذا ولاية إغريقية، وأبقى الإسكندر على منف عاصمة لها، كما حرص على فتح أبواب مصر للمهاجرين الإغريق خاصة المقدونيين، لأن مصر كما تخيلها القائد المقدوني كانت ولاية مقدونية إغريقية حكماً وفكراً وثقافة، وكان ذلك نقطة تحول في تاريخ مصر، إذ دخلت طوراً جديداً من أطوار حضارتها المتنوعة، قبل أن يغادر الإسكندر مصر، استعرض قواته للوداع وأقام للشعب المصري والإغريقي مهرجاناً رياضياً وثقافياً كرمز للتعاون بين الحضارتين العريقتين، كما أوصى موظفيه بالقيام ببعض الإصلاحات للمعابد وتجديد معبد الكرنك، ثم شدّ الرحال واتجه بجيشه شرقاً مجدداً.
 
فتح بلاد آشور وبابل
سار الإسكندر بجيشه متجهاً إلى عقر دار الفرس معتزماً القضاء على قوتهم العسكرية، فوصل بلاد ما بين النهرين، حيث كان الشاه داريوش الثالث قد حشد جيشاً جرّاراً وصل تعداد أفراده بحسب المصادر القديمة إلى ما بين 200,000 و250,000 جندي، بينما تنص المصادر المعاصرة أن العدد ربما كان يتراوح بين 50,000 و100,000 جندي، بينما وصل عدد أفراد الجيش المقدوني إلى 47,000 جندي فقط، اختار الشاه موقع المعركة الفاصلة بعناية مدروسة، فجعله سهلاً مكشوفاً مسطحاً بحيث يتمكن من إفراز كامل قواته المتفوقة عددياً.
 
 اتجه بعد ذلك الجيش المقدوني إلى ساحة المعركة ليجدوا الفرس مصطفين وبانتظارهم، وقد ظهر بين صفوفهم الكثير من العجلات الحربية وخمسة عشرة فيلاً حربياً أحضرت خصيصاً من الهند، أظهر الإسكندر نبوغه العسكري عند بداية المعركة، فقام بالعدو على موازاة الجناح الأيمن للجيش الفارسي، يرافقه ثلّة من أفضل فرسانه، فتبعه قسم من الجيش، حتى إذا ظهرت فجوة بين صفوفهم، دخلها الإسكندر بسرعة فائقة ووصل إلى حيث تخفق راية الشاه، الذي راعه رؤية المقدونيين وقد اخترقوا صفوف جيشه، ففر هارباً مع بعض قادته، تاركاً جيشه يتضعضع تحت وطأة ضربات الإسكندر وجيشه، لاحق الإسكندر فلول الجيش الفارسي رغبة منه بالقبض على الشاه، فتتبعه حتى أربلاء شمالاً، لكنه لم يتمكن من الإمساك به، بسبب عبوره جبال زاغروس ولجوئه إلى مدينة همدان، بعد ذلك دخل الإسكندر بابل عاصمة الفرس مكللاً بالظفر واستقبله أهلها بالترحاب، وأعطى الأمان للناس ومنع جنوده من دخول البيوت دون إذن أصحابها أو أن يسلبوا شيئاً. 
 
الفتوحات الشرقية وسقوط الإمبراطورية الفارسية 
بعد فتحه بابل انطلق الإسكندر باتجاه مدينة سوسة، إحدى العواصم الهامة، فدخلها واستولى على خزائنها، ثم سار مع القسم الأعظم من جيشه إلى برسبولیس، العاصمة الدينية للفرس، عبر الطريق الملكي، ويُقال أنه انتقى الجنود شخصياً كلٌ باسمه للقيام بهذه المهمة، ولمّا وصل المقدونيون إلى معبر "بوابات فارس" وجدوا جيشاً صغيراً بانتظارهم يقوده حاكم الإقليم المدعو "آریوبرزن" فهزموه وشتتوه، ثم أسرعوا إلى المدينة قبل أن تقوم حاميتها بالسطو على خزينتها والفرار، سمح الإسكندر لرجاله أن ينهبوا برسبولیس طيلة أيّام عدّة بعد أن دخلها، ومكث فيها خمسة أشهر.
 
تابع الإسكندر مطاردة الشاه داريوش الثالث بكل ما أوتي من عزم، فلاحقه حتى ميدية أولاً، ثم تبعه إلى فرثيا، وكان داريوش في حالة لا يُحسد عليها، فبعد أن خسر كل معاركه مع الإسكندر، وفقد أغلب الأراضي لصالحه، خسر احترام وثقة ضبّاطه القلائل الذين رافقوه، وقد عثرت مقدمة الجيش المقدوني على داريوش مرمياً في عربته في حالة النزاع، ولمّا وصل الإسكندر كان داريوش قد أسلم الروح، ويظهر أن الإسكندر قد أحزنه رؤية خصمه القديم على هذه الحال، هو الذي كان ملكاًَ عظيماً في يوم من الأيام، انتهى أمره على هذا الشكل؛ فغطاه بعبائته، ونقل جثمانه إلى برسبوليس حيث دفنه إلى جانب أسلافه من الملوك، بعد أن أقام له جنازة مهيبة.
 
غزو شبه القارة الهندية
حوّل الإسكندر أنظاره إلى شبه القارة الهندية لفتحها فأرسل إلى زعماء القبائل في إقليم "قندهار"، الواقع في شمال باكستان حالياً يأمرهم بالمثول أمامه والاعتراف بسلطانه على بلادهم، استجاب صاحب مقاطعة "تکسیلا"، المدعو "أومفيس" والذي كانت مملكته تمتد من نهر السند إلى نهر جهلم إلى أمر الإسكندر، لكن شيوخ بعض قبائل التلال المنتمين لعشيرة الكمبوجة تحديداً، رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، فما كان من الإسكندر إلا أن حمل على تلك القبائل في شتاء سنة 327/326 ق.م، واتجه لقتال كل منها في عقر دارها.
 
بعد النصر في أورنوس، سار الإسكندر بجيشه وعبروا نهر السند ليواجهوا الراجا "بور"، سيد مملكة بوراڤة، الواقعة حالياً في إقليم البنجاب، في معركة ملحمية - سميت معركة هيداسبس - أُضرجت خلالها الأرض بالدماء، وذلك في سنة 326 ق.م. كانت تلك المعركة أقسى معارك الإسكندر على الإطلاق، فقد خسر فيها كثيراً من الجنود، وقاومه الراجا الهندي بما أوتي من قوة، ودافع عن بلاده دفاع الأبطال أمام تقدم الفاتح المقدوني، لكن خبرة الإسكندر العسكرية كان لها القول الفصل في تحديد المنتصر، كما أن قادته وعساكره المخضرمين ما كان لهم أن يُهزموا بسهولة، فتمكنوا من الجيش الهندي وهزموه هزيمة منكرة. أُعجب الإسكندر بشجاعة وإقدام الراجا بور، وبسالته في الدفاع عن أرضه، فاتخذه حليفاً، وأبقاه حاكماً على الأراضي التي شكلت مملكته، وأضاف له عليها أقسام أخرى لم تكن تابعة له، وبهذا ضمن تحكمه بتلك المنطقة البعيدة أشد البعد عن اليونان، كما كانت إمبراطورية الناندا المكادهيّة والكنكريداي البنغالية دولاً تُشكل تحدياً وهدفاً جديداً مغرياً للإسكندر، فحاول إقناع جنوده بالتقدم شرقاً لفترة قصيرة بعد لكنه لم يُفلح وتدخل أحد قادته وهو كوينوس وتوسله أن يعدل عن رأيه ويعود أدراجه، قائلاً: "لقد تاق الرجال لرؤية آبائهم وأمهاتهم، وزوجاتهم وأولادهم، وأرضهم وأوطانهم"، فاقتنع الإسكندر بكلامه، وبلّغ جنوده أن يستعدوا للعودة إلى بلادهم، سار الجيش على طول نهر السند، وفي طريقهم فتحوا أراضي قبيلة المُل، الواقعة في مدينة مُلتان حالياً، وغيرها من أراضي بعض القبائل الهندية الأخرى. أرسل الإسكندر القسم الأعظم من جيشه إلى إقليم كرمان جنوب فارس بقيادة صديقه كراتيرس، وكلّف نيارخوس قيادة أسطول لاستكشاف ومسح شواطئ الخليج العربي، وتابع هو مسيرته مع ما بقي من الجنود إلى بابل، فاختار أقصر الطرق على الرغم من أنها أصعبها، وهي صحراء ميديا الممتدة عبر بلوشستان ومكران، بجنوب باكستان وإيران حالياً، وصل الإسكندر إلى مدينة سوسة سنة 324 ق.م، وكان قد خسر كثيراً من الرجال بفعل قيظ الصحراء. 
 
سنواته الأخيرة في فارس ووفاته
قضى الإسكندر حتى ذلك الوقت تسع سنين في آسيا أحدث فيها من التأثير بانتصاراته، ثم اكتشف بعد وصوله إلى سوسة أن العديد من حكّام الأقاليم الذين عينهم أساءوا التصرّف في غيابه، فأقدم على إعدام أغلبهم ليكونوا عبرة لغيرهم، كما قام بدفع الرواتب المستحقة لجنوده، كبادرة شكر وامتنان لهم على ما قدموه من التضحيات.
 توفي الإسكندر في قصر نبوخذنصَّر ببابل، في العاشر أو الحادي عشر من يونيو سنة 323 ق.م، وله من العمر اثنان وثلاثون سنة، وقد اختلف المؤرخون في تحديد أسباب الوفاة، وبعد بضعة سنوات من وفاته، نشبت حروب أهلية طاحنة بين أتباعه كان من شأنها أن مزّقت أوصال إمبراطوريته، وولّدت عدّة دول يحكم كل منها "خليفة" وقد عرفت بملوك الطوائف مستقل لا يدين بالولاء إلا لنفسه، وكان هؤلاء هم من بقي حياً من قادة جيش الإسكندر وشاركه حملاته في الماضي، وقد عجز الإسكندر كما عجز أكثر العظماء عن أن يجد رجلاً جديراً بأن يخلفه على عرشه، وكان قد قضى نحبه قبل أن يتم عمله.
 
قضى الاسكندر نحبه قبل أن يشرع في مباشرة عدّة حملات عسكرية جديدة خطط لها، حيث ترك وصية فيها تعليمات مفصلة ومكتوبة قبل وفاته، وصّى فيها ببعض الأمور، وقد شرع كراتيرس بتنفيذ وصيّة الإسكندر بكل نشاط، غير أن خلفاء الأخير أوقفوه عند حده واختاروا ألاّ يُنفذوا أكثر مما نفذ حتى ذلك الحين، معتبرين أن ما بقي من المطالب لهو غير عملي ومتهور وينطوي على الكثير من الإسراف.
 
عبقريته العسكرية 
يجمع المؤرخون على أن الإسكندر استحق لقب "الأكبر" أو "الكبير" عن جدارة، بسبب نجاحه العسكري منقطع النظير، فهو لم يخسر معركة قط، على الرغم من أن أغلب الجيوش التي قاتلها فاقت جيشه عدداً وعدّة، وذلك يعود إلى حسن استغلاله لأراضي الوقعات، ولتدريبه فيالق المشاة والخيالة على استخدام تكتيكات فذة، ولاستراتيجياته الجسورة المقدامة، وللولاء الأعمى الذي كنه له جنوده، سلّح الإسكندر فيالقه برماح طويلة تصل إلى 6 أمتار (20 قدماً)، وكانت هذه الفيالق قد تدرّبت على القتال تدريباً صارماً منذ أيام فيليب الثاني، حتى بلغت أعلى درجات كمال الجيوش في عصرها، فكان تحركها سريعاً وقدرتها على المناورة في أرض المعركة كبيرة، أدرك الإسكندر أيضاً إمكانية وقوع شقاق في جيشه بسبب تنوعه العرقي واللغوي واختلاف أسلحته، فذلل هذه المشكلة عبر انخراطه شخصياً في المعارك، بصفته ملك مقدوني. 
 
عندما خاض الإسكندر أولى معاركه في آسيا، أي معركة نهر كرانیکوس، استخدم قسماً صغيراً من جيشه، تألّف من 13,000 من المشاة، و 5,000 فارس على الأرجح، فيما بلغ عدد قوّات الفرس 40,000 جندي، جعل الإسكندر فيلق الرمّاحين يتمركز في الوسط، ووضع الرماة والفرسان على الجناحين، بحيث أصبح طول خط جيشه يتساوى مع خط الخيّالة الفرس، بطول 3 كيلومترات (1.86 ميلاً) تقريباً، أما الفرس فجعلوا مشاتهم يتمركزون خلف الخيّالة، مما ضمن للإسكندر عدم إمكانيتهم الالتفاف حوله، وكان لفيالقه الأفضلية على فيالقهم، بسبب تسلحهم بالرماح الطويلة، التي جعلتهم ينالون من عدّة جنود فرس قبل أن يقتربوا منهم، فيما كان أولئك الأخيرين يحتاجون إلى الاقتراب من المقدونيين حتى يتمكنوا من طعنهم بسيوفهم ورماحهم القصيرة، كانت خسائر المقدونيين في هذه المعركة تافهة إذا ما قورنت بخسائر الفرس، وكل ذلك بفضل عبقرية الإسكندر العسكرية، كما لجأ إلى نفس أسلوب نشر الجند عندما خاض أول معركة مع داريوش الثالث سنة 333 ق.م، أي معركة إسوس. 
 
كان الإسكندر عندما يواجه جيوشاً تستخدم أساليب قتال لم يعهدها قبلاً، كما في حالة جيوش آسيا الوسطى والهند، كان يجعل قوّاته تتبنى أسلوب قتال الخصم، ومثال ذلك ما فعله في باختريا وصغديا، فقد استخدم رماته من نشابين وحملة رماح خفيفة ليحولوا دون التفاف الأعداء من حولهم، فيما حشد خيالته في المركز، وعندما واجه فيالق الفيلة في الهند أثناء معركته مع الراجا بور، جعل جنوده يفتحون ثغرات في صفوفهم حتى تدخلها الفيلة، ومن ثم إغلاقها عليها وطعن الفيّالين برماحهم الطويلة وإسقاطهم من على ظهر دوابهم. 
 
صفاته ومنجزاته
إن من أبرز خصال الإسكندر طبعه الحاد وتهوره واندفاعه، وهي خصال كانت تلعب دوراً في اتخاذه لقراراته دون شك، يُعرف عن الإسكندر عناده الشديد وتصلبه في الرأي، لكنه على الرغم من ذلك كان متقبلاً لأي نقاش ومستمع لصاحبه طالما كان منطقياً، وكان للإسكندر جانب آخر أكثر تعقلاً، فتميّز بتبصره، ومنطقيته، ويقظته، ومال نحو العلم ميلاً كبيراً، وأحبّ الفلسفة، وكان ينكب على قراءة الكتب بنهم، ويتعلم ما جاء فيها من الحكمة ويحفظه بسرعة، وكان واسع المعرفة، أحب العلوم والفنون على حد سواء وقام برعايتها، غير أن اهتمامه بالرياضة والألعاب الأولمبية كان ضئيلاً، على العكس من والده، فكان يسعى دوماً وراء المُثل العليا، ألا وهي الشرف والمجد، تمتع القائد المقدوني بجاذبية وقدرة خارقة على الإقناع، وقوة شخصية كبيرة، وكان شديد الثقة بعظمة الحضارة اليونانية، وكان يطمح إلى أن ينشر لواء هذه الحضارة في كل أرض وطأتها سنابك خيله، بل كان يحلم بأن يصبغ العالم بأسره بالصبغة اليونانية، وكان في الوقت نفسه يؤمن بضرورة توحيد الشعوب، من أجل ذلك سعى إلى إدخال بعض عناصر تلك الثقافة إلى الحضارة الفارسية وتهجين كلا الثقافتين.
 
تمكن الإسكندر من خلط الثقافة الإغريقية الهلينية بالثقافات الشرقية المختلفة للشعوب الخاضعة له، كما أسس أكثر من عشرين مدينة تحمل اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، أبرزها وأشهرها هي مدينة الإسكندرية في مصر، كما أدّى إنشاء الإسكندر للمستعمرات الإغريقية الكثيرة في طول البلاد وعرضها، إلى خلق حضارة هلينية جديدة استمرت مظاهرها بارزة في تقاليد الإمبراطورية البيزنطية حتى منتصف القرن الخامس عشر، استحال الإسكندر شخصيةً بارزة في الأساطير والقصص والتاريخ اليوناني والعالمي تقريباً، حتى قام مقام آخيل، وأصبح المقياس الذي يُحدد القادة العسكريين بناءً عليه نجاح أو فشل مسيرتهم، وما زالت الأكاديميات العسكرية حول العالم تُدرّس أساليبه وتكتيكاته الحربيّة حتى الوقت الحالي.
 
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره