مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2014-10-01

الأدميـــرال نيلســون..الرمـز الخالـد للبحـار المقـاتل

بريطانيا العظمى..الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس..سيدة البحار..كيف تسنى لبريطانيا إحراز كل هذه الألقاب ردحاً طويلاً من الزمان؟ وكيف اكتسبت هذا المجد وهذه العظمة والسيادة على الدول الأخرى؟ لقد ساهم في ذلك الكثيرون من أبنائها..من مفكريها وعلماؤها وساستها وقادتها من المدنيين والعسكريين وكان الذين جابوا أرجاء الكرة الأرضية بحراً ويابسة، وخاضوا غمار المعارك تحت قيادة قادة أفذاذ أمثال "أوليفر كرومويل" و"آرثر ويلزلي" دوق ولينجتون و"بيرنارد لو مونتجمري" والكثيرين غيرهم..
ومنهم هذا الرجل الذي ارتاد معظم بحار العالم شرقاً وغرباً، مقاتلاً من اجل أمته في معارك فقد فيها عينه اليمنى ثم ذراعه اليمنى، وأخيراً حياته..حياته التي حفلت بالانتصارات البحرية الرائعة، مردداً، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة "أحمد الله على أنني قمت بواجبي من أجل الله والوطن" فكان حقاً ما وصف به بأنه "البطل الذي سقط لحظة النصر متوشحاً بالمجد والخلود"..إنه القائد العسكري البريطاني الأدميرال نيلسون.
إعداد: لواء ركن (م) سعود أحمد حسون
 
 
الميلاد والنشأة
ولد "هوراشيو ادموند نيلسون" في 29 سبتمبر 1758، كان مولده في أسرة دينية متوسطة الحال في مدينة نورفولك الواقعة إلى الشمال الشرقي من العاصمة البريطانية لندن وكان ترتيبه السادس من أحد عشر من الأبناء للقس "ادموند نيلسون" وزوجته كاثرين التي توفيت عندما بلغ نيلسون التاسعة من عمره.
تلقى نيلسون تعليمه الابتدائي في نورث ويلشام إلى أن بلغ سن الثانية عشر ثم واصل تعليمه في "نورويش".
بدأت حياته البحرية وارتباطه بالبحر في مطلع عام 1771 وهو ما زال يافعاً، وكان ذلك عندما التحق كبحار عادي في السفينة التي كان يتولى قيادتها خاله القبطان "موريس سكلنج". بعد فترة قصيرة من عمله في السفينة تم تعيينه كضابط صف بحري وكمرشح للتدريب كضابط بحري.
 
بدايات الخدمة في البحر 
خلال عمله كضابط بحري تحت التمرين شارك في الاستعداد لعمليات بحرية خلال فترة ساد فيها التوتر بين بريطانيا وأسبانيا ثم قام بالعمل في بعض السفن التجارية التابعة لإحدى الشركات العاملة في جزر الهند الغربية مما أتاح له فرصة المزيد من التدريب على العمل في السفن وقد عبر المحيط الأطلسي مرتين خلال تلك الفترة.
سمع نيلسون عن رحلة استكشافية متجهة إلى القطب الشمالي، فسعى ونجح في الالتحاق بها، كان الغرض من تلك الرحلة الاستكشافية البحث عن طريق مختصر إلى الهند عبر القطب الشمالي بدلاً عن رأس الرجاء الصالح، إلا أن البعثة لم تكلل بالنجاح لغزارة الثلوج بعد أن وصلت إلى 10 درجات من القطب الشمالي، فعادت أدراجها إلى انجلترا في سبتمبر 1773.
 
توجه نيلسون بعد ذلك إلى الهند في 19 نوفمبر 1773 حيث وصل إلى ميناء "مدراس" الهندي  في 25 مايو 1774 وشرع في العمل ضمن القوات البحرية العاملة في حراسة السفن التجارية التابعة لشركة الهند الشرقية.
كانت أول معركة بحرية يخوضها نيلسون بالقرب من الميناء الهندي "بومبي" عندما كان يعمل على متن السفينة الحربية "سي هورس" إبان الحرب بين بريطانيا وجمهورية "مارثا" الهندية. وقد واصل عمله في حراسة السفن التجارية مما ساعده على تنمية قدراته الملاحية ومهارات إدارة السفن.
أصيب نيلسون بداء الملاريا مما استدعى عودته إلى انجلترا في رحلة استغرقت ستة أشهر استعاد في نهايتها صحته وأكمل فترة النقاهة في انجلترا.
تم تعيينه في مهمة بحرية في منطقة جبل طارق على متن السفينة الحربية "وورشستر" وعند عودته من جبل طارق اجتاز اختبار الترفيع الرتبة ملازم بحري  بتاريخ 9 / 4 / 1777 وقد تم تعيينه للعمل على متن السفينة الحربية "لويستوف" المتوجهة إلى جمايكا في البحر الكاريبي.
 
خلال فترة عمله في منطقة البحر الكاريبي، التي وصل إليها في 19 / 7 / 1777 قام بالإبحار ضمن عدة جولات بحرية للأسطول البريطاني استهدفت سفناً أمريكية خلال حرب الاستقلال الأمريكية وقد تولى قيادة السفينة الحربية "ليتل لوسى" ليتذوق طعم القيادة لأول مرة. وقد شارك في العديد من العمليات إلى أن تم نقله إلى سفينة القيادة "بريستول" الخاصة بقائد الأسطول البريطاني في البحر الكاريبي حيث شارك في القتال ضد السفن الفرنسية التي انضمت إلى جانب أمريكا في حرب الاستقلال الأمريكية.
 
نال نيلسون إعجاب وتقدير قائد الأسطول والذي أوكل إليه مهمة قيادة السفينة الحربية "بادجر" خلال عام 1779 وتلا ذلك نقله إلى قيادة الفرقاطة "هينشينبروك" ذات الـ 24 مدفعاً والتي كان قد تم أسرها من الأسطول الفرنسي. أبحرت سفينته ضمن السفن البريطانية الأخرى في أكتوبر 1779 من "بورت رويال" في "جمايكا" لمطاردة السفن الأمريكية حيث استولت على بعضها. في طريق العودة إلى جمايكا أصيب نيلسون مرة أخرى بالملاريا، إلا أنه فضل البقاء في جزر الهند الغربية للمشاركة في عمليات القتال ضد الأسبان في "نيكاراجوا" والتي اشتملت، بجانب العمليات البحرية، على عمليات إنزال برمائية ومهاجمة القلاع الأسبانية ولم تكلل معظم تلك العمليات بالنجاح رغم المجهودات الكبيرة التي قام بها، وعندما عاودته الملاريا مرة أخرى في أدغال "كوستاريكا" عاد إلى بريطانيا في نوفمبر 1780.
 
قيادة الوحدات البحرية الصغرى
استرد نيلسون عافيته في أوائل عام 1781 وتم تعيينه قائداً للفرقاطة "البيماريل" في أغسطس من نفس العام، أعقب ذلك تسلمه لأول مهامه القيادية (بمعنى قيادة وحدة بحرية مقاتلة) في 23 أكتوبر 1781 عندما تم تعيينه قائداً لقوة بحرية قوامها الفرقاطتين "ارجو" و"انتربرايز" للقيام بمهمة حراسة قافلة تجارية بريطانية عائدة من ميناء "زينور" الدنماركي وقد قام نيلسون بأداء تلك المهمة بنجاح مما دفع الأدميرالية البريطانية لتكليفه بمهمة حراسة قافلة تجارية بحرية أخرى متجهة إلى "كويبيك" في عام 1782، وقافلة أخرى متجهة إلى نيويورك حيث انضم هناك إلى الأسطول البريطاني المتوجه إلى جامايكا بقيادة الأدميرال صمويل هود.
بقى نيلسون في جزر الهند الغربية لفترة قام خلالها بعدة عمليات ضد الفرنسيين، وعند نهاية الحرب عاد إلى بريطانيا في يونيو 1783.
عمل نيلسون خلال عام 1784 ضمن الأسطول البريطاني في البحر الكاريبي في جزر "انتيجوا" و"نافيس" وقد التقى أثناء تواجده هناك بالأرملة الشابة فرانسيس نيسبت "فانى" وتزوج بها وعادا إلى انجلترا.
سادت فترة من السلام بين بريطانيا وفرنسا، وقد قضى نيلسون طيلة العام 1788 وهو ضمن الاحتياط يعمل بنصف الراتب، حاول مراراً العمل بالأسطول وتسلم مهمة قيادية إلا أنه لم يفلح في ذلك لقلة الحاجة لاستخدام السفن الحربية في السلم، حتى كان عام 1793، عندما أعلنت فرنسا الحرب على بريطانيا وتم استدعاؤه للخدمة وتسلم قيادة سفينة القتال "اجاممنون" ذات الـ 64 مدفعاً.
 
في مايو 1793 تحركت قوة كبيرة من الأسطول البريطاني متجهة صوب "جبل طارق"  لتتمركز في البحر الأبيض المتوسط بهدف ضمان السيطرة البحرية عليه في مواجهة الأسطول الفرنسي، تولى نيلسون قيادة جزء من تلك القوة التي وصلت إلى مشارف ميناء "طولون" الفرنسي في شهر يوليو 1793 وشرعت في تنفيذ خطة يتم بمقتضاها تقديم الدعم العسكري لمدن  طولون ونابولي وليجهورن بالإضافة إلى جزيرة سردينيا.
تم تكليف نيلسون بقيادة مجموعة تتكون من سفينته "اجاممنون" وثلاثة فرقاطات وسفينة صغيرة لمحاصرة الحامية الفرنسية في جزيرة كورسيكا، دارت معارك عديدة بحرية وبرية داخل الجزيرة بين القوات البريطانية وقوات الثوار الفرنسيون (الجمهوريون) وكانت آخر هذه المعارك في ميناء "كالفي" الكورسيكي، أصيب نيلسون خلالها إصابة أفقدته إبصار عينه اليمنى بتاريخ 12 يوليو 1793 ولكنه واصل القتال، رغم إصابته، إلى أن استسلمت المدينة في 18 يوليو وبهذا تم احتلال جزيرة كورسيكا.
 
أعقب احتلال جزيرة كورسيكا محاولات عديدة من الفرنسيين لاستعادة الجزيرة وقد دارت معارك بين الأسطولين البريطاني والفرنسي خلال شهر مارس 1795 كان أهمها معركة  "جنوه" البحرية والتي قاد فيها نيلسون القوات البريطانية، تخلى الفرنسيون، نتيجة لهذه المعركة عن محاولاتهم لاستعادة جزيرة كورسيكا.
تركزت مجهودات نيلسون بعد ذلك في القيام بعمليات بحرية وبرمائية الهدف منها إيقاف تقدم قوات الثوار الفرنسية عبر ايطاليا إلى الجنوب من "جنوه"، حيث قام باعتراض السفن المعادية وإجراء التفتيش على السفن المحايدة، ورغم تلك المعارك نجحت القوات الفرنسية وبمساندة أنصارها من الإيطاليين من إجبار قوات الحلفاء البرية على التراجع خلال شهر نوفمبر 1795. عند ذلك، اقتصرت مهام القوات البحرية بقيادة نيلسون على تغطية انسحاب قوات الحلفاء ومنع القوات الفرنسية من محاصرتهم، إلا أن قواته لم تكن كافية مما دعا القوات البريطانية للانسحاب من كافة الموانئ الإيطالية، الشيء الذي جعل نيلسون يعود إلى كورسيكا غاضباً ومحبطاً وقلقاً على مستقبله في البحرية.
مع بداية عام 1796 تولى السير "جون جيرفيس" قيادة الأسطول البريطاني في البحر الأبيض المتوسط وقد قام بإعطاء نيلسون قيادة قوة مستقلة من السفن ليقوم بعمليات الحصار البحري للمدن الإيطالية الساحلية الهامة. قام نيلسون خلال النصف الأول من العام بعدة عمليات استهدفت سفن الأسطول الفرنسي واعتراضها بجانب اعتراض السفن التجارية التابعة للدول المحايدة وتفتيشها.
بجانب العمليات البحرية القتالية قام نيلسون بإخلاء الرعايا البريطانيين ومن الموانئ الايطالية إلى جزيرة كورسيكا.
 
عند تدهور موقف القوات البريطانية في إيطاليا تقرر سحب الأسطول البريطاني من البحر الأبيض المتوسط، وأشرف نيلسون على عمليات حماية الانسحاب إلى جبل طارق وقد خاض خلال تلك العمليات معارك في مواجهة سفن الأسطول الأسباني المتحالفة مع الفرنسيين وقد  تمكن في نهاية الأمر من الوصول إلى قبالة "قادش" الميناء الأسباني الواقع على الساحل الغربي لأسبانيا على المحيط الأطلسي، حيث ترابط بقية وحدات الأسطول البريطاني.
دارت معركة "رأس سان فنسنت" في 14 فبراير 1797  بين الأسطول البريطاني بقيادة "السير جون جيرفيس" والأسطــول الأســباني والتي شــارك فيها نيلـسون على متن سفينته "كابتن" حيث أسرع متخطـياً بقية سفن الأسطـــــول البريطاني ليهاجم ثلاث سفن اسبانية كبيرة أوقع اثنـان منهما في الأسر وتراجعت بقيـة السـفن الأسبانيـة إلى ميــناء "قـــادش".
 
القيادة في المستويات العليا
بتاريخ 20 فبراير 1797، وضمن المشمولين بالترفيع في قائمة ترفيعات عادية، تم ترفيع نيلسون إلى رتبة لواء بحري Rear Admiral، كان يعمل آنذاك ضمن الأسطول المتمركز إلى الغرب من الشواطئ الأسبانية.
في شهر مايو تم تكليف الأدميرال نيلسون بقيادة قوة بحرية والتوجه إلى "قادش" لاعتراض السفن الاسبانية القادمة من المستعمرات الاسبانية في أمريكا اللاتينية، وقد دارت معركة "قادش" في يوليو 1797 وكانت الحملة تهدف إلى حصار وقصف ميناء "قادش" واحتلالها بعملية إنزال بحري. لم تكن نتيجة تلك المعركة لصالح الأسطول البريطاني، حيث هبت عواصف قوية أبعدت سفن القصف عن مواقعها ولم يتوفر لقوات الإنزال السند المدفعي الكافي مما أتاح للأسبان صد الإنزال البريطاني وكانت النتيجة انتصارهم على القوات البريطانية المهاجمة .
دارت معركة "سانتا كروز دي تناريف" بين الأسطولين البريطاني والأسباني في "سانتا كروز" الواقعة في جزر الكناري إلى الغرب من الساحل الأفريقي والتابعة لأسبانيا. كانت المعركة التي جرت بتاريخ 22 يوليو 1797 عبارة عن عملية قصف بحري بجانب إنزال برمائي وقد جرت ثلاث محاولات بقيادة نيلسون، صادفت الأولى تيارات بحرية قوية أثرت على مسار السفن، وتبعتها المحاولة الثانية التي تم صدها من قبل الأسبان. قرر نيلسون إجراء محاولة ثالثة ليلاً وقد سارت المعركة وفقاً للخطة إلا أنها لم تنجح وذلك لاستعداد الأسبان الدفاعي الجيد، حيث لم تنجح قوارب الإنزال من الوصول إلى الشاطئ نتيجة القصف الأسباني المنتظم والمركز.
خلال تلك المعركة كان نيلسون يقود إحدى كتائب الإنزال بنفسه، وقد تمكن الزورق الذي يركبه من الوصول إلى شاطئ الإنزال إلا أن شظية إحدى القنابل أصابت نيلسون إصابة بليغة في ذراعه اليمنى مما أفقده تلك الذراع.
رغم ذلك تمكنت القوات البريطانية من دخول المدينة إلا أنها أجبرت على الانسحاب ولم تكلل تلك العملية بالنجاح، وقد أوقعت خسائر كبيرة في صفوف البريطانيين قدرت بربع القوة بين قتيل وجريح وعادت القوة أدراجها، بعد ثلاثة أيام، لتنضم إلى القوة الرئيسية قرب "قادش".
 
عاد نيلسون بعد إصابته في معركة "سانتا كروز" إلى انجلترا محبطاً ويائساً إلا أنه تلقى استقبالاً رائعاً من الجماهير البريطانية التي اعتبرته بطلاً منتصراً وقد اكتمل علاج إصابته في لندن خلال الشهور الأخيرة من عام 1797.
ما أن اكتمل علاج ذراعه حتى بدأ في التطلع إلى العودة إلى البحر مرة أخرى مبدياً رغبته في ذلك للأدميرالية (قيادة الأسطول) التي استجابت له بتعيينه مرة أخرى ضمن القوة الموجودة في  "قادش" والتي تحرك إليها فعلاً في 28 مارس 1798. تم تعيينه ضمن قوة تم تكليفها بمطاردة الأسطول الفرنسي المتواجد في البحر الأبيض المتوسط. كان من أول مهام تلك القوة إيجاد أسطول نابليون بونابرت الذي أبحر من جنوب فرنسا صوب جزيرة مالطا والتي غادرها قبل وصول الأسطول البريطاني، وقد واصل الأسطول الفرنسي إبحاره إلى مصر وألقى مراسيه في خليج "أبو قير" الواقع إلى الشرق من ميناء الإسكندرية.
 
لحق نيلسون بالأسطول الفرنسي في أبو قير حيث دارت معركة النيل المشهورة بتاريخ 1 و2 و3 أغسطس 1798 والتي استبسلت فيها القوات البريطانية  أو كان نتيجتها نصراً حاسماً للقوات البريطانية بقيادة نيلسون وتم تدمير الأسطول الفرنسي الذي مني بخسائر فادحة في الأرواح تراوحت بين ألفين إلى خمسة آلالف بين قتيل وجريح بينهم قائد الأسطول ووقوع 3900 في الأسر، كما تم تدمير سفينتين وفرقاطتين والاستيلاء على 9 سفن كبيرة، بينما فقد البريطانيون 218 من القتلى 677 جريحاً. كان نيلسون، الذي أبلي بلاءً حسناً في تلك المعركة، أحد هؤلاء الجرحى أصيب إصابة بليغة في رأسه كادت أن تودي بحياته.
 
كان لمعركة النيل (أو معركة أبو قير) أهمية إستراتيجية كبرى مما جعل لها صدى واسعاً في بريطانيا والعالم كله ولما نتج عنها من أثر إيجابي على سيادة الأسطول البريطاني على البحر الأبيض المتوسط كما كانت ضربة كبرى لطموحات نابليون في الشرق والذي أبحر عائداً إلى فرنسا متجنباً الأسطول البريطاني، وقد قيم بعض المؤرخون إنجاز نيلسون في معركة النيل بأنه الأعظم أهمية في حياته.
توجه نيلسون بعد معركة النيل إلى نابولي حيث تم استقباله بحفاوة وترحاب شديدين من قبل الملك وكبار المسؤولين وعائلة هاميلتون البريطانية وأقيمت احتفالات كثيرة باسمه.
 
قضى نيلسون عام 1799 وهو يعمل على استقرار الأوضاع في المنطقة، التي شهدت معارك بين قوات جيش مملكة نابولي والقوات الفرنسية بمساندة أنصارهم من الايطاليين. فقد تمكنت قوات مملكة نابولي من استعادة مدينة روما من الفرنسيين، إلا أن وصول تعزيزات فرنسية وبدعم من الأنصار من الثوار الايطاليون تمكنت القوات الفرنسية من استعادة روما وزحفت قواتهم نحو نابولي، عند ذلك قام نيلسون بإخلاء العائلة المالكة والنبلاء ورجال الدولة والرعايا البريطانيين إلى ميناء "باليرمو" في صقلية.
 
فرض نيلسون حصاراً بحرياً على نابولي بينما قامت جماعات من الثوار الإيطاليون الموالين للنظام الملكي بمهاجمة الفرنسيين وتحرير المدينة وقد أعقب ذلك محاكمات المتمردين ومن وقفوا بجانب الفرنسيين وقد لعب نيلسون دوراً كبيراً خلال تلك المرحلة بإشرافه على محاكمات المتمردين، وقد أخذ عليه تشدده في معاملة أعداءه بعد حملة نابولي، بينما اعتبر بعض النقاد ذلك حسماً للفوضى وحفظاً للأمن والنظام.
تولى نيلسون قيادة الأسطول البريطاني في البحر الأبيض المتوسط خلال فترة تغيب القائد "اللورد كيث" في المحيط الأطلسي متعقباً الأسطول الفرنسي.
 
عاد نيلسون إلى لندن في 9 نوفمبر 1800، وبعد فترة قصيرة من وصوله إلى لندن تم تعيينه قائداً ثانيا لأسطول القنال الانجليزي تحت قيادة "لورد سان فنسنت" كما تم ترفيعه إلى رتبة نائب  فريق بحري في 1 يناير 1801.
تم تعيين نيلسون في حملة متوجهة نحو بحر البلطيق لمواجهة التحالف الذي تم بين روسيا وبلاروسيا والدنمارك والسويد والذي يهدف إلى رفع الحصار البحري البريطاني لتجارة هذه الدول مع فرنسا ولهذا السبب تم تشكيل أسطول بحر البلطيق بقيادة السير هايد باركر لإغلاق مداخل بحر البلطيق  وقد وصل الأسطول إلى بحر البلطيق وباشر عملياته هناك.
جرت "معركة كوبنهاجن" في 2 أبريل 1801 بين قوة من الأسطول البريطاني قوامها 12 سفينة حربية كبيرة و5 فرقاطات و13 سفينة صغيرة أخرى بقيادة نيلسون والأسطول الدنماركي -  النرويجي وقوامه حوالي 35 سفينة ودعم مدفعي ساحلي.
 
ترك قائد الأسطول البريطاني السير باركر الخيار لنيلسون للدخول في تلك المعركة، واختار نيلسون خوض المعركة التي نتج عنها تدمير الكثير من السفن الدنماركية والنرويجية مما أجبرهم على الجلوس للتفاوض مع نيلسون وعقد هدنة مع بريطانيا أدت إلى حل التحالف بين الدول التي وقفت في وجه الحصار البريطاني، وصف نيلسون هذه المعركة بأنها من أشق المعارك التي خاضها في حياته.
عاد نيلسون إلى انجلترا في 1 يوليو 1801 ليتم تعيينه قائداً لأسطول الدفاع عن الجزر البريطانية في القنال الانجليزي وذلك بعد تهديد نابليون بغزو بريطانيا ووصول أنباء عن الشروع في إعداد القوات الفرنسية للقيام بذلك الغزو الذي لم يتم.
سادت فترة من السلم في أوروبا خاصة بعد اتفاقية "ايميان" إلى أن بدأت الحروب النابليونية  1803-1815.
 
تولى نيلسون قيادة الأسطول البريطاني في البحر الأبيض المتوسط، ووصل إلى مشارف "طولون" في يوليو 1803 فارضاً الحصار على الأسطول الفرنسي المرابط في ميناء "طولوون" لمدة عام ونصف إلى أن تمكن الأسطول الفرنسي في أبريل 1805 من الهروب عبر مضيق جبل طارق إلى المحيط الأطلسي وإلى جزر الهند الغربية. وقام نيلسون بمطاردته إلا أنه لم ينجح في إيجاده والاشتباك معه، وعند عودة الأسطول الفرنسي إلى أوروبا تمركز في الميناء الأسباني "قادش" متحالفاً مع الأسطول الأسباني، وقد تم تعيين نيلسون لحصار الأسطول الفرنسي - الأسباني في ميناء "قادش". وقد وصل إليها في 27 سبتمبر 1805 وتسلم مهام القيادة من الأدميرال "كولينجوود" وشرع فور وصوله في التخطيط للمعركة الكبرى ضد الأسطول الفرنسي - الأسباني.
 
معركة الطرف الأغر
جرت  "معركة  الطرف الأغر" في المحيط الأطلسي إلى الغرب من رأس "الطرف الأغر"  على الساحل الغربي لأسبانيا في 21 أكتوبر 1805 بين الأسطولين البريطاني وقوامه 27 سفينة بقيادة نيلسون، والأسطول الفرنسي - الأسباني وقوامه 33 سفينة بقيادة الأدميرال الفرنسي "بيير تشارلس فيلينيف".
استخدم نيلسون في تلك المعركة أسلوباً جديداً في الاشتباك البحري، فاجأ به خصومه، وذلك بشطر الأسطول المعادي إلى نصفين (خلافاً لما كانت تتبعه المعارك البحرية في ذلك الوقت) مما مكنه من إضعافه والتغلب عليه. كانت نتيجة تلك المعركة انتصاراً ساحقاً للأسطول البريطاني الذي استولى على 21 سفينة ودمر سفن دون أن يخسر سفينة واحدة.
كان لمعركة الطرف الأغر صدى عالمياً واسعاً وقابلها البريطانيون بفرحة غامرة وكانت سبباً في تخليد قائدها فقد أكدت سيادة الأسطول البريطاني على كل بحار العالم.
 
وفاته 
وخلال معركة الطرف الأغر أصيب نيلسون بطلق ناري أطلقه أحد القناصة الفرنسيين من سفينة فرنسية مجاورة من مسافة 50 قدم، نفذ المقذوف من كتفه الأيسر إلى العمود الفقري مسبباً كسوراً لعدة فقرات. بعد أن سقط، حمله بعض البحارة برفقة الطبيب الجراح إلى أسفل السفينة حيث توفي في الرابعة والنصف عصراً، بعد ثلاث ساعات من إصابته. كان متماسكاً حتى لحظات حياته الأخيرة، مصدراً بعض التوجيهات في إدارة المعركة وموصياً بإيصال تحياته إلى زوجته وأصدقاءه ولفظ أنفاسه الأخيرة مردداً "الله ووطني".
 
شخصية نيلسون القيادية
يعتبر نيلسون قائداً ذو تأثير بالغ، بما كان لديه من قدرة على التكيف مع متطلبات رجاله، أسس قيادته على الحب وليس على السلطة، مما جذب إليه كل رؤساءه ومرؤوسيه بما يتمتع به من قدر كبير من الشجاعة والالتزام والشخصية الساحرة المتميزة، وقد ظلت هذه الصفات لصيقة بشخصية نيلسون طيلة فترة خدمته.
جمع نيلسون بين مواهبه القيادية وتمكنه من الأمور المهنية والإستراتيجية والسياسية مما جعل منه قائداً بحرياً على مستوى عال من النجاح استطاع أن يصهر  جهد البحارة والضباط والسفن والأسلحة في أسطول لا مثيل له في أعالي البحار، ومكنه ذلك من تحقيق النصر تحت أسوأ الظروف.
كان نيلسون على ثقة تامة بنفسه وبقدراته وتصميمه وقدرته على اتخاذ القرارات الهامة، وقد دلت إنجازاته النشطة والمتوالية على ما كان يتمتع به من قدر كبير من الخبرة القتالية والفكر الثاقب ومعرفته التامة لخصومه واستغلاله لنقاط ضعفهم، وكان ميالاً إلى قبول المخاطرة خاصة عند اشتداد القتال.
كان نيلسون معتداً بنفسه وتميز بالرغبة الدائمة في أن يكون محط أنظار رؤساءه والجماهير،  مما قاده إلى الدخول في مغامرات وخوض مخاطر، وكان حريصاً على نشر نتائج نجاحاته. رغم هذا الجانب من شخصيته فقد ظل نيلسون طوال مدة خدمته رمزاً للقائد المحترف الذي يدفعه إحساسه القوي بالواجب.
ازدادت شهرة نيلسون وبلغت قمتها بعد وفاته إذ يعتبر أحد أعظم أبطال بريطانيا العسكريين  الذين نالوا أرفع الأوسمة والنياشين والألقاب الرفيعة وحيث يقف على قدم المساواة مع "دوق مارلبورو" و"دوق ولينجتون".
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره