مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2022-04-03

موقف دولة الامارات تجاه أزمة أوكرانيا: الأبعاد والمرتكزات والثوابت

رؤية متوازنة تنتصر لنهج الحوار وتتمسك بالقيم والمبادىء الدولية
 
رغم أن أزمة أوكرانيا قد وضعت دولة الامارات العربية المتحدة ـ شأن دول أخرى كثيرة ـ في اختبار صعب، فإن القيادة الرشيدة قد حرصت على استمرار موقف الدولة الراسخ إزاء التمسك بالمبادىء الأساسية للأمم المتحدة والقانون الدولي، وفي مقدمتها تغليب لغة الحوار والدبلوماسية في حل الأزمات، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاصطفاف والانحياز لأي طرف لن يقود سوى إلى مزيد من العنف وسفك الدماء. 
 
 
إعداد: هيئة التحرير
وسط انقسام حاد واختلاف دولي واضح في مواقف الدول حيال العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، كان بلورة موقف سياسي ودبلوماسي اماراتي يصب بمصلحة الدولة مسألة حساسة ودقيقة للغاية لأسباب واعتبارات عدة أولها علاقات الشراكة القوية والمتنامية التي تربط الامارات بين طرفي الأزمة: روسيا من جهة، وأوكرانيا والغرب بقيادة الولايات المتحدة من جهة ثانية؛ فهناك روابط ومصالح إماراتية ضخمة في مختلف القطاعات والمجالات بين الطرفين، وهناك حرص على بناء علاقات متوازنة مع جميع القوى الدولية، ما يجعل التضحية بأي من هذه الروابط والمصالح مسألة خارج حساب صنع القرار السياسي. ثاني هذه الاعتبارات التزامن بين تفاقم الأزمة بدخول القوات الروسية الأراضي الأوكرانية وبين تولي دولة الامارات مسؤولية الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال شهر مارس 2022، وهي المهمة التي جاءت بعد شهرين فقط من بداية فترة العضوية غير الدائمة للدولة في المجلس للفترة (2022ـ2023)، وذلك بعدما انتقلت الرئاسة إليها من روسيا طبقاً للترتيب الأبجدي المعمول بهد تقليدياً في تحديد الرئاسة الدورية للمجلس من بين الأعضاء الدائمين وغير الدائمين. ثالث هذه الاعتبارات أن بناء موقف إماراتي واضح إزاء الأزمة الاوكرانية يمثل اختباراً صعباً لمجمل قناعات وموروث السياسة الخارجية الاماراتية من المبادىء والقيم التي تتمسك بها الدولة منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهي القناعات والتوجهات ذاتها التي تمضي على دربها القيادة الرشيدة في دولة الامارات، وهي ذاتها أيضاً التي صوّت لها المجتمع الدولي ممثلاً في أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة حين اختار الامارات لتكون عضواً غير دائم بمجلس الأمن إيماناً بقدرتها على الدفع باتجاه تحقيق الأمن والسلم والدوليين. ورابع هذه الاعتبارات أن الامارات ثالث أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، والعضو الرئيس بتحالف «أوبك+» كان لزاما عليها التصرف بحكمة وهدوء في هذه الظروف المعقدة دولياً بالنظر إلى حساسية أسواق الطاقة الدولية لأي خلافات قد تقوض هذا التحالف النفطي الضامن لاستقرار أسواق الطاقة وعدم حدوث أي اضطرابات في الامدادات، وهي مسألة تهم المنتجين والمستهلكين على حد سواء، أي روسيا والغرب معاً.
 
 
في ضوء ماسبق، حرصت القيادة الرشيدة لدولة الامارات على تبني موقف قائم على المبادىء والتمسك بالقانون الدولي في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية، باعتبار أن ذلك الخيار يمثل التموضع الاستراتيجي الأمثل والوحيد الذي يضمن للإمارات الحفاظ على مصداقيتها الدولية ويتيح لها هامش مناورة سياسي مناسب للتحرك بحثاً بين الخصوم عن مخرج مما آلت إليه الأوضاع؛ لذا فقد أوضحت مصادر إماراتية عقب تصويت مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار أمريكي ألباني، أن تأييد طرف في الأزمة الأوكرانية لا يؤدي إلا إلى المزيد من العنف، لذا فقد كان الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن تجسيداً لموقف إماراتي رصين ينأى بالدولة عن الاصطفاف والاستقطاب الدولي الذي كان ـ ولا يزال ـ في ذروة قوته، ويضمن لها ممارسة الدور الذي كانت تستعد لأدائه بعد طرح هذا القرار للتصويت بأيام قلائل، وهو الرئاسة الدورية للمجلس خلال شهر مارس 2022.
 
 
امتنعت الامارات، إلى جانب الصين والهند، عن التصويت على مشروع قرار أمريكي ألباني في مجلس الأمن، يدين روسيا ويطالبها بسحب قواتها من أوكرانيا، وهو المشروع الذي تمت عرقلته كما كان متوقعاً ـ بوساطة حق النقض (الفيتو) الروسي. وتؤكد الشواهد أن موقف دولة الامارات بالبقاء على مسافة واحدة من طرفي الأزمة هو الذي سمح لها بعد ذلك بالحديث عن ضرورة الحل الدبلوماسي والتحرك في هذا الاتجاه وتشجيع الأطراف الأخرى على بذل الجهد من أجل حلحلة الموقف المتأزم.
 
 
خلفيات الموقف الاماراتي إزاء الأزمة الأوكرانية
في السابع عشر من مايو 2018 ألقت سعادة لانا نسيبة مندوبة دولة الامارات لدى الأمم المتحدة كلمة الدولة أمام الجمعية العامة للمنظمة الدولية خلال مناقشة بشأن موضوع احترام القانون الدولي وتدعيمه، فقالت إن «دولة الإمارات تشارك في هذه المناقشة لكون المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بإطاره الأوسع هي ذات المبادئ التي ترتكز عليها السياسة الخارجية للإمارات العربية المتحدة. وبالنسبة للدول الصغيرة، فإن النظام المتعدد الأطراف المبني على القواعد والقانون الدولي ضروريان لضمان حصولنا على حقوق متساوية باعتبارنا جزءاً من المجتمع الدولي، ولحمايتنا من جميع أشكال إساءة استخدام القوة والهيمنة من قبل البعض»،  وأضافت «ولذلك، تشعر دولة الإمارات ببالغ القلق إزاء تراجع احترام القانون الدولي حول العالم، وترى أن عالم بدون نظام دولي قائم على القواعد هو عالم يسوده الفوضى وعدم الاستقرار، وتنشط فيه العناصر المارقة التي تستهين بالقواعد والأعراف الدولية وتفلت من العقاب. عالم تتعرض فيه العلاقات القائمة على الثقة بين البلدان إلى الانهيار، وتُترك الفئات الأشد ضعفاً في المجتمعات للمعاناة دون أي فرص للجوء للعدالة».  وبعد أن ضربت نسيبة في كلمتها أمثلة عديدة على الاستهانة بالقانون الدولي في منطقة الشرق الأوسط وعواقب هذه الانتهاكات، قالت «يتعين علينا أن ندرك بصورة أساسية أن القواعد والمعايير التي يتكون منها إطار القانون الدولي تكتسب قوتها من التزام جميع الدول الأعضاء بالدفاع عنها والتمسك بها. ولذلك، فإن دولة الإمارات على أتم الاستعداد للاضطلاع بدورها في تعزيز ركائز القانون الدولي، بما في ذلك تحسين جهودنا لممارسة ما ننصح به الآخرين». واختتمت نسيبة كلمتها قائلة «نمر اليوم بمنعطف هام سيحدد ما إذا كنا سنواصل العمل ضمن الأطر الدولية والمؤسسات المتعددة الأطراف القائمة على القانون الدولي التي بنيناها معاً، أم سنسمح للدول بالتلاعب بهذه المعايير المتفق عليها وتجاهلها. وتؤمن دولة الإمارات بأن الاستجابة الوحيدة يجب أن تكون جماعية، وأن التزامنا المشترك تجاه القانون الدولي يجب أن يكون أول مبدأ نتفق على التمسك به من أجل حماية النظام القائم على القواعد الذي يدعم أمننا الجماعي ويمنع ويلات الحرب». 
 
 
الامارات أيضاَ راهنت على نيل العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن الدولي وكسبت بالفعل ثقة المجتمع الدولي من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد حددت لنفسها خارطة طريق تعمل بموجبها خلال فترة العضوية (2022ـ2023)،  حيث التزمت بتعزيز الشمولية وتأمين السلام والتحفيز على الابتكار وبناء القدرة على الصمود، وفي ذلك قالت سعادة لانا نسيبة المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، إن عمل بلادها في مجلس الأمن “سيعكس ما نمثله كدولة وشعب من إيمان بأننا أقوى باتحادنا، وبالتسامح والشمولية»، وقالت إن الدبلوماسية الإماراتية “تتمحور حول تبني الحوار والسعي لمعرفة وجهات النظر المختلفة، وتمهيد الطريق لإيجاد توافق في الآراء”، فدولة الامارات التي انتخبت من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكون عضواً غير دائم بمجلس الأمن الدولي خلال الفترة 22ـ1923، اعتمدت بالأساس في الترشح على موقفها الراسخ  إزاء المبادئ الأساسية للأمم المتحدة والقانون الدولي وسيادة الدول ورفض الحلول العسكرية، وبالتالي لم يكن من الملائم أن تكون بدايات ممارسة الدولة لعضويتها غير الدائمة بالمجلس من خلال القفز على مبادىء لا تتجزأ، واصطفاف وتموضع يدرك الجميع أنه لن يسهم في حل الأزمة بل يزيدها توتراً واشتعالاً بسبب انحسار الجهود الداعية للحوار والتفاوض لايجاد تسوية سياسية تنهي الأزمة.
 
 
وقد تعهدت الامارات كذلك بأن تعمل خلال فترة عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي على تقريب وجهات النظر وأن يكون للمجلس صوت موحد، وبموجب هذا التعهد، ومن أجل بناء الجسور وتعزيز العمل متعدد الأطراف وتنفيذا لولاية المجلس، أعربت دولة الإمارات عن تطلعها إلى العمل مع الأعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة ككل، وعلى مدار فترة عضويتها بمجلس الأمن، شددت دولة الإمارات على أنها لن تمثل الصوت العربي فقط في هذه المنظمة، بل ستسعى إلى تمثيل سائر الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهو تعهد يترجم نهج الامارات في تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية، لاسيما جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، كما يجسد مكانتها كدولة تَعد بمناصرة قضايا أخرى بمجلس الأمن على غرار تغير المناخ والأمن والسلام والمرأة، ومكافحة الإرهاب، فضلا عن الاستجابة لجائحة كورونا وسبل التعافي من هذا الوباء العالمي.
 
 
وقالت مندوبة دولة الإمارات العربية لدى الأمم المتحدة، سعادة لانا زكي نسيبة، خلال إحاطة للصحفيين بمناسبة تسلّم رئاسة مجلس الأمن في الأول من مارس 2022: “ترنو أنظارنا إلى جميع هذه الأزمات وسنفعل ما في وسعنا كرئيس مجلس الأمن لهذا الشهر من أجل إدارة عمل المجلس بطريقة مؤثرة وفعّالة، في محاولة لبناء الجسور في المناطق التي تعاني من انقسامات، لأنني أعتقد أن المجتمع الدولي بحاجة إلى نهج بناء الجسور للدبلوماسية اليوم”. 
 
 
ولاشك أن ماسبق وغيره من توضيحات تسلط الضوء على ثوابت ومنطلقات السياسة الخارجية الاماراتية ينطلق من جذور تمتد إلى مرحلة التأسيس، التي رسم لها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الخطوط العريضة، التي كانت ولا تزال تمثل نبراساً للقيادة الرشيدة للدولة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ رعاه الله ـ وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي ذلك قال القائد المؤسس “إن دولتنا الفتية حققت على الصعيد الخارجية نجاحاً كبيراً حتى أصبحت تتمتع الآن بمكانة مرموقة عربياً ودولياً بفضل مبادئها النبيلة، ولقد اتركزت سياستنا ومواقفنا على مبادىء الحق والعدل والسلام، منطلقين من إيماننا بان السلام حاجة ملّحة للبشرة جمعاء”.
 
 
الشاهد فيما سبق أن هذه المواقف تمثل ثوابت تؤطر للموقف الاماراتي الثابت حيال الأزمات والانتهاكات التي ترتكب ضد القانون الدولي في جميع أنحاء العالم، لذا لم يكن منطقياً على الاطلاق أن تخالف الدبلوماسية الاماراتية كل ما راكمته من عمل وجهد مؤسسي استهدف تحقيق الأمن والسلم الدوليين لتصطف في الأخير مع طرف ضد آخر في الأزمة الأوكرانية، حيث يصعب على دولة تسعى لبناء الجسور وفتح قنوات التواصل ونشر السلام والتسامح اقليمياً ودولياً أن تتبنى موقفاً مغايراً لكل ذلك، لذا فقد كان من أول ردود الفعل على الأزمة غير المسبوقة أن سارعت الدبلوماسية الاماراتية إلى الدعوة في مجلس الأمن لوقف الأعمال العدائية وخفض التصعيد والحوار والدبلوماسية والتفاوض. 
 
 
بيئة صناعة القرار وظروفها: متغيرات حاكمة 
بجانب الحفاظ على التمسك بمنظومة القيم والمبادىء الحاكمة للسياسة الخارجية، وثبات النهج وديمومة الخط العام للدبلوماسية الاماراتية حيال الأزمات والقضايا الدولية، فإن هناك دوافع ومبررات لا يمكن اغفالها تمثل تعزيزاً لنهج الدعوة للحوار وتفادي الاصطفاف لأي من الطرفين طرف في الأزمة الأوكرانية، ومن هذه المبررات:
 
 
المؤكد أنه حين اندلعت الأزمة فإن الدبلوماسية الاماراتية قد وجدت نفسها في موقف حساس وشائك يتطلب ضرورة بناء توازن صعب، شأنها شأن كثير من الدول، بالنظر إلى علاقاتها القوية مع كل من روسيا والقوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة معاً، وازداد هذا الموقف صعوبة في ظل تولي الامارات الرئاسة الدورية لمجلس الأمن منذ بداية مارس ولمدة شهر، حيث تزامنت بداية العمليات العسكرية في أوكرانيا مع رئاسة الامارات للمؤسسة الدولية المنوطة بالتعاطي مع أكبر أزمة تواجه الأمن والاستقرار الدوليين في الوقت الراهن، مع كل ما يحمله ذلك من مسؤولية كبرى للحفاظ على علاقات متوازنة تتيح لممثلي دولة الامارات في المجلس التواصل مع جميع الأطراف والحفاظ على قنوات حوار وتواصل مفتوحة من أجل السعي لاحتواء هذه الأزمة الخطيرة في أقرب وقت ممكن، ما يستلزم الحفاظ على هامس مناورة دبلوماسي لأداء دورها في إدارة أعمال المجلس خلال هذا الشهر، ناهيك عن الحفاظ على توازنات المصالح الاستراتيجية الحيوية التي تربط الدولة بطرفي الأزمة.
 
 
التغيرات التي طرأت على مصالح وعلاقات الدول جميعها، ومن بينها دولة الامارات، مع كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية من ناحية وروسيا من ناحية ثانية، حيث يلاحظ أن علاقات دولة الامارات قد طرأت عليها تحولات ايجابية كبرى في السنوات الأخيرة، في إطار سياسة تنويع العلاقات وبناء روابط متوازنة مع مختلف القوى الكبرى بما يدعم تنافسية الامارات وقوتها الشاملة وقدرتها على تحقيق خطط التنافسية العالمية التي قطعت فيها أشواطاً كبيرة. وبحيث بات من غير الواقعي تصنيف الامارات بشكل خاص ودول مجلس التعاون بشكل عام في خانة الحليف الحصري للولايات المتحدة أو الغرب، بحكم ما طرأ على علاقات هذه الدول مع بقية القوى الدولية لأسباب واعتبارات بعضها مصالحي وبعضها الآخر يرتبط بالتطورات التي طرأت على موازين القوى العالمية في السنوات الأخيرة.
 
 
الموقف الاماراتي الراهن يتيح للدولة التحرك بفاعلية ومرونة وبما تمتلك من علاقات، الاسهام بفاعلية في فتح قنوات الحوار والوساطة لحل الأزمة، كما أن ذلك سيتيح لدولة الإمارات بما تملكه من علاقات قوية وصداقة مشتركة مع كل من روسيا وأوكرانيا والغرب، فتح قنوات حوار ووساطة بحثاً عن تسوية سياسية، وهذا هو ما عبرت عنه سعادة لانا نسيبة، المندوبة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، خلال اجتماع مجلس الأمن، حين أكدت استعداد دولة الإمارات للعمل مع أعضاء مجلس الأمن لخفض التصعيد ووقف الأعمال العدائية، وقالت إن “نتيجة التصويت هي مجرد تحصيل حاصل، ولكن يجب أن تبقى قنوات الحوار مفتوحة أكثر من أي وقت مضى، ويتعين علينا جميعاً السعي لتحقيق ذلك». وقد كان الهدف نصب أعين الامارات منذ البداية حيث سعت للتعاون مع دول عدة والدفع باتجاه الوساطة والتخفيف من حدة التبعات الانسانية للعمليات العسكرية الروسية في اوكرانيا.
 
 
أولوية الملف الانساني: 
نظراً لأن موضوع المساعدات الاغاثية والانسانية يمثل محور اهتمام رئيسي لدولة الامارات، فقد دعت دولة الإمارات إلى خفض التصعيد بشكل فوري وإنهاء الأعمال العدائية. وأكدت على أن التطورات الخطيرة في أوكرانيا تقوض الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، وأعربت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية في بيان رسمي عن قلقها بشكل خاص تجاه التداعيات المترتبة على المدنيين المتواجدين في أوكرانيا، وعلى المنطقة والمجتمع الدولي بأسره. كما أكدت ضرورة وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، داعيةً كافة الأطراف إلى احترام القانون الإنساني الدولي، وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. وهو موقف إماراتي متوازن دبلوماسياً قوي إنسانياً يأخذ على عاتقه في المقام الأول مراعاة مصلحة وأمن المدنيين، ويوجه دعوة للطرفين إلى احترام وتطبيق القوانين الدولية، الأمر الذي يجسد البعد الانساني في السياسة الخارجية الاماراتية التي تمنح هذا البعد أولوية استثنائية ضمن اهتماماتها ودوائر عملها.
 
 
 
لاشك أن مجمل الرؤية الاماراتية في التعاطي مع الأزمة تنسجم مع رؤية المجتمع الدولي بشكل عام، من حيث اعتبار الأزمة الأوكرانية تقويضاً للأمن والسلم الدوليين، وتدعو لخفض التصعيد في النزاع الروسي الأوكراني بشكل فوري، وتدعم حلولا دبلوماسية سريعة لحل الأزمة، وضمان حماية المدنيين من الطرفين، وعدم التأخر في توفير وإيصال المساعدات الإنسانية أو تعطيل وصولها، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أن لكل دولة رؤيتها وطريقتها ودورها في تحقيق تلك الأهداف.
 
 
بقدر ما ينسجم موقف دولة الإمارات مع مواثيق وقوانين الأمم المتحدة، فإنه يتماهى كذلك مع مبادئ الخمسين التي أصدرتها دولة الإمارات في شهر أكتوبر الماضي، والتي ترسم المسار الاقتصادي والسياسي والتنموي لدولة الإمارات للخمسين سنة المقبلة.حيث ينص المبدأ العاشر على أن “الدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل كافة الخلافات هو الأساس في السياسة الخارجية لدولة الإمارات، والسعي مع الشركاء الإقليميين والأصدقاء العالميين لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي يعتبر محركاً أساسياً للسياسة الخارجية». كما ينص المبدأ الثامن على أن “منظومة القيم في دولة الإمارات ستبقى قائمة على الانفتاح والتسامح، وحفظ الحقوق وترسيخ دولة العدالة، وحفظ الكرامة البشرية، واحترام الثقافات، وترسيخ الأخوّة الإنسانية واحترام الهوية الوطنية. وستبقى الدولة داعمةً عبر سياستها الخارجية لكل المبادرات والتعهدات والمنظمات العالمية الداعية للسلم والانفتاح والأخوّة الإنسانية”.
 
 
لا خلاف على أن دولة الامارات باتت تلعب في السنوات الأخيرة دوراً حيوياً في تسوية الأزمات وانهاء الصراعات الاقليمية والدولية، وهذا مايفسر استراتيجية دولة الإمارات تجاه الأزمة، حيث شددت بوضوح على ضرورة الامتثال للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة كأساس للحوار، وركزت في موقفها على الدعوة إلى وقف تصعيد العنف واستئناف الحوار وإرسال المساعدات الإنسانية، ودعت جميع الأطراف إلى احترام القانون الإنساني الدولي، وركزت على التأكيد على ضرورة حماية المدنيين، وركزت بشكل خاص على “قلقها” من العواقب على المدنيين الموجودين في أوكرانيا.
 
 
مصالح الامارات وروابطها الاستراتيجية المتنامية مع روسيا
ترتبط الامارات وروسيا بعلاقات شراكة استراتيجية قوية بدأت عام 2018، ويتبادل الجانبين زيارات القادة وكبار المسؤولين، حيث قام وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بزيارة للدولة في شهر مارس 2021 كما تم توقيع اتفاق شراكة استراتيجية منتصف عام 2018، خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى موسكو. وتنعكس قوة العلاقات في تطور حجم التبادل التجاري ليصبح نحو27ر3 مليار دولار في عام 2020، وفي ذلك أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان: «إن بلادي ترى روسيا شريكا مهما وأساسيا، وفي هذا الصدد يعد توقيع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2018 خطوة بارزة أسهمت في تعزيز علاقاتنا الثنائية»، وتتسم العلاقات الاماراتية ـ الروسية بتسارع وتيرة التواصل والحوار بين البلدين، حيث جاءت زيارة لافروف بعد أشهر قلائل من الزيارة التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي إلى موسكو منتصف ديسمبر 2020، حيث التقى نظيره الروسي. كما سبق أن قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة إلى الامارات في عام 2019،  وكانت الزيارة الأولى له منذ اثني عشر عاماً، حيث كانت زيارة بوتين السابقة في سبتمبر 2007، كما سبقتها زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى روسيا في عام 2018، حيث تم إحداث نقلة نوعية في علاقات البلدين بتوقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية، الذي يعد بمثل القاطرة التي تقود العلاقات الاماراتية الروسية نحو المزيد من التقدم والازدهار. وهناك علاقات رسمية قوية اشار إليها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان حين قال «أنا وسيرجي ( سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي) صديقان حميمان، وكثيراً ما نقارن الملاحظات ليس فقط في السياسة ولكن في كثير من الأمور والقضايا الأخرى»، مؤكداً أن العلاقة تجاوزت الحديث الدبلوماسي. واستشهد سموه باتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين البلدين كمثال على ذلك؛ حيث تعد الامارات أول دولة في مجلس التعاون توقع مثل هذه الاتفاقية مع روسيا. 
 
 
ويٌلاحظ ارتفاع التبادل التجاري غير النفطي عقب الاتفاق من نحو 5ر2 مليار دولار في 2018، إلى نحو 4ر3 مليار دولار في عام 2019. وتشهد العلاقات الإماراتية الروسية نمواً وازدهاراً في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية، ومن ضمنها القطاع الفضائي، إذ تم في يونيو 2018 توقيع اتفاقية تعاون بين مركز محمد بن راشد للفضاء ووكالة الفضاء الروسية “روسكومسموس” ، وفي  سبتمبر 2019، عززت الإمارات وروسيا تعاونهما بانطلاق أول رائد فضاء إماراتي ضمن بعثة ثلاثية تضم كذلك رائدي فضاء من روسيا والولايات المتحدة على متن مركبة “سويوز». وتدرب رائدا الفضاء هزاع المنصوري وسلطان النيادي بمركز يوري جاجارين في مدينة النجوم بموسكو، وفي عام 2015 تم توقيع مذكرة تفاهم بين الإمارات وروسيا تشمل تبادل الخبرات وتأهيل الكوادر في مجالات الفضاء. كما أطلقت الإمارات أول قمر صناعي “دبي سات-1” من قاعدة بايكونور الروسية في كازاخستان عام 2009. واطلقت وكالة الفضاء الاتحادية الروسية صاروخ “سويوز” الروسي وعلى متنه مجموعة من الأقمار الصناعية، ومنها القمر الاصطناعي النانومتري DMSAT-1، الذي يهدف إلى توظيف تكنولوجيا الفضاء وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز منظومة الرصد البيئي على مستوى دولة الامارات.
 
 
وتتسم العلاقات الاماراتية ـ الروسية بعدد من السمات الخاصة أبرزها التوسع المستمر على المستويات كافة، فهناك علاقات متنامية بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين (هناك أكثر من 3 آلاف شركة روسية تعمل في الإمارات وتتركز أنشطتها في قطاعات العقارات والتجارة والتصنيع والاتصالات إلى جانب 576 علامة تجارية و25 وكالة تجارية روسية مسجلة لدى الدولة)، وبحسب تقارير رسمية فإن روسيا تمثل إحدى وجهات  الاستثمارات الاماراتية المفضلة، حيث حلت الإمارات في المرتبة الأولى من بين دول مجلس التعاون الخليجي من حيث تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في روسيا،  وتتنوع تلك الاستثمارات في تجارة الجملة والتجزئة والقطاع العقاري والصناعي و المالي والتأمين وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والنقل والتخزين والتعليم وإصلاح المركبات ذات المحركات والدراجات النارية، فيما تجاوز رصيد الاستثمارات الروسية بالإمارات حاجز الملياري دولار. وفيما يخص حصة الإمارات من إجمالي صادرات روسيا إلى الدول العربية العام الماضي، فقد استحوذت دولة الامارات على ما نسبته 7.4% من مجمل الصادرات الروسية إلى مجموعة الدول العربية، في حين استحوذت الإمارات على ما نسبته 7.7% من إجمالي التجارة الخارجية الروسية مع مجموعة الدول العربية. وهناك علاقات شعبية تعكسها معدلات التبادل السياحي (زار الإمارات 800 ألف روسي في عام 2019 وهناك 17 ألف مواطن روسي يقيمون في دولة الامارات).
 
 
وهناك آفاق واعدة للتبادل التجاري بين البلدين، تطمح روسيا إلى رفع قيمة التبادل التجاري إلى نحو 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة، وتتكىء الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2018 على مجموعة من الاتفاقات الموقعة قبل ذلك بسنوات، والتي هيأت الأجواء لتطوير وتنمية العلاقات حتى ارتقت إلى صيغة الشراكة، ومن هذه الاتفاقيات  اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية واتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار بين روسيا والإمارات وتم توقيعها في ديسمبر 2012، ومذكرة تفاهم تم توقيعها بين البلدين في سبتمبر 2013 لإنشاء صندوق استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار ويعد هذا الاستثمار الأضخم الذي تقوم به جهة خارجية في البنى التحتية الروسية، ووقع البلدان في ديسمبر 2011 اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي على الدخل، وفي أكتوبر عام 2014  وقع الجانبان مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم العالي في الدولة ووزارة التعليم والعلوم الروسية بالإضافة إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين وزارتي الاقتصاد.
 
 
وبعد توقيع اتفاق الشراكة، وفي مارس عام 2019، وقعت كل من موانئ أبوظبي ومجلس التطوير التجاري والاقتصادي الروسي مذكرة تفاهم لتعزيز العلاقات التجارية والتعاون الاقتصادي مع الشركات الروسية والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة لها في مدينة خليفة الصناعية ومنطقة التجارة الحرة لميناء خليفة إضافة إلى توقيع الإمارات ممثلة بوكالة الإمارات للفضاء “خطاب نوايا” مع كل من روسيا وكازاخستان للتعاون في مجالات الفضاء المختلفة وإطلاق مشاريع مشتركة خلال الفترة المقبلة، وفي فبراير من عام 2019 قامت جمهورية روسيا الاتحادية بإعفاء مواطني الامارات من حملة جوازات السفر العادية من تأشيرة السفر المسبقة وذلك بناء على الاتفاقية التي تم توقيعها في مدينة كازان الروسية. ونجح البلدان بوقت سابق في إطلاق مجموعة من الاستثمارات المشتركة، أبرزها الاستثمار المشترك بين الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة وشركة مبادلة الإماراتية في نحو 40 صفقة مشتركة في روسيا بقيمة تتجاوز ملياري دولار أبرزها في مطار بولكوفو بمدينة سان بطرسبورغ الروسية، ومشروعات بمشاركة شركة موانئ أبوظبي، إلى جانب الاستثمارات في مجال البتروكيماويات، وأخرى في مجالي الزراعة والغذاء بقيمة 19 مليار روبل (300 مليون دولار)، بالإضافة إلى استثمار نحو 10 مليارات روبل في مجموعة شركات “إفكو” المتخصصة في منتجات الزيوت والدهون في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا ويضم خمس دول هي (روسيا، كازاخستان، بيلاروسيا، أرمينيا، وقرجيزستان). وهناك أيضاً تعاوناً بين البلدين لشراء الوقود النووي الروسي في إطار برنامج الإمارات السلمي للطاقة النووية.
 
 
العلاقات الاماراتية ـ الأمريكية: تطور مستمر وشراكة راسخة
اتسمت علاقات الامارات والولايات المتحدة منذ تأسيسها بالقوة والتطور المتواصل حتى بلوغها مستوى الشراكة الاستراتيجية، إذ تأسست العلاقات من البداية على المصالح المشتركة، فضلاً عن تشارك القيم والمبادىء ووجهات النظر حيال قضايا وموضوعات اقليمية ودولية عديدة، فالولايات المتحدة أكدت غير مرة بشكل رسمي أن الإمارات من أكثر الاقتصادات ابتكارًا في العالم وشريك استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يلاحظ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قد قفز بنسبة أكثر من 110% خلال العقد المنصرم، وهو تطور طبيعي لتعاون يمتد لعقود مضت؛ وتتفوق الامارات في حجم صادراتها للسلع المصنّعة إلى السوق الأمريكية على اقتصادات دول رئيسية عديدة، بينما تأتي المملكة العربية السعودية، التي تعد أكبر اقتصاد عربي، في المرتبة الثالثة، وتٌظهر احصاءات رسمية أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين في عام 2020 قد بلغ نحو 83ر17 مليار دولار، مقارنة مع 22ر5 مليار دولار في عام 2005. كما تستحوذ الاستثمارات الإماراتية على الحصة الأكبر من إجمالي الاستثمارات العربية بالأسواق الأمريكية، برصيد تراكمي يصل إلى 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020. ووفق بيانات السفارة الإماراتية في الولايات المتحدة، “فإن الإمارات باتت أكبر سوق تصدير للسلع الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكملها”، بفضل امتلاكها بنية تحتية ولوجستية بخلاف الموقع الجغرافي، ما وضعها كأهم مراكز الالتقاء عالمياً.
 
 
والأمر لا يقتصر على المصالح التجارية والاقتصادية، رغم أهميتها الفائقة، حيث تعد القيم المشتركة بين البلدين والشعبين أحد أقوى ركائز العلاقات الثنائية، لاسيما أن هذه المشتركات تقع في قلب اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية مثل القيم والمبادىء وبالأخص نشر ثقافة التعايش والتسامح وقبول الآخر فضلاً عن مكافحة الارهاب والتطرف، ما أسهم في دفع الشريكين إلى إطلاق حوار استراتيجي لمناقشة مجمل هذه القضايا والموضوعات في إطار مؤسسي لضمان استمرار التعاون والتنسيق وتبادل وجهات النظر بينهما، لاسيما بعد نجاح تجربتي مركز “هداية” ثم مركز “صواب” في يوليو عام 2015، بالتعاون مع الولايات المتحدة، وهو مبادرة تفاعلية للتراسل الإلكتروني، تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد التطرف والإرهاب؛ حيث  يعمل مركز “صواب” على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة ووضعها في منظورها الصحيح، وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة التي غالباً ما تضيع وسط صخب الأفكار المغلوطة التي يروجها أصحاب الفكر المتطرف. ويتعاون المركز مع حكومات دول المنطقة والعالم بما في ذلك حكومات 63 بلداً مشاركاً في التحالف الدولي ضد التطرف، كما يعمل مع عامة الناس، والمؤسسات، والشركات والشباب من أجل دحض الكراهية والتعصب، وإبراز ونشر القيم الحقيقية لدين الإسلام، والتي تقوم على الاعتدال، وتدعو إلى التسامح والانفتاح.
 
 
وفي إطار ركائز هذه الشراكة نلحظ تنامي مكانة الامارات وثقلها الاستراتيجي كلاعب فاعل ومؤثر في مختلف القضايا والأزمات والملفات الاقليمية، حيث يُلاحظ الدور الكبير الذي لعبته الامارات في التصدي للفوضى والاضطرابات المتتالية التي هددت دول عربية عدة في عام 2011، ومن ثم اضطلاع الامارات بدور فاعل حيوي للغاية في الحفاظ على الاستقرار ومواجهة الأزمات الداخلية في هذه الدول، بما يعكس قدرتها المتزايدة ودورها في تشكيل السياسات والمعادلات الاقليمية. ومن ثم بات للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية ضرورية للغاية في تقوية الروابط مع الشريك الذي بات يلعب دوراً مهماً في منطقة تقع في قلب اهتمام مخططي الاستراتيجيات الأمريكية باعتبارها ساحة صراع على النفوذ وتنافس شرس بين القوى الدولية الكبرى. وقد انعكس ذلك بوضوح من خلال اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين دولة الامارات والولايات المتحدة، والتي بدأ سريانها في التاسع والعشرين من مايو 2019، وتستهدف تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الإماراتية “وام”، التي اشارت أيضاً إلى أن البلدين يتشاركان “الاهتمام العميق بضرورة تعزيز الرخاء والاستقرار في المنطقة، حيث ستعمل اتفاقية التعاون الدفاعي على تعزيز هذا الاهتمام؛ عبر توطيد التعاون الوثيق في المسائل الدفاعية والأمنية، ودعم الجهود التي تبذلها الدولتان للحفاظ على الأمن في منطقة الخليج العربي”. 
 
 
وقد لعبت الدبلوماسية الإماراتية، على مدار عقود، دوراً محورياً في العمل على احتواء العديد من حالات التوتر والأزمات والخلافات على صعيد المنطقة أو خارجها، وترجمت ذلك الدور المركزي من خلال تعزيز برامج مساعداتها الإنسانية والإغاثية والإنمائية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للعديد من الدول النامية، خصوصاً تلك التي تشهد حالات نزاع وحروباً أو كوارث طبيعية، فضلاً عن مساهمة الإمارات الفاعلة في العديد من عمليات حفظ السلام وحماية السكان المدنيين، وإعادة الإعمار في المناطق المنكوبة بعد انتهاء الصراعات، وهو ما يجسد شراكتها المتميزة مع دول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعملها من أجل تحقيق الأهداف النبيلة في صيانة واستقرار السلم والأمن الدوليين، ولهذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعول دوماً على الدور الإماراتي الفاعل والبناء في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتحرص على الاستماع لرؤيتها وتقديراتها لهذه القضايا، وكيفية التعامل معها. وهنا لابد من الاشارة إلى كون دولة الامارات والولايات المتحدة شريكين فاعلين في مجال مكافحة الارهاب والتطرف والتشدد، إذ كانت الإمارات الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة بالنسبة لأعداد وقوة وفاعلية الضربات الجوية التي شنها التحالف الدولي ضد الارهاب بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا، كما أنّ قائمة المنظمات التي تصنفها الإمارات “إرهابية” هي الأطول في العالم بعد القائمة الأمريكية، مايعكس مدى جدية الامارات في مكافحة تنظيمات الارهاب والفكر المتطرف، لاسيما أنها تعمل وفق استراتيجية مدروسة لا تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية والاستخباراتية، بل تشمل أيضاً الصعيد الثقافي والفكري، حيث تبذل الامارات جهوداً مكثفة لنشر ثقافة التسامح والتعايش عالمياً واقليمياً بطرق وأدوات وآليات شتى.
 
 
وبالاضافة إلى ماسبق فإن من الصعب القفز على أحد أهم عوامل عوامل تقدير واحترام الولايات المتحدة لدولة الامارات، وهو مابات يعرف بجاذبية النموذج التنموي الاماراتي الذي تحول إلى بؤرة ضوء ومصدر إلهام في منطقة الشرق الأوسط، التي لا يكاد العالم يسمع منها سوى أنباء الصراعات والأزمات، ناهيك عن التطرف والارهاب، فضلاً عن ثراء هذه التجربة بالدروس والخبرات بما يوفر لها القدرة على تقديم يد العون والمساعدة للعديد من دول المنطقة والعالم من أجل الخروج من عثراتها التنموية والتصدي لإشكاليات النمو وعقباته، وهنا تبدو للولايات المتحدة مصلحة مؤكدة في تشجيع الامارات والتعاون معها في تقديم هذه الخبرات التنموية المتراكمة من أجل مساعدة الدول على التكيف مع التحولات الاقليمية والدولية المتسارعة، ولاسيما في ظل الآثار الكارثية التي تعاني منها الكثير من اقتصادات دول العالم جراء تفشي جائحة “كورونا” (كوفيد ـ19)، والتي نجحت الامارات في إدارة أزمتها بشكل مثالي بحيث اصبحت من الدول القلائل التي نجحت في تحجيم آثار هذه الأزمة واحتواء خطرها الاقتصادي والصحي والبشري، فضلاً عن الدور الانساني الحيوي الذي لعبته الامارات في تقديم العون لدول أخرى عديدة في التصدي للأزمة سواء من خلال تقديم منح ومساعدات مختلفة، أو تقديم اللقاحات والعمل بسرعة من أجل بناء قدرات ذاتية في مجال إنتاج اللقاحات.
 
 
وقد حصلت العلاقات الثنائية على دفعة قوية في اكتوبر عام 2020 بانطلاق الحوار الاستراتيجي بين دولة الامارات والولايات المتحدة، والذي شمل طيفاً واسعاً من مجالات التعاون الإستراتيجي في السياسة والدفاع والاستخبارات ومحاربة الإرهاب والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا والطاقة النووية السلمية وعلوم الفضاء. وطبقاً لبيان الخارجية الاماراتية فإن اطلاق الحوار الاستراتيجي الذي يأتي “تقديراً للشراكة الأمنية بين البلدين”، يهدف إلى “التأكيد على أهمية التنسيق الدفاعي بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة لردع التهديدات العسكرية من خلال التخطيط المشترك والتدريب والتمارين والتشغيل البيني للمعدات.. كما أنه من المتوقع أن يمكن تعميق وتوسيع العلاقات الدفاعية والاستخباراتية دولة الإمارات من مواصلة تطوير قدراتها الأمنية ومواصلة الولايات المتحدة لعب دور نشط في الجهود الأمنية الإقليمية”. وقد أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو،  وقتذاك  إصرار البلدين على تعزيز وتطوير العلاقات بينهما، حيث وصف بامبيو علاقات البلدين بالعميقة وأن الحوار الاستراتيجي هو استمرارية لهذه العلاقات وقال “”عملنا جنباً إلى جنب من أجل تحقيق السلام بالكثير من الدول بالشرق الأوسط.. والإمارات مستثمر كبير في أمريكا، وأنتم المصدر رقم واحد للصادرات الأمريكية، ونثمن تعايشكم وحقوق الأقليات الدينية لديكم والعديد من الإنجازات والقيم لديكم، ونأمل في أن ينتشر هذا الزخم بالدول الأخرى”. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، في حديث خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إنّ الحوار الإستراتيجي مع الإمارات بالغ الأهمية، وما كان يمكن للولايات المتحدة مكافحة الإرهاب في المنطقة من دون التعاون مع الإمارات، التي تعدُّ رائدة في صنع السلام في منطقة الشرق الأوسط، وفقاً لأورتاغوس. وسبق ذلك الاعلان في التاسع والعشرين من مايو عام 2019 عن بدء سريان اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة مطلع (2019)، والتي تهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين وتعزيز الرخاء والاستقرار في المنطقة عبر توطيد التعاون الوثيق في المسائل الدفاعية والأمنية، ودعم الجهود التي تبذلها الدولتان للحفاظ على الأمن في منطقة الخليج.
 
 
خلاصة
في جميع الأحوال، فإن الامارات تحرص على الحفاظ على سمعتها العالمية التي انعكست في التصويت بالثقة من جانب أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتخابها، للمرة الثانية في تاريخها، (كانت الامارات عضواً في مجلس الأمن في الفترة 1986 – 1987) يوم الحادي عشر من يونيو 2021، لنيل العضوية غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي ـ لمدة عامين ـ للفترة 2022-2023؛ حيث أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إن انتخاب دولة الإمارات العربية المتحدة، لعضوية مجلس الأمن الدولي، يجسد ثقة العالم بالسياسة الإماراتية، وكفاءة منظومتها الدبلوماسية وفاعليتها، مؤكداً أن الإمارات ستواصل مسؤوليتها من أجل ترسيخ السلام والتعاون والتنمية على الساحة الدولية. وفي المجمل  فإن عضوية دولة الامارات غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، تمثل فرصة ثمينة لتعزيز دور الدولة ومكانتها وتحقيق رسالتها من أجل ترسيخ السلام والتعاون والتنمية على الساحة الدولية.
 
 
وهنا يبدو تحرك الامارات على الصعيد الاقليمي مواكباً لدورها الدولي مثلما قال سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان  وزير الخارجية والتعاون الدولي: “التزمت دولة الإمارات بالعمل المتعدد الأطراف، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة منذ تأسيسها وستستمر الدولة في التمسك بهذه المبادئ خلال عضويتها في مجلس الأمن. وإنني على ثقة من أن تاريخنا ودورنا كشريك ووسيط موثوق به، سيمكننا من تقديم مساهمة فاعلة خلال السنتين اللتين سنعمل فيهما في مجلس الأمن. وإننا ندرك المسؤولية الكبيرة المرتبطة بالعضوية وأهمية التحديات التي يواجها المجلس، وبكل عزم ومثابرة، ستحرص دولة الإمارات على الحفاظ على السلم والأمن الدوليين”. وهذه الرسالة بالغة الأهمية تؤكد تمسك الامارات برؤيتها الخاصة بأن ميثاق الأمم المتحدة ومبادىء القانون الدولي هي الركيزة الأهم في العلاقات الدولية. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-05-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2014-11-03
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره