مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2022-03-01

دولة الإمارات والولايات المتحدة ...شراكة استراتيجية طويلة المدى

ترسيخ ثقة الشركاء تجسيد لإعادة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط والخليج العربي 
 
 
يعكس التعاطي الأمريكي، السياسي والعسكري، مع الهجمات الإجرامية التي نفذتها ميلشيا جماعة الحوثي الارهابية ضد دولة الامارات، قوة ومتانة الشراكة الاستراتيجية الأمريكية ـ الاماراتية، حيث اثبتت هذه الظروف العابرة عمق التفاهم والتعاون والتنسيق بين الجانبين، وحرص الولايات المتحدة ـ بغض النظر عن الإدارات وتوجهاتها وسياساتها ـ على ابقاء علاقات الشراكة مع دولة الامارات وتطويرها والعمل على ترجمة التزامات واشنطن حيال حلفائها إلى خطوات على الأرض، بما يرسخ استمرارية صيغة الشراكة بين البلدين، باعتبارها ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية حيال منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وفي هذا العدد تسلط «درع الوطن» الضوء على الموقف الأمريكي حيال هجمات ميلشيا الحوثي الارهابية ضد دولة الامارات ودلالاته وأبعاده الاستراتيجية.
 
 
إعداد: هيئة التحرير
 
 
الشراكة الاستراتيجية: المفهوم والركائز (النموذج الاماراتي ـ الأمريكي)
لاشك أن ارتقاء العلاقات بين أي دولتين إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، يمثل تتويجاً لجهود مشتركة وعمل دؤوب وحصاد على أرض الواقع تعكسه الأرقام والاحصاءات في مجالات عدة: التبادل التجاري، الاستثمارات، التعاون الصناعي والاقتصادي والدفاعي والتكنولوجي والطاقوي والثقافي، وتقارب وجهات النظر والرؤى الاستراتيجية حيال القضايا والتحديات والأزمات التي تواجه البلدين والعالم أجمع، وبالتالي فإن هذه المرحلة تمثل بالأساس إطار أكثر خصوصية لإدارة شبكة المصالح والعلاقات المشتركة بين أي دولتين شريكتين. وقد اكتسب هذا المفهوم زخماً كبيراً في العلاقات الدولية خلال العقود والسنوات الأخيرة، حيث أصبح سمة مميزة للعلاقات بين الدول الأكثر تقارباً منذ ظهور المفهوم في نقاشات المنظمات الأممية المتخصصة في نهاية حقبة الثمانينيات من القرن العشرين، وانتقل من فضاء الاقتصاد والتجارة إلى قاموس السياسة الدولية، ويُلاحظ هنا أن المفهوم استخدم سياسياً في البداية في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية United Nations Conference on Trade and Development (اونكتاد) وبدا المفهوم أكثر تحديداً وتوصيفاً للاهتمام المتنامي بالتركيز على التجارة والاستثمارات في إدارة العلاقات الدولية مقارنة بمفاهيم أخرى مثل التحالف والاتحاد وغيرها، بمعنى أنه بدأ تجارياً واقتصادياً وشمل بعدها الأبعاد العسكرية والأمنية في الشراكات وتلك مسألة بديهية لأن انتقال المفهوم من الشراكات التجارية بين المؤسسات إلى الدول، يفرض شمولية جوانب العلاقات بمختلف مجالاتها. وما يميز علاقات الشراكة الاستراتيجية في مفهومها الأوسع أنها لا تعني التصاقاً بين الشركاء بقدر ماتركز على استغلال مساحات ونطاقات المصالح المشتركة دون حصر أو محاصرة الشريك في نطاق محدد، بمعنى أنه يمكن للدولة أن تكون شريكاً استراتيجياً للعديد من الدول، وكذلك المنظمات الدولية، وهذا الأمر ليس متعارفاً عليه في علاقات التحالف، التي تعني ارتباطاً وثيقاً أشبه بزواج المصالح بين حليفين محددين من الدول، تربطهما قواسم مصالحية أو أيديولوجية محددة، بعكس الشراكة التي تنطلق من الأهداف المشتركة وليس من أرضية أيديولوجية أو ثقافية أو تاريخية أو غير ذلك. وتعد الدول الكبرى مثالاً على التنوع الذي تتسم به صيغة الشراكات الاستراتيجية، وبالتالي فهي إطار مؤسسي تنظيمي لإدارة الأهداف والمصالح بين الكيانات الرسمية الدولية (دول ومنظمات).
 
 
 وفي ضوء ماسبق، يمكن فهم مسيرة تطور العلاقات بين دولة الامارات والولايات المتحدة الأمريكية حتى بلوغها مستوى الشراكة الاستراتيجية، إذ تأسست العلاقات من البداية على المصالح المشتركة، فضلاً عن تشارك القيم والمبادىء ووجهات النظر حيال قضايا وموضوعات اقليمية ودولية عديدة، فالولايات المتحدة أكدت غير مرة بشكل رسمي أن الإمارات من أكثر الاقتصادات ابتكاراً في العالم وشريك استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يلاحظ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قد قفز بنسبة أكثر من 0 خلال العقد المنصرم، وهو تطور طبيعي لتعاون يمتد لعقود مضت؛ وتتفوق الامارات في حجم صادراتها للسلع المصنّعة إلى السوق الأمريكية على اقتصادات دول رئيسية عديدة، بينما تأتي المملكة العربية السعودية، التي تعد أكبر اقتصاد عربي، في المرتبة الثالثة، وتٌظهر احصاءات رسمية أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين في عام 2020 قد بلغ نحو 83ر17 مليار دولار، مقارنة مع 22ر5 مليار دولار في عام 2005. كما تستحوذ الاستثمارات الإماراتية على الحصة الأكبر من إجمالي الاستثمارات العربية بالأسواق الأمريكية، برصيد تراكمي يصل إلى 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020. ووفق بيانات السفارة الإماراتية في الولايات المتحدة، «فإن الإمارات باتت أكبر سوق تصدير للسلع الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكملها»، بفضل امتلاكها بنية تحتية ولوجستية بخلاف الموقع الجغرافي، ما وضعها كأهم مراكز الالتقاء عالمياً.
 
 
والأمر لا يقتصر على المصالح التجارية والاقتصادية، رغم أهميتها الفائقة، حيث تعد القيم المشتركة بين البلدين والشعبين أحد أقوى ركائز العلاقات الثنائية، لاسيما أن هذه المشتركات تقع في قلب اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية مثل القيم والمبادىء وبالأخص نشر ثقافة التعايش والتسامح وقبول الآخر فضلاً عن مكافحة الارهاب والتطرف، ما أسهم في دفع الشريكين إلى إطلاق حوار استراتيجي لمناقشة مجمل هذه القضايا والموضوعات في إطار مؤسسي لضمان استمرار التعاون والتنسيق وتبادل وجهات النظر بينهما، لاسيما بعد نجاح تجربتي مركز «هداية» ثم مركز «صواب» في يوليو عام 2015، بالتعاون مع الولايات المتحدة، وهو مبادرة تفاعلية للتراسل الإلكتروني، تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد التطرف والإرهاب؛ حيث  يعمل مركز «صواب» على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة ووضعها في منظورها الصحيح، وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة التي غالباً ما تضيع وسط صخب الأفكار المغلوطة التي يروجها أصحاب الفكر المتطرف.
 
 
ويتعاون المركز مع حكومات دول المنطقة والعالم بما في ذلك حكومات 63 بلداً مشاركاً في التحالف الدولي ضد التطرف، كما يعمل مع عامة الناس، والمؤسسات، والشركات والشباب من أجل دحض الكراهية والتعصب، وإبراز ونشر القيم الحقيقية لدين الإسلام، والتي تقوم على الاعتدال، وتدعو إلى التسامح والانفتاح. وفي إطار ركائز هذه الشراكة نلحظ تنامي مكانة الامارات وثقلها الاستراتيجي كلاعب فاعل ومؤثر في مختلف القضايا والأزمات والملفات الاقليمية، حيث يُلاحظ الدور الكبير الذي لعبته الامارات في التصدي للفوضى والاضطرابات المتتالية التي هددت دول عربية عدة في عام 2011، ومن ثم اضطلاع الامارات بدور فاعل حيوي للغاية في الحفاظ على الاستقرار ومواجهة الأزمات الداخلية في هذه الدول، بما يعكس قدرتها المتزايدة ودورها في تشكيل السياسات والمعادلات الاقليمية.
 
 
ومن ثم بات للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية ضرورية للغاية في تقوية الروابط مع الشريك الذي بات يلعب دوراً مهماً في منطقة تقع في قلب اهتمام مخططي الاستراتيجيات الأمريكية باعتبارها ساحة صراع على النفوذ وتنافس شرس بين القوى الدولية الكبرى. وقد انعكس ذلك بوضوح من خلال اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين دولة الامارات والولايات المتحدة، والتي بدأ سريانها في التاسع والعشرين من مايو 2019، وتستهدف تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الإماراتية «وام»، التي اشارت أيضاً إلى أن البلدين يتشاركان «الاهتمام العميق بضرورة تعزيز الرخاء والاستقرار في المنطقة، حيث ستعمل اتفاقية التعاون الدفاعي على تعزيز هذا الاهتمام؛ عبر توطيد التعاون الوثيق في المسائل الدفاعية والأمنية، ودعم الجهود التي تبذلها الدولتان للحفاظ على الأمن في منطقة الخليج العربي». وقد لعبت الدبلوماسية الإماراتية، على مدار عقود، دوراً محورياً في العمل على احتواء العديد من حالات التوتر والأزمات والخلافات على صعيد المنطقة أو خارجها، وترجمت ذلك الدور المركزي من خلال تعزيز برامج مساعداتها الإنسانية والإغاثية والإنمائية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للعديد من الدول النامية، خصوصاً تلك التي تشهد حالات نزاع وحروباً أو كوارث طبيعية، فضلاً عن مساهمة الإمارات الفاعلة في العديد من عمليات حفظ السلام وحماية السكان المدنيين، وإعادة الإعمار في المناطق المنكوبة بعد انتهاء الصراعات، وهو ما يجسد شراكتها المتميزة مع دول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعملها من أجل تحقيق الأهداف النبيلة في صيانة واستقرار السلم والأمن الدوليين، ولهذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعول دوماً على الدور الإماراتي الفاعل والبناء في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتحرص على الاستماع لرؤيتها وتقديراتها لهذه القضايا، وكيفية التعامل معها. وهنا لابد من الاشارة إلى كون دولة الامارات والولايات المتحدة شريكين فاعلين في مجال مكافحة الارهاب والتطرف والتشدد، إذ كانت الإمارات الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة بالنسبة لأعداد وقوة وفاعلية الضربات الجوية التي شنها التحالف الدولي ضد الارهاب بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا، كما أنّ قائمة المنظمات التي تصنفها الإمارات «إرهابية» هي الأطول في العالم بعد القائمة الأمريكية، مايعكس مدى جدية الامارات في مكافحة تنظيمات الارهاب والفكر المتطرف، لاسيما أنها تعمل وفق استراتيجية مدروسة لا تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية والاستخباراتية، بل تشمل أيضاً الصعيد الثقافي والفكري، حيث تبذل الامارات جهوداً مكثفة لنشر ثقافة التسامح والتعايش عالمياً واقليمياً بطرق وأدوات وآليات شتى.
 
 
وبالاضافة إلى ماسبق فإن من الصعب القفز على أحد أهم عوامل عوامل تقدير واحترام الولايات المتحدة لدولة الامارات، وهو مابات يعرف بجاذبية النموذج التنموي الاماراتي الذي تحول إلى بؤرة ضوء ومصدر إلهام في منطقة الشرق الأوسط، التي لا يكاد العالم يسمع منها سوى أنباء الصراعات والأزمات، ناهيك عن التطرف والارهاب، فضلاً عن ثراء هذه التجربة بالدروس والخبرات بما يوفر لها القدرة على تقديم يد العون والمساعدة للعديد من دول المنطقة والعالم من أجل الخروج من عثراتها التنموية والتصدي لإشكاليات النمو وعقباته، وهنا تبدو للولايات المتحدة مصلحة مؤكدة في تشجيع الامارات والتعاون معها في تقديم هذه الخبرات التنموية المتراكمة من أجل مساعدة الدول على التكيف مع التحولات الاقليمية والدولية المتسارعة، ولاسيما في ظل الآثار الكارثية التي تعاني منها الكثير من اقتصادات دول العالم جراء تفشي جائحة “كورونا” (كوفيد ـ19)، والتي نجحت الامارات في إدارة أزمتها بشكل مثالي بحيث اصبحت من الدول القلائل التي نجحت في تحجيم آثار هذه الأزمة واحتواء خطرها الاقتصادي والصحي والبشري، فضلاً عن الدور الانساني الحيوي الذي لعبته الامارات في تقديم العون لدول أخرى عديدة في التصدي للأزمة سواء من خلال تقديم منح ومساعدات مختلفة، أو تقديم اللقاحات والعمل بسرعة من أجل بناء قدرات ذاتية في مجال إنتاج اللقاحات بالتعاون مع جمهورية الصين من أجل الاسراع بنشر اللقاحات ومساعدة العالم في تجاوز هذه الأزمة الطاحنة.
 
 
على الجانب الآخر نجد أن الامارات تحرص على عقد شراكات استراتيجية مع القوى الدولية المؤثرة، وكذلك مع الاقتصادات الصاعدة من أجل إثراء تجربتها التنموية والتحرك في أطر تعاونية متنوعة تضمن لاقتصادها ديناميكية التحرك وفاعلية تحقق الأهداف التنافسية التي ترنو إليها قيادة الدولة وشعبها، وتوسیع وتنویع خیارات التحرك السیاسي والتجاري والاقتصادي والاستثماري على الساحة الدولیة، وهذا ما یتضح من شراكاتها الاستراتيجية المتنوعة التي تشمل قوى دولية واقليمية واقتصادات ناشئة وتتحرك من خلال طيف جغرافي؛ وفي هذا الإطار تأتي الولایات المتحدة في صدارة القوى الكبرى التي تستهدف الامارات تعزیز العلاقات معها، وإقامة شراكة استراتیجیة بينهما في المجالات كافة، بالنظر لما تمثله من أهمية  استراتيجية كبرى ، كونها تعد القوة الدولیة الأكثر تأثيراً في ديناميات النظام العالمي القائم من ناحیة، وخاصة بالنسبة لقضایا منطقة الشرق الأوسط، كما تمتلك خبرات متقدمة في العدید من المجالات، الاستثمارية والاقتصادية والدفاعية والتكنوولوجیة والنوویة والفضاء، من ناحیة ثانیة، وهي مجالات تعزز انطلاقة الامارات وهي تمضي بخطى ثابتة نحو  بناء اقتصاد تنافسي عالمي قائم على المعرفة واستكشاف الفضاء وامتلاك قدرات القوة المتطورة. 
 
 
مسار تاريخي متميز للعلاقات الثنائية
منذ قيام العلاقات الثنائية عقب تأسيس دولة الاتحاد على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ كانت الولايات المتحدة ثالث دولة في العالم تقيم علاقات دبلوماسية مع الامارات، وهذا الأمر له دلالته العميقة، سواء من حيث قناعة الإدارة الأمريكية آنذاك بقوة الركائز التي تقوم عليها الدولة الوليدة، أو امتلاكها مقومات التطور والنماء بحيث تلعب دوراً مؤثراً في محيطها الاقليمي والدولي، وهو ماحدث بالفعل حيث شهد السنوات والعقود الماضية تطوراً واضحاً في العلاقات الثنائية على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إذ قدمت دولة الامارات الدعم للولايات المتحدة خلال عملية «عاصفة الصحراء» لتحرير دولة الكويت الشقيقة في عام 1991، كما تزايدت العلاقات العسكرية ابتداء من منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث برزت دولة الامارات كواحدة من الأسواق الواعدة لاستيراد المعدات الدفاعية الأمريكية، لاسيما بعد تنامي دور الامارات في حفظ الأمن والاستقرار الاقليمي والعالمي، وتحديداً بعد المشاركة في قوة «كي فور» الدولية لحفظ السلام في كوسوفو، والتي تشكّلت بموجب تفويض أممي لحلف الأطلسي بقيادة هذه القوة التي كانت الامارات الدولة العربية الوحيدة فيها، وكانت إحدى قصص نجاح القوات المسلحة الاماراتية في تقديم يد العون والمساعدة ودعم الاستقرار وحفظ السلام في مناطق الصراعات بالعالم. وقد مثّل عام 2000 محطة نوعية فارقة في مسار الشراكة الاماراتية الأمريكية، حيث شهد توقيع عقد شراء 80 مقاتلة من طراز «إف 16» الأمريكية، حيث كان هذا العقد وقتذاك بمنزلة تحول كبير في مسار العلاقات سواء بالنظر إلى أبعاده ودلالاته الخاصة بالثقة بين الشريكين، أو بانعكاساته على صعيد تطوير القدرات العملياتية للقوات المسلحة الإماراتية بما يعكس تطور القوة الشاملة للدولة. وفي ظل هذا التطور التدريجي للعلاقات، جاء اطلاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في عام 2002، ليؤكد المضي قدماً على صعيد تطوير التعاون وهو ماحدث بالفعل بعد ذلك، حيث شهد عام 2005 انشاء اللجنة العسكرية المشتركة التي ركزت على الجهود المشتركة لمكافحة الارهاب، والارتباط بين الارهاب ومكافحة المخدرات وجهود مكافحة أسلحة الدمار الشامل، ثم جاء العام التالي ليشهد انشاء اللجنة المشتركة لتنسيق مكافحة تمويل الإرهاب، وتهدف لمعالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتشمل مهربي الأموال والجمعيات الخيرية ومشاركتها في تمويل الإرهاب.
 
 
ثم شهد عام 2008 دفعة قوية أخرى للشراكة سواء بزيارة الرئيس الأسبق جروج بوش الأبن للإمارات، أو بموافقة الكونجرس على طلب الامارات شراء معدات دفاعية تزيد قيمتها عن 15 مليار دولار، تشمل نظام الدفاع الصاروخي الأكثر تطوراً في العالم، لتصبح الإمارات هي الدولة الوحيدة، بعد الولايات المتحدة، التي تنشر هذه التكنولوجيا. وفي عام 2009، أصبحت الامارات أول دولة في الخليج العربي توقع اتفاقية مع الولايات المتحدة للتعاون في تطوير برنامج للطاقة النووية المدنية. واستمرت خطوات التعاون والتفاهم والشراكة بعد ذلك حتى توجت بإطلاق الحوار الاستراتيجي في العشرين من أكتوبر 2020،  ومن المهم الاشارة إلى أن وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو قد أشار في بداية انعقاد أول حوار استراتيجي بين البلدين: “عملنا جنباً إلى جنب من أجل تحقيق السلام بالكثير من الدول بالشرق الأوسط.. والإمارات مستثمر كبير في أمريكا، وأنتم المصدر رقم واحد للصادرات الأمريكية، ونثمن تعايشكم وحقوق الأقليات الدينية لديكم والعديد من الإنجازات والقيم لديكم، ونأمل في أن ينتشر هذا الزخم بالدول الأخرى”، كما قالت المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، في حديث خاص لـ”سكاي نيوز عربية” إنّ الحوار الإستراتيجي مع الإمارات بالغ الأهمية، وما كان يمكن للولايات المتحدة مكافحة الإرهاب في المنطقة من دون التعاون مع الإمارات “التي تعدُّ رائدة في صنع السلام في منطقة الشرق الأوسط”.
 
 
الدعم الأمريكي للشريك الاستراتيجي الاماراتي: أبعاد ودلالات
ينطوي التحرك الأمريكي السربع والفاعل لدعم الحليف الاماراتي وردع جماعة «الحوثي» على أبعاد ودلالات مهمة يمكن مناقشتها فيما يلي:
يأتي التحرك الأمريكي ليكشف أن هجمات الحوثي الاجرامية ضد دولة الامارات تمثل انعكاساً لقراءة سياسية خاطئة للغاية من جانب قيادة الجماعة ورعاتها ومموليها الاقليميين بأن علاقات الشراكة الاستراتيجية الأمريكية ـ الاماراتية لم تعد كما كان سابقاُ، وأن الالتزامات الأمريكية بأمن حلفائها في منطقة الخليج العربي تتعرض للتحلل والتآكل، إن لم يكن قد تآكلت أو تحللت فعلياً ولاسيما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وذلك بحسب قراءة هذه الأطراف لشواهد سابقة جاء رد الفعل الأمريكي فيها محصوراً في بيانات الادانة والدعم اللفظي لحلفاء في دول مجلس التعاون سبق أن تعرضوا لهجمات اجرامية مشابهة. وما عزز لدى الحوثي ورعاته هذه القناعة أن تزامن قرار شن الهجمات ضد دولة الامارات يأتي بالتزامن انعقاد مفاوضات فيينا، بحيث تصور هؤلاء أن التوقيت كفيل بمحاصرة القرار الأمريكي في دائرة محدودة للغاية من البيانات الشكلية دون الاقدام على خطوة عملية لتأكيد التزاماتها بشأن الحليف الاماراتي. لذا فإن التحرك الاماراتي السريع والفاعل لردع الحوثي يمثل رسالة للجميع في المنطقة بأن الولايات المتحدة متمسكة بالتزاماتها حيال أمن الحلفاء، والرسالة الأهم لبعض الأطراف الاقليمية الراعية للميلشيات بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن دعم الحلفاء وأن الرهان على انسحابها من منطقة الخليج العربي وترك الساحة خالية لهذه القوى والميلشيات التي ترعاه هو رهان فاشل.
 
 
تحاول الإدارة الأمريكية بشكل ضمني أو غير مباشر ـ من خلال الدعم الحليف الاماراتي بشكل قوي ـ معالجة الآثار السلبية التي ترتبت على قرارها الغاء قرار تصنيف جماعة “الحوثي” ضمن قوائم الارهاب الأمريكية؛ فرغم أن الهجمات التي شنتها ميلشيا “الحوثي” الارهابية لم تكن الأولى من نوعه ضد دول التحالف العربي، إلا أنها اكتسبت أبعاد إضافية مهمة من ردود الأفعال الاقليمية والدولية الغاضبة، التي تدين الانتهاكات الحوثية وتساند دولة الامارات في الحفاظ على أمنها واستقرارها. فضلاً عن أن هجمات الحوثي قد تسببت في تعرض البيت الأبيض لضغوط داخلية وحرج سياسي كبير، حيث تصاعدت الأصوات في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين مطالبة بضرورة بضرورة مراجعة الإدارة الأمريكية لسياساتها، ما اضطر بايدن إلى محاولة احتواء هذه الضغوط بتقديم دعم عسكري فوري قوي للحليف الاماراتي، والحديث عن “دراسة” إعادة إدراج جماعة الحوثي ضمن قوائم الارهاب، لاسيما أن هجمات الحوثي ضد دولة الإمارات جاءت عقب فترة وجيزة من اقتحام هذه الميلشيا الارهابية مقر السفارة الأمريكية في صنعاء، حيث نهبوا كمية كبيرة من التجهيزات والمعدات، بعد أيام من اعتقال حوالى 25 موظفاً يمنياً يعملون في مبنى السفارة منذ تجميد عملها في عام 2015، لذا فإن البيت الأبيض يحاول تفادي الإتهام بفشل سياساته في اليمن، لاسيما في ظل عدم إحراز اختراقات ملموسة في معظم ملفات السياسة الخارجي.
 
 
في ظل تفاقم أزمات أخرى ترتبط ارتباطاً مباشر بالدور والنفوذ الأمريكية بل وبمصالح الولايات المتحدة وهيمنتها على النظام العالمي القائم، مثل أزمتي أوكرانيا وتايوان، ولأن هذه الأزمات تترى عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتبعاته السلبية الضخمة، فإن التفاعل الأمريكي القوي في دعم الحليف الاماراتي يمثل طوق انقاذ لسمعة الولايات المتحدة التي تُتهم في الآونة الأخيرة بأنها حليفة غير موثوق، حيث كان الشعور الدولي والاقليمي السائد أن الجميع في المنطقة والعالم كيف ستتصرف واشنطن حيال تهديد خطير يواجه أحد أقرب حلفائها الشرق أوسطيين، فضلاً عن أن الهجمات تمثل ـ في أحد أبعادها ـ تحدياً حوثياً إيرانياً متكرراً للنفوذ الأمريكي ومحاولة لترسيخ فكرة تراجع وانحسار هيبة الولايات المتحدة في النظام العالمي، بما يدعو للتصرف وفقاً لرؤية الدبلوماسي الامريكي السابق دينيس روس التي تضمنها مقال نشر له مؤخراً قال فيه “من الضروري مواجهة تصورهم المزعوم (يقصد كافة خصوم الولايات المتحدة الاستراتيجيين) “بأننا نتجنب المخاطرة خشية التورط في حرب جديدة، بإثبات أن أفعالهم (يقصد الخصوم) تجعلنا أكثر استعدادًا للمخاطرة”.
 
 
حوار مستمر وتنسيق متواصل
في أول اتصال هاتفي بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أوائل مايو الماضي، ناقش الجانبان» التحديات الإقليمية والدولية، بما في ذلك أفغانستان والتهديدات النووية والإقليمية التي تتسبب بها إيران»، وقال البيت الأبيض في بيان إن الرئيس الأمريكي وولي عهد أبوظبي ناقشا «عملية خفض التصعيد والسلام في الشرق الأوسط»، وأشاد بايدن في هذا الإطار باتفاقية تطبيع العلاقات بين أبوظبي وإسرائيل مشيرا إلى أنه يدعم بشكل كامل تعزيز وتوسيع هذه الاتفاقيات. وفي أغسطس الماضي أجرى الرئيس الأمريكي جو بايدن اتصالا هاتفيا مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، للتعبير عن تقديره لدعم دولة الإمارات لعمليات الإجلاء من أفغانستان. وبحسب بيان صادر عن البيت الأبيض، فقد أعرب بايدن عن تقديره لدعم دولة الإمارات، في إجلاء مواطني الولايات المتحدة والدول الشريكة والمواطنين الأفغان من أفغانستان. وقال الرئيس الأمريكي: “نقدر عالياً جهود دولة الإمارات الإنسانية لتسهيل العبور الآمن للمواطنين الأمريكيين وموظفي السفارات والأجانب الذين تم إجلاؤهم من كابول إلى دولة ثالثة”، وأكد أن “هذا الموقف يجسد الشراكة القوية والدائمة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة”، كما تبادل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الأمريكي وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والتطورات في الملفات الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، مؤكدين أهمية العمل معاً لمواجهة هذه التحديات.
 
 
وسبق أن وجه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الشكر لدولة الإمارات ومملكة البحرين والكويت ودول أخرى لمساعدة بلاده في عمليات الإجلاء من أفغانستان. وعقب وقوع الهجمات الحوثية، بحث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مع وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستين العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والتطورات في المنطقة والملفات الإقليمية والدولية.، وقد جدد وزير الدفاع الأمريكي خلال الاتصال “إدانة الولايات المتحدة واستنكارها لهذه الاعتداءات ووقوفها إلى جانب الإمارات في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها وسلامة أراضيها”، وتطرق الجانبان إلى “التعاون العسكري والأمني بين الإمارات والولايات المتحدة ومجالات التنسيق الدفاعي بين البلدين، إثر الهجمات التي استهدفت مؤخرا الإمارات”
ويأتي تأكيد إدارة الرئيس جو بايدن على أهمية الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين دولة الامارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ليثبت قوة ومتانة العلاقات بين الدولتين، وتبرهن على أنها علاقات مؤسسية راسخة الجذور لا تتأثر بتغير الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض.
 
 
الخاتمة
يشير الدعم والمساندة الأمريكية القوية لدولة الامارات في مواجهة تهديدات الحوثي الارهابية إلى قوة الشراكة بين البلدين، وأن علاقات البلدين تمضي في طريقها لأنها تستند إلى مصالح مشتركة دائمة وركائز وأطر مؤسسة لا تُرتهن لوجود رئيس جمهوري أو ديمقراطي في البيت الأبيض، بقدر ما ترتبط بحجم المصالح الاستراتيجية المتنامية بين البلدين، فضلاً عن نجاح الدبلوماسية الاماراتية في تعزيز قنوات التواصل مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فالامارات بالأخير حليف استراتيجي مهم للولايات المتحدة، وداعم رئيسي لأهدافها الحيوية لاسيما في مجال مكافحة الارهاب والتطرف، الذي يعتبر أحد الركائز المشتركة الجوهرية في تحالف البلدين. وتؤكد الشواهد جميعها أن الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين دولة الامارات والولايات المتحدة تكتسب المزيد من الزخم بمرور السنوات، لاسيما أنها تستند إلى ركائز وآليات وقنوات مؤسسية تسهم جدياً في تطوير هذه الشراكة وتعزيزها بما يتماشي مع القواسم المشتركة العديدة التي تجمع الحليفين التقليديين.
 
 
ولتأكيد هذه الرؤية التحليلية قد يكون من المفيد التنويه إلى تصريحات الجنرال كينيث ماكنزي، القائد الحالي للقيادة المركزية الأمريكية، خلال زيارته للإمارات في إطار جولة اقليمية قام بها خلال شهر فبراير الماضي، وقال فيها إن الغرض من الزيارة هو «التأكد من أنهم يعرفون أننا شريك موثوق به»، موضحاً أن الزيارة مصممة لإرسال رسالة حذرة ومحسوبة للغاية مفادها أن الولايات المتحدة شريك موثوق به، وأن «واشنطن لن تنسي هذا الجزء من العالم ..لدينا الكثير من السفن، ولدينا الكثير من المشاكل.. لدينا دائمًا القدرة على مساعدة أصدقائنا»، وقال واصفاً ما يحدث بأنه «إلى حد ما إعادة للتموضع، وهذه هي أهم نقطة في تصريحاته لأنها تؤكد أن الولايات المتحدة ليست بصدد تغيير سياساتها في الشرق الأوسط، لاسيما بعد أن اتضح عمق الترابط بين وجودها العسكري في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديداً من جهة، وبين ثقلها الاستراتيجي ومكانتها ونفوذها الدولي والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية من ناحية ثانية، وهذا ما أكده كذلك اللفتنانت جنرال مايكل إريك كوريلا، المرشح لتولي منصب القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية خلافة للجنرال ماكنزي، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ حيث قال إن «الولايات المتحدة تواجه حقبة جديدة من التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا لا تقتصر على منطقة جغرافية واحدة بل تمتد إلى نطاق عمل القيادة المركزية ومناطق مسؤولية الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة تعطي الأولوية للمنافسة مع الصين، ولكن يجب أن نظل منخرطين في الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا». وأوضح  الجنرال كوريلا لأعضاء الكونجرس أن 18 دولة، من أصل 21 في منطقة عمل القيادة المركزية الأمريكية، قد وقّعت اتفاقيات استراتيجية مع بكين، ما يزيد من النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، وأكد أن الولايات المتحدة يجب أن تكون قادرة على مواجهة الصين في هذه المنطقة. المؤكد في هذا كله أن السياسة الخارجية الاماراتية لا تنخرط في أية  محاور ضيقة، بل تحرص تماماً على بناء علاقات تشاركية متوازنة مع جميع الأطراف الاقليمية والدولية، ولهذا فهي تستطيع بناء وتوسيع مساحة المشتركات المصالحية مع الدول والقوى كافة بغض النظر عن تعاون هذه الدول والقوى معاً او تنافسها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-05-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2014-11-03
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره