مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-05-04

دور القادة في إدارة الأزمات: الإمارات نموذجاً

في مواجهة خطر تفشي فيروس «كورونا» المستجد (كوفيدـ19) برز نموذج القيادة في دولة الامارات من خلال ما اتسمت به من سرعة استجابة وقرارات مدروسة وحرص على التمسك بالقيم والمبادىء الانسانية والحضارية الأصيلة رغم ما يشهده العالم من انحسار للقيم الانسانية في التعاطي مع هذه الأزمة المعقدة، كما تجلت كفاءة القيادة وفاعلية دورها في وضوح الرؤية والوعي الشديد بأهمية دورها في بناء إجماع طوعي وطني حول استراتيجيات التصدي للأزمة، كما برز بقوة التأثير الايجابي للتلاحم والترابط بين القيادة والشعب، والمخزون الكبير والرصيد المتراكم من الثقة الشعبية الجارفة، الذي يتمتع به صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي  نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لدى شعب الامارات، الذي استقبل بوعي ويقين كبير رسائل سموه منذ بداية الأزمة، فكانت كلماته مصدر الثقة الأول الذي يبعث على الشعور بالأمان والاحساس بالهدوء والارتياح بين جميع سكان الدولة، مواطنين ومقيمين. 
 
على مر التاريخ، تتجلى سمات القيادة الفريدة في أوقات الأزمات، وهكذا تكرر الأمر في مواجهة دول العالم جميعها لجائحة تفشي فيروس «كورونا»، حيث اتفق الساسة والخبراء والمتخصصين في جميع أرجاء العالم على ان الأزمة تمثل منعطفاً تاريخياً فارقاً سيعيد تشكيل النظام العالمي، ويؤثر تأثيراً عميقاً في هيكلية العلاقات الدولية في مرحلة مابعد الأزمة، وقياساً على حجم التأثيرات السلبية التي لم تستثن أي دولة من دول العالم، يبرز بوضوح دور القيادة الرشيدة في دولة الامارات في إدارة الأزمة ليس على الصعيد الوطني فقط، بل أيضاً في تعزيز التعاون والتضامن العالمي والسعي لتوحيد الجهود الدولية من أجل التصدي للأزمة، من خلال رؤية واعية تدرك قيمة التماسك وتضافر الجهود في مواجهة مثل هذه الأزمات.
 
«كورونا»: تأثيرات استراتيجية عالمية كبرى
لاشك أن الأزمة العالمية الناجمة عن جائحة «كورونا» تعد أكبر من كونها أزمة صحية لما لها من تأثيرات ممتدة وعميقة في كافة القطاعات والمجالات، حتى أن الأزمة قد سيطرت على أولويات اهتمام العالم ابتداء من شهر مارس الماضي وحتى الآن، وتراجعت أمامها كل الأحداث والقضايا والموضوعات أياً كان حجمها وأولويتها، حتى أن استحقاقات عالمية مهمة في مجالات السياسة والاقتصاد والرياضة قد تاجلت بسبب الخوف من الفيروس الخطير،  كما بات مصير تكتلات دولية مثل الاتحاد الأوروبي مثار شك وتكهنات بسبب التردد والتباطؤ في انقاذ بعض دول الاتحاد التي شهدت تفشياً واسعاً للفيروس مثل أسبانيا وايطاليا، بل كان تحول بعض دول أوروبا إلى بؤر تفش للوباء مثار تساؤلات حول العالم قياساً للتطور الذي تتمتع به هذه الدول في أنظمة الرعاية الصحية، وتحول السؤال حول جدوى الكيان الأوروبي الموحد إلى أحد أهم تساؤلات أزمة «كورونا» ومابعدها،  حيث برزت الانقسامات بين دول أوروبا الشمالية والجنوبية بشكل لم يكن معروفاً من قبل، أضف إلى ذلك أن الأزمة قد وجهت ضربة مؤلمة لفكرة العولمة والاعتماد المتبادل بين الدول، ومن أسباب هذه التحولات:  
 
تحدثت بعض التقديرات عن امكانية تسبب فيروس «كورونا» (كوفيد ـ19) في وفاة نحو %1 من سكان العالم، كما يحذر خبراء من احتمالية وفاة مابين 750 ألف إلى مليون أمريكي بسبب الفيروس، وهو عدد هائل يكاد يماثل عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية في البلاد، كما سبق أن حذرت المســتشارة الألمانية انجيلا ميركل في بدايات الأزمة من أن %70  من سكان ألمانيا- أي 58 مليوناً- يمكن أن يصابوا بالفيروس، وهذه الاحتمالية كانت تعني وفاة أكثر من نصف مليون ألماني جراء انتشار العدوى. ورغم الجدل حول هذا التحذير من جانب بعض الساسة الذين اعتبروه سبباً لانتشار الذعر والقلق، فإن علماء الأوبئة قد أيدوا هذه التقديرات مشيرين إلى أن الإصابات قد تشمل ما بين %40 ـ %70 من سكان العالم، أي مابين 3 ـ 5 مليار مصاب بفيروس “كورونا”.
جاء وقف رحلات الطيران وحركة السفر والتنقل والسياحة بين دول العالم، وكذلك وقف المهرجانات والغاء المؤتمرات والتجمعات كافة وحظر السفر بين الدول والقارات ليمثل حدثاً عالمياً غير مسبوق، بحيث يبدو من السابق لأوانه رصد تأثيراته السلبية في القطاعات الاقتصادية والتجارية كافة.
 
هــناك شـبه اجماع على أن الأزمة ستدفع الجميع إلى إعادة التفكير في مفاهيم تقليدية ترتبط الأمن القومي للدول، وسيعاد البحث في كثير من الممارسات التي ترسخت في السنوات والعقود الأخيرة مثل انظمة “التعهيد” وغيرها، حيث بات الاعتماد على توريد دول أخرى لسلع حيوية وأدوية وغيرها مثار شكوك لدى الدول والشعوب.
 
 دفعت الأزمة الكثيرين حول العالم إلى التشكك في فاعلية المنظمات الاقليمية والدولية ، حيث ارتفع شعار “انقذ نفسك بنفسك” ولم تتحرك التكتلات الاقليمية والدولية كجسد واحد في مواجهة أزمة تتبدل مفاعيلها وآثارها بحسب مقدرات كل دولة. فبعد إجراءات الإغلاق العام التي نفذتها معظم الدول الأوروبية، وتعليق مفهوم الحدود المفتوحة، حالت الحواجز دون انتقال المواد الطبية إلى الدول التي تحتاجها أكثر مثل إيطاليا وإسبانيا، وهذا ما أدى إلى حال من الاستياء وموجة انتقادات كبيرة حتى أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد بادرت  بالاعتذار من إيطاليا على تأخر رد فعل الاتحاد بشأن تفشي وباء كوفيد-19 وذلك في رسالة نشرتها الصحف الإيطالية في الثاني من أبريل الجاري. ولكن تداعيات الأزمة لن تتوقف على مشروع أوروبا الموحدة  بل دفعت الكثيرين للتساؤل حول أسباب دفع  الدول الغنية عائدات ضرائبها للدول المحتاجة بدلا من توظيفها في التعامل مع أزماتها؟ وهو السؤال الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويتردد الآن بشأن فاعلية بعض المنظمات الدولية في التعامل مع الأزمات وبناء حالة تضامن عالمي في التصدي لها.
 
تعيد الأزمة إلى الواجهة النقاش حول استعادة ممارسات تقليدية طغت عليها العولمة مثل السيادة الصناعية والزراعية، وارتباط ذلك بالأمن القومي للدول، حيث يعاد تشكيل هذا المفهوم وركائزه تماماً، بحيث لا يقتصر على ضمان التفوق الدفاعي والعسكري، بل يجب استعادة دور الدول في تصنيع احتياجاتها من الغذاء والدواء وعدم الاعتماد في ذلك على توريدات دول أخرى (المصانع الصينية تنتج نحو 80% من المكونات الأساسية للكثير من المضادات الحيوية التي زاد الطلب عليها بقوة أخيرا في كل دول العالم)، حيث تسبب انكشاف الدول المتقدمة وعدم قدرتها على تلبية احتياجات شعوبها من المعدات الطبية والأدبية والكمامات في أزمة عالمية تسببت في ممارسات سلبية مثل استيلاء بعض الدول على شحنات معدات طبية مصدرة لدول أخرى وغير ذلك، كما تسبب حظر بعض الدول تصدير ادوية ومستلزمات طبية تستخدم في صناعة أدية أساسية في تسليط الضوء على الأزمة ومثلت اختباراً مهماً لفاعلية فكرة الاعتماد المتبادل بين الدول في أوقات الأزمات الاستثنائية، فالهند مثلا سارعت الى فرض حظر على تصدير 24 منتجا طبيا يستخدم في صناعة أدوية أساسية ما أدى الى نقص كبير في الأسواق التي تعاني نقصا في بعض العقاقير الطبية،  وذكرت تقارير عدة أن الإدارة الأمريكية قد مارست ضغوط سياسية من أجل رفع الحظر.
 
على الصعيد الاقتصادي، اعتبر صندوق النقد الدولي أن العالم يواجه أسوأ أزمة اقتصادية، منذ الكساد الكبير، الذي وقع في ثلاثينيات القرن الماضي، إذ أجبرت الإجراءات الاحترازية، التي فرضتها الحكومات، العديد من الشركات على الإغلاق وتسريح الموظفين، وقالت دراسة للأمم المتحدة إن 81 في المئة من القوى العاملة في العالم، التي تقدّر بنحو 3.3 مليارات شخص، قد أُغلقت أماكن عملهــم، بشكل كـامـــــل أو جزئي، بسبب تفشي المرض، وقال الصنـدوق إن الأسواق الناشئة والـــــدول الناميــــة ستكون الأكثر تضررا، ما يتطلب مساعدة خارجية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، ولتخيل حجم الأضرار يمكن الاشارة إلى أن تقديرات الصندوق قبل ثلاثة أشهر فقط، كانت تشير إلى توقعات بنمو ايجابي في دخل الفرد، في أكثر من 160 دولة من أعضاء الصندوق خلال عام 2020، وجاءت الأزمة لتقلب الأوضاع رأساً على عقب، حيث بات يتوقع أن تشهد أكثر من 170 دولة تراجعاً في دخل الفرد هذا العام. كما حذرت منظمة العمل الدولية، وهي إحدى الوكالات التابعة للأمم المتحدة، من أن الوباء يمثل «أشد أزمة» منذ الحرب العالمية الثانية، وقالت المنظمة إنه من المتوقع أن يؤدي تفشي المرض، إلى إلغاء 6.7 في المئة من ساعات العمل في جميع أنحاء العالم، خلال الربع الثاني من عام 2020، وهو ما يعني فقدان 195 مليون عامل بدوام كامل لوظائفهم، كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الشهر الماضي، من أن الاقتصاد العالمي سيستغرق سنواتٍ حتى يتعافى، وقال الأمين العام للمنظمة، أنجيل غوريا، إن الاقتصادات تعاني من صدمة، أكبر مما كانت عليه بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية عام 2001، أو الأزمة المالية العالمية عام 2008.
 
كل ماسبق جعل من المؤكد أن تجـرى مراجـعـات اســـــــتراتيجيـــة للمفــاهيـــــــم التقليــديــــة الســـائــدة في بنيــة الدول مثل مثل مفهـوم الدولـة القوية، ليشمل أكثر من مجرد القوة العسكرية، خاصــة بعد ثبـوت أهميـــة الأطبـاء والمعــدات الطبيـــة في مواجهة الفيروس، الذي اشعل سباقاً عالمياً على الاستحواذ على “الكمامات” ووسائل التعقيم الأخرى أكبر بمراحل من سباق التسلح، واثبت أن حروب القرن الحادي والعشرين لن تكسب بالقوة العسكرية بل هناك حاجة ملحة للقوة والمنعة الصحية أيضاً.
 
القيادة في أوقات الأزمات
أثبتت أزمة تفشي فيروس «كورونا» (كوفيد ـ19) حاجة الدول والشعوب كافة إلى نمط استثنائي من القادة القادرون على إدارة الأزمات وتوجيه الموارد وحسن توظيفها من أجل التصدي لآثار مثل هذه الأزمات الاستثنائية التي جعلت العالم كله يواجه وقتا حرجاً وظرفاً غير مسبوق على المستويات كافة. وإذا كانت القاعدة تقول أن «الشــــدائد تصنع الرجال»، فـــإن الأزمـــــات كذلك تظهر قدرات القــادة ومـدى كفاءتهم من خلال الطريقة التي تدار بها الأمور في هذه الأوقات الصعبة؛ وفي أزمة «كورونا» لم تكن القيادة أمراً عادياً ولا بسيطاً، فالأزمة ليست تقليدية ولا توجد سبل للخروج منها في إطار زمني محدد، ولا تلوح في الأفق آليات للحد من آثارها في ظل عدم التوصل إلى أمصال أو علاجات معتمدة عالمياً، وبالتالي لا توجد خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة، وهو مايفسر تباين الاستراتيجيات المعتمدة في دول العالم للتعامل مع هذه الأزمة، وهنا يتحمل القادة مسؤوليتين رئيستين هما:
 
أولاً: الإشراف على إدارة الأزمة واختيار الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع الوباء بما يحد من تأثيراته على الصعيد الوطني، وحشد الموارد اللازمة لذلك وحسن توجيهها في أزمة يصعب للغاية التنبؤ بنهاياتها ومساراتها ومآلاتها ليس على صعيد الدول ولكن، وهذا هو الأهم، على الصعيد العالمي، لأن السيطرة على انتشار العدوي في دولة ما قد يعني خروجها من نطاق التأثيرات الصحية للأزمة ولكنه لا يعني خروجها من نطاق الآثار الاقتصادية والاستراتيجية العالمية لها.
 
ثانياً: الاشراف على بلورة استراتيجية علاقات عامة وطنية متوازنة ودقيقة توائم بين استنفار الشعوب وتوعيتها من ناحية وبث الطمأنينة وتجنب اثارة الذعر والقلق من ناحية ثانية، بحيث يتم تعزيز ثقة المواطنين في قرارات القيادة وامتثالهم لها بشكل تام، وهذا العنصر بالغ الأهمية في هذه الأزمة التي تمثل اختباراً للوعي الشعبي، ويلعب فيها عنصر الالتزام الشخصي والجماعي باتباع تعليمات السلطات المسؤولة دوراً بالغ الحيوية في تحديد مسارات الأزمة ونتائجها، ولاسيما أن الالتزام بهذه القرارات والتعليمات ينتج عنه في أحيان كثيرة تبعات سلبية على المستوى الشخصي والعائلي وتكاليف كبيرة تتعلق بحياة ملايين الأسر والعائلات، ناهيك عن الآثار النفسية والمعنوية للالتزام باستراتيجيات مثل “التباعد الاجتماعي” التي تمثل عصب المواجهة في هذه الأزمة المستعصية.
 
وتكمن أهمية دور القيادة في مثل هذه الأزمات في كارثية أي قرار خاطىء، لأنه قد يتسبب في فقدرات الثقة وغياب البوصلة وفتح الباب امام انتشار الشائعات وفقدان الالتزام الجماعي بتطبيق استراتيجيات أساسية مثل التباعد الاجتماعي وغير ذلك، ومن هنا فإن فاعلية أو كفاءة سياسة إدارة الأزمات لا تقتصر على المعطيات المتاحة وقت حدوث الأزمة فقط، بل يجب أن تتوافر لها عوامل حيوية أخرى مثل مدى توافر الثقة بين القائد والشعب ومستوى هذه الثقة وعمقها، ومصداقية القيادة بنظر شعبها، وطبيعة العلاقة بين القائد والشعب، باعتبار ذل كله الأرضية التي ستنطلق منها وترتكز عليها بل وتتوقف عليها سياسة إدارة الأزمة، فالأمر في مثل هذه الحالات لا يقتصر على الخطب والكلمات الانشائية والعاطفية، فالاستجابة الفاعلة للكوارث والأزمات مسألة تراكمية في مسيرة العلاقة بين القادة والشعوب، علاوة على أن مثل هذه الأزمات تمثل اختباراً مهماً لكفاءة مجمل السياسات والخطط التنموية وقدرتها على العمل في ظروف صعبة أو استثنائية، فتوفير البنى التحتية التكنولوجية على سبيل المثال لتطبيق مبادرات نوعية مثل العمل عن بعد والتباعد الاجتماعي وغيرها يمثل شرطاً للنجاح عبر وضع هذه البنى موضوع التطبيق واختبار كفاءتها وتحملها للظروف المختلفة من دون تباطؤ أو تأخير، كما تبرز أيضاً كفاءة أنظمة الرعاية الصحية والعلاجية وقدرة الدول على استننفار قدراتها الذاتية في مجال الفحص واكتشاف حالات الاصابة وإجراء الاختبارات اللازمة وغير ذلك.
 
والحقيقة أنه يصعب على القائد أن يتحكم في معطيات إدارة الأزمة ما لم يكن قد قطع شوطاً كبيراً فيما مضى في العمل على تحديث البنى التحتية الصحية والتنكنولوجية وغيرها، ووضع كل الموارد الوطنية ذات الصلة موضع التطبيق، وهنا يصبح من الممكن بناء خطاب متماسك قادر على اقناع الشعوب بفاعلية الاجراءات والخطط الوقائية وضرورة الالتزام بتنفيذها باعتبارهم شريك أساسي في النجاح والفاعلية بل إن اقتناعهم وتعاونهم وسلوكياتهم ومستويات التزامهم الذاتي تعد العنصر المحدد لهذا النجاح وتلك الكفاءة، خصوصاً أن مثل هذه الأمات قد تتطلب إجراءات صعبة وربما تحتاج إلى تصاعد مدروس في هذه الاجراءات المؤثرة على المزاج الشخصي وتحتاج إلى وعي وفهم وقناعة راسخة بجدواها وأهميتها من أجل الالتزام بالتطبيق.
 
وتزداد صعوبة قرارات القيادة في الأزمات الاستثنائية بالنظر إلى ضرورة الموائمة بين عوامل واعتبارات عدة مثل حماية المواطنين وضمان الأمن الصحي من ناحية والحد من التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الوضع الطارىء الذي يواجهه العالم أجمع من ناحية ثانية، وتلعب هذه الموائمة ـ بالاضافة إلى الثقة المتراكمة ومستوى مصداقية قرارات القيادة ـ الدور الأبرز في فاعلية وكفاءة الرسالة الاتصالية التي يتلقاه الشعب في مثل هذه الأزمات من القادة بغض النظر عن القالب التي ترد فيه سواء كان خطاباً رسمياً او “تغريدة” عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” أو كلمات عابرة أثناء مناسبة ما، أو تصريح صحفي منشور أو غير ذلك من أشكال التواصل التي تألفها الشعوب.
 
وهنا تجب الاشارة إلى أن ضمان فاعلية الرسالة الاتصالية يتوجب بدوره توافر بيئة اتصالية مناسبة وعوامل عدة مثل الاحساس بالأمان في معناه الشامل، وهو احساس تراكمي تقيسه الكثير من مؤشرات التنمية في الوقت الراهن، وليس احساساً عابراً أو طارئاً، ويعتمد على مجمل السياسات والاستراتيجيات والرؤى التي تشكل في الوعي العام وتصيغ العلاقات بين القادة وشعوبهم، وفي حال توافر مثل هذه الثقة والاحساس بالأمان يمكن ببساطة للقادة بناء مايعرف بالإجماع الطوعي الذي يمكنهم من اتخاذ القرارات المناسبة وتنفيذ السياسات والخطط التي تترجم الرؤية الوطنية في معالجة الأزمة عبر آليات وأجهزة تقوم على ذلك، كما تسهم في تفادي الارباك والقرارات المتسرعة والخاطئة التي تتسبب في تشوش المواطنين وتآكل الثقة وربما انحسارها وفقدان عجلة القيادة.
 
من المهم أيضاً في الأزمات الاستثنائية أن تمتلك القيادة الكاريزما الشخصية اللازمة لبث الطمأنة والثقة في قراراها وقدرتها على تنفيذها، فالناس بشكل عام تشعر بالذعر والقلق في اوقات الأزمات، وتحتاج إلى معاملة ترتبط بفهم القادة لنفسيات شعوبهم والثقافة المجتمعية السائدة والتصرف بحذر في مثل هذه الأوقات، والأمر بالتأكيد يزداد صعوبة ودقة في حالات مثل دولة الامارات حيث ينبغي على القيادة مخاطبة ملايين المواطنين والمقيمين متعددي الثقافات والأعمار ومستويات التعليم وغير ذلك، ومن ثم فإن فاعلية دور القيادة يرتبط بشكل كبير بالبناء التراكمي للثقة وقدرة القيادة على ترسيخ معايير ومبادىء حضارية قائمة على إعلاء المبادىء والقيم الانسانية بما يشعر بالجميع بالأمان والاطمئنان ويبث الهدوء في النفوس ويسهم بشكل رئيسي في التصدي الفاعل للأزمة.
 
وعملياً، يمكن الاستشهاد بكثير من مواقف القيادة الرشيدة في دولة الامارات باعتبارها نماذج مثالية في نقل الرسائل والمضامين المهمة في إدارة أزمة تفشي جائحة “كورونا” عالمياً من دون كلمة واحدة، فقد تابع الملايين ـ سكان ومقيمين ـ في الدولة رسائل مثل لقاءات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ رعاه الله ـ وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في بدايات الأزمة وكانت الرسالة الاتصالية بالغة القوة والتأثير عبر إشارة “تجنب المصافحة”، وهي رسالة نوعية في غاية الأهمية لأنها تأتي من قيادتين تربط بينهما علاقات أخوية قوية متينة في مجتمع متماسك حريص على ترسيخ القيم والمبادىء الأصيلة، ومن ثم يصبح اللقاء الرسمي مع تجنب المصافحة والاكتفاء بالتحية الأخوية من دون مصافحة في دلالة مهمة على عمق التزام القيادة بتطبيق قواعد الحماية الذاتية من نقل العدوى ـ كما ورد في أحد أقوى الفيديوهات المؤثرة في نقل الرسالة الاتصالية بتاريخ 16 مارس 2020 ـ ومثل هذه الرسائل كان لها وقع اتصالي هائل ليس داخل دولة الامارات فقط بل خارجها أيضاً، حيث كانت من الممارسات التي عكست وعياً مبكراً للقيادة الرشيدة في إبداء المرونة اللازمة والتصرف خلال الأزمات في إطار سلوك ينسجم مع رسالتها الاتصالية وخطابها الرسمي، بمعنى أنها تلزم نفسها بما تريد للشعب أن يلتزم به، وهذا الاتساق العميق ربما يسهم في تأكيد مصداقية القيادة وترسيخ الثقة بها بدرجة لا تقل عن العوامل والمعطيات الأخرى ذات الصلة.
 
وتكمن حساسية موقف القادة في مثل هذه الأزمات المرتبطة بالخطر الصحي الذي يواجه الأشخاص على مستويات فردية، فالأوبئة ليست ـ على سبيل المثال ـ كالحروب التي تخوضها الجيوش، فالحروب رغم أنها تتطلب جبهة داخلية متماسكة وداعمة وحشداً استثنائياً للطاقات والموارد الوطنية، لكن القوات المدربة تبقى رأس حربة المواجهة العسكرية، وتقوم بدور التصدي للتهديدات والأخطار العسكرية بشكل رئيسي، في حين أن خطر الاوبئة والكوارث الطبيعية وغيرها يداهم أي شخص، الكبير والصغير والمسن والمريض والرجل والمرأة وكافة شرائح المجتمع، ماينتج حالة من حالات القلق العامة الاستثنائية وتتطلب بدورها قيادة واعية موثوق فيها لاستيعاب الأضرار والحد منها وغرس الأمل والثقة وإظهار التعاطف والدعم النفسي للشعوب.
 
 وفي التاريخ العالمي المعاصر، يمكن الاشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى إدارة رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا آرديرن مع للأزمة الوطنية الناجمة عن الهجوم المسلح الذي شهدته مدينة كرايست تشيرتش العام الماضي، حيث كانت نموذجا للقائد القادر على إظهار مهارات القيادة وتعزيز التماسك الوطني في لحظة حرجة، حيثد أظهرت رسائلها إلى مواطنيها، عبر الكلمات والخطابات التي ألقتها في هذا الشأن، تعاطفها مع الضحايا، وفضحت من خلالها الإيديولوجية المفعمة بالكراهية التي وقفت وراء الهجوم، وأعادت عبرها في الوقت نفسه التأكيد على قيم نيوزيلندا كدولة منفتحة ومتسامحة، كما أبرزت آرديرن أيضاً في رسائلها تلك، الإجراءات الأمنية الإضافية التي تم اتخاذها للحيلولة دون وقوع مزيد من الهجمات المأساوية المماثلة في المستقبل، دون أن تهون في الوقت ذاته من أي خطر مستقبلي مماثل قد تواجهه بلادها.ولم تكتف رئيسة الوزراء النيوزيلندية بالخطابات، بل مضت على طريق تغيير قوانين حيازة السلاح واستخدامه في بلادها، ولاقت جهودها إشادة واسعة النطاق في مختلف أنحاء العالم.
 
وفي أزمة “كورونا” برزت عالمياً نماذج عدة في كفاءة تطبيق سياسة إدارة الأزمات يأتي في مقدمتها دولة الامارات والدور البارز لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في إدارة الأزمة داخلياً بكفاءة بالغة وأيضاً في تعزيز التعاون والتضامن العالمي وبث الثقة لدى شعوب العالم، كما برز أيضاً نموذج المملكة العربية السعودية بالإستجابة الكفؤة الفاعلة للأزمة، ولاسيما أن المملكة ذات وضعية دينية عالمية خاصة واتخذت إجراءات صعبة ولكنها مطلوبة واثبتت قدرة القيادة في المملكة الشقيقة على مواجهة الأزمة العالمية الصعبة بشكل متناسب تماماً، كما برز نموذج كوريا الجنوبية من خلال سرعة الاستجابة وتطبيق مبادئ الإدارة الفعالة للأزمات، حيث كشفت ازمة «كورونا» عن امكانيات وقدرات استباقية من خلال إظهار الاستعداد قبل وقت طويل من تفشي الوباء في أراضيه، وتخزين الأدوات اللازمة لإجراء الاختبارات الخاصة بالكشف عن الإصابة بالفيروس، وسمح ذلك بأن تشهد الفترة التي بدأت فيها معدلات الإصابة في التزايد بشدة، إخضاع 10 آلاف شخص لتلك الاختبارات يوميا، فضلا عن ذلك، أبقت السلطات مواطنيها على إطلاع مستمر على مستجدات الموقف المتغير طوال الوقت، عبر تطبيق يُثبت على الهواتف الذكية، كما يعود الأمر أيضاً إلى دور الرسائل الاتصالية، التي وجهها الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن إلى شعبه، وكانت تتسم بالشفافية والوضوح والثقة المتوازنة في عبور الأزمة من دون تهويل أو تهوين.
 
استراتيجية الامارات في إدارة أزمة “كورونا”
على خلاف معظم الدول التي دفعتها الأزمة للانكفاء على الذات، واعلاء شعار «انقذ نفسك أولاً»، بل وقوع بعض الدول في ممارسات تتسم بالانانية المفرطة مثل الاستيلاء على شحنات مستلزمات طبية ووقائية مخصصة لدول أخرى تعاني آثار وتداعيات أشد وأخطر للأزمة، اتسمت استراتيجية دولة الامارات العربية بالهدوء والدقة واعلاء القواعد العلمية لإدارة الأزمات والطوارىء والكوارث، والأهم أنها اتسمت بالتوازن والعمل على مسارين واضحين اولهما داخلي والآخر خارجي، فالإمارات تمثل أحد أهم الدول الحريصة على إعلاء مبادىء التضامن والتعاون الدولي، كما تتسم سياستها الخارجية بتميز البعد الانساني باعتبارها عاصمة العالم الانسانية طيلة عقد كامل، وأياديها البيضاء وحرصها على الخير والعطاء مسألة لا شك فيها، وهذا الأمر تجلى بقوة خلال معاناة شعوب العالم من أزمة «كورونا»،  حيث كانت الامارات من أوائل دول العالم التي عبرت عن تضامنها مع الشعب الصيني في مواجهة الوباء،  حيث بادرت في بدايات الأزمة  لنجدة أكثر من مئتي شخص محاصرين في مدينة ووهان الصينية بؤرة تفشي الفيروس القاتل وإجلائهم ونقلهم إلى مدينة الإمارات الإنسانية لتقديم الرعاية اللازمة لهم، كما عبرت الامارات منذ البداية عن تضامنها مع الشعب الصيني في المحنة واعربت عن ثقتها في قدرة الدولة الصينية على التصدي لها، وأكدت استعدادها لتقديم يد العون للشعب الصيني الصديق، كما تسامت الامارات فوق الخلافات السياسية في هذه الظروف الاستثنائية، وقدمت الإمدادات والمعدات الطبية لإيران لدعم جهودها لاحتواء خطر تفشي فيروس «كورونا»، وفي إطار ذلك أيضاً يجب الاشارة إلى موقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، واتصاله بالرئيس السوري بشار الأسد، مؤكداً أن سوريا لن تقف وحدها في هذه الظروف الحرجة، التي ربما غاب فيها الشعب السوري عن ذاكرة الكثير من الشعوب العربية وغير العربية بسبب انشغال الجميع بخطر صحي داهم، ولكن الامارات وقيادتها لا تنشغل عن واجباتها في مثل هذه الظروف، وتدرك جيداً حجم مسؤولياتها القومية والدولية في مواجهة الأزمات والكوارث، ومن ثم فإن رسائل التضامن القوية التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان من منبر قمة العشرين للعالم أجمع تمثل مرآة عاكسة لقيم الامارات ومبادئها الانسانية الأصيلة، حيث أوضح سموه أن الإمارات حاضرة وبقوة لمساندة الدول والشعوب في حربها ضد فيروس «كورونا».
 
وقد انعكست مستويات القبول والتأييد والدعم الشعبي لسياسات القيادة الرشيدة في دولة الامارات في التعامل مع أزمة «كورونا» من خلال إطلاق المواطنين والمقيمين في الدولة على حد سواء حملات الشكر والتضامن مع القيادة والحكومة وكافة الأجهزة المعنية عبر «هشتاغات» على مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن امتنانهم لكل ما تقوم به الإمارات لمساعدة شعوب العالم في أزمة كورونا، حيث بذلت جهوداً كبيرة ولكل الجنسيات بداعي الإنسانية وليس الجنسية أو العرق. 
 
وقد اتسمت سياسة دولة الامارات منذ بداية تسجيل إصابات بالفيروس التاجي في البلاد بالجدية والصرامة ومن خلال تطبيق خطط جاهزة لإدارة الأزمات والطوارىء والكوارث، فجاء التحرك سلساً وسريعاً والاستجابة واعية ومدروسة ووفق خطط مدروسة استطاعت بث الثقة والطمأنية بسرعة بين السكان والمقيمين، واكتسبت هذه الثقة الجرعة الأهم لها من خلال الرسائل الاتصالية الأقوى التي بثها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لطمأنة السكان جميعاً على تعامل الدولة بحرص وجدية لحمايتهم وتوفير الغذاء والدواء لهم، من دون تفرقة، حيث أكد سموه أن أولوية الدولة حماية الناس والحفاظ على سلامتهم قبل كل شئ، بل كان سموه حريصاً على توجيه رسائل الشكر والدعم للمقيمين وإظهار حرص الدولة على حمايتهم وتوفير سبل الراحة لهم في هذه الظروف، 
وقال سموه في كلمة له بمجلس في قصر البحر بحضور عدد من الشيوخ والوزراء والمسؤولين «نحن بدأنا استعداداتنا قبل كورونا.. وبفضل الله تعالى الإمارات آمنة ومستقرة ومتطورة طبيا ونحن في خير وأمان.. وجاهزيتنا مستدامة لمواجهة التحديات كافة». وطالب سموه الجميع بالمحافظة على صحتهم وصحة أهاليهم قائلا «أريدكم أن تتذكروا كلمة وهي أن الوقت الصعب الذي نعيشه سيمضي بإذن الله لكن يحتاج منا إلى صبر»، وأكد أن «الدواء والغذاء هذا خط أحمر لدولة الإمارات، عندنا القدرة لتأمين إلى لا نهاية»، موجها شكره لكل موظف في وزارة الصحة وقال «هذا العمل لا يمكن نسيانه». وأضاف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن “كل عمل تقوم به دولة الإمارات هو لحماية الإمارات وأهلها والمقيمين فيها، وهذه أمانة في رقابنا، لازم نكون أقوى وأصح وأكثر تطوراً”. وتابع “نحن عايشين لنؤمن مستقبل أحفادنا، ولا تشيلون هم”. 
 
والأمر لم يقتصر على ذلك بل تجسد في العديد من الاجراءات الحكومية التي كشفت عن وجود رؤية شاملة ومتكاملة للقيادة الرشيدة في إدارة الأزمة، حيث تم منذ البداية وعبر سلسلة إجراءات متدرجة اتخاذ قرارات استباقية لحماية المواطنين والمقيمين من انتشار فيروس “كورونا”، كما تم تفعيل نظام العمل عن بعد لبعض الفئات من الموظفين في الجهات الاتحادية، واتخاذ قرارات استثنائية لدعم انسيابية العمل و كفاءته في مختلف الجهات والقطاعات، وذلك اعتمادا على البنية التحتية التكنولوجية في البلاد المدعومة بالتقنيات والتكنولوجيا ذات المواصفات العالمية.ومنذ بداية انتشار الفيروس المستجد في عدد من بلدان العالم، بادرت الحكومة الإماراتية بطمأنة المواطنين والمقيمين في الدولة بخطاب واثق مؤكدة على إمكاناتها وكفاءتها في مواجهة الظروف الاستثنائية ومجابهة الفيروس بما يلزم من حزم ومرونة.
 
وتتمثل أهم ملامح استراتيجية الامارات في إدارة أزمة “كورونا” في تفردها بالعمل على مسارين ـ كما سبقت الاشارة ـ داخلي وخارجي ـ بالتوازي مع بلورة نموذج خاص بها في التصدي لآثار الأزمة وتداعياتهاـ بالنظر إلى أن الامارات من الدول التي تمتلك موروثاً علمياً متجذراً في بناء هيئة وطنية اتحادية لإدارة الأزمات والطوارىء وفق أسس علمية، وتمتلك خبرات وكوادر وطنية متخصصة ومؤهلة في هذا المجال، فضلاً عن أن بنيتها التحتية المتطورة وطبيعة تكوينها السكاني يفرض عليها ضرورة صياغة نموذج خاص في استراتيجيات معالجة الأزمة. وفي هذا الإطار يمكن الاشارة إلى سمات النموذج الاماراتي في هذا الشأن، وهي كما يلي:
 
مواكبة تعليمات وتوجيهات منظمة الصحة العالمية، والْتزام تطبيقها بشكل كامل وسريع؛ منذ اليوم الأول لاكتشاف فيروس كورونا المستجد في الصين وإلى أن أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية كجائحة.
التزام معايير الشفافية في التعامل مع الأزمة، والإفصاح التام عن البيانات الخاصة بوضع الوباء داخل الدولة، أولاً بأول.
 
إشراك المجتمع في جهود احتواء المرض، سواء من خلال توعيته بدوره في هذه الأزمة ومسؤوليته في اتباع إجراءات الوقاية، خصوصاً “التباعد الاجتماعي”؛ أو من خلال تعزيز مبادرات المجتمع، أفراداً وشركات، كتأسيس “صندوق الإمارات وطن الإنسانية” الذي يتلقى مساهمات الأفراد والمؤسسات المادية والعينية والدعم اللوجستي، وإطلاق هيئة المساهمات المجتمعية في أبوظبي برنامج “معاً نحن بخير».
 
محاولة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي أثبتت نجاعتها، وبالذات تجربة كوريا الجنوبية في توسيع الفحص المخبري للكشف عن الفيروس، وفي هذا الصدد تُعد الدولة الأعلى في العالم من حيث نسبة إجراء الفحص إلى عدد السكان، والتي بلغت 13 ألف فحص لكل مليون نسمة التقييم المستمر والدينامي لواقع الأزمة، واتخاذ الإجراءات المتناسبة مع الحالة، دون هلع أو فقدان التوازن.
عدم الاقتصار على مواجهة التداعيات الصحية لوباء كورونا، ولكن وضع الخطط واتخاذ الإجراءات والقرارات لمواجهة التداعيات الأخرى الناتجة عن الوباء، كالتداعيات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
التحرك الاستباقي في إدارة الأزمة من خلال تجهيز الخطط والقدرات للتعامل مع الخطوات المقبلة، والاستعداد لكافة السيناريوهات المحتملة.
 
وقد تحقق التميز والنجاح والفاعلية لهذه الاستراتيجية بفعل عوامل ومعطيات عدة منها المتابعة اليومية الفاعلة للقيادة الرشيدة لجوانب تطبيق الاستراتيجية وضمان تعاون جميع الجهات الاتحادية والمحلية في تنفيذها، وتطور وكفاءة البنى التحتية الاماراتية خصوصاً في مجال التكنولوجيا المعلوماتية والانترنت ما اسهم في تطبيق مبادرات العمل والتعليم عن بعد بسهولة فائقة وكذلك جاهزية القطاع الصحي المتطور،  وقوة الاقتصاد الاماراتي ومرونته وقدرة النظام المصرفي على التعامل مع الأزمات بكفاءة وفاعلية، والاستعدادات الاحترازية التي تعمل عليها طيلة الوقت هيئة الطوارىء والازمات وقدرتها على الرصد والتنبؤ بالازمات وتوفير متطلبات الاستجابة لها مبكراً، بما في ذلك جاهزية المخزون الاستراتيجي من السلع ولاسيما في مجال الغذاء والدواء وبالتالي لم يحدث أي نقص في أي سلع استراتيجية خلال تلك الفترة. كما أسهم ترسيخ ثقافة التميز والحلول الذكية في التعامل مع هذه الأزمة حيث استعانت السلطات بالطائرات من دون طيار في تعقيم المدن وتوفير الخدمات الصيدلانية المتنقلة في توصيل الأدوية إلى المناول لمساعدة كبار السن وتخفيف الضغط على المرافق الصحية. كما برزت كذلك مرونة العلاقة بين السلطات الاتحادية وتعاونها مع الادارات المحلية ضمن فرق عمل سبق لها التعاون وتبادل الخبرات ما سهل عملها خلال فترة الأزمة ودعم قدرتها وفاعلية استجابتها بالشكل الذي يليق مع تطور الدولة في مختلف المجالات.
 
وقد اعتمدت استراتيجية دولة الامارات في التصدي لأزمة “كورونا” على عناصر عدة متشابكة منها “ اولاً القطاع الصحي، حيث اتخذ هذا القطاع كافة التدابير اللازمة من خلال تعزيز إجراءات الرصد عبر منافذ الدولة المختلفة، وتوسيع الاختبارات والمسوحات وتطبيق بروتوكولات العلاج المتفق عليها مع منظمة الصحة العالمية وثانيها على المستوى التنظيمي والاداري تم تطبيق أنظمة العمل والتعليم عن بعد وتعليق حركة الطيران من الدولة وإليها وتجميد كل الأنشطة والفعاليات والمهرجانات ومنع التجمعات كافة واغلاق مراكز التسوق والمتنزهات وهذه جميعها أمور تطلبت قرارات قيادية بالنظر إلى مكانة دولة الامارات على خارطة السفر والسياحة العالمية. وانفردت الدولة بسمات عدة في تطبيق اجراءات التباعد الاجتماعي فلم تلجأ إلى الحظر الشامل لحركة السكان لمراعاة البعد النفسي وأيضاً بفضل الوعي والقبول والالتزام بتطبيق التعليمات من جانب السكان ما أسهم في كفاءة التطبيق والتنفيذ بما حد كثيراً من الاثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للجائحة، خصوصاً أن المصرف المركزي قد قدم محفزات بقيمة اجمالية نحو 100 مليار درهم لمساعدة المصارف العاملة بالدولة على التعاطي مع تأثيرات الأزمة، كما اتخذت الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية إجراءات عدة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي؛ فأطلقت حكومة أبوظبي مثلاً 16 مبادرة لتخفيف الأعباء على الشركات وتحفيز قدرتها على مواجهة ظروف السوق الصعبة، وأعلنت أيضاً عن تشكيل لجنة لمراجعة وضع القروض للشركات. كما أطلقت حكومة دبي حزمة حوافز اقتصادية بقيمة 1.5 مليار درهم بهدف دعم الشركات وقطاع الأعمال، فضلاً عن إطلاق مبادرات عدة لتخفيف العبء المالي على الأعمال. وكعادة الامارات في البحث عن فرص داخل أي أزمة والاستفادة منها في تطوير قدراتها الوطنية وتنافسيتها العالمية في المجالات كافة، فقد انشأت «مراكز إجراء الفحص من المركبة» للكشف عن فيروس كورونا خلال خمس عشرة دقيقـــــة فقط، كما أنشأت أكبر مختبر حديث خارج الصين يضم قدرات معالجة فائقة لإجراء عشرات آلاف الاختبارات بتقنية تفاعل البوليمرز المتسلسل اللحظي (RT-PCR). ولا يتميز هذا المختبر بالقدرة الفائقة والكبيرة على تشخيص فيروس “كوفيد-19” فقط، بل إنه لديه القدرة على الكشف عن مسببات الأمراض الجديدة مستقبلاً من خلال الاختبارات التسلسلية المتقدمة. 
 
خاتمة: سمات فريدة للقيادة الكاريزمية
وقد أكدت متابعة وإشراف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على جهود دولة الامارات بشأن التصدي لتداعيات أزمة تفشي فيروس «كورونا» على الصعيدين الوطني والدولي، أن القادة العظام يمتلكون خصال عدة تعدّدها الأدبيات السياسية المتخصصة، ولكن الأهم من بين تلك الخصال هو قدرتهم على إطلاق طاقات شعوبهم فالقائد الحقيقي هو من يستطيع حشد الهمم واستنهاض الطاقات وشحذ الارادات الوطنية في مواجهة التحديات، فالقيادة كما يعرفّها علم النفس تعني القدرة على فهم الطبيعة البشرية والتأثير في السلوك الانساني لتوجيه مجموعة من الناس نحو هدف مشترك بطريقة تضمن بهم طاعتهم وثقتهم واحترامهم وتعاونهم، وسموه يعد نموذجاً استنثائياً في استنهاض الهمم الوطنية وحشد الطاقات بما يجمع بين خصال القيادة الفعّالة والقيادة الملهمة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-07-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2013-01-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره