مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-05-07

دور الحرس الثوري في تنفيذ مشروع إيران التوسعي في المنطقة

بعد سنوات طويلة من نشر الفوضى والاضطرابات، إلى حد التباهي باحتلال عواصم عربية، أدرجت الولايات المتحدة ميلشيا «الحرس الثوري الإيراني» على لائحة الإرهاب الأمريكية، في واحدة من أكثر القرارات التي تصدرها واشنطن، حزماً وصرامة في التصدي للمشروع التوسعي الإيراني الذي يستغل انحسار دور النظام الإقليمي العربي ويتوغل على حسابه مهدداً أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها. وفي هذا العدد تسلط «درع الوطن» الضوء على هذه الميلشيا الطائفية التي تشكل جيشاً طائفياً موازياً للجيش الإيراني.
 
يعتبر «الحرس الثوري» الذراع الطولى لتنفيذ مشرووع إيران التوسعي في المنطقة، حيث يتبنى عقيدة عسكرية ترتكز على الأيديلوجيا والطائفية وتصدير الثورة إلى دول المنطقة، بل أنه يسعى في أحيان كثيرة إلى تجاوز حكومة الرئيس حسن روحاني في كثير من الملفات الخارجية المرتبطة بتدخلات إيران في صراعات المنطقة، وخاصة في اليمن وسوريا، وهذا ما أظهرته استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في شهر فبراير 2019 ، تراجع عنها، والتي جاءت نتيجة لتجاهل الحرس الثوري لوزارة الخارجية في ترتيب زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لإيران، للقاء المرشد الأعلى بترتيب من الحرس الثوري من دون التنسيق مع الخارجية الإيرانية، في خطوة كشفت مدى تغلغل وتأثير الحرس الثوري في تحديد توجهات وسياسات وخطط النظام الإيراني.
 
ومنذ انسحاب الولايات المتحدة في مايو2018 من الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة «5+1» مع إيران في يوليومن عام 2015، وهناك تركيز من جانب إدارة الرئيس ترامب على ميليشيا الحرس الثوري، باعتبارها تشكل مصدر الأنشطة المزعزعة للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتقف وراء تفاقم الأزمات وإطالة أمد النزاعات التي تشهدها العديد من دول المنطقة، ولهذا جاء قرار إدارة ترامب في شهر أبريل 2019 بإدراج الحرس الثوري الإيراني على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية ترجمة لهذه القناعة الاستراتيجية التي تتعامل مع الواقع وجذور الإشكاليات والمعضلات في الشرق الأوسط، وهي الخطوة التي ستشكل ضربة قوية للحرس الثوري ولمشروع إيران التوسعي في المنطقة بوجه عام، خاصة أن هذا القرار يؤكد بوضوح أن إدارة الرئيس ترامب ماضية في إحكام الحصار على إيران واحتواء رأس حربة قوتها الخارجية متمثلة في الحرس الثوري، والتصدي لمشروعها الطائفي التوسعي في المنطقة.
 
عقيدة الحرس الثوري: تصدير الثورة ونشر الفوضى
 ينظر إلى الحرس الحرس الثوري، باعتباره الجيش العقائدي والحرس الوفي للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئ رغم أنه لا يعد من الناحية التنظيمية جزءا من القوات المسلحة الإيرانية بل يتمتع بقيادةة مستقلة تتلقى أوامرها من خامنئي مباشرة. وظهر الحرس الثوري في الخامس من مايو1979 بعد انتصار الثورة الإيرانية والإطاحة بنظام الشاه، عبر مرسوم من قائد الثورة آية الله الخميني، ووُضع تحت إمرة المرشد مباشرة. وكان الهدف الرئيسي من إنشاء هذه القوة الميلشياوية جمع الفرق العسكرية المختلفة التي نشأت بعد الثورة في بنية واحدة موالية للنظام لحمايته وإقامة توازن مع الجيش الايراني التقليدي الذي لم يشارك في الثورة وظل بعض ضباطه أوفياء لحكم الشاه. وكانت مرحلة الحرب العراقية - الايرانية إبان ثمانينات القرن الماضي، فرصة سانحة، لتعزيز مكانة الحرس وتقوية ادواره في المعادلات السياسية والعسكرية، وأضحى يوصف آنذاك بأنه يعد دولة داخل الدولة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحرس الثوري قوة عسكرية، وسياسية، واقتصادية كبيرة في البلاد، ويتمتع بصلة وثيقة مع العديد من الشخصيات المؤثرة، أبرزها الرئيس السابق أحمدي نجاد، الذي كان نفسه عضوا في الحرس الثوري.
 
ويعتبر الحرس الثوري الإيراني الذراع الأقوى لصناعة وتنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية، ولقد مكنه دوره في تصدير الثورة الإيرانية من تأكيد مكانته وأهميته في الأمن القومي الإيراني. وتحظى وزارة الخارجية باهتمام خاص لدى الحرس الثوري، لكونها أحد أهم مراكز صنع قرار السياسة الخارجية. وقد كان لبعض مسؤولي الخارجية الإيرانية من المحسوبين على الحرس الثوري بصمات واضحة فيما آلت إليه علاقات إيران الخارجية خلال السنوات الماضية.
 
وقد لعب الحرس الثوري منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي دوراً رئيسياً في تصدير الثورة إلى الخارج، حينما دعا الخُميني، صراحة إلى تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج، ترجمة لأحد بنود الدستور الذي وضع النظام بعد الثورة والذي ينص في أحد بنوده على  أن “تكون أحدى مهام «الحرس الثوري» المؤسسة الثورية التي توازى الجيش النظامي داخل إيران، القتال بغرض توسيع حكم الشريعة الإسلامية في العالم»، وعلى صعيد الخطاب السياسي قال خامنئي صراحة :«نحن في جمهورية إيران الإسلامية سوف نعمل بجهد من أجل تصدير ثورتنا للعالم، وأنه بمقدورنا تحدي العالم بالأيديولوجية الإسلامية». وقال أيضاً: «نحن نهدف إلى تصدير ثورتنا إلى كل الدول الإسلامية، بل إلى كل الدول حيث يوجد مستكبرون يحكمون مستضعفين». وهذه المقولات تقف وراء كثير من نصوص الدستور الإيراني، والتي تفسر تدخلات إيران المستمرة في شئون العديد من الدول العربية، وتقف وراء طموحاتها لبناء إمبراطوية إيرانية، وقد اشار إلى ذلك صراحة مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني علي يونسي في مارس 2015 ، حينما قال خلال منتدى«الهوية الإيرانية» في طهران: إن« إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقا وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ، فجغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا علينا أن نقاتل معا أونتحد». وأشار يونسي إلى «أن إيران تنوي تأسيس حلف اتحادي في المنطقة، يمتد إلى البحر المتوسط وباب المندب في اليمن، لتكوين الهلال الشيعي، الذي يمثل أساس الإمبراطورية الإيرانية».
 
وهي الأهداف التي أعاد التأكيد عليها قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري في شهر مارس 2019، حينما كشف بوضوح أن قواته دربت 200 ألف على مدى 8 سنوات من قتالها في سوريا والعراق، ودافع عن حضور إيران الإقليمي في سوريا والعراق، ليؤكد أن الحرس الثوري يمثل أهم الأدوات لتنفيذ مشروعها الطائفي والتوسعي في المنطقة. وفي تصريحات أخرى نشرتها وكالة «مهر» الحكومية، أكد قائد الحرس الثوري الإيراني أن التحولات في منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة «إيجابية»، وأنه يتطلع إلى تشجيع الجيل الثالث من الثورة لدعم «ولي الفقيه» والجمهورية الإسلامية في إيران، لافتًا إلى أهمية حضور الشباب الإيراني في معارك سوريا والعراق واليمن.  
 
لماذا يشكل الحرس الثوري ركيزة المشروع التوسعي لإيران؟
يعد الحرس الثوري أقوى مؤسسة في النظام الإيراني، حيث يمتلك مصادر عديدة للقوة تتيح له هامش كبير من المناورة والحركة والتحكم في مسارات السياسية الداخلية والخارجية لإيران. ويعتبر الحرس الثوري الذراعَ العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية للمرشد علي خامنئي، ومن خلاله يسيطر على الدولة سيطرة كاملة.   وتجمع العديد من الدراسات الدولية على أن قوة الحرس الثوري تكمن في الجوانب التالية:
 
1 - القوة السياسية: حيث يتبع الحرس الثوري للمرشد الأعلى الذي يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة في البلاد. وقد استخدم المرشد سلطته لبسط نفوذ وتعزيز قوة الحرس، وذلك من خلال تعيينه العديد من عناصره السابقين في مناصب سياسية رفيعة. ويختار المرشد شخصياً قيادات الحرس الثوري وعناصره الشابة، المتحمسة ليتم الضخ بها في معسكرات الثوار في مختلف أنحاء العالم لتدريبهم، على أداء المهام القتالية؛ التي لا تقف عند حد الدفاع عن البلاد، إنما تتجاوز ذلك لتنفيذ مشروع إيران التوسعي في المنطقة. ولهذا فإن الحرس الثوري يعتبر ذراع المرشد الأعلى للثورة التي تسيطر على كل شئ في نمط الاستبداد الديني الحديث. في الوقت ذاته فإن رجال الدين الذين يديرون مؤسسات رسمية مهمة، مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام والسلطة القضائية ومجلس الخبراء، يعتمدون على قوات الحرس الثوري الإيراني لضمان سيطرتهم على هذه المؤسسات، الأمر الذي عزز ويعزز نفوذ هذه القوات.
 
ويعد الحرس الثوري أهم لاعب مؤثر في السياسة الإيرانية، حيث يتمتع بوجود قوي وفاعل في المؤسسات والهيئات المدنية، إذ يسيطر على قوات الباسيج، والذين يدينون بالولاء للثورة، إذ يستدعيهم الحرس للنزول إلى الشوارع في أوقات الأزمات، وذلك لاستخدامهم كقوة لتفريق المنشقين أوالمتظاهرين. واللافت هنا أن الحرس الثوري بدأ منذ عام 2007 يلعب دوراً في الانتخابات الإيرانية، بعد أن مررت وزارة الداخلية لائحة تتضمن دوراً رسميا للحرس في عملية الفحص للمرشحين السياسيين. ولم يتوقف نفوذ الحرس الثوري عند هذا الحد بل وصل إلى تعيين السفراء والعاملين في السلك الدبلوماسي الإيراني.
 
2 - القوة الاقتصادية الهائلة: يُعتقد أن الحرس الثوري يسيطر على حوالي ثلث الاقتصاد الإيراني بحسب معظم التقديرات الاستراتيجية، التي يرى بعضها أن نصيب الحرس من الاقتصاد الإيراني يتراوح بين 20 ـ 40%، بينما يرى آخرون أنها لا تقل عن خمسين بالمائة من حجم الاقتصاد الإيراني، وذلك من خلال تحكمه بالعديد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات التي تعمل في مختلف المجالات. وهوثالث أغنى مؤسسة في إيران بعد كل من مؤسسة النفط الايرانية، ووقف الإمام رضا. 
 
وينخرط الحرس الثوري في كثير من المشاريع الاقتصادية، التي تقدر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والبنى التحتية، وتتبعه مؤسسات مالية واستثمارية ضخمة داخل إيران تشمل قطاعات إنتاجية وخدماتية عدة، منها الإنشاءات والطرق والنفط والاتصالات. وتمتلك مؤسسة الحرس الثوري أذرعاً فرعية متعددة الأشكال والوظائف والأغطية؛ منها الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والعسكرية والدبلوماسية والاجتماعية، كل هذه المنظومات جعلت هذه المؤسسة منظومة مستقلة بقرارها ولا سيما الاقتصادي منه، متمتعة بقدر عال من الأرصدة والأصول المالية والبشرية والعضوية تتبع الولي الفقيه وحده، ولا تعتمد على المؤسسات المالية للدولة، وتعتبر الحرس الثوري مستقلة تماماً عن الجهاز الرقابي والمحاسبي للدولة. 
 
وتمكن الحرس الثوري من تطوير حقيبة اقتصادية ضخمة في الداخل الإيراني عبر ضباطه المتقاعدين، فكثير من قادة هذه القوات يتقاعدون في سن مبكّرة نسبياً، نحو50 عاماً، ثم ينضمّون إلى نخبة إيران السياسية والاقتصادية. وحسب خبراء إيرانيين، فإن المشكلة لا تكمن فقط في سيطرة الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد الإيراني، وإنما الجانب الأخطر يتمثل في غياب الشفافية أوالمحاسبة فيما يتعلق بجميع أنشطة الحرس الثوري الاقتصادية أوالتجارية أوالمالية أوالاستثمارية داخل إيران أوخارجها، باعتبار أن تلك الأعمال تندرج ضمن الأنشطة السرية التي ترقى في سريتها أوتزيد على سرية البرنامج النووي أوالبرنامج الصاروخي.وتشير العديد من الدراسات إلى أن الحرس الثوري يحصل سنوياً على ما يقرب من عشرة مليار دولار أوأكثر من التجارة غير المشروعة، يخصص نسبة كبيرة من هذه الأموال لتمويل التنظيمات الإرهابية التي يستعملها في نشر الخراب والقتل والدمار لتحقيق المشروع التوسعي الإيراني، كما تذهب نسبة منها إلى تطوير البرنامج النووي الإيراني، وصناعة الصواريخ الباليستية ومختلف الأسلحة. كما أن تسليح الحرس الثوري تضاعف أربع مرات بعد رفع العقوبات في 2015م. 
 
3 - القوة العسكرية: يُقدَّر عدد أفراد الحرس الثوري بنحو125 ألف عنصر، ولديه قوات أرضية، بالإضافة إلى وحدات بحرية وجوية. وتنقسم هذه القوة إلى عدة فيالق، هي:
 
أ- فيلق القوات البرية: يتسلّح الحرس الثوري بمنظومة واسعة من الأسلحة الفردية التي تصنعها الصناعات العسكرية الإيرانية، وهي نسخ عن السلاح الروسي والصيني وبعضها من تطوير إيراني خاص، وخصوصاً القناصات الخفيفة والثقيلة، كما يتزوّد الحرس الثوري الإيراني بمنظومات مختلفة من الأسلحة المضادة للدروع؛ وبعضها من الجيل المتطور الذي يوازي مثيلاته من السلاح الروسي، إضافةً إلى المدفعية المقطورة والمحمولة من عيارات مختلفة، وكذلك راجمات الصواريخ من عيارات خفيفة ومتوسطة وثقيلة؛ ومن ضمنها راجمات ثنائية ورباعية لصواريخ فجر التي تصنّف ضمن راجمات الصواريخ الثقيلة متوسطة المدى، وكذلك بخصوص سلاح المدرعات الذي يضم آلاف الدبابات وناقلات الجند وأهمها الدبابة ذوالفقار التي تجمع خصائص الدبابات الأمريكية والروسية بما يتلاءم مع الحاجات الإيرانية.
 
ب- فيلق القوات الجوية: ويضّم تشكيلة واسعة من الطائرات الحربية؛ ومن ضمنها طائرات تمّت صناعتها بالكامل في مؤسسات الصناعة العسكرية الإيرانية؛ وأهمها طائرة الصاعقة وهي تطوير إيراني، وكذلك الحوامات بنوعيها المخصصة للنقل وتلك التي تحمل سلاحاً قادراً على التعامل مع الأهداف البشرية أوالمتحركة، كالسيارات والناقلات المدرعة والدبابات وحتى الأهداف البحرية الصغيرة، وكذلك الطائرات دون طيّار التي يمتلك الحرس الثوري الإيراني أعداداً كبيرة منها بما فيها تلك القادرة على إصابة الأهداف ليلاً ونهاراً، وأما عن الدفاع الجوي، فيعتمد على منظومات متقدمة ومتكاملة تبدأ بالصواريخ المحمولة على الكتف إلى منظومات الـ”أس200” الروسية وتلك التي تشابهها من حيث القدرة وهي صناعة إيرانية، وكذلك آلاف المدافع المضادة للطائرات والتي تمّ تزويدها بمنظومات متابعة رادارية ذاتية، كما يمتلك سلاح الدفاع الجوي منظومة متطورة من الرادارات التي تغطي مساحات كبيرة من الأجواء الإيرانية وحتى أجواء الدول المحيطة بإيران.
 
جـ- فيلق القوات البحرية: ويمتلك أعداداً كبيرة من القطع البحرية كالمدمرات التي تستطيع القيام بمهمات في المحيطات، وكذلك الغواصات القادرة على العمل في أعماق البحار لمدة طويلة، كمّا طوّر سلاح البحرية العديد من أنواع الزوارق الكبيرة والصغيرة لتقوم بمختلف مهمات الحراسة والقتال.
 
د- الصواريخ الباليستية: يشرف الحرس الثوري على برنامج إيران للصواريخ، والذي يضم تشكيلة واسعة يصل مداها بطرازاتها العاملة حالياً الى 3000كم، وقادرة على حمل رؤوس متعددة الطرازات وبقدرات تدميرية هائلة، وهذه الصواريخ من طرازات متوسطة وبعيدة المدى تتراوح بين 1000 و3000كم.
 
هـ- فيلق القدس: يعد الجناح العسكري الذي يقوم بعمليات خاصة خارج الحدود، وتقدر قواته بنحو50 ألف عنصر، يعملون تحت قيادة قاسم سليماني. الذي رقي لرتبة اللواء في العام 2011 وهي أعلى رتبة في الحرس الثوري، ويعتبر سليماني المخطط لمبادرتين رئيسيتين في السياسة الخارجية الإيرانية وهما: ممارسة وتوسيع نفوذ طهران في الشؤون السياسية الداخلية بالعراق، وتقديم دعم عسكري لنظام الرئيس بشار الأسد.
 
ويعتبر فيلق القدس أهم ذراع إيرانية تعمل خارج الحدود، ويتكفّل بتشكيل وتدريب وتوجيه الميليشيات المختلفة التي ترتبط بإيران، خاصة في لبنان (حزب الله) والعراق(ميليشيات الحشد الشعبي) وسوريا (الفصائل الشيعية) واليمن(الانقلابيين الحوثيون). كما أنه يعتبر المسئول عن التخطيط لحروب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية، بما فيها استخدام واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية أنشطته الخارجية.  وقد بنى قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني الذي يلقبه المرشد الأعلى علي خأمنئي باسم “الشهيد الحي”، شبكة علاقات واسعة في المنطقة تمتد من اليمن إلى سوريا والعراق وغيرها من الدول بحيث بات الوجه الأبرز لحجم النفوذ الأيراني في هذه الدول. وتنقسم قوات فيلق القدس إلى مجموعات محددة وفقاً للتقسيم الجغرافي لكل بلد، فهناك مديريات؛ للعراق، لبنان، فلسطين، والأردن، أفغانستان وباكستان والهند، تركيا وشبه الجزيرة العربية؛ الدول الآسيوية من الاتحاد السوفياتي السابق، الدول الغربية “أوروبا وأمريكا الشمالية”، وشمال أفريقيا، مصر، تونس، الجزائر، السودان، والمغرب. كما أن لدى الفيلق مكاتب في العديد من السفارات الإيرانية.  
 
وتقسم الاذرع الخارجية “لفيلق القدس” إلى هيئات حسب الساحات التي تعمل فيها؛ فهنالك ادارات مسؤولة عن العراق ولبنان والاردن وفلسطين والجزيرة العربية وشمال أفريقيا العربية وباكستان والهند والساحة الآسيوية وتركيا والساحة الأوروبية والأمريكية والأفريقية جنوب الصحراء والساحة الروسية. وتذهب التقديرات إلى أن أحد فروع العمليات الخارجية في الحرس الثوري تتشكل من 12000 مقاتل يتكلمون اللغة العربية، من الإيرانيين والأفغان الشيعة والعراقيين واللبنانيين، الذين تدربوا في إيران أوتلقوا تدريباً في أفغانستان خلال سنوات الحرب الأفغانية.
 
وتشير العديد من الدراسات إلى أن فيلق القدس ينفذ مجموعة من وظائف حساسة للغاية: كالاستخبارات، والعمليات الخاصة، وتهريب الأسلحة والعمل السياسي، اضافة الى الاستثمار في مشاريع اقتصادية بدول إفريقية مختلفة كمدغشقر والسودان ونيجيريا والسنغال، وأنها غطاء لتسهيل العمليات، التي تتعلق بتهريب السلاح والمخدرات وتجنيد عملاء، وتنفيذ عمليات تشييع جماعي لمواطني تلك الدول. وينفذ فيلق القدس (بالتعاون مع هيئات ايرانية أخرى) سلسلة واسعة من العمليات السرية خارج حدود ايران بواسطة “الوحدة 400”، وهي وحدة العمليات الخاصة الأكثر تدريباً وتجهيزاً، والموكلة بمهام تنفيذ العمليات ضد معارضي النظام الإيراني، وكافة العمليات الخارجية التي تحدد لها من قبل الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، ومن بينها المساعدة المتنوعة والواسعة للنظم الموالية لإيران، ومن بينها نقل الوسائل والمعدات القتالية، الاستشارة الاستراتيجية، عمليات الارشاد والمعونات المالية. كما تتولى هذه الوحدة مهمة انشاء الخلايا الاستخبارية في العالم، ونشر وتصدير “قيم الثورة”، عن طريق إقامة المنظمات الخيرية والتعليمية والطبية في مناطق متفرقة من العالم، وخصوصاً في الشرق الأوسط، الذي تشرف على أبرزها هذه الوحدة بشكل كامل.  
 
وعلى الرغم من أن عدد عناصر الحرس الثوري يقل عن عدد قوات الجيش النظامي، إلا أن الحرس يُعتبر القوة العسكرية المهيمنة في إيران، وهويقف وراء العديد من العمليات العسكرية الرئيسية في البلاد وخارجها. ويقوم القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، بدور كبير في تنفيذ سياسات آية الله على خامنئي في الخارج. ويحتل الأعضاء السابقون بالحرس الثوري مراكز مرموقة في وزارة الاستخبارات والأمن، التي تخضع نظرياً لسلطة الرئيس ولكنها تخضع فعليا إلى المرشد الأعلى. بالإضافة إلى أن “الحرس الثوري” يهيمن على هيئتين أمنيتين؛ إحداهما تتعامل مع الشؤون الداخلية، فيما تعالج الثانية الاستخبارات الأجنبية.
 
الحرس الثوري ومشروع إيران التوسعي 
 تعول إيران كثيراً على الحرس الثوري وميليشياتها العسكرية وأذرعها الخارجية في تنفيذ استراتيجيتها للتمدد الإقليمي، ولهذا بدأت تولي اهتماماً في العامين الماضيين بالاستثمار في إنشاء ميليشيات متعددة الجنسيات تدين بالولاء (الطائفي- الأيديلوجي) لها، كي توظفها متى أرادت. وتكشف تصريحات القائد العام للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري لمجلة «سروش» الإيرانية في شهر مارس 2019 عن طبيعة الدور الذي يمثله الحرس الثوري في مشروع إيران الإقليمي للتمدد والسيطرة، فقد أشار بوضوح إلى أن الحرس الثوري قام بتجنيد 200 ألف عنصر في العراق وسوريا. لافتاً النظر إلى أن بلاده قامت بتجنيد 100 ألف عنصر في العراق، ونفس العدد في سوريا، مؤكداً أن هذا الإجراء هومن ضمن سياسات إيران في دول المنطقة. وحول مهمة هذه العناصر في سوريا، قال قائد الحرس الثوري الإيراني: “مهمتها محاربة داعش والنصرة والمعارضة السورية”. وأضاف محمد علي جعفري أن بعض القوات الإيرانية ذهبت إلى العراق كي تنقل التجارب الإيرانية إلى هناك، وليقوم الحرس الثوري بتدريب المجندين العراقيين. كما أكد جعفري التدخلات العسكرية الإيرانية في دول المنطقة وقال: “محور المقاومة يطالب إيران بالدعم العسكري”.
 
وتشير خبرة السنوات الماضية إلى أن مشروع الحرس الثوري التدميري والتخريبي في المنطقة يعتمد بالأساس على نشر الطائفية وتأسيس المليشيات العقائدية المسلحة المرتبطة بإيران، والتي تتلقى مختلف مظاهر الدعم، وبالتحديد عبر الخدمات والتسهيلات التي يقدمها “فيلق القدس” للجهاد الخارجي، وهوذراع الحرس الثوري الإيراني في العمل خارج الحدود الجغرافية للدولة، وهذا الجهاز يقدم الدعم المالي، واللوجستي والإعلامي، وتوفير السلاح والتدريب والإسناد الميداني، للميليشيات المسلحة التابعة لإيران، والتي تم إنشاؤها بقرار إيراني على أعلى مستويات القيادة السياسية. ومهمة هذه المليشيات العمل على تحقيق الهدف النهائي وهوفرض السيطرة الإيرانية “غير المباشرة” على هذه الدول المستهدفة.
 
وحاولت إيران توظيف أحداث ما يسمى بـ”الربيع العربي” في الترويج لنموذجها الثوري، وسعت إلى الترويج لفكرة أن الفوضى والاضطرابات التي عمت بعض الدول العربية عام 2011، تعد امتداد للثورة الإيرانية، أو“صحوة إسلامية” في المنطقة، كما أطلق عليها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي. ومنذ هذه الأحداث، سعت إيران إلى التمدد طائفياً وسياسياً في المنطقة، وحاولت استغلال سقوط بعض الأنظمة العربية لاكتساب أرضية جديدة في الإقليم والترويج لما يسمي بـ”النموذج السياسي الإيراني”. وكان الحرس الثوري هوالأداة لتنفيذ مشروع إيران التوسعي، حيث اتبع العديد من الوسائل والأساليب في هذا السياق، لعل أبرزها: 
 
 1 - دعم وتمويل عدد كبير من الميليشيات في دول المنطقة؛ ففي العراق قام بتسليح ميليشيات الحشد الشعبي ودعمها مالياً، حيث تقوم هذه الميليشيات بالضغط على القرار السياسي في بغداد. وصنفت الولايات المتحدة بعض هذه الميليشيات «إرهابية»، وكان آخرها «حركة النجباء» التي تعتبر أحد أذرع السياسة الإيرانية في العراق. وفي سوريا تدعم إيران نظام بشار الأسد، حيث قامت بإرسال ميليشيات من دول مختلفة ومنها أفغانستان وباكستان تحت عناوين “لواء زينبيون” و”كتائب فاطميون”. كما قام الحرس الثوري بتقديم الدعم العسكري والمالي لميليشيات الحوثي الإرهابية في اليمن، وما يزال يقوم بتحريضها على عرقلة جهود الحل السياسي في اليمن. وما يزال حزب الله يتلقى الدعم الأكبر مالياً وعسكرياً من الحرس الثوري، خاصة أنه يتم الاستعانة به في مناطق الصراعات والأزمات.
 
ولا تتوان إيران عن توظيف هذه الميليشيات المسلحة في مدّ نفوذها وتعزيز هيمنتها على دول المنطقة، فعلي سبيل المثال، فإن الميليشيات الشيعية الموجودة في سوريا والعراق، تستهدف بالأساس إرساء كتلة إيرانية تمتد من العراق الى لبنان، للوصول إلى البحر المتوسط. كما توظف إيران ميليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن، لمحاولة بسط نفوذها في شبه الجزيرة العربية. وهذا الهدف الاستراتيجي، أكده تقرير للكونجرس الأمريكى صدر في العام 2015، أشار إلى أن طموحات إيران بالتوسُّع فى المنطقة عبر استغلال الانقسامات الطائفية فيها، لا يقل خطورة عن برنامجها النووى، وأن طموحات إيران التوسُّعية فى الشرق الأوسط يمكن أن تمثل خطراً على العالم لا يقل عن خطر طموحاتها النووية. وبالفعل حينما اندلعت الفوضى والاضطرابات في المنطقة عام 2010 حاولت إيران توظيفها لصالحها، واعتبرتها فرصة لرفع راية الثورة الخمينية، وبالتحديد في سوريا، فقد دخلت بكل ثقلها ضمن سياسة تبدوفي ظاهرها داعمة لنظام بشار الأسد، لكنها في باطنها تطمح لاستكمال مشروع التمدد الذي بدأ بشكل جزئي مع حزب الله في لبنان.
 
2 - السعي إلى استنساخ تجربة حزب الله في العديد من دول المنطقة: تحول حزب الله، لأهم ذراع عسكري لإيران في الخارج، حيث توظفه في صراعاتها بالمنطقة، كما تستفيد من خبرة عناصر الحزب في عمليات الاغتيالات والتفجيرات من أجل توجيه رسائل للمجتمع الدولي والتخلص من أعدائها ومعارضيها، كما تستعين بالحزب في تهديد أمن واستقرار العديد من دول المنطقة، فقد ثبت ضلوع الحزب في عمليات تخريب في عدد من دول الخليج كمملكة البحرين والكويت، كما القي القبض على خلايا تابعة للحزب في عدد من الدول العربية لكن دور الحزب الأكبر ظهر في الصراع اليمني الحالي، ودعم الحزب المطلق لمليشيا الحوثي الأمر الذي أماط اللثام عن وجهه الطائفي البغيض، ولعل هذا يفسر إدراج دول الخليج لحزب الله ضمن المنظمات الإرهابية.وقد سلط تقرير لمعهد “جلوبال ريسك اينسايتس” البريطاني، صدر في شهر نوفمبر 2017 الضوء على النفوذ المتزايد لحزب الله اللبناني، ومحاولات إيران استنساخه في بلدان الشرق الأوسط، خاصة في اليمن والعراق وسوريا، وبحسب التقرير، فإن العراق وسوريا ولبنان أصبحت هي الخط الأمامي في هذا المد المتزايد للقوة العسكرية والاقتصادية الإيرانية. ويشير التقرير إلى أن إيران تمددت عبر استنساخ نموذج ميليشيات «حزب الله» داخل دول المنطقة، بحجة «الدفاع عن أمنها القومي وتأمين حدودها الخارجية، وأصبح الطريق من طهران إلى بيروت ليس معبدا لنقل الحرس الثوري وفيلق القدس الأسلحة والإمدادات فحسب، بل الأيديولوجية والنفوذ في عمق الأراضي العربية أيضاً».  
 
نجاح إيران في تأسيس حزب الله اللبناني في ثمانينيات القرن الماضي، وتوظيفه سياسياً وعسكرياً، جعلها تركز على إنشاء ميليشيات عسكرية شبيهة في العديد من دول المنطقة، كي تستخدمها كأداة لتنفيذ أهدافها ومخططاتها في الخارج. ففي اليمن يأتي دعم الحرس الثوري لميليشيا الحوثي الإرهابية من منطق مصلحي وسياسي واستراتيجي بحت، صحيح أن الحوثيين يدينون بالمذهب الشيعي، ويرتبطون بعلاقات تاريخية مع المرجعية الشيعية في قم، إلا أن إيران سعت إلى توظيفهم في الصراع السياسي في اليمن، حيث تعتبر ميليشيا الحوثي أداة في يدها وتعتبرها جزءاً جوهرياً لحركتها وصراعها الإقليمي والدولي، على أساس أن اليمن هوامتداد لمشروع إيران الإقليمي، ولهذا فإن الهدف الرئيسي من التدخل الإيراني في الصراع الدائر باليمن ودعم الحوثيين هواستنساخ نموذج آخر من»حزب الله» اللبناني في الحدود الجنوبية للسعودية.   
 
وفي دول الخليج سعت إيران إلى دعم بعض الحركات المحظورة على أمل تحويلها إلى نسخة مشابهة لحزب الله اللبناني، فقد دعمت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ومقرها طهران، في محأولة لتحويلها إلى (حزب الله البحريني)، وقد قامت هذه الجبهة بعمليات تخريبية في البحرين ما بين عام 1994م، و1996م ـ وفي منتصف الثمانيات وبالتحديد عام 1987 قام الحرس الثوري بإنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتفق على تسميته بـ»حزب الله» الحجاز، وتولى هذا الحزب العمليات الإرهابية في السعودية، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني لعمليات الإرهاب والفتنة، في أيام الحج، وافتعال المظاهرات الحاشدة في مواسم الحج بغرض القتل والتخريب. كما كان لإيران دور في إنشاء حزب الله الكويت والذي اتخذ له أسماء منظمات وهمية مثل: (طلائع تغيير النظام للجمهورية الكويتية، وصوت الشعب الكويتي الحر، ومنظمة الجهاد الإسلامي، وقوات المنظمة الثورية في الكويت،) وتأسس بمجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في قم، ويرتبط معظمهم بالحرس الثوري الإيراني. وفي العراق، وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين وتصاعد النفوذ الشيعي عام 2003، عملت إيران على توحيد الفصائل الشيعية عام 2006 لتشكل حزب الله-العراق الذي صنّفته الولايات المتحدة عام 2009 منظمة إرهابية. وقد شاركت هذه الفصائل في الحرب السورية بحجة الدفاع عن مرقد السيدة زينب في دمشق، وفي عدة معارك ضد تنظيم داعش في العراق. وفي سوريا، ما زال الحرس الثوري يسعى جاهداً إلى تأسيس حزب الله هناك، من خلال إدماج الميليشيات الشيعية هناك في فصيل واحد، خاصة أن هذه الميليشيات تعتنق إيديولوجية «ولاية الفقيه» الاستبدادية والمتطرفة الإيرانية الوفية للمرشد الإيراني الأعلى السيد علي خأمنئي على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني.  وفي اليمن، فإن الحرس الثوري يقف وراء تأسيس ميليشيا الحوثي الإرهابية، وهذا ما أكده القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، الذي أشار إلى أن إيران هي التي صنعت الجماعة الحوثية في اليمن والتي وصفها بـ”المقأومة اليمنية”، وقال إنها تعتبر آخر إنجاز للثورة الإيرانية، وإن”الحوثيين يتخذون من الثورة الإيرانية نموذجا لمقأومة النظام المتسلط”، مشيراً إلى أن “مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج يسير بشكل جيد”. 
وفي دول الخليج العربي، فإن للحرس الثوري عدة محاولات للتدخل من أجل زعزعة الاستقرار فيها، ويظهر ذلك جليا في البحرين التي أعلنت مرارا تفكيك خلايا إرهابية مرتبطة بهذا الجهاز وكذلك الكويت، عدا عن محاولاته المستمرة بالمساس بأمن واستقرار السعودية.
 
3 - تحويل الميليشيات العسكرية التابعة لها إلى نموذج للحرس الثوري الإيراني داخل أنظمة الدول التابعة لها تلك الميليشيا، وهوما كشف عنه لقاء قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري خلال لقائه رئيس أركان الجيش الباكستاني قمر جأويد باجوا في شهر أكتوبر 2017، فقد أوصى بضرورة نقل تجربة ميليشيا الباسيج الإيرانية إلى باكستان عبر لواء «زينبيون» المقاتل في سوريا، معلنًا استعداد قواته للتعاون مع الجيش الباكستاني في نقل التجربة. والواقع أن إيران تسعى منذ سنوات إلى دمج الميليشيات الشيعية التي أنشأتها لتكون نواة للحرس الثوري في تلك الدول، وترسيخها كذراع عسكرية تابعة لها في المنطقة. ويركز الحرس الثوري في هذه المرحلة على كل من سوريا والعراق، وهذا ما يفهم من تصريحات نائب القائد العام لحرس الثورة الأيرانية العميد حسين سلامي في فبراير 2018، التي قال فيها:»إن الجيشين السوري والعراقي يشكلان العمق الاستراتيجي لإيران»، ولهذا لم تتوقف الضغوط الأيرانية على حكومة بغداد طيلة الأعوام الماضية من أجل تحويل ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى حرس ثوري عراقي على غرار ما هوموجود في إيران. ولا شك في أن هذه المحاولات إنما تؤكد أن الحرس الثوري يواصل تصدير «منتجات» الثورة الإيرانية، باعتبارها نموذجًا قابلا للاحتذاء به، خاصة نموذج «الباسيج»، بما يساعد في الترويج لبناء ميليشيات موازية للجيوش التقليدية، يمكنها أن تمارس أدوارًا سياسية وعسكرية في الداخل والخارج.  كما يستهدف الحرس الثوري من وراء هذه المحأولات من ناحية ثانية توظيف هذه الميليشيات في تحقيق أهدافه التدخلية والتوسعية في المنطقة.  
 
4 - استحداث ما يسمى بـ “الميليشيات متعددة الجنسيات”: في إطار سعيها لإنجاح مخططها الرامي إلى توظيف كل الأوراق التي تمكنها من بسط نفوذها على منطقة الشرق الأوسط، تراهن إيران على الميليشيات الطائفية المسلحة متعددة الجنسيات في أكثر من ساحة. حيث أسس الحرس الثوري الإيراني في سوريا في شهر نوفمبر 2017 ميليشيا جديدة تحت مسمى مذهبي أنصار المهدي اللواء 313، يجمع شيعة منطقة درعا، وتهدف هذه الميليشيا إلى تعزيز نفوذ إيران في سوريا، تحسباً لأية تفاهمات أمريكية- روسية محتملة بشأن سوريا.  وظاهرة الميليشيات متعددة الجنسيات هي ذات بعد طائفي بالأساس، وقد أثيرت من قبل في أغسطس عام 2016، حينما اعترف الجنرال محمد علي فلكي أحد أبرز قادة الميليشيات الشيعية والقوات الإيرانية في سوريا بنية إيران إعادة تنظيم الميليشيات الموالية لطهران في سوريا وصهرها في بوتقة إطار تنظيمي يحمل اسم «جيش التحرير الشيعي».  وتعتمد تشكيلة «جيش التحرير الشيعي» على قوات محلية تضم ألوية من العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وباكستان واليمن.   على أي حال، فإن هذه الميليشيات الطائفية متعددة الجنسيات التي يشرف عليها الحرس الثوري هي ذراع جديدة تستخدمها إيران في تحقيق أهدافها الطائفية في المنطقة، وتوظفها في تأمين بقاء أنظمة الحكم الحليفة لها، وتنوب عن جيشها النظامي في حروبها التي تخوضها في أكثر من جبهة.
 
إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية الأمريكية .. الدلالات والتداعيات
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، في الثامن من أبريل 2019، إدراج «الحرس الثوري الإيراني» على لائحة المنظمات الإرهابية، واعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرس الثوري يشارك بفاعلية في تمويل ودعم الإرهاب باعتباره أداة من أدوات للدولة الإيرانية. وأشار ترامب إلى أن «الولايات المتحدة ستواصل الضغوط المالية والاقتصادية على إيران، وسنزيد من كلفة دعمها للأنشطة الإرهابية». وأضاف: «الحرس الثوري يشارك بفاعلية في تمويل الإرهاب والترويج له باعتباره وسيلة لتفكيك الدول». وجاء القرار الأمريكي في سياق التصعيد المتواصل بين واشنطن وطهران بداية من وصول ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2017، مرورا بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في 8 مايو2018، وانتهاء بفرض عقوبات أمريكية على إيران عبر مرحلتين في أغسطس ونوفمبر من العام  2018.
 
وتعتبر هذه المرة الأولى التي تصنف فيها الولايات المتحدة جزءا من جيش دولة أجنبية رسميا كمنظمة إرهابية، خاصة وأن الحرس الثوري الإيراني يعد أحد أهم العناصر داخل القوات المسلحة الإيرانية، وستشكل هذه الخطوة ضربة قاسمة ليس فقط للحرس الثوري، بل للمشروع الإيراني في المنطقة، وذلك بالنظر للعوامل والاعتبارات التالية:
 
1 - أنها ستحكم الحصار على إيران، ليس فقط بسبب فرض عقوبات اقتصادية على مؤسسات أوأشخاص في النظام الإيراني وإنما أيضاً لأنها تصف الحرس الثوري الذي يعد أحد أركان النظام الإيراني داخليًا وخارجيًا ويرتبط مباشرة بعلي خامئني مرشد الثورة الإيرانية بالإرهاب والتورط في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.  ويجمع المراقبون على أن تصنيف الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية الأمريكية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد بين واشنطن وطهران، لن تقتصر على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وإنما قد تمتد إلى التصعيد العسكري، لاسيما في حالة ما إذا اتجهت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات إجرائية على الأرض لتفعيل هذا القرار. وفي حالة ما إذا سعت إيران إلى التلويح بخيارات أخرى غير مباشرة بعد أن ردت على القرار الأمريكي بقرار مضاد اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي باعتبار «النظام الأمريكي حكومة داعمة للإرهاب» و»وضع القوات الأمريكية الموجودة في غرب آسيا في قائمة التنظيمات الإرهابية من وجهة النظر الإيرانية، فإنها تضع نفسها في مواجهة غير متوازنة وغير مأمونة العواقب مع الولايات المتحدة الأمريكية.
 
2 - تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أجنبية سيكون له تأثير سياسي واقتصادي، إذ سيعيق أعمال الحرس الثوري، ويقلص من قدراته على الإيذاء وبسط السيطرة داخلياً، من خلال إضعاف قبضته الحديدية وقوة البطش التي يمارسها على الشعب الإيراني، والتي تجلت مراراً في السيطرة على حركات الاحتجاج المتوالية في المدن الإيرانية والتي سرعان ما يتم إخمادها بفعل قوة البطش التي تمارسها ميليشيا الحرس الثوري. وهذا القرار الذي يحظر التعامل مع الحرس الثوري الايراني يعني عملياً تقييد حركة ميلشيا إيرانية مارقة تضم أكثر من مائة ألف عنصر إرهابي في خارج إيران، ومثلهم في الداخل يمثلون عناصر “الباسيج” الذين يقمعون الشعب الإيراني ويحولون دون نجاح أي حراك شعبي خلال الأعوام الماضية، والتقييد يشمل أيضاً نحوثلث أنشطة الاقتصاد الإيراني متمثل في الشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري. 
 
3 - احتواء خطر الإرهاب الإيراني في المنطقة: لا شك أن إدراج الحرس الثوري على لائحة المنظمات الإرهابية الأمريكية سيحد كثيراً من النفوذ الإيراني في المنطقة؛ خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الحرس الثوري الإيراني هوقلب نظام الإيراني وذراعه الطولى في الخارج، وهوالمسؤول عن دعم وتمويل وتدريب الحركات الإرهابية التابعة له، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان ومليشيات الحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق. أي أن الهدف من القرار الأمريكي هوفضح ممارسات الحرس الثوري ومدى ارتباطه بالإرهاب، بما يؤدي إلى فضح مزاعم نظام الملالي الذي لا يكف عن الحديث عن الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، بما يؤدي بالتبعية إلى إحكام طوق العزلة الدولية حول النظام، الذي يحاول خداع العالم والتظاهر بأنه ضحية لما يصفه بالسياسات العدائية الأمريكية.
 
وهذا الإجراء الأمريكي المهم لن يسهم فقط في تفكيك البنية الإرهابية للنظام الإيراني، وإنما أيضاً في جعل طهران تدخل في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، خصوصاً أن الحرس الثوري الإيراني، الذي يقود مئات المليشيات في المنطقة، يعتبر من أهم الأدوات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما يقف وراء العمليات الإرهابية التي استهدفت معارضين في الخارج في السنوات الماضية. 
 
ولهذا فإن التحرك الأمريكي تجاه الحرس الثوري سيقوض من الدور الإيراني الإرهابي في المنطقة والعالم، لا سيما أنه جاء وسط أجواء عامة في الغرب، بأن إيران باتت الخطر الأول على المنطقة، وكذلك بعد شهر واحد من حظر بريطانيا أيضاً أذرعاً لإيران، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، بشقيه السياسي والعسكري، وهناك مطالبات داخل البرلمان البريطاني بإدراج الحرس الثوري على لائحة التنظيمات الإرهابية، أسوة بالخطوة الأمريكية.
 
4 - تعميق أزمة الاقتصاد الإيراني، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الحرس الثوري يسيطر على نحو800 شركة اقتصادية كبيرة تهيمن على حركة التجارة والاقتصاد عبر شركات تعمل تحت لافتة مؤسسة «خاتم الأنبياء» التي يديرها قيادات الحرس الثوري تحت شعار ديني. ولا شك أن إحكام الحصار على ميليشيا الحرس الثوري يعني بالتبعية شل حركة الاقتصاد الإيراني، فإدراجها على قائمة الإرهاب الأمريكية يعني وقف التحولات المالية وانهيار قدرتها على مواصلة العمل التجاري، حيث تغلغلت شركات الحرس في جميع أنشطة الاقتصاد الإيراني ابتداء من إدارة شبكات الاتصالات حتى تجارة التجزئة مروراً بقطاعات الطرق والموانئ والمستشفيات والبنوك والطاقة والتأمين وغير ذلك. في الوقت ذاته، فإن وضع الحرس الثوري على قائمة العقوبات الأمريكية الخاصة بالمنظمات الإرهابية الأجنبية، متسق مع استراتيجية الضغط القصوى لترامب، إذ أنه يزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران في الداخل والخارج. ويعني تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أيضا فرض عقوبات على أي مؤسسات مالية أومصارف تتعامل مع الحرس الثوري. ومن شأن التصنيف أيضا أن يزيد من خطورة إقامة أي علاقات اقتصادية أوتجارية مع إيران.
 
5 - عرقلة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة: لا شك أن محاصرة الأنشطة الاقتصادية للحرس الثوري تعني في حقيقة الأمر محاصرة للنظام الإيراني بأكمله، وإضعافا لقدرته على التحرك خارجياً من أجل مواصلة تنفيذ مخططاته التوسعية في سوريا واليمن والعراق ولبنان ودول المنطقة بوجه عام، فضلاً عن كونها خطوة مهمة تعكس استراتيجية ضغط بعيدة المدى لإنهاك القوة الشاملة لإيران وشل قدرتها على خوض صراعات إقليمية كبرى، في ظل اقتصاد متدهور ومليشيات لا تستطيع التزود بالأموال ولا تمتلك القدرة على التزود بالأسلحة ودفع الرواتب، كما أن هذه الخطوة ستؤدي كذلك إلى فقدان المقدرة على توفير الأموال لاستقطاب التنظيمات العميلة الموالية لإيران والتي تنفذ أجندتها الخارجية ضمن استراتيجية الحرب بالوكالة التي تعتمد عليها إيران في تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية إقليمياً.
 
6 - محاصرة التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة التابعة لإيران في الخارج، لا شك أن إدراج الحرس الثوري على لائحة الإرهاب سيعمق مأزق المليشيات والأذرع الخارجية المرتبطة به في الخارج، ويضعها تحت المجهر، بدءاً من «حزب الله» اللبناني ومروراً بمليشيات الحوثي الإرهابية في اليمن، ونهاية بميليشيات الحشد الشعبي في العراق، الأمر الذي يقوض نشاط هذه التنظيمات والميليشيات، ويجعلها تدخل في دائرة الاستهداف من الناحية الأمنية أمريكياً، وربما أوروبياً في وقت لاحق.
 
في الوقت ذاته، فإن هذه الميليشيات والتنظيمات التي تعتمد في تمويلها على الحرس الثوري ستتأثر بعد العقوبات الأمريكية الجديدة، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني، على نحوبدا جليا في تأكيد واشنطن حرصها على مواصلة جهودها لكبح نشاطات الحزب التي يدعم من خلالها حضور إيران في المنطقة، وكان ذلك في الأساس العنوان الأبرز في زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيوإلى لبنان في مارس 2019، وقد لا يكون مستبعدا أن تشمل هذه الإجراءات المليشيات الأخرى الموجودة في سوريا والعراق واليمن والأراضي الفلسطينية، والتي تحولت إلى تنظيمات جوالة تتواجد أينما تقتضي مصالح إيران ذلك.
 
خاتمة
 قرار الولايات المتحدة تصنيف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»، يعد ضربة قاصمة للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، خاصة أن الحرس الثوري وما يرتبط به من ميليشيات مسلحة وتنظيمات إرهابية هي رأس الحربة في تنفيذ هذا المشروع. كما أن هذا القرار سيؤثر أيضاً على قدرات إيران العسكرية والدفاعية، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الحرس الثوري هومن يسيطر على برنامج إيران للصواريخ الباليستية. في الوقت ذاته، فإن القرار الأمريكي، وما قد يترتب عليه من تداعيات بالغة الأهمية كما سبق الإشارة، قد يفاقم من حركة الاحتجاجات في الداخل الايراني، بسبب تردي الأوضاع المعيشية وتهالك البنية التحتية على النحوالذي بدا واضحاً في الأزمة التي فرضتها السيول التي اجتاحت إيران في شهر أبريل 2019، والتي كشفت بوضوح عن انهيار المرافق والبنية الأساسية في العديد من القطاعات، وانشغال النظام بتوجيه موارد إيران المالية النفطية الكبيرة إلى تمويل مخططاته التوسعية ودعم تنظيمات الإرهاب في الخارج.
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-05-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-12-04
2014-09-01
2014-03-16
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره