مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-12-12

خطر الميليشيات الطائفية ودورها في استراتيجية التوسع الإيرانية

حروب بالوكالة
صعدت ظاهرة الميليشيات الطائفية المسلحة المرتبطة بإيران إلى واجهة الأحداث في الآونة الأخيرة، بعدما ثبت أنها أحد أخطر الأدوات العسكرية المؤدلجة التي توظفها طهران لتنفيذ أهدافها في المنطقة، سواء فيما يتعلق بالتوسع والتمدد، أو فيما يتعلق بتهديد أمن واستقرار دول المنطقة. وتسلط “درع الوطن” الضوء في هذا العدد على الأذرع الطائفية والمذهبية الإيرانية في خوض حروب بالوكالة لتحقيق أهدافها التوسعية ونشر الفوضى والاضطرابات في أرجاء المنطقة العربية من اجل الانقضاض على دولها وتحقيق الأحلام الإمبراطورية الفارسية التي يستحضرها النظام الإيراني من التاريخ القديم.
 
 
جاء الصاروخ الباليستي الذي أطلقه الانقلابيون الحوثيون تجاه العاصمة السعودية الرياض في الرابع من نوفمبر الماضي، ليؤكد أن إيران ماضية في تنفيذ سياستها العدوانية التي تزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، غير عابئة بقرارات مجلس الأمن الدولي التي تحظر عليها إمداد الحوثيين بهذه النوعية من الأسلحة، وتأكد هذا الأمر بعد وقوع جريمة استهداف أنبوب نقل النفط قرب العاصمة المنامة بعد ذلك بأيام قلائل، حيث وجهت الاتهامات رسمياً إلى إيران بالتورط في التخطيط والتحريض على هذه الجريمة.
 
 
حينما تم توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة(5+1) في يوليو من عام 2015، توقع البعض وقتها أن يشكل الاتفاق بداية لتغيير سلوك طهران العدائي، وانخراطها الإيجابي في حل أزمات وقضايا المنطقة المختلفة، لكنها، وللأسف، تصورت أن هذا الاتفاق يطلق يدها للهيمنة على المنطقة، فواصلت سياسات التمدد والتوسع من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتسليح ودعم ميليشياتها المسلحة، وخاصة “حزب الله” وجماعة “الحوثي”،  وتوظيفهما مع غيرهما من أذرع إيران المسلحة مثل الحشد الشيعي في العراق، في العديد من صراعات المنطقة، ولهذا باتت إيران العامل الرئيسي وراء زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي.
 
 
الميليشيات الطائفية واستراتيجية إيران التوسعية
منذ وقوع ثورة الخميني عام 1979، وإيران تستثمر الكثير من مواردها المالية في زرع ميليشيات عسكرية وأذرع أيديولوجية تدين بالولاء الكامل لها، ليجري استخدامها كأدوات رئيسية للسياسة الإيرانية في المنطقة في جوانبها العسكرية والاستراتيجية والعقائدية. وتمثلت بداية هذا الاهتمام في تشكيل الحرس الثوري الإيراني من مقاتلي الباسيج، الذين شاركوا في الحرب العراقية-الإيرانية واكتسبوا خبرات قتالية، ثم أصبح الحرس الثوري الإيراني أكبر وأقوى ميليشيا إيرانية موازية للقوى النظامية الإيرانية من جيش واستخبارات وشرطة، وأفضل تسليحًا منها جميعاً، حيث يتحكم في القرار الأمني وحتى الاقتصادي في إيران. وضمن وحدات الحرس الثوري، يبرز (فيلق القدس) الذي يقوده اللواء قاسم سليماني، باعتباره أهم ذراع إيرانية تعمل خارج الحدود، وتتكفّل بتشكيل وتدريب وتوجيه الميليشيات المختلفة التي ترتبط بإيران، خاصة في لبنان (حزب الله) والعراق (ميليشيات الحشد الشعبي) وسوريا (الفصائل الشيعية) واليمن (جماعة الحوثي). كما أنه يعتبر المسئول عن التخطيط لحروب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية، بما فيها استخدام واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية أنشطته الخارجية. 
 
 
ولا شك في أن نجاح إيران في تأسيس حزب الله اللبناني في ثمانينيات القرن الماضي، وتوظيفه سياسياً وعسكرياً، جعلها تركز على إنشاء ميليشيات عسكرية شبيهة في العديد من دول المنطقة، كي تستخدمها كأداة لتنفيذ أهدافها ومخططاتها في الخارج، وفيما يلي عرض لأهم الجهود الإيرانية في هذا السياق: 
 
 
1 - استنساخ تجربة “حزب الله” في الدول العربية: ففي دول مجلس التعاون سعت إيران إلى دعم بعض الحركات المحظورة على أمل تحويلها إلى نسخة مشابهة لحزب الله اللبناني، فقد دعمت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ومقرها طهران، في محاولة لتحويلها إلى (حزب الله البحريني)، وقد قامت هذه الجبهة بعمليات تخريبية في البحرين ما بين عام 1994م، و1996م ـ وفي منتصف الثمانيات وبالتحديد عام 1987م قام الحرس الثوري بإنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتفق على تسميته بـ”حزب الله” الحجاز، وتولى هذا الحزب العمليات الإرهابية في السعودية، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني لعمليات الإرهاب والفتنة، في أيام الحج، وافتعال المظاهرات الحاشدة في مواسم الحج بغرض القتل والتخريب. كما كان لإيران دور في إنشاء “حزب الله” الكويت والذي اتخذ له أسماء منظمات وهمية مثل: (طلائع تغيير النظام للجمهورية الكويتية، وصوت الشعب الكويتي الحر، ومنظمة الجهاد الإسلامي، وقوات المنظمة الثورية في الكويت،) وتأسس بمجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في قم، ويرتبط معظمهم بالحرس الثوري الإيراني.
 
 
وفي العراق، وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين وتصاعد النفوذ الشيعي، عملت إيران على توحيد الفصائل الشيعية عام 2006 لتشكل حزب الله-العراق الذي صنّفته الولايات المتحدة عام 2009 منظمة إرهابية. وقد شاركت هذه الفصائل في الحرب السورية بحجة الدفاع عن “مرقد السيدة زينب” في دمشق، وفي عدة معارك ضد تنظيم “داعش” في العراق. وفي سوريا، تحاول إيران حالياً تأسيس “حزب الله” هناك، من خلال إدماج الميليشيات الشيعية هناك في فصيل واحد، خاصة أن هذه الميليشيات تعتنق أيديولوجية “ولاية الفقيه” الاستبدادية والمتطرفة الإيرانية الوفية للمرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني.  
 
 
2 - دعم وتأسيس ميليشيات عسكرية في الدول الإسلامية المجاورة لها (باكستان- أفغانستان): كجماعة جيش محمد (سباه محمد) في باكستان، والذي تأسس بين عامي 1993 و1994، بدعوى الدفاع عن حقوق الشيعة في باكستان، لكنه اتجه للعنف والاغتيال السياسي. ولواء (زينبيون) وهو ميلشيا موالية يتكون من الشيعة الباكستانيين، ذات مرجعية دينية من الشيعة الهزارة الذين يعيشون في باكستان، وشيعة باراتشينار وخيبر بختونخوا، وتم تشيكله وتدريبه من قبل الحرس الثوري الإيراني ويعمل تحت إمرته. وتحارب ميليشيا زينبيون في سوريا منذ 6 سنوات تحت لواء فيلق القدس، الذراع العسكري للحرس الثوري الإيراني. ولواء (فاطميون) الأفغاني، الذي تأسس عام 2014 من أبناء أقلية الهزارة الأفغانية الشيعية وبعضهم لاجئ في إيران، وذلك في ظل الحرب السورية وبهدف حماية المزارات الشيعة المقدسة في سوريا.
 
 
3 -  استحداث ما يسمى بـ”ظاهرة الميليشيات متعددة الجنسيات”: في إطار سعيها لإنجاح مخططها الرامي إلى توظيف كل الأوراق التي تمكنها من بسط نفوذها على منطقة الشرق الأوسط، تراهن إيران على الميليشيات الطائفية المسلحة متعددة الجنسيات في أكثر من ساحة. حيث أسس الحرس الثوري الإيراني في سوريا في شهر نوفمبر 2017 ميليشيا جديدة تحت مسمى مذهبي أنصار المهدي اللواء 313، يجمع شيعة منطقة درعا، وتهدف هذه الميليشيا إلى تعزيز نفوذ إيران في سوريا، تحسباً لأية تفاهمات أمريكية- روسية محتملة بشأن سوريا.  وظاهرة الميليشيات متعددة الجنسيات هي ذات بعد طائفي بالأساس، وقد أثيرت من قبل في أغسطس عام 2016، حينما اعترف الجنرال محمد علي فلكي أحد أبرز قادة الميليشيات الشيعية والقوات الإيرانية في سوريا بنية إيران إعادة تنظيم الميليشيات الموالية لطهران في سوريا وصهرها في بوتقة إطار تنظيمي يحمل اسم “جيش التحرير الشيعي”.  وتعتمد تشكيلة “جيش التحرير الشيعي” على قوات محلية تضم ألوية من العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وباكستان واليمن. وفي يناير الماضي 2017، قال قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري إن قواته تملك مائتي ألف مقاتل في 5 دول من الشرق الأوسط، وضمت القائمة باكستان إلى جانب سوريا والعراق وأفغانستان واليمن. وهذه الخطوة تشير إلى رغبة إيران في إنشاء ذراع عسكري جديد لها متعدد الجنسيات، تستخدمه في تحقيق أهدافها الطائفية في المنطقة، وليكون أداة حربية تحقق مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وتساعدها في تأمين بقاء أنظمة الحكم الحليفة لها، وتنوب عن جيشها النظامي في حروبها التي تخوضها في أكثر من جبهة. ولعل الأمر الخطير في هذه النوعية من الميليشيات العسكرية ذات الصبغة الطائفية أن إيران قد توظفها في صراعات المنطقة المختلفة، والتي تكون إحدى أطرافها أو تدعم أطراف أخرى فيها.
 
 
4 -  العمل على تحويل الميليشيات العسكرية التابعة لها إلى نموذج للحرس الثوري الإيراني: وهو ما كشف عنه لقاء قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري خلال لقائه رئيس أركان الجيش الباكستاني قمر جاويد باجوا في شهر أكتوبر 2017، فقد أوصى بضرورة نقل تجربة ميليشيا الباسيج الإيرانية إلى باكستان عبر لواء “زينبيون” المقاتل في سوريا، معلنًا استعداد قواته للتعاون مع الجيش الباكستاني في نقل التجربة (استنساخها). والواقع أن إيران تسعى منذ سنوات إلى دمج الميليشيات الشيعية في دول نشأتها لتكون نواة للحرس الثوري في تلك الدول، وترسيخها كذراع عسكرية تابعة لها في المنطقة.
 
 
دوافع الاهتمام الإيراني بتشكيل الميلشيات الطائفية
 اهتمام إيران بتشكيل ميليشيات طائفية عسكرية وأذرع تابعة لها في العديد من دول المنطقة، ينطلق بالأساس من عدة اعتبارات سياسية وعسكرية طائفية ومصلحية واستراتيجية، يمكن تناولها على النحو التالي:
 
 
1 -  التوظيف السياسي لهذه الميليشيات سواء في الضغط على حكومات الدول التي تتواجد بها كما هي الحال في حالة “حزب الله” اللبناني أو في إفشال أي تحركات سياسية لا تتواءم مع مصالحها مثلما فعلت مع الحوثيين، حينما أوعزت إليهم بضرورة إفشال المبادرة الخليجية للحل السياسي في اليمن، وصولاً إلى تقديم الدعم العسكري لهم حتى احتلال العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وتحريضهم خلال الآونة الأخيرة على إفشال المبادرات التي يقودها المبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية.
 
 
2 -  التوظيف العسكري لهذه الميليشيات في خوض حروب الوكالة: تدرك إيران أن دخولها في مواجهة عسكرية مباشرة مع دول المنطقة قد يكلفها الكثير، خاصة أن الحرب النظامية المباشرة الوحيدة التى خاضتها كانت مع العراق فى ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحرب التي جعلت إيران تشعر بمرارة الهزيمة والانكسار، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن هذه الحرب أوقعت في الجانب الايراني فقط مليون قتيل وأكثر من مليوني معوق وجريح و4 ملايين مشرد والحاق أكثر من ألف مليار دولار خسائر مادية، لهذا فإن إيران، وتفادياً في دخول مواجهة عسكرية مباشرة، بدأت في السنوات الأخيرة تعول على الميليشيات العسكرية والأذرع المحلية التابعة لها في دول المنطقة في تحقيق أهدافها العسكرية، فهي من خلال حزب الله، تشارك في الصراع السوري وتدعم نظام بشار الأسد، وهي في اليمن تواصل دعمها للحوثيين مادياً وعسكرياً، وتسعى إلى تحويلهم نسخة مشابهة لحزب الله اللبناني على الحدود السعودية.  
 
 
3 -  التمدد الإقليمي في المنطقة: لا شك أن إدراك إيران لقوتها جعلها تفكر في التدخل والتمدد استراتيجياً في دول الجوار، تأكيداً على أنها نموذج يمكن تكراره في دول أخرى، لا سيما أنها تنظر لنفسها باعتبارها الدولة الأكبـر في منطقة الخليج العربي، وليس أدل على وجود نوايا إيرانية للتدخل والتمدد في العالم العربي، من قيام النظام الإيراني بإعداد وثيقة تُعرف باسم “الاستراتيجية الإيرانية العشرينية” (2005 - 2025)، أو الخطة الإيرانية العشرينية (إيران: 2025)، وهي تُعتبر أهم وثيقة قومية وطنية تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عاماً، وتهدف إلى تحويل إيران إلى نواة مركزية لهيمنة تعددية داخلية في منطقة جنوب غرب آسيا (أي المنطقة العربية تحديدًا التي تشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وسيناء). والواقع أن إيران تعول كثيراً على ميليشياتها العسكرية وأذرعها الخارجية في تنفيذ استراتيجيتها للتمدد الإقليمي، ولهذا بدأت تولي اهتماماً في العامين الماضيين بالاستثمار في إنشاء ميليشيات متعددة الجنسيات تدين بالولاء (الطائفي- الأيديلوجي) لها، كي توظفها متى أرادت.
 
 
4 -  فرض الوصاية الإيرانية على دول المنطقة على أمل إحياء الإرث الإمبراطوري الفارسي، وتكشف تصريحات العديد من المسئولين الإيرانيين في الآونة الأخيرة عن تمسك إيران بهذا الحلم القومي العنصري، وهو ما أكده الرئيس الإيراني حسن روحاني، في شهر أكتوبر 2017 حينما قال في كلمة متلفزة ، إنه “لا يمكن في العراق وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا والخليج القيام بأي خطوة مصيرية دون إيران”، وذلك بعد أيام من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجيته الخاصة بإيران، وعبر روحاني عن دعمه المطلق لقوات الحرس الثوري وتدخلها العسكري في دول المنطقة، بعد ما كان ينتقدها في السابق، قائلاً: إن”الحرس الثوري ليس فقط محبوبا لدى الشعب الإيراني وإنما يحتل قلوب الشعب العراقي والأكراد ولبنان وسوريا”، حسب زعمه. وتعيد هذه التصريحات إلى الأذهان ما قاله علي يونسي، مستشار روحاني، في مارس 2015، حينما أعلن أن إيران “أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليًا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”. يونسي، الذي كان رئيسًا لوزارة الاستخبارات والأمن القومي الإيراني حتى عام 2005، كان يُشير إلى نيّة إيران في استعادة زمن الإمبراطورية الفارسية الساسانية التي أسست قبل الإسلام، وكان الفرس عمادها، واستمرت أكثر من أربعة قرون، ووضعت محاربة الخلافة الإسلامية بين استراتيجياتها في مرحلة من مراحلها المتأخرة. 
 
 
ولا شك في أن محاولة إيران فرض الوصاية على دول المنطقة، وخاصة لبنان، تفسر الأزمة السياسية التي فجرتها استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري في شهر نوفمبر 2017، فهذه الاستقالة جاءت احتجاجاً على محاولات طهران المستمرة السيطرة على القرار السياسي اللبناني، وهو ما أكده الحريري بقوله في حيثيات الاستقالة “أن إيران ما تحلّ في مكان إلا وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب، ويشهد على ذلك تدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية في لبنان وسوريا والعراق واليمن”، معتبرا أنها “زرعت بين أبناء البلد الواحد الفتن وتطاولت على سلطة الدولة وأنشأت دولة داخل الدولة وانتهى بها الأمر إلى أن سيطرت على مفاصلها وأصبحت لها الكلمة العليا والقول الفصل في شؤون لبنان واللبنانيين”.
 
 
5 -   تأكيد الهيمنة والنفوذ: لا تتوانى إيران عن توظيف الميليشيات المسلحة في مدّ نفوذها وتعزيز هيمنتها على دول المنطقة، فعلي سبيل المثال، فإن الميليشيات الشيعية الموجودة في سوريا والعراق، تستهدف بالأساس إرساء كتلة إيرانية تمتد من العراق الى لبنان، للوصول إلى البحر المتوسط. كما توظف إيران ميليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن، لمحاولة بسط نفوذها في شبه الجزيرة العربية. وهذا الهدف الاستراتيجي، أكده تقرير للكونجرس الأمريكى صدر في العام 2015، أشار إلى أن طموحات إيران بالتوسُّع فى المنطقة عبر استغلال الانقسامات الطائفية فيها، لا يقل خطورة عن برنامجها النووى، وأن طموحات إيران التوسُّعية فى الشرق الأوسط يمكن أن تمثل خطراً على العالم لا يقل عن خطر طموحاتها النووية. وبالفعل حينما اندلعت الفوضى والاضطرابات في المنطقة عام 2010 حاولت إيران توظيفها لصالحها، واعتبرتها فرصة لرفع راية الثورة الخمينية، وبالتحديد في سوريا، فقد دخلت بكل ثقلها ضمن سياسة تبدو في ظاهرها داعمة لنظام بشار الأسد، لكنها في باطنها تطمح لاستكمال مشروع التمدد الذي بدأ بشكل جزئي مع حزب الله في لبنان، ثم حقق خطوات كبيرة وتاريخية بعد الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003. مشروع إيران الاستراتيجي للهيمنة والنفوذ كشفت عنه صحيفة “الجارديان” البريطانية في أكتوبر من العام 2016 ، وهو المشروع الذي ينطلق من تأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين، ثم شمال شرق سورية إلى حلب وحمص، وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط. وهذا المشروع يفسر تدخلات إيران المتزايدة في العراق وسوريا ولبنان في الأعوام الماضية، ويؤكد في الوقت ذاته مضيها قدماً في تنفيذ نواياها التوسعية  في المنطقة العربية.
 
 
ويدرك المتابع لتحركات إيران خلال الأعوام الماضية أنها تخطط لأن تكون قوة إقليمية مهيمنة، يكون لها الرأي الحاسم في تقرير مصير المنطقة، ولهذا فإنها حاضرة بشكل استفزازي في مختلف أزمات وقضايا المنطقة، بدءاً من العراق ومروراً بسوريا ولبنان واليمن، ونهاية بقطر، وتواصل تمددها الإقليمي، وتتحرك نحو باب المندب، وتتواجد عسكرياً في إريتريا، وتقيم علاقات مع العديد من الدول الإفريقية، ولهذا فإنها تتصرف بمنطق الدولة العظمى (الإمبراطورية)، وتؤكد أن أمنها يصل إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وأنها تسيطر على أربع عواصم عربية (دمشق، بيروت، صنعاء، بغداد)، ما يؤكد أنها لم تنس بعد أن إمبراطوريتها القديمة انهارت على يد العرب قبل 1400 عام.
 
 
حزب الله- الحوثيون: أخطر الأذرع المذهبية الايرانية
تمثل الميليشيات العسكرية أهمية متزايدة في الاستراتيجية الإيرانية تجاه المنطقة، حيث تستخدمها طهران في بناء نفوذها السياسي والحركي في جوارها الاقليمي، وكان النموذج الأول لهذه الاستراتيجية إنشاء حزب الله ورعايته في لبنان، والذي تمكن أعقاب الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، من البروز كفاعل سياسي مهيمن في البلاد، وقادر على الممارسة السياسية والعسكرية، سواء ما يتعلق منها بإسرائيل، أو تلك التي تتعلق بمكانة لبنان وأدواره وارتباطاته الخارجية، وعلاقاته بالقوى السياسية في الداخل. وفي اليمن، حاولت إيران تحويل الحركة الحوثية إلى نسخة من حزب الله، توظفها كأداة للمساومة والضغط على دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية.
 
1 - حزب الله اللبناني .. التجربة الأولى في تأسيس الميليشيات المذهبية العسكرية
كان لإيران دور رئيسي في تأسيس “حزب الله” اللبناني واستطاعت مساعدة الحزب في الظهور كممثل للشيعة في لبنان، ووفرت له الدعم المادي والعسكري بحيث تمكنت من تكوين قوة شيعية في المنطقة، وفق نظرة المحيط العربي لإيران. ونتيجة لهذا فإن الحزب يدين بالولاء الأيديولوجي والسياسي الكامل لإيران، بل إنه شكّل فيما بعد نموذجاً ناجحاً أغراها بمحاولة تكراره في دول عربية أخرى.  وتدافع إيران عن الحزب منذ سنوات من خلال دعمه بالأسلحة والمال وتدريب قواته العسكرية. كما أنها ترى أن الوقوف مع الحزب يندرج ضمن سياسة تصدير الثورة وولاية الفقيه في الدول العربية. وليس أدل من أهمية حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية، هو محاولاتها لاستنساخ هذه التجربة في أكثر من دولة عربية خلال الأعوام الماضية، حيث تعمل إيران منذ سنوات على دعم الحزب ضمن استراتيجيتها للتدخل في شؤون الدول العربية، ولهذا انتقدت إيران بشدة قرار الجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عام 2016؛ بسبب اعتبار الحزب منظمة إرهابية.  
 
 
ويعتبر حزب الله بمثابة التجربة العملية الأولى لتصدير الثورة الإيرانية إلى الجوار الإقليمي، بل أن هناك من يرى أن حزب الله هو حزب ايراني في لبنان، والدليل على ذلك أن البيان التأسيسي للحزب والذي  جاء بعنوان “من نحن و ما هي هويتنا؟” يعرف الحزب بالقول: “انّنا أبناء أمّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الاسلام المركزيّة في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثّل بالولي الفقيه الجامع للشرائط و تتجسد حاضرا بالامام المسدّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظلّه مفجّر ثورة المسلمين و باعث نهضتهم المجيدة”. كما أن السيد حسن نصر الله يفاخر دوماً بأنه جندي من جنود ولاية الفقيه، وأعلن صراحة في كلمته خلال إحياء ذكرى عاشوراء في العام 2015 بأن “حزبه هو حزب ولاية الفقيه المرتبط مباشرة بإيران”. 
 
 
وتتميز العلاقة بين حزب الله وإيران بتداخل البعدين السياسي والديني فيها، فاللبنانيون الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم، ويسمى أمين عام حزب الله حسن نصر الله الوكيل الشرعي لآية الله خامنئي.  ويجمع الخبراء على أن حزب الله يعتبر أنجح تجربة إيرانية في مجال زرع الميليشيات المذهبية، في سياق تمدّد مشروعها القومي التوسعي، كما يُعدّ الذراع العسكرية اليمنى للحرس الثوري الإيراني. ويعتبر الحزب أقوى حليف لإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة أن دوره لم يعد مقتصراً كما يدعي على مواجهة إسرائيل، وإنما امتد إلى الخطوط الأمامية في الصراع السوري واليمني، إلى جانب ميلشيات عراقية موالية لطهران تنشط في العراق وسوريا.
 
 
ويمثل حزب الله أحد أهم أدوات إيران التي تستطيع أن تستخدمها وقتما تشاء في الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة سياسياً، كما توظفه عسكرياً في الصراعات الخارجية، فقد زجت بالحزب في الصراع في سوريا، وجرى ذلك بداية بدعوى “حماية المراقد الشيعية”، لكنه ما لبث أن تحوّل عام 2012، إلى وجود علني واسع على امتداد الأراضي السورية، إلى درجة أن إيران أوكلت للحزب قيادة وتنسيق عمل جميع الميليشيات الشيعية التي أرسلتها إيران لمساعدة النظام السوري، على تعدّد جنسياتها من عراقية وأفغانية وباكستانية ويمنية. وأصبح حزب الله من هذا الموقع في خدمة النظامين الإيراني والسوري، وقام بعمليات تغيير ديموغرافي طالت المناطق المحاذية للحدود اللبنانية، تأمينًا لخطوط إمداداته وترسيخًا لنفوذه.  
 
 
وتكشف خبرة السنوات القليلة الماضية، أن حزب الله، تحول لأهم ذراع عسكري لإيران في الخارج، وتوظفه في صراعاتها بالمنطقة، كما تستفيد من خبرة عناصر الحزب في عمليات الاغتيالات والتفجيرات من أجل توجيه رسائل للمجتمع الدولي والتخلص من أعدائها ومعارضيها، كما تستعين بالحزب في تهديد أمن واستقرار العديد من دول المنطقة، فقد ثبت ضلوع الحزب في عمليات تخريب في عدد من دول الخليج كالبحرين والكويت، كما القي القبض على خلايا تابعة للحزب في عدد من الدول العربية لكن دور الحزب الأكبر ظهر في الصراع اليمني الحالي، ودعم الحزب المطلق لمليشيا الحوثي الأمر الذي أماط اللثام عن وجهه الطائفي البغيض، ولعل هذا يفسر إدراج دول الخليج لحزب الله ضمن المنظمات الإرهابية.
 
 
وقد سلط تقرير لمعهد “جلوبال ريسك اينسايتس” البريطاني، صدر في شهر نوفمبر 2017 الضوء على النفوذ المتزايد لحزب الله اللبناني، ومحاولات إيران استنساخه في بلدان الشرق الأوسط، خاصة في اليمن والعراق وسوريا، وبحسب التقرير، فإن العراق وسوريا ولبنان أصبحت هي الخط الأمامي في هذا المد المتزايد للقوة العسكرية والاقتصادية الإيرانية. ويشير التقرير إلى أن إيران تمددت عبر استنساخ نموذج ميليشيات “ حزب الله” داخل دول المنطقة، بحجة “الدفاع عن أمنها القومي وتأمين حدودها الخارجية، وأصبح الطريق من طهران إلى بيروت ليس معبدا لنقل الحرس الثوري وفيلق القدس الأسلحة والإمدادات فحسب، بل الأيديولوجية والنفوذ في عمق الأراضي العربية أيضاً”.  
 
2 -  ميليشيا الحوثي .. أداة إيران للضغط على دول المنطقة والسيطرة على باب المندب
يأتي دعم إيران لميليشيا الحوثي الإرهابية من منطق مصلحي وسياسي واستراتيجي بحت، صحيح أن الحوثيين يدينون بالمذهب الشيعي، ويرتبطون بعلاقات تاريخية مع المرجعية الشيعية في قم، إلا أن إيران سعت إلى توظيفهم في الصراع السياسي في اليمن، حيث تعتبر ميليشيا الحوثي أداة في يدها وتعتبرها جزءاً جوهرياً لحركتها وصراعها الإقليمي والدولي، على أساس أن اليمن هو امتداد لمشروع إيران الإقليمي، ولهذا فإن الهدف الرئيسي من التدخل الإيراني في الصراع الدائر باليمن ودعم الحوثيين هو استنساخ نموذج آخر من”حزب الله” اللبناني في الحدود الجنوبية للسعودية.   
 
 
ومنذ نشأة الحركة الحوثية فى عام 1986 فى محافظة صعدة بشمال اليمن، وكان لإيران دور واضح في دعمها في مختلف مراحل تطورها، وبدأت العلاقة بين الجانبين تتطور حينما سعت الحركة إلى الانقلاب على نظام الحكم في اليمن، وتطبيق نظام الإمامة، عند إعلان حسين بدر الحوثى قائد الحركة خروجه عن نظام الجهورية استناداُ الى أن الحكومة اليمنية جاءت للحكم من خلال انقلاب عسكرى أطاح بحكم الإمام الذي كان يتبع المذهب الزيدى، فكان الحوثي يريد تطبيق نظام الإمامة على الحكم. ونتيجة لهذا جاء رد الحكومة اليمنية بتوجيه اتهامات متعددة للحركة الحوثية منها، التحريض على العنف، سعيها لإنشاء جماعة مسلحة، الحصول على الدعم من إيران وحزب الله، نشر المذهب الشيعى. وبداية من عام 2004 وحتى وقتنا الراهن استغلت إيران الأزمة الداخلية في اليمن، وعززت من دعمها للحركة الحوثية، حتى تعاظمت قوتها وباتت تمثل ميليشيا موازية للجسش اليمني.
 
 
وساعدت إيران في تحول الحركة الحوثية إلى قوة عسكرية مؤثرة على الساحة اليمنية سياسياً وعسكرياً، في ضوء استغلال الفراغ الذي تركه نظام المخلوع علي عبدالله صالح للسيطرة الكاملة على محافظة صعدة وأجزاء من محافظتي حجة والجوف، حتى احتلال العاصمة والسيطرة على الحديدة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل اعتبار ما حدث في اليمن بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 بأنه امتداد طبيعي واستلهام للثورة “الإسلامية” في إيران.  بل أن إيران سعت إلى توظيف الحوثيين لتحويل اليمن ضمن مشروعها الطائفي، ومن ثم جاءت عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 لمواجهة هذا المشروع الطائفي، والحفاظ على الهوية العربية لليمن.
 
 
ومنذ عملية عاصفة الحزم ثم عملية إعادة الأمل في اليمن، وإيران تواصل دعمها لميليشيات الحوثي الإرهابية، بهدف إطالة أمد الصراع من ناحية، وإفشال مبادرات الحل السياسي من ناحية أخرى، حيث تقوم بتقديم أسلحة متطورة لميليشيا الحوثي، بما في ذلك الصواريخ الباليستية، والطائرات من دون طيار المسلحة، بل أن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد حسين باقري، كان قد أعلن في نهاية نوفمبر 2016، عن “احتمال سعى إيران لإقامة قواعد بحرية في اليمن أو سوريا مستقبلا”، الأمر الذي أثار قلقاً إقليمياً ودولياً بشأن حجم التدخل الإيراني في اليمن ودوافعه الحقيقية.
 
 
التدخل الإيراني في الصراع اليمني، ودعم ميليشيا الحوثي الإرهابية بات هو السبب الرئيسي في إفشال جهود الحل السياسي للأزمة اليمنية، حتى أن الحكومة اليمنية جددت في شهر أكتوبر 2017 اتهامها لإيران باستخدام الحوثيين كدمى لزعزعة استقرار المنطقة، وشكت التدخلات الإيرانية في بلادها أكثر من مرة، وقالت في بيان لها : “ إن تحالف إيران مع الانقلابيين الحوثيين يسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة، وإن طهران تقف وراء تسليح الميليشيات وعمدت إلى إرسال دعم مادي وعسكري للانقلابيين وإمدادهم بخبراء من الحرس الثوري، إضافة إلى تسليحهم بصواريخ متطورة وتكنولوجيات أخرى، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب، بما في ذلك الألغام البحرية والقوارب المتفجرة، التي تهدد استقرار وأمن المنطقة وحرية الملاحة في البحر الأحمر” عبر السيطرة على مضيق باب المندب. بل أن نائب الرئيس اليمنى الفريق الركن على محسن الأحمر أكد في تصريحات في شهر نوفمبر 2017، “إن المعركة فى اليمن ليست مع ميليشيات الحوثى فقط وإنما مع إيران وحزب الله ومن ورائهم”، وحذر من استمرار دعم إيران للحوثيين وتزويدهم بمختلف أنواع الأسلحة والصواريخ الحديثة، قائلاً:”أن إيران وحزب الله لم يقدما لليمن إلا الموت والخراب والدمار”.
 
 
دور ميليشيا الحوثي الإرهابية في تنفيذ استراتيجية التمدد والتوسع الإيرانية
تكشف تصريحات العديد من المسئولين الإيرانيين خلال العامين الماضيين أن ميليشيا الحوثي الإرهابية تمثل أحد الأزرع التي توظفها إيران لتعزيز نفوذها ليس في اليمن وحسب، بل والمنطقة بوجه عام، بالنظر لما يتمتع به اليمن من موقع جغرافي مؤثر، يضمن لطهران، العديد من المزايا، أبرزها:
 
 
* ممارسة الضغط والمساومة على دول مجلس التعاون، وتحديداً المملكة العربية السعودية، وخاصة على صعيد تهديد أمن هذه الدول، خاصة مع وجود ميليشيا الحوثي الشيعية في شمال اليمن بالقرب من السعودية، وما يمثله ذلك من مشكلات أمنية عديدة للمملكة وعرقلة أي محاولات أو جهود خليجية من أجل إعادة الاستقرار في اليمن، خصوصا وأن السعودية هي المتصدية الكبرى للمخططات الإيرانية في المنطقة منذ قيادتها لعملية عاصفة الحزم في مارس 2015 وعملية إعادة الأمل في اليمن في أبريل من العام نفسه. 
 
 
* التواجد الإيراني في اليمن يتيح لها الانطلاق بكل بسهولة ويسر الى مد نفوذها إلى دول عربية أخرى مثل الصومال وجيبوتى والسودان.
 
 
* توظيف ميليشيا الحوثي الإرهابية في تهديد الأمن والاستقرار لدول الجوار، وخاصة المملكة العربية السعودية، وهذا تأكد بشكل واضح منذ انطلاق عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن عام 2015، حيث قام الحوثيون بإطلاق العديد من الصواريخ تجاه الأراضي السعودية، كان آخرها الصاروخ الباليستي الذي سقط بالقرب من الرياض في نوفمبر 2017، و وقد حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النظام الإيراني المسؤولية عن إطلاق هذا الصاروخ، ووصف مسؤولون أمريكيون تكرار إطلاق الصواريخ من قبل ميليشيات الحوثيين وحزب الله وحرس إيران الثوري، بأنها استعراض لترسانة إيران الصاروخية مستخدمة أدواتها في المنطقة، في إشارة واضحة إلى أن ميليشيا الحوثي الإرهابية، باتت تندرج ضمن أدوات لتنفيذ استراتيجيتها التدخلية والعدوانية التي تستهدف زعزعة أسس الأمن والاستقرار في المنطقة.  
 
 
* يتمتع اليمن بموقع استراتيجي، فهو يمسك بزمام الباب الجنوبي للبحر الأحمر، وهناك تداخل وثيق بين مضيقي هرمز وباب المندب، فهذا الأخير يُمثل طريقًا للناقلات المحملة بنفط الخليج باتجاه أوروبا. كما يربط حزام أمن الجزيرة والخليج العربي، ابتداءً من قناة السويس وانتهاء بشط العرب. ولهذا فإن اليمن بلعب دوراً أساسياً ومهماً في في درء المخاطر المحتملة لخطوط نقل النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية.  كما ينطوي الموقع الجغرافي لليمن على أهمية كبيرة لدول الخليج، يتيح لها منافذ حيوية، والانفتاح على العديد من قارات العالم، حيث أصبح اليمن بمثابة همزة الوصل بينها وبين القارة الأفريقية، كما يمثل اليمن البوابة الجنوبية لمدخل البحر الأحمر، ويتحكم في الممر الذي يصله بالمحيط الهندي، وعبر منطقة خليج عدن تحتضن كلاً من البحر الأحمر والمحيط الهندي وتتحكم كذلك بطرق الملاحة البحرية المؤدية إلى آسيا. وبالتالي فإن وجود إيران في هذا المكان الاستراتيجي يعزز من حضورها الإقليمي، ويساعدها على السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية، بل أنها من خلال تواجدها في هذا المكان يمكن أن تطلق تهديداتها بعرقلة الملاحة في هذه الممرات كوسيلة للضغط على دول الخليج العربي في هذا الشأن، ولعل تهديدات الحوثيين المتكررة بعرقلة الملاحة في مضيق باب المندب لا تنفصل عن الاستراتيجية الإيرانية في هذا الشأن.
 
 
خطر الميليشيات الإيرانية على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي
أثبتت تطورات الأحداث التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة أن الميليشيات المذهبية المرتبطة بإيران، وخاصة حزب الله اللبناني، والحوثيون في اليمن، تشكل الخطر الرئيسي على أمن واستقرار دول المنطقة والعالم، ليس فقط لما ترتكبه من جرائم بحق المدنيين العزل، وإنما أيضاً وربما الأخطر أنها تعمل على تدمير وحدة وسيادة الدول التي تتواجد بها، خاصة أنها تدين بالولاء الكامل لإيران التي توظفها في تنفيذ استراتيجتها في المنطقة. ويمكن تناول مخاطر هذه الميليشيات على الأمن والاستقرار الإقليمي في أكثر من زاوية، وذلك على النحو التالي:
 
 
 1. تهديد أمن واستقرار العديد من دول المنطقة: فمثلاً حزب الله ، كما سبق الإشارة ، تخطَى الساحة اللبنانية وامتد إلى الأراضي السورية والعراقية واليمنية، وتحول إلى أداة توظفها إيران في زعزعة الأمن والاستقرار في أكثر من دولة ، كما في مملكة البحرين والكويت والسعودية. ولعل هذا يفسر لماذا قامت العديد من الدول بوضع الحزب على لائحة الإرهاب، في حين وضعت دول أخرى عدداً من قادته على قائمة المتورطين في أعمال إرهابية وتمويلها. أما الحوثيون فأصبحوا أداة إيران لاستعراض قوتها الصاروخية في المنطقة، فرغم أن الحوثيين أطلقوا عدداً من الصواريخ باتجاه الأراضي السعودية منذ بداية عملية عاصفة الحزم ثم عملية إعادة الأمل في اليمن، إلا أن الصاروخ الباليستي الأخير الذي أطلقوه في الرابع من نوفمبر 2017، باتجاه الرياض وتم تدميره من قبل الدفاعات الجوية السعودية يمثل تحولاً خطيراً ليس في الصراع اليمني، بل أنه يرقى إلى العدوان العسكري المباشر من قبل إيران على المملكة العربية السعودية. وهذا ما أكده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ، الذي أشار صراحة إلى أن” إيران متورطة في عدوان عسكري مباشر على المملكة عبر تزويدها الحوثيين بصواريخ باليستية استهدفت فيها مدينة الرياض”، مشدداً على أن هذا الانخراط “قد يرقى إلى اعتباره عملاً من أعمال الحرب ضد المملكة”. بينما أوضح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن إطلاق صاروخ إيران عمل حربي، وأن “حزب الله” اللبناني  هو من أطلقه من اليمن.
 
 
وقوف إيران وراء إطلاق هذا الصاروخ أمر رجحته الولايات المتحدة ايضاً والتي اتهمت طهران بإمداد الحوثيين بصاروخ أطلق على السعودية في يوليو الماضي، مؤكدة أنها والسعودية تعملان معاً لمحاربة المتطرفين وإنهاء نفوذ إيران المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط. واتهمت السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة، نيكى هيلى في شهر نوفمبر 2017 إيران بإمداد الحوثيين بصواريخ في يوليو الماضي، ودعت الأمم المتحدة إلى تحميل إيران المسئولية، مشيرة إلى أن المعلومات الأولية أظهرت أن الصاروخ الذي أطلق في يوليو إيراني من طراز (قيام)، ووصفته بأن “نوع من الأسلحة التي لم تكن موجودة في اليمن قبل الصراع”. ولا شك في أن إدخال الصواريخ الباليستية في الصراع الدائر في اليمن، وتحريض الحوثيين على استهداف المملكة العربية السعودية، يمثل تطوراً خطيراً لا يمكن للمجتمع الدولي السكوت عليه، لأن معناه تمادي الحوثيين، بإيعاز من إيران، في تهديد أمن المملكة العربية السعودية، بل أن الخطير في الأمر هنا أن الحوثيين قاموا في العام الماضي، ودون مراعاة لحرمة الأماكن المقدسة، باستهداف مكة المكرمة بصاروخ، وتم رصد الصاروخ وقت إطلاقه من أرض اليمن وتمت متابعته وتتبعه وتحديد الجهة التي يستهدفها ومن ثم تم اعتراضه بنجاح وإسقاطه، كما تم مهاجمة منصة إطلاقه كغيره من الصواريخ.
 
 
تورط إيران في إمداد الحوثيين بهذه النوعية من الصواريخ الباليستية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقراري مجلس الأمن الدولي، الأول قرار خاص بايران رقم 2231 لعام 2015، والذى وافق بموجبه مجلس الأمن على الاتفاق النووى المبرم بين إيران والدول الغربية فى عام 2015، وحظر على طهران امداد أو بيع أو نقل سلاح بأنواعه الثقيل والخفيف خارج أراضيها دون مواقفة من المجلس. أما القرار الثانى بشأن اليمن، فهو القرار رقم (2216) الذي صدر في 14 أبريل 2015 و حظر تزويد كلا من زعيم المتمردين الحوثيين، عبدالملك بدرالدين الحوثى واثنين من القادة العسكريين فى اليمن إضافة إلى الرئيس اليمنى المخلوع على عبد الله صالح ونجله أحمد وعبد الملك الحوثي وعبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحكيم (أبو علي الحاكم)، بالأسلحة وكافة الأطراف التي تعمل لصالحهم أو تنفيذاً لتعليماتهم في اليمن. ولعل هذا يفسر تزايد حالة القلق الدولي في الآونة الأخيرة من برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وخاصة من جانب الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، والتي ترى في هذا البرنامج مصدر تهديد للمنطقة والعالم، وقد انتقدت هذه الدول الاختبار الصاروخي الباليستي الذي أجرته إيران في شهر أكتوبر الماضي، ودعت إلى ضرورة تحجيم قدرات إيران الصاروخية ووقف أنشطتها المثيرة للقلق والمزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة.
 
 
2- تهديد الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر: كثيراً ما يطلق الحوثيون، بإيعاز من إيران، تهديداتهم بعرقلة الملاحة في مضيق باب المندب، واستهداف ناقلات النفط في المواني اليمنية، وكان آخرها في شهر نوفمبر 2017، حينما قالت ميليشيات الحوثي أنها قد تهاجم البوارج وناقلات النفط في الموانئ اليمنية، ردًا على إغلاق التحالف العربي في اليمن الذي تقوده السعودية لتلك الموانئ للتأكد من الإجراءات التفنيشية والرقابية فيها، بعد دلائل تثبت تورط إيران بتهريب الأسلحة، لا سيما الصواريخ الباليستية إلى الحوثيين عن طريقها. وفي شهر سبتمبر 2017 هدد عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين من أن جماعته قد تستهدف ناقلات النفط السعودية إذا هاجم التحالف ميناء الحديدة الرئيس في اليمن؛ والذي يعد المصدر الأهم للأسلحة المهربة التي تصل الحوثيين من إيران. علاقة إيران بتهديد الملاحة في هذه الممرات المائية والملاحية لا تخطئها عين، فالوسائل والتقنيات التي يستخدمها الانقلابيون الحوثيون في اعتداءاتهم على الملاحة في المياه اليمنية، من صواريخ موجّهة وزوارق مفخّخة مسيّرة عن بعد، تشير بوضوح إلى دور طهران المتعاظم في تلك التهديدات، ويؤكد العديد من المسئولين اليمنيين أن ميليشيا الحوثي والمخلوع صالح تستضيف خبراء إيرانيين لتصنيع وتفخيخ الألغام وتدريب عناصر من ميليشيات الحوثي وعصابات صالح على كيفية التحكم في الزوارق الملغمة المسيرة عن بعد لاستهداف السفن بالبحر الأحمر، محذرين في الوقت نفسه من حقول الألغام التي زرعها الانقلابيون أمام السواحل اليمنية.
 
 
ولا شك في أن هذه التهديدات بعرقلة الملاحة في البحر الأحمر تشير بوضوح إلى أن الحوثيين، أو بالأحرى إيران، تريد إيصال رسالة إلى دول مجلس التعاون، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بأنها قادرة على إلحاق الأذى بالسفن التجارية وسفن الإغاثة في الممر المائي الدولي في مسعى منها للسيطرة على باب المندب، خاصة أن ميليشيا الحوثي استهدفت بالفعل العديد من السفن المدنية والتجارية في البحر الأحمر، ففي شهر يونيو 2017، أعلن التحالف العربي في اليمن  تعرض ناقلة نفط تحمل علم جزر مارشال لإطلاق نار بقذائف صاروخية، بينما كانت تسير وفق خط رحلتها في مضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية. وفي شهر أكتوبر من العام 2016، قام الحوثيون باستهداف السفينة المدنية الإماراتية”سويفت” قبالة سواحل المخا في تحدٍ سافر للمواثيق والأعراف الدولية وتهديد لحرية الملاحة في باب المندب، رغم علمهم أن هذه السفينة، سفينة نقل تساهم في نقل المساعدات والجرحى اليمنيين ونقل الركاب وهي سفينة غير مسلحة ولا يتوفر لها أي نوع من الحماية العسكرية المسلحة وتستخدم الممر الدولي المائي في باب المندب كباقي السفن المدنية والتجارية، وتقوم برحلات اعتيادية إلى عدن منذ عام، وأن طاقم السفينة من المدنيين بالكامل.
 
 
ولا شك في تهديدات الحوثيين المتكررة باستهداف ناقلات النفط والسفن المدنية التابعة لدول التحالف العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات، يؤكد الدعم الذي يتلقونه من إيران التي لا ترغب في السلام والوصول إلى حل سياسي في اليمن الشقيق، وهذا ما أكده العديد من المسئولون العسكريون الأمريكيون في الأشهر الماضية، فالجنرال جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، حذر في شهر يونيو 2017 من خطر ميليشيات الانقلاب الحوثية على الممر المائي الدولي في ظل الدعم الذي تجده من إيران وتزويدهم بصواريخ كروز واتهامه لإيران بأنها لم تغير تصرفاتها العدوانية. وشدد دانفورد أن إيران لاتزال مستمرة في دعمها للمتمردين في اليمن، وهو ما يمثل خطرا على استقرار المنطقة وتهديد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، مشيرًا إلى أن طهران تقوم بتزويد ميليشيا الانقلاب الحوثية إضافة إلى صواريخ كروز بمعدات متطورة وألغام ضد السفن لتشكل تهديدا لممرين مائيين يكتسبان أهمية حاسمة بالنسبة للتجارة العالمية.
 
 
3- استخدام الميليشيات في تنفيذ مشروع إيران الاستراتيجي لإيجاد موطئ قدم لها على البحر المتوسط: فهذا المشروع الذي كشفت عنه صحيفة “الجارديان” البريطانية العام الماضي، يستهدف إنشاء ممر برى يمتد من إيران إلى العراق ثم شمال شرق سوريا، وينتهى بميناء اللاذقية على البحر المتوسط، ووفقاً للعديد من التقارير الغربية، فقد تم بدء العمل في هذا المشروع بالفعل، وأنه يخضع لحراسة الميليشيات الشيعية فى كل من سوريا والعراق بقيادة حزب الله اللبناني. والهدف من هذا المشروع هو تعزيز دور إيران الإقليمي خلال الفترة المقبلة، ومفاوضة الغـــرب على مزيد من المكاسب خاصة بعد اتجاه الوضع في سوريا لتثبيت بقاء الرئيس بشار الأسد الموالي لها. كما أن حيازة موطئ قدم على المتوسط سيمكن إيران من التحرك بحرية في دعم المجموعات المقربة منها في إفريقيا وتقوية الشبكات التي يديرها حزب الله بالوكالة عنها. ويجمع العديد من الخبراء على أن نجاح إيران في تنفيذ هذا المشروع، فإنه سيعزز من قدرتها على تهديد الأمن القومي العربي، لأنه سيسهل عليها دعم ميليشياتها العسكرية بشكل مباشر، وتوظيفها في إطلاق تهديداتها ضد العديد من الدول العربية.
 
 
4- تعقيد أزمات المنطقة: لا يخفي على أحد أن ميليشيات إيران الطائفية قد لعبت دوراً، وما تزال في تعقيد العديد من أزمات المنطقة، وتعثر جهود الحل السياسي لها، ولعل نظرة سريعة إلى التطورات الأخيرة في المنطقة تؤكد الدور التخريبي الذي تلعبه هذه الميليشيات، بدءاً من إطلاق ميليشيا الحوثي صاروخاً باليستياً على السعودية، وما تبعه من انفجار في أنبوب نفط في مملكة البحرين، حيث اعتبر وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة أن “محاولة تفجير أنبوب النفط السعودي البحريني تصعيد إيراني خطير هدفه ترويع المواطنين والإضرار بصناعة النفط في العالم”، كما تقف إيران وراء استقالة سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني، والتي جاءت رداً على محاولات طهران السيطرة على القرار السياسي للدولة اللبنانية، حيث جاءت هذه الاستقالة بعد أيام من لقاء الحريري علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، والذي صرح بأن لبنان”جزء من محور المقاومة الذي انتصر في المنطقة”، وهو ما فهمه الحريري بأنه رسالة إيرانية بأن لبنان سيظل تابعاً لإيران، ودائراً في فلك سياساتها، ولهذا جاءت استقالته رفضاً لتحكم طهران في سياسات بلاده من ناحية، وتمكن حزب الله (زراع إيران الرئيسي في المنطقة) من القرار اللبناني من ناحية ثانية.  
 
 
كما أن التوجه الإيراني الجديد الخاص بإنشاء ميليشيات طائفية متعددة الجنسيات تحت مسمى جيش التحرير الشيعي، والذي تخطط ألا يكون فيه أي جندي إيراني، ويرتبط بشكل مباشر بالحرس الثوري الإيراني، تحت قيادة اللواء قاسم سليماني، سيعقد من الأزمات التي تشهدها المنطقة، خاصة أن هذا الجيش-  كما هو مخطط له- قد يقاتل في مناطق الصراعات المهمة لإيران وتحديداً في سوريا واليمن والعراق، ما يعني معه أن التدخلات الإيرانية في كل من سوريا والعراق واليمن ستستمر وبشكل أكثر تنظيماً؛ لتتملص من تهم التدخلات التي تلاحقها في هذه الدول.
 
الخلاصة
بات خطر إيران التوسعي غير قابل للشك والنقاش، ومن ثم فإن الصمت الدولي حيال ممارسات إيران يغري نظامها بمزيد من التمدد وكسب الوقت من أجل تنفيذ مؤامراته واستنساخ تجربة كوريا الشمالية في امتلاك ترسانة أسلحة صاروخية تهدد الأمن الإقليمي والدولي بشكل يصعب معه التعامل مع هذا الخطر من دون تقديم تنازلات نوعية تخل بأسس ومرتكزات معادلات الأمن الإقليمية والدولية.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-07-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1465

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره