مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-08-01

العلاقات الاماراتية ـ السعودية: شراكة استراتيجية مستدامة

ترتكز علاقات التحالف الاستراتيجي الراسخة بين دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على مرتكزات قوية وثوابت استراتيجية ومصالح مشتركة يصعب أن تنال منها أي مواقف عابرة، أو أن ينجح البعض في زعزعة استقرارها وتطورها، وفي هذا الملف تسلط “درع الوطن” الضوء على الواقع الحقيقي لهذه العلاقات التي تعد نموذجاً يحتذى به بين الأشقاء.
 
إعداد: هيئة التحرير
 
تتسم العلاقات الدولية المعاصرة بقدر كبير من التشابك والتعقيد، حيث تتقاطع المصالح بين الدول الحليفة والصديقة والشقيقة تارة وتتضارب تارة أخرى، ولكن تبقى القدرة على إدارة أي تباينات عابرة في وجهات النظر والمصالح، والإرادة السياسية القادرة على توفير سبل التطور والنماء لعلاقات التحالف والشراكة القائمة بين الأشقاء، هي المحرك الرئيس القادر على توجيه بوصلة هذه العلاقات نحو وجهتها السليمة، بحيث تمضي كما يُخطط لها، وبما يحقق مصالح الدول والشعوب الشقيقة والصديقة.
 
والثابت أن العلاقات بين الدول ليست عالماً مثالياً خالياً من المنغصات والتباينات، التي يفرضها الواقع بعيداً عن التمنيات، وبالتالي يبقى من الوارد حدوث اختلاف في الرؤى ووجهات النظر وحتى المصالح بين أقرب الحلفاء الاستراتيجيين، والنماذج والأمثلة الدالة على ذلك دولياً عديدة وكثيرة، لأن العلاقات الدولية لم تعتمد على الأيديولوجيا وتحالفاتها وقوالبها الجامدة، بل باتت تعلي شأن المصالح ومدى توافقها، وكذلك القدرة على إحداث هذا التوافق في أوقات معينة بما يتماهي مع إرادة القادة والشعوب. وفي ضوء ماسبق، يمكن الانطلاق نحو دراسة الواقع الحقيقي للعلاقات الاستراتيجية القوية بين دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الشقيقة، وفيما يلي يمكن الاشارة إلى القضايا والموضوعات التي تبدو محور اهتمام الجانبين:
 
الطموحات النووية الايرانية: لاخلاف على أن التهديدات الناجمة عن الطموحات الايرانية سواء في تطوير برنامج نووي ذي صبغة عسكرية، أو في تطوير برنامج للأسلحة الباليسيتية، وكذلك فيما يتعلق بالانتهاكات الايرانية لسيادة دول الجوار، كلها مشتركات تمثل مصادر قلق لصانعي القرار في دولة الامارات والمملكة العربية السعودية على حد سواء. وقد شهد هذا الملف بعض التطورات الملحوظة في الآونة الأخيرة بعقد محادثات «استكشافية» بين المملكة والجانب الايراني، وهو أمر يتماشى مع توجهات السياسة الخارجية الاماراتية التي تسعى بدورها لتحقيق الأمن والاستقرار وتوفير بيئة اقليمية أمنية ملائمة لمواصلة خطط التنمية الطموحة التي تنفذها الدولة، وبالتالي فإن التوافق حول هذا الملف الجوهري قائم ومستمر.
 
ولعل الجميع يتذكر كيف أن البعض قد نشط أيضاً منذ نحو عامين في الحديث عن خلافات اماراتية سعودية بمجرد توارد أنباء عن زيارة وفد عسكري إماراتي إلى إيران لإجراء مباحثات حول شؤون حدودية وأمن الخليج، حيث تبارى المغرضون في تحليل الزيارة والقفز إلى نتائج من وحي الخيال، وتجاهل الحقيقة القائلة بأن التحليل السياسي السليم قائم على المعلومات وليس على التحليل بالتمني والاستغراق في الخيال والاوهام، وقد رد د. أنورقرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة (كان يشغل في حينه منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية) على هذه المزاعم بتغريدة قال فيها إن موقف الامارات حيال الملف الإيراني، جاء بالتنسيق مع السعودية بهدف تفادي المواجهة، وتغليب العمل السياسي، وأضاف د. قرقاش، « في الملف الإيراني موقفنا المشترك (مع المملكة الشقيقة) تفادي المواجهة وتغليب العمل السياسي».، وتابع إن “الموقف الإماراتي ثابت، والتنسيق مع السعودية الشقيقة في أفضل حالاته». 
 
الملف اليمني: رغم كل ما يثار من مزاعم وشائعات حول وجود خلاف بين دولة الامارات والمملكة العربية السعودية حول اليمن، وأن الأمر يتعلق بتضارب المصالح الاستراتيجية بين الدولتين الشقيقتين هناك، فإن الثابت في ذلك أن الامارات لا تزال تدعم جهود التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، ولا تزال تحرص على مساندة جهود المملكة الشقيقة في تحقيق الأمن والاستقرار وإحلال السلام في هذا البلد العربي، لاسيما أن الهدف الأساسي من تشاركهما في انقاذ اليمن من هيمنة جماعة «الحوثي» هو الاستجابة لنداء الشعب اليمني والحيلولة دون وقوع الدول اليمنية في قبضة جماعة موالية لإيران وتنفذ أجندة تستهدف تطويق دول مجلس التعاون استراتيجياً، والضغط عليها لمصلحة الجانب الايراني.
 
ورغم كل مايثار في تفسير عودة القوات المسلحة لدولة الامارات من اليمن، فإن ما يجب التأكيد عليه في هذا الصدد أن الشق الأهم الذي اضطلعت به الدولة منذ بداية عمليات التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وهو الشق الانساني والاغاثي لا يزال يمثل أولوية بالنسبة للجهات المعنية في دولة الامارات، حيث تعهدت الدولة في فبراير الماضي بتقدير 230 مليون دولار كدعم إضافي للشعب اليمني، وذلك للمساهمة في تمويل البرامج الدولية التي تلبي الاحتياجات الطبية والغذائية والأمن الغذائي في جميع انحاء البلاد، واستمرار لالتزام دولة الامارات بعيد المدى تجاه الأشقاء في اليمن.
 
وفي هذا الإطار يمكن الاشارة إلى أن دولة الامارات قدمت لليمن منذ عام 2015 مساعدات تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار أمريكي، مع التركيز بشكل أساسي على دعم الوضع الانساني، كما كانت الامارات من أكبر المساهمين الدوليين في دعم الشعب اليمني في مواجهة جائحة «كورونا» (كوفيد ـ 19) حيث قامت الدولة منذ بدء انتشاء الجائحة بإرسال مساعدات بلغت 122 طن من المستلزمات والامدادات الطبية إلى جانب تقديم الغذاء والمكملات الغذائية المعززة للصحة من خلال برنامج الأغذية العالمي، علاوة على دعم القطاعات الخدمية الأخرى كالتعليم والصحة والمياه.
 
وكل ذلك يشير إلى استمرارية الالتزام الاماراتي في اليمن حيث تدعم الدولة بقوة جهود المملكة لإحلال السلام والاستقرار هناك؛ وفي هذا الإطار أعرب سموالشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، في مارس الماضي، عن تأييد دولة الإمارات لمبادرة المملكة العربية السعودية الشقيقة للتوصل إلى حل سياسي شامل في اليمن، وأكد سموه أن دولة الإمارات تدعم بشكل كامل هذه المبادرة، التي تعد فرصة ثمينة لوقف شاملٍ لإطلاق النار في اليمن، ولتمهيد الطريق نحو حل سياسي دائم، وحث الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، المجتمع الدولي على تضافر الجهود لالتزام كافة الأطراف بهذه المبادرة ووقف إطلاق النار، وأشاد سموه بالدور المحوري للمملكة العربية السعودية في تنفيذ اتفاق الرياض وتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة والتوصل إلى حل سياسي وتسريع جهود إنهاء الأزمة اليمنية، مشددا على ضرورة الاستجابة لهذه المبادرة وتكاتف القوى اليمنية وتعاونها وتغليب المصلحة الوطنية العليا، وأكد الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان التزام دولة الإمارات التام بالوقوف إلى جانب الشعب اليمني ودعم طموحاته المشروعة في التنمية والازدهار والسلام والاستقرار.
 
دعم القضية والشعب الفلسطيني: رغم توقيع اتفاقية سلام تاريخية بين دولة الامارات واسرائيل، وقيام تمثيل دبلوماسي كامل واتفاقات تعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والاستثمارية، فإن دولة الامارات تحرص على استمرارية وثبات موقفها التاريخي الداعم والمساند للشعب والقضية الفلسطينية، وفي ذلك أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، أن موقف بلاده ثابت في دعمه للموقف العربي الداعي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، قائلا: «سنستمر في دعم القضية الفلسطينية على خطى الدعم التاريخي الذي قدمته الإمارات وهو موقف نابع من قناعة متجذرة لا تغيره أية اعتبارات».
 
وأكد سموه أن اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل لن يكون على حساب دعم القضية الفلسطينية. ولاخلاف على أن موقف دولة الامارات، قيادة وشعباً، تجاه القضية والشعب الفلسطيني منذ تأسيس دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971 على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ ثابتة وراسخة ولم تتبدّل أو تتغير، فالامارات كانت وستبقى دوماً في صدارة الدول العربية الداعمة للشعب الفلسطيني، حيث كان القائد المؤسس يؤمن إيماناً راسخاً بترابط المصالح وحدة المصير وبضرورة وقوف الامارات إلى جانب الشعوب العربية من أجل تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتقدم، واضعاً الأساس القوي الذي تمضي عليها الدولة ـ حتى الآن ـ في بناء مواقفها واتجاهاتها وسياساتها حيال الدول والشعوب العربية.
 
ولا تزال دولة الامارات تضع القضية الفلسطينية في صدارة اهتماماتها انطلاقاً من التزامها بواجباتها القومية تجاه أمن ومصالح الأشقاء العرب، وتضطلع الدولة بدورها تجاه هذه المسؤوليات من دون تردد، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الامارات جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وقد عبَّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الرابع والأربعين، عن هذا المبدأ الثابت، حينما أكد سموه أن «دولة الإمارات العربية المتحدة تؤمن بأن أمنها الوطني جزء من الأمن القومي العربي، وأن بناء موقف عربي قوي للتعامل مع متغيِّرات المنطقة وتحولاتها هو السبيل للحفاظ على المصالح العربية العليا، وتحصين المنطقة ضد التدخلات الخارجية» مشيراً سموه إلى أن هذه القناعة تفسر «حرص الإمارات على التنسيق والتعاون الكاملَين مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والدول العربية الأخرى؛ من أجل تعزيز قدرة العرب على حفظ أمنهم القومي في منطقة تعيش حالة من التحول الكبير، وتعاني مصادر خطر متعددة».
 
وقد ظل الشعب الفلسطيني يمثل الوجهة الأولى للمساعدات التي تقدمها الإمارات على مدار أعوام وعقود عدة، بما يشير بوضوح إلى أن فلسطين كانت وما زالت في قلب اهتمام القيادة الإماراتية منذ عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واستمر هذا الاهتمام من القيادة الرشيدة لدولة الإمارات برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحيث تؤكد التقارير الرسمية الفلسطينية أن دولة الإمارات العربية المتحدة تشغل المرتبة الرابعة بين أكبر 10 دول داعمة مالياً لدولة فلسطين منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994.
 
واستناداً إلى معطيات المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار “بكدار”، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت مساعدات بقيمة 2 مليار و104 ملايين دولار أمريكي للشعب الفلسطيني منذ قيام السلطة الفلسطينية. وتتفاوت هذه المساعدات ما بين دعم لميزانية السلطة الفلسطينية ومشاريع بنية تحتية دون أن تشمل هذه المعطيات مئات ملايين الدولارات التي قدمتها الإمارات العربية المتحدة للفلسطينيين من خلال وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) حيث تعد الإمارات من أكبر الجهات المانحة للأونروا، بأكثر من 828.2 مليون دولار أمريكي في الفترة من عام 2013 إلى أبريل 2020 لتمويل مختلف القطاعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واستناداً إلى معطيات المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار «بكدار» فإن الدول العشر الأكثر تقديماً للمساعدات إلى الفلسطينيين هي: الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وألمانيا، والنرويج، والبنك الدولي، والمملكة المتحدة، واليابان، وفرنسا.
 
أن اقامة علاقات رسمية بين دولة الامارات واسرائيل لا يمثل نقطة خلاف للإمارات مع المملكة العربية السعودية، وذلك بالنظر إلى أن قيادة المملكة الشقيقة تمتلك رؤية استراتيجية واعية تقوم على عدم التدخل في السياسات الخارجية والقرارات السيادية للدول الأخرى، فضلاً  عن أن المملكة لا تعارض مبدأ قيام علاقات رسمية مع اسرائيل من الأساس، ولكنها ترتهن ذلك بالتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية، وهذا ما أكده وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان حين قال إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل سيعود بـ”فائدة هائلة” على المنطقة، لكنه اعتبر أن إبرام اتفاق مماثل مع المملكة يعتمد على التقدم في مسار السلام الإسرائيلي الفلسطيني، وخلال مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية قال معاليه إنه يعتقد “أن تطبيع وضعية إسرائيل في المنطقة سيحقق فائدة هائلة للمنطقة ككل”.
 
وتابع أن التطبيع المحتمل”سيكون مفيدا للغاية اقتصاديا ولكن أيضا اجتماعيا ومن منظور أمني”، وبالتالي يمكن القطع بأنه لا تباين في وجهات النظر الاماراتية ـ السعودية حول مسألة تطبيع العلاقات مع اسرائيل، ولكن الأمر يتوقف على رؤى قيادتي البلدين بشان توقيت هذه الخطوة وشروطها ومتطلبات تنفيذها، إذ أنه في الوقت الذي ارتأت فيه الامارات ان التطبيع قد يكون محفزاً للتوصل إلى حلحلة في الجمود الذي يخيم على فرص السلام في المنطقة، فإن المملكة الشقيقة ترتهن هذه الخطوة بحدوث تقدم في مسار السلام الفلسطيني الاسرائيلي، ولكل طرف بطبيعة الحال أن يحدد خطواته وفقاً لقناعاته الذاتية من دون أن يخل ذلك بالتوافق الحاصل حول الموضوع بشكل عام.
 
حصص الانتاج النفطي في منظمة “أوبك»: يعد التباين الذي طفا على سطح الأحداث في الموقفين الاماراتي والسعودي بالنسبة لحصص انتاج البلدين من النفط في إطار اتفاق خفض الانتاج داخل منظمة «أوبك»، يعد هذا التباين من أبرز الموضوعات التي دفعت بعض وسائل الاعلام للمسارعة إلى التكهن بأن ثمة خلاف يطفو على سطح العلاقات الاماراتية ـ السعودية، وأن هذا الخلاف يكشف صدعاً كبيراً حدث في هذه العلاقات، ورغم أن هذا التباين قد حدث بالفعل ولكنه يأتي في إطار عمل مؤسسي تنظيمي داخل «أوبك»، وأن المسألة لا تتعلق بقرار اماراتي ـ سعودي في إطار ثنائي، بل جاءت في سياق مؤسسي أشمل، وهذا الأمر وارد ويحدث لأسباب واعتبارات تقنية بحتة لا علاقة لها بالتوافقات الثنائية بين البلدين في أمور أخرى، والمؤكد أنه سيحدث تفاهم ثنائي حول هذا الموضوع.
 
مزاعم أخرى: تحاول بعض التقارير ووسائل الاعلام التي تسعى إما لبناء قضة اخبارية مشوقة، أو بعض الاقلام المحسوبة على تيارات وجماعات وتنظيمات معادية للتحالف الاماراتي ـ السعودي، وتحاول الصيد في المياه العكرة، والأخذ بنظرية «جوبلز» في الدعاية الكاذبة، تحاول اقناع البعض بصحة مزاعمها اقتناعاً منها بتهافت موقفها، ومن ذلك الحديث عن قلق اماراتي مزعوم من شركة طيران جديدة تنوي المملكة انشائها، أو تبانيات حول الطموحات التنموية السعودية وأهدافها وتأثيراتها، وذلك كله يبدو من تخرصات القول لأن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تسبب أي توترات في علاقات البلدين الشقيقين، لأن الطموحات التنموية السعودية الواعدة ليست أمراً طارئاً بل تحكمها خطة طموحة هي رؤية المملكة 2030، وهي رؤية تحمل نقلة نوعية هائلة ليس للمملكة فقط بل للمنطقة بأكملها، حيث تقوم على البناء والتنمية والتطوير والانجاز والتنافسية العالمية، وهي في مجملها أهداف يتشاركها الجانبان، ويسعيان إلى تحقيقها وبالتالي فالحديث عن قلق طرف دون آخر حول مثل هذه الأمور ينطوي على جهل تام بتوجهات البلدين والقيادتين الرشيدتين في هذه المرحلة التاريخية.
 
ثوابت وأسس استراتيجية مستدامة
في ضوء التناول السابق لمجمل المزاعم التي ترددها بعض وسائل الاعلام والتقارير العربية والغربية باعتبارها محاور خلاف تسبب في حدوث تصدعات وشروخ بالشراكة الاستراتيجية القوية بين دولة الامارات والمملكة العربية السعودية، يمكن الاشارة إلى أسانيد ودلائل قوة التحالف بين البلدين فيما يلي:
 
رسوخ استراتيجية “الخندق الواحد»: يؤكد تحليل مجمل الملفات المشتركة في العلاقات الاماراتية ـ السعودية أن استراتيجية «الخندق الواحد» التي تمثل عنواناً للتحالف الاستراتيجي بينهما لا تزال تتعمق وتتعزز، لاسيما أن هذا التحالف يتوج جهداً مشتركاً للبلدين منذ عام 2011، حيث لعباً بكفاءة واقتدار دور الاطفائي لانقاذ بقية الدول العربية من الانهيار في مواجهة عاصفة الفوضى والاضطرابات التي سميت وقتذاك بـ»الربيع العربي» التي اقتلعت أسس الاستقرار في دول عربية محورية مثل سوريا، وعصفت بدول وشعوب أخرى مثل اليمن وليبيا، بل وكادت تطال قوى عربية اقليمية كبرى مثل مصر، لولا ثورة الشعب المصري ضد حكم تنظيم «الإخوان المسلمين» في يونيو عام 2013، ومساندة ودعم دولة الامارات لتطلعات الشعب المصري ورغبته في الفكاك من قبضة هذا التنظيم وبناء مستقبل يحقق طموحات أبنائه. ومن ثم فإن التحالف الاماراتي ـ السعودي هو بكل المقاييس صمام أمان للاستقرار في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية بشكل عام.
 
ومنذ تمت مأسسة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الشقيقين خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى المملكة العربية السعودية في الثاني عشر من أغسطس 2019، إلى المملكة الشقيقة، حيث التقى سموه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإن هذه العلاقات تشهد تطوراً مستمراً، وجددت تلك الزيارة المهمة التأكيد على قوة ومتانة التحالف وقدرته على مجابهة التحديات والتصدي لمؤامرات المغرضين والحاقدين، وأنه ينطلق من ثوابت تاريخية ورؤية راسخة تستلهم القناعات المشتركة لدى قادة الدولتين.
 
ولاشك أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لم تكن وليدة الأمس القريب، بل تأتي في إطار عمل مؤسسي تنظيمي يؤطر علاقات البلدين ويضمن لها السير على خطى الآباء المؤسسين وفق نهج عروبي أسس دعائمه المغفور لهما، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع أخيه الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراهما، واللذين غرسا بذور هذا التحالف القائم على التعاون والخير منذ أن قالها زايد الخير حين وقف بملابس الإحرام، ليعلن أبدية وأخوية العلاقة بين الامارات والمملكة «المفروض علينا أن نقف وقفة رجل واحد وأن نتآزر فيما بيننا»، ثم جاء اختلاط دماء الشهداء وتضحياتهم الخالدة على أرض اليمن الشقيق ليؤكد أن هذه الدماء إنما تكتب تاريخاً جديداً لعلاقات تحالف أبدية ارتوت بدماء الشهداء من أبناء البلدين دفاعاً عن شعب عربي شقيق.
 
استمرارية الحاجة المشتركة للتعاون والتنسيق والتحالف: رغم كل الدعاوى والمزاعم المثارة بشأن انتهاء ما يصفه المغرضون بشهر العسل في علاقات البلدين الشقيقين، فإن الواقع يدحض وينفي هذه الأقاويل تماماً، فكل متطلبات ومرتكزات التحالف الاماراتي السعودي لا تزال قائمة وبقوة، واستمراره ضرورة حيوية سواء للمصالح الاستراتيجية الذاتية للجانبين الاماراتي والسعودي كل على حد أو لكلاهما معاً، وللأمن والاستقرار الخليجي والأمن القومي العربي بحكم ما للدولتين من ثقل ودبلوماسية فاعلة على الصعيد الدولي، فضلاً عن أهمية تعاونهما الاستراتيجي على صعيد منظمة “أوبك”، وكذلك على صعيد مكافحة الارهاب، الذي لا يزال ينخر في جذور بعض المجتمعات ويحتاج إلى استمرار تضافر جهود الدولتين باعتبارهما الأبرز في مكافحة هذه الظاهرة الخبيثة والتصدي لمصادر تمويلها وتسليحها وتوظيفها سياسياً؛ فمنطقة الشرق الأوسط تعيش مخاض تغيرات استراتيجية مهمة سواء بسبب تطورات الملف النووي الايراني، أو بسبب المواجهات الايرانية الأمريكية بالوكالة على الأراضي العراقية، أوبسبب أزمة “سد النهضة” واحتمالية انزلاق الأمور إلى حرب مياه لا تحمد عقباها في حال فشل محاولات التوصل إلى اتفاق يرضي جميع أطراف هذه الأزمة الخطيرة، مصر والسودان واثيوبيا، ناهيك عن استمرار التأزم في اليمن وسوريا وليبيا، وغير ذلك من التحديات التي تتطلب من الدولتين الشقيقتين مواصلة التنسيق بينهما وكذلك مع القوى الفاعلة في منظومة العمل العربي المشترك، من أجل الحفاظ على ماتبقى من دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي والحيلولة دون مزيد من المعاناة الناجمة عن تفاقم الأزمات في كثير من أرجاء عالمنا العربي.
 
قناعات اماراتية بدور المملكة وثقلها الاستراتيجي: تدرك دولة الامارات حجم المملكة العربية السعودية وتأثيرها الاستراتيجي العميق على الصعيدين الاقليمي والدولي، وتتعامل مع مثل هذه المعطيات بالشكل الذي يستحق من الاهتمام والتقدير، لذلك نلحظ أن هذ التحالف يستمر على عكس ما تذهب إليه التحليلات بالتمنى التي يصنعها بعض المغرضين وتتلقفها أبواق التنظيمات الارهابية وتروج لها، حيث يتذكر الجميع أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى الرياض في عام 2019 قد جاءت في ذروة توقعات مماثلة بانفصام عرى التحالف بين البلدين الشقيقين وتوتر العلاقات بينهما، ومحاولات التشكيك في استمرارية التحالف السعودي ـ الاماراتي، حيث جاءت الزيارة وقتذاك بمنزلة رد قوي مزلزل على جميع التكهنات والأقاويل التي زعمت بوجود خلاف سعودي ـ إماراتي حول الأوضاع في اليمن، فجاء الرد غير مباشر وبشكل واضح ودقيق على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي أكد عقب المحادثات التي جرت في مكة المكرمة أن “المملكة العربية السعودية هي الركيزة الأساسية لأمن المنطقة واستقرارها وصمام أمانها في مواجهة المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها، لما تمثله المملكة من ثقل وتأثير كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية”، مشيراً سموه إلى أن الإمارات والسعودية تقفان معا، بقوة وإصرار، في خندق واحد في مواجهة القوى التي تهدد أمن دول المنطقة وحق شعوبها في التنمية والتقدم والرخاء. وهنا لابد من التأكيد على أن دولة الامارات تتبنى رؤية على أن التحالف مع المملكة مسألة مصيرية قائمة على “أسس راسخة من المحبة والاحترام والثقة والرؤية الواحدة تجاه المتغيرات والتحديات على الساحتين الإقليمية والدولية من منطلق الإيمان المشترك بالمصير الواحد للبلدين والشعبين الشقيقين” كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وقد حدد سموه هدفين رئيسيين للتحالف والشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين، هما مواجهة التحديات والعبور للمستقبل، وهما هدفان ثابتان وبعيدي المدى، ويعكسان وضوح الرؤية وعمق الوعي الاستراتيجي لدى قيادتي البلدين، فالعبور للمستقبل يتطلب ضرورة التصدي لتحديات الحاضر، وما يرتبط بها من مصادر تهديد تؤرق الأمن والاستقرار وتفرز ضغوطاً على البيئة الاستراتيجية الإقليمية، وتحول دون تهيئة الأجواء بالشكل المطلوب للمستقبل. ويجب هنا الاشارة إلى أن إشارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن أهمية ومحورية الدور السعودي اقليمياً ودولياً لم تكن عابرة ولا طارئة، بل تجسد قناعة راسخة لدى الامارات منذ تأسيسها. ولذا فإن تأكيدات سموه بأن الامارات ستظل في “خندق واحد” مع أشقائها السعوديين انطلاقاً من إيمان راسخ بوحدة الهدف والمصير، فضلاً عن ثقة مطلقة بحكمة القيادة السعودية وشجاعتها وحزمها وقوة عزمها وإرادتها الصلبة في التعامل مع مصادر الخطر والتهديد الاستراتيجي، فالحكمة التي تميز الملك سلمان بن عبد العزيز ورؤاه الثاقبة ومواقفه الشجاعة تمثل صمام الأمان للاستقرار في المملكة والمنطقة برمتها، باعتبار أن هذه الحكمة هي المرجعية الأساسية للتعامل مع التحديات والمخاطر القائمة، وتلك مسألة تتعلق بقناعة الامارات بأن الأمن القومي الخليجي بشكل خاص والأمن القومي العربي بشكل عام، يحتاج إلى ضرورة التلاحم بين القوى العربية الفاعلة بقيادة المملكة العربية السعودية للتصدي للتحديات التي تهدد المنطقة.
 
الاحترام والتقدير الاماراتي الكبير للدور التاريخي للمملكة العربية السعودية ودور قيادتها ضمن منظومة الأمن القومي الخليجي والعربي: انطلاقاً من قاعدة استراتيجية مهمة أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي أن «أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن دولة الإمارات العربية المتحدة» يمكن النظر إلى كافة أبعاد هذا التحالف وفهم أركانه وأسسه ومقوماته وركائزه، وأهمها هذا الاحترام والتقدير والثقة في حكمة القيادة السعودية ممثلة في الملك سلمان بن عبد العزيز، وهو مبدأ يعد أحد أهم ركائز التحالف الاماراتي ـ السعودي،  فدائماً ما يعبر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال لقاءات سموه مع القيادة السعودية عن تقديره الكبير للحكمة التي تبديها المملكة في معالجة الأزمات.
 
التوافق الاستراتيجي: تقوم التحالفات الاستراتيجية القوية عادة على أسس عدة: سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية وتجارية واستثمارية وثقافية وإعلامية، ويمثل التوافق والتفاهم الاستراتيجي الأساس الأهم لأي شراكة أو تحالف ناجح، فبلورة الرؤى المشتركة حيال التحديات ومصادر التهديد والمخاطر الاستراتيجية المختلفة مسألة في غاية الأهمية تفتح الطريق أمام بقية قطاعات ومجالات التعاون والتحالف بين الدول، وهذه نقطة هي عماد التحالف الاماراتي السعودي، فهناك اتفاق في وجهات نظر البلدين حول مجمل القضايا والملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وهناك إدراك مشترك لحجم التحديات وما تتطلبه من خطوات وإجراءات مشتركة، وهناك تغليب لصيغ التعاون وغياب تام لصيغ التنافس الاستراتيجي بين الدولتين، وهي عوامل مهمة تكتسب ميزة نوعية إضافية في ظل العلاقات الأخوية القوية التي تربط قيادتي البلدين، والتي تنعكس من خلال التفاهم القوي والزيارات المتبادلة والتنسيق المتواصل والحوار المستمر حول مجمل القضايا والموضوعات الإقليمية والدولية.
حماية وصون مصالح الدول والشعوب العربية: إن علاقة شعبي الامارات والسعودية لا تقتصر على وحدة التاريخ والجغرافيا والدين والموروث الثقافي والعادات والتقاليد والمصير المشترك، ولا تتوقف فقط عند التقاء مصالحهما الاستراتيجية المشتركة، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وإنما تنطلق أيضاً من إرادة سياسية قوية تتلاقى على أهداف موحدة، ورؤية إنسانية مشتركة، هدفها صون مصالح الشعوب العربية وضمان أمنها واستقرارها، ودعمها ومساندتها لاسيما في في الأوقات التي تبرز فيها مظاهر معاناة وظروف إنسانية قاسية تستدعي التدخل والمساندة من الأشقاء. ويمثل التعاون الاماراتي ـ السعودي المشترك نموذجاً في مجال دعم الشعوب العربية الشقيقة منذ انتشار موجات الفوضى والاضطرابات في المنطقة العربية عام 2011، حيث بذل البلدان جهداً يمثل نموذجاً يحتذى به في هذا المجال، سواء في دعم الشعب المصري الشقيق من أجل تجاوز الصعوبات الاقتصادية التي أعقبت انهيار نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وسعي تنظيم “الإخوان المسلمين” الإرهابي للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية، ثم تقديم الدعم للشعب اليمني الشقيق. ومجمل الشواهد تؤكد أن وحدة المصير والهدف، تجمع أبوظبي والرياض، اللتان وقفتا سوياً في التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، ومنعتا بجهودهما ودعمهما للشرعية اختطاف اليمن، بالتصدي عسكرياً للمتآمرين بموازاة تقديم شتى صنوف المساعدات لدعم الشعب اليمني .
 
وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن جهود التحالف الاماراتي السعودي ودورهما المشترك اقليمياً قد أسّس حالة من الثقة والطمأنينة لدى الشعوب العربية والخليجية، التي تنظر بتقدير واحترام بالغين، إلى المبادرات البناءة التي تقوم بها الدولتان بهدف تعزيز التضامن العربي، وإعلاء مصالح شعوب المنطقة، والحفاظ على مكتسبات شعوبها.وتدرك الامارات أن خبرة السنوات الماضية والدروس المستفادة من المتغيرات والتطورات الاستراتيجية المتسارعة في منطقتنا تؤكد أن تعزيز التضامن العربي هو الخيار الأمثل لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالدول العربية، ليس فقط لأن مثل هذا التضامن يؤكد وحدة الموقف العربي، وإنما أيضاً لأنه يفوّت الفرصة على محاولات الأطراف الخارجية التي تعمل على إذكاء الخلافات والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
ولاشك أن هذا النهج هو استمرار لنهج تاريخي وموروث راسخ في السياسة الخارجية للدولة منذ عهد القائد المؤسس المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث كانت ولا تزال السياسة الخارجية لدولة الامارات تعلي قيم التضامن العربي، والتعاون المشترك في مواجهة التحديات والمخاطر التي تنال من أمن واستقرار الدول العربية، وهي السياسة التي ترسخت في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث تنظر دولة الإمارات العربية المتحدة إلى استقرار الدول العربية جميعها باعتباره ضمانة لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وضرورة في الوقت ذاته لتحقيق التنمية والرفاه والازدهار لجميع شعوب المنطقة، انطلاقاً من أن الأمن والاستقرار هما أساس التنمية وتقدم الأوطان والشعوب، والحفاظ على مكتسباتها في مختلف المجالات.
 
الحفاظ على منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي: في ظل انحسار وتراجع دور القوى العربية التقليدية المؤثرة لأسباب وظروف متباينة تلت اضطرابات عام 2011، لم يكن هناك بديل استراتيجي لحماية ماتبقى من النظام الإقليمي العربي وحماية بقية الدول العربية من مخططات الفوضى والاضطرابات الداخلية التي تسببت في تدخلات خارجية من قوى ذات أطماع تاريخية وقومية في العالم العربي مثل إيران وتركيا، سوى أن تتقدم دول مؤثرة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الامارات لتحمل أعباء هذه المرحلة والتصدي لمصادر التهديد والخطر والتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، حيث رفعت دولة الامارات شعار قومياً يعبر عن ايمانها بقيم ومبادئ القائد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ وهو شعار « الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ»، وما تتعرض له أي دولة عربية من تهديدات أو مخاطر يمثل تهديداً لباقي الدول العربية مجتمعة، وهو شعار يمثل أحد أركان الرؤية الاستراتيجية التي يؤمن بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زيد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأعلنها وأكدها أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة. ولاشك أن استشعار القيادتين الإماراتية والسعودية لحجم التحديات والمطامع والتهديدات التي تحيط بالأمن الخليجي والعربي قد عزز دافعية البلدين لبناء رؤية استراتيجية مشتركة للتحالف من أجل التصدي لهذه التحديات والتهديدات والتعاطي مع مصادرها ومسبباتها، حيث أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن منظور دولة الامارات العربية المتحدة للأمن القومي العربي باعتباره «أمنا مترابطاً لا يتجزأ»، ودعا منذ سنوات إلى «بناء إطار سياسي وعسكري وتنموي متقدم من أجل عزة العرب ومكانتهم في المنطقة والعالم»، كما ينظر إلى كل مصدر تهديد لهذه الرؤية باعتباره مصدر خطر يهدد الجميع.
 
الاعتماد على أسس قوية للشراكة والتحالف: ففي ظل تطور العلاقات الدولية وتشابكها وتعقيدها، كان لزاماً بناء شراكة حقيقية قائمة على أسس ومصالح مشتركة واقعية والابتعاد عن الشعارات، فالعلاقات الإماراتية ـ السعودية تقوم في شقها الاقتصادي على تبادل تجاري متزايد حيث وصل إلى نحو 85 مليار درهم العام 2018مقارنة بنحو 79 ملياراً في2017 بارتفاع قدره 6 مليارات درهم، في مؤشر على قوة وتنامي العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين الشقيقين لتصبح الأكبر والأقوى بين مثيلاتها في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى الصعيد العربي، كما ارتفع إجمالي التجارة غير النفطية بين البلدين خلال 7 سنوات بنسبة 43.7% من 55.14 مليار درهم عام 2011. وتلعب الاستثمارات المشتركة بين الإمارات والسعودية دوراً حيوياً في تقوية شبكة المصالح المشتركة بين البلدين، وتطمحان، كأكبر قوتين اقتصاديتين في المنطقة في الوصول إلى الشراكة الاقتصادية بينهما من أجل خدمة شعبي البلدين الشقيقين والمنطقة،حيث يبلغ رصيد الاستثمارات السعودية في الإمارات 4.4 مليارات دولار تتواجد في 14 قطاعاً. وارتفع عدد العلامات التجارية المسجلة في الإمارات إلى 4004 علامات والوكالات التجارية إلى 73 والشركات إلى 26 بإجمالي 4103 علامات ووكالات وشركات. كما تبلغ الاستثمارات الإماراتية في السعودية نحو 30 مليار درهم وتنتشر في 13 قطاعاً استثمارياً.
 
مأسسة التحالف الاماراتي ـ السعودي: منذ الإعلان عن قيام التحالف الاماراتي ـ السعودي، اتجهت إرادة البلدين إلى بناء مرتكزات قوية لهذا التحالف بما يضمن استمراره وتحصّنه ويوفر له سبل المناعة الاستراتيجية له في مواجهة التحديات المتفاقمة التي تموج بها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، وجاء ذلك عبر مأسسة مدروسة ودقيقة لنموذج التحالف بين البلدين، لضمان أن هذه الشراكة الثنائية ليست ككل الصيغ المتعارف عليها، بل تمضي وتتطور على أسس وركائز واضحة، لا تقتصر على جوانب معينة بل تطال مجمل علاقات البلدين أو القوتين المؤثرتين في محطيهما الإقليمي والعالمي، فهناك صيغة تكامل تمضي بثبات من خلال مجلس التنسيق السعودي ـ الاماراتي، الذي تعقد لجنته التنفيذية اجتماعات منتظمة وتثمر عن مشروعات واتفاقات ونتائج إيجابية تقوي هذا التحالف وتعمق روابطه، ومنها لجان تكاملية عدة في مجالات المال والاستثمار والبيئة والإسكان والتنمية البشرية، وهناك مشروعات كبرى قادرة على أن تلعب دور القاطرة الاستراتيجية لعلاقات الشراكة والتكامل على المدى البعيد، فهناك مشروع للسوق المفتوحة بين البلدين، وهو مشروع طموح وتشير تفاصيله المعلنة إلى توجه نحو تعزيز القدرات التنافسية العالمية لاقتصادي البلدين عبر الاستفادة من روافد الشراكة الاستراتيجية وقدراتهما المتنامية في مختلف المجالات.
 
والمقصود بالمأسسة في ضوء ماسبق هو تحويل المشتركات والروابط التاريخية والإنسانية والمصالح الاستراتيجية المشتركة إلى أطر عمل تنظيمية ومؤسسية تعمل بشكل منهجي مدروس بما يضمن استمرارية التعاون وترجمته بما يخدم الشعبين الشقيقين، وقد شُيدت هذه المأسسة من خلال تشكيل اللجنة العليا المشتركة بين دولة الإمارات والسعودية في مايو عام 2014  حيث بدأت العلاقات بين البلدين تتخذ أبعاداً جديدة وآفاقاً رحبة على كافة المستويات، وتولت هذه اللجنة تنفيذ الرؤى الاستراتيجية لقيادتي البلدين  ودعم الخطط الاستراتيجية ومواجهة التحديات، ثم اعقب ذلك الخطوة الأكثر عمقاً ورسوخاً بتأسيس مجلس التنسيق الإماراتي السعودي ( مايو 2016) ثم قرار تشكيل لجنة للتعاون والتنسيق المشترك بين الإمارات والسعودية في 5 ديسمبر 2017 وانعقاد «خلوة الرياض» ابريل 2016 وبحث اطلاق مبادرات وتطوير سياسات وأوجه تعاون وتوفير منصة للتشاور والتنسيق بين فرق العمل، ثم انعقاد «خلوة العزم»(2017) بمشاركة أكثر من 150 مسؤولا وخبيرا لوضع خارطة طريق للتعاون والتنسيق ودعم العمل الخليجي المشترك.
 
وتكمن أهمية مأسسة علاقات التحالف الاستراتيجية في كونها توظف البنية المتوافرة في هياكل العلاقات الثنائية من مصالح مشتركة وتدمجها مع الموروث التاريخي والقيم والمبادئ التي تشكل في مجملها القوة الناعمة للبلدين بالإضافة لمجمل القوة الصلبة والخشنة (العسكرية) لانتاج قوة ذكية مشتركة تعزز قدرة البلدان على تحقيق أهداف تحالف الخير. ومن مظاهر هذه المأسسة النقلة النوعية التي شهدتها العلاقات الإماراتية - السعودية «استراتيجية العزم» التي أعلنت في يونيو من عام 2018، والتي تعبر عن منظور شامل ومتكامل للارتقاء بمسار العلاقات الثنائية في المجالات المختلفة، اقتصادياً وسياسياً وتنموياً وبشرياً ومعرفياً وعسكرياً، وتتضمن إطاراً زمنياً واضحاً ومحدداً لتنفيذها خلال السنوات المقبلة. وهي استراتيجية لا يقتصر أثرها الإيجابي على الدولتين الحليفتين فقط، وإنما سيمتد أيضاً إلى الدول الخليجية والعربية مجتمعة، بالنظر إلى ما تشكله الدولتان من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري كبير، وقدرة على التأثير الفاعل والإيجابي في أمن واستقرار المنطقة برمتها.
 
التحالف الاماراتي السعودي ومحاولات الوقيعة
تطفو على السطح بين الفينة والأخرى مزاعم تروج لحدوث خلاف أو أزمة أو توتر بين دولة الامارات والمملكة العربية السعودية، إذ يدرك أي متابع للشؤون الخليجية والعربية أن هناك متربصين كثر بالتحالف الاماراتي ـ السعودي، فهذا التحالف يقف حجر عثرة في وجه تنفيذ المشروعات التوسعية والمخططات التآمرية للأنظمة والدول والتنظيمات الإرهابية التي تشمل ائتلافاً غير معلن للشر يستهدف الدول والشعوب العربية، وكادت مؤامرات هذا الائتلاف ان تنجح في تخريب بعض الدول العربية، ولكن يقظة ومبادرة التحالف الاماراتي السعودي قد أسهمت بقوة في تجنيب الدول العربية المزيد من الفوضى والدمار والخراب، وتعمل الدولتان الشقيقتان حالياً على دعم الجهود الدولية الرامية لاستعادة الأمن والسلم في جميع الدول العربية.
 
وإجمالاً يبدو من غير الواقعي قبول فكرة وجود شرخ في جدار التحالف الإماراتي السعودي لاعتبارات تكمن بالأساس في العوامل التي ذكرناها كأسس قوية متينة لهذا التحالف، فالواقع يؤكد أن التحالف يزداد قوة ومناعة ويتحصن كل يوم باكتساب قوة إضافية بالتنسيق والحوار والتشاور المستمر بين قيادتي البلدين حول أي أحداث أو ظروف او تطورات عابرة؛ فهناك بالفعل قناعة مشتركة وراسخة لدى قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين بأن التحالف خيار استراتيجي حتمي يفرضه التاريخ والمبادئ والمصير المشترك وروابط الأخوة والدين والمصالح المشتركة والتحديات الواحدة، ومن ثم فهو بديل استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في استدامة الامن والاستقرار والرخاء. ورغم هذه الحقائق الراسخة كرسوخ التحالف الاماراتي السعودي وأسسه وركائزه، فلا يعني ذلك أن محاولات المتآمرين والمتربصين لإثارة الشكوك والخلط الأوراق ستتوقف، بل ستتواصل ولكنها لن تحقق هدفها ولن تنال مرادها وستتحطم على صخرة اليقين المتبادل بأهمية تحالف الخير المصيري بين الدولتين الشقيقتين، وستبقى استراتيجية «الخندق الواحد» التي أشار إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بمنزلة خارطة طريق للعلاقات الإماراتية ـ السعودية خلال السنوات والعقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين بإذن الله.
 
خاتمة
العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين دولة الامارات والمملكة العربية السعودية تستند إلى أسس راسخة ومتجذرة تتنوع بين الأخوة والتضامن والمصير المشترك والاحترام والتقدير المتبادل؛ حيث تدرك الامارات أن المملكة العربية السعودية الشقيقة هي الركيزة الأساسية لأمن المنطقة واستقرارها وصمام أمانها في مواجهة المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها، لما تمثله من ثِقل وتأثير كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية، وما تتسم به سياستها في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفَين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، من حكمة واتزان وحسم وعزم في الوقت نفسه. لذا فإن علاقات البلدين الشقيقين كانت، ولا تزال وستظل – بإذن الله تعالى – علاقات متينة وصلبة؛ لأنها تستند إلى أسس راسخة ومتجذرة، إضافة إلى الإرادة السياسية لقيادتي البلدين الشقيقين، وما يجمع بين شعبيهما من روابط الأخوّة ووشائج المحبة والتقدير، فضلاً عن أن الواقع يؤكد بالفعل أن الإمارات والسعودية تقفان معاً، بقوة وإصرار، في خندق واحد في مواجهة القوى التي تهدد أمن دول المنطقة وحق شعوبها في التنمية والتقدم والرخاء.
 
فالإمارات التي تأسست على مبادئ وقيم تقوم على احترام الأدوار وبناء التوازنات وتوقير الكبير  تقدر دور المملكة الشقيقة بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وتدرك أن تنازع الأدوار يتسبب في فشل منظومات العمل المشترك ولا يمنح المتنازعين أي فاعلية أو قدرة على التأثير في الأزمات والمواقف المختلفة. ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن هذا الاحترام والتقدير الاماراتي ليس من طرف واحد فقط، بل يقابله الجانب السعودي بتقدير واحترام لا يقل قدراً ومكانة، وهو ما يمكن ملاحظته وفهمه بدقة من كلمات الأمير خالد بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة، في وقت سابق كرد على سؤال وجه له في مؤتمر صحفي حول مزاعم بشأن وجود خلافات تخيم على فضاء العلاقات السعودية الإماراتية، حيث قال “السعودي إماراتي والإماراتي سعودي”، ليحسم أي جدل وينهي أي أقاويل ومزاعم حول هذا الأمر، ويجسد معان عميقة مشاعر فياضة تحمل من الأخوة أكبر مما تعبر عن التحالف، وتظهر جوهر وطبيعة العلاقة الأخوية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2021-08-01
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره