مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-11-14

العلاقات الإماراتية ـ الروسية: شراكة استراتيجية من الأرض إلى الفضاء

ترحيب رسمي كبير وحفاوة بالزيارة التاريخية للرئيس بوتين للإمارات
 
تشير نتائج وأجواء الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دولة الامارات منتصف أكتوبر 2019، إلى وجود إرادة سياسية مشتركة لتطوير وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، ودخول هذه الشراكة مرحلة جديدة تتماشى مع تطلعات قيادتي البلدين، حيث تبدو هذه الشراكة مرشحة للمزيد من التطور والتقدم بفعل تعمق التعاون واتساع آفاق الرؤى المشتركة بحثاً عن التنمية والأمن والاستقرار من خلال التنسيق الدائم بين قيادتي البلدين حيال مجمل قضايا المنطقة والعالم. 
 
وفي هذا العدد تسلط “درع الوطن” الضوء على أبعاد هذه الزيارة وأهميتها في بلورة مسارات وخطط جديدة للتعاون الاماراتي ـ الروسي تحقيقاً لمنافع مشتركة، وأيضاً من أجل تسوية قضايا المنطقة.
في الخامس عشر من أكتوبر 2019، وبعد نحو 12 عاماً من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للإمارات في العاشر من سبتمبر عام 2007، وبعد نحو عام ونصف تقريباً من زيارة مهمة قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى موسكو في الأول من يونيو عام 2018، حل الرئيس بوتين ضيفاً على دولة الامارات في زيارة رسمية ضمن جولة خليجية له شملت أيضاً المملكة العربية السعودية.
 
التقى الرئيس الروسي خلال الزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث ناقش الجانبان آفاق الشراكة الاستراتيجية وعلاقات التعاون الثنائي بين البلدين الصديقين وآليات تنميتها وتعزيزها في المجالات المختلفة، علاوة على مناقشة مجمل التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية، والقضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك. ويشير تحليل المؤشرات والشواهد إلى أن أن هذه الزيارة تحمل دفعة قوية لصيغة الشراكة الاستراتيجية التي باتت تؤطر علاقات البلدين منذ أن وقعها الجانبان خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي إلى موسكو في يونيو عام 2018. وتأكيداً على خصوصية العلاقات بين البلدين، استبق الرئيس الروسي بوتين زيارته الرسمية للدولة بتصريحات صحفية قال فيها “لن أكشف سراً كبيراً إذا قلت إننا على اتصال دائم مع قيادة دولة الإمارات، بل ونشأت لدينا تقاليد وممارسات معينة، فلدينا إمكانية ضبط ساعة نشاطنا على توقيت واحد في اتجاهات وقضايا مختلفة، ونقوم بذلك لما له فائدة كبيرة للمنطقة بأسرها”، هذا التصريح القوي في دلالاته وغزاه ينطوي على أهمية سياسية بالغة لما يعكسه من ارتقاء مستوى التعاون، ومن ثم التنسيق بين القيادتين الإماراتية والروسية إلى مستويات غير مسبوقة وصفها الرئيس بوتين بـ”ضبط ساعة نشاطنا على توقيت واحد في اتجاهات وقضايا مختلفة” في دلالة قوية على وجود رؤى مشتركة وتفاهم عميق حول مجمل القضايا والأزمات الإقليمية، وحول دور كل من روسيا والامارات في التعاطي مع مختلف ملفات المنطقة وأزماتها، بما يعكس العمق الحيوي للشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين الصديقين، لاسيما أن الرئيس بوتين قد أكد أيضاً في تصريحاته، ضمن إشارته إلى توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية مع الإمارات العام الماضي، أن بلاده تنظر لدولة الإمارات كونها أحد الشركاء الواعدين والقريبين جداً، مشيراً إلى أن توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية يعكس طابع العلاقات بين الإمارات وروسيا الاتحادية، وأن الشراكة تتطوّر في جميع الاتجاهات. وفي الاتجاه ذاته، أكد سفير جمهورية روسيا الاتحادية لدى دولة الإمارات، أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للإمارات تشكل قفزة نوعية في العلاقات الثنائية بين البلدين.
 
ركائز وأسس قوية للشراكة الإماراتية ـ الروسية
تكتسب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دولة الامارات أهمية استثنائية بالغة في ضوء عوامل واعتبارات عدة يتعلق بعضها بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتطورها النوعي منذ توقيعها، بينما يرتبط بعضها بالتطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي تستوجب إجراء نقاشات بين القوى الفاعلة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يمكن تناوله تفصيلاً فيما يلي:
تتكئ العلاقات الإماراتية ـ الروسية على دعامات وركائز وأسس قوية توفر لها المنعة وفرص التطور والتقدم، فالبلدان الصديقان يمتلكان علاقات تاريخية عميقة تتسم بالاستقرار والتطور الدائم، مستفيدة من كونها قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل، والرغبة المشتركة في تطوير هذه العلاقات، والارتقاء بها إلى مستويات أعلى وأعمق، في ظل الإمكانات الكبيرة المتاحة لذلك. وهناك دعائم وأسس قوية للشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين، حيث تشير الإحصاءات إلى أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قد زار روسيا ست مرات خلال السنوات الـ5 الماضية، كما مثلت صيغة الشراكة الاستراتيجية التي تم توقيعها خلال زيارة سموه لموسكو في يونيو عام 2018، تتويجاً لجهود مشتركة هدفت إلى مأسسة هذه العلاقات، وتوفير مرتكز مؤسسي يسهم في تطويرها وتقدمها وفق رؤية مدروسة من البلدين الصديقين،  اللذين يدركان قوة علاقاتهما وضرورة تعاونهما، حيث كان الاتحاد السوفيتي السابق الذي تُعد روسيا الاتحادية الوريث الشرعي له، من أوائل الدول التي اعترفت بدولة الإمارات العربية المتحدة عندما تأسست على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان نهيان في الثاني من ديسمبر 1971. كما تستند هذه الشراكة إلى قاعدة قوية التبادل الاقتصادي والتجاري الذي بلغ 3.4 مليار دولار أمريكي في عام 2018 بزيادة قدرها %21 مقارنة بعام 2017، وحيث يعد الاقتصاد أحد أهم الملفات المحورية والقاطرة الاستراتيجية للشراكة الاستراتيجية قياساً وارتباطاً بحجم وثقل اقتصاد البلدين.
 
يمثل البحث عن الاستقرار الإقليمي العنوان الأبرز لهذه الزيارة التاريخية، حيث تتزامن الزيارة مع إيقاع تسخين متصاعد في العديد من ملفات وازمات المنطقة، فهناك اعتداء تركي على الأراضي السورية، وهناك توتر متفاقم في الأزمة الإيرانية الامريكية، وهناك استمرار للانتهاكات الإيرانية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة سواء بمواصلة دعم ميلشيات الحوثي الانقلابية في اليمن، أو بالعمل على اثارة الفوضى والقلاقل وزعزعة استقرار منطقة الخليج العربي باستهداف ناقلات النفط وتهديد المنشآت النفطية السعودية. وتتقاسم الدبلوماسيتان، الإماراتية والروسية، شواغل ومشتركات استراتيجية عدة من بينها تسوية الأزمات في دول عربية مثل اليمن وسوريا وليبيا، وتحقيق الامن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، ومكافحة التطرف والإرهاب، فضلاً عن التنسيق في مجالات استراتيجية بالغة الأهمية مثل قطاعات الطاقة النفطية والطاقة المتجددة، والتي تشكل المصدر الرئيسي للطاقة المستدامة للأجيال القادمة. وتدرك روسيا الاتحادية أن دولة الامارات يمكن أن تلعب فيها دوراً حيوياً بما تمتلك من إرادة ورغبة في إيجاد الحلول لانهاء التوترات وإحلال السلام والتفرغ للتنمية، حيث تعمل الامارات على إطلاق المبادرات وتشجيع الجهود العالمية الرامية للحوار سبيلاً لإنهاء الصراعات ومكافحة التطرف والإرهاب والتعصب ونشر التسامح والتعايش بين شعوب المنطقة والعالم أجمع. وفي هذا الإطار قال الرئيس بوتين في مقابلة متلفزة عشية الزيارة إن روسيا تنظر إلى الإمارات كأحد شركائنا الواعدين والقريبين لها. بينما قال السفير الروسي لدى الدولة في تصريحات له إن “هذه الزيارة ستشهد تطورا كبيرا في تعزيز العلاقات بين البلدين خاصة في ظل الشراكة الإستراتيجية التي تربط بينهما”، وأضاف السفير الروسي: “فخورون بتعاوننا المشترك في قطاع الفضاء وسعداء بنجاح مهمة هزاع المنصوري إلى محطة الفضاء التي جاءت ضمن بعثة روسية».
 
تكتسب الشراكة الاستراتيجية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية، أهميتها من مكانة وحجم الطرفين الموقعين عليه اقليمياً ودولياً، فالإمارات ثاني اكبر اقتصاد عربي، وأحد أهم الاقتصادات العالمية وتتطلع لتعزيز مكانتها ضمن منظومة الاقتصاد العالمي في ظل استضافتها لمعرض “اكسبو 2020”، وريادتها في قطاعات اقتصادية واستثمارية مهمة، فضلاً عن كونها باتت مركز عالمي للأعمال والاستثمار، بما توفره من مزايا وحوافز رائدة للمستثمرين من مختلف الدول، وما تتمتع به من بنى تحتية وتكنولوجية متطورة وموقع استراتيجي يصل بين الشرق والغرب، وقطاعات نقل جوي وبحري وخدمات لوجستية عالمية المستوى تساهم في تعزيز الأنشطة التجارية والاستثمارية على المستويين الإقليمي والعالمي، فضلاً عما توفره من خيارات واسعة للمستثمرين سواء داخل الدولة أو في إطار المناطق الحرة بما يشمل مختلف القطاعات الحيوية، وما توفره سياسة التنويع الاقتصادي وترسيخ الابتكار والمعرفة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وثقافة الابداع والابتكار واستشراف المستقبل وتوظيف التكنولوجيا والبحث والتطوير في جذب الاستثمارات النوعية، انسجاماً مع رؤية الإمارات 2021، ومئوية الامارات 2071. بينما يمتلك الطرف الثاني للشراكة الاستراتيجية، روسيا، مقومات عالمية بالغة الأهمية، فروسيا دولة كبرى ذات تاريخ عريق وحاضر ذا تأثير بالغ في صناعة القرار الدولي، وادخل جميع المنظمات والمؤسسات الدولية، فضلاً عن قدراتها الذاتية العالمية في أسواق الطاقة والتسلح والاستثمار والصناعة والتجارة وعلى الصعيد التكنولوجي والتقني، ما يوفر فرص هائلة وواعدة لتحقيق المنافع المشتركة للشريكين الاستراتيجيين.
 
مع العمل تحت مظلة الشراكة الاستراتيجية، نما دور قطاعات عدة كقاطرة لدفع العلاقات الثنائية إلى الامام، وما ضاعف معدلات هذا النمو تأثير علاقات الصداقة الشخصية القوية التي تبلورت مع تعدد اللقاءات الثنائية المشتركة التي جمعت بين  صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والرئيس بوتين، وما انتجته هذه العلاقات من ثقة قوية فريدة، انعكست في المجال الاقتصادي والثقافي والعلمي والعسكري وأيضاً في تبادل وجهات النظر السياسية حول التحديات الإقليمية والدولية، ما جعل الشراكة الاستراتيجية بين الامارات وروسيا تكتسب يوماً بعد يوم مساحات جديدة للحركة بفتح مجالات وآفاق جديدة للتعاون الثنائي، حيث بات التركيز منصباً على التعاون الاقتصادي، فضلاً عن بروز التعاون العلمي في مجال الفضاء كمظهر جديد من مظاهر قوة التعاون، إذ نجح التنسيق بين البلدين في تطوير التعاون الفضائي، ما أثمر عن وصول هزاع المنصوري أول رائد فضاء عربي إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، التي قضى فيها 8 أيام ضمن بعثة فضاء روسية انطلقت من الأراضي الكازاخية بمركبة روسية، ما يعني أن علاقات الشراكة الاستراتيجية قد اتسعت وشملت آفاق جديدة تمتد من قطاعات التنمية والتعاون والمصالح المشتركة على الأرض لتطال التعاون الثنائي في مجال استكشاف الفضاء وارتياده بما يحقق المصالح المشتركة للبشرية جمعاء.
 
نجحت صيغة الشراكة الاستراتيجية التي تم توقيعها بين البلدين في مأسسة هذه العلاقات وبلورة مسارات مدروسة ودقيقة لتقدمها وتطورها بما يحقق تطلعات قيادتي وشعبي البلدين، ومن أبرز المؤسسية في هذه العلاقات اللجنة المشتركة بين دولة الامارات وروسيا الاتحادية، والتي عقدت دورتها التاسعة في أبوظبي قبيل زيارة الرئيس بوتين للإمارات، حيث أكدت الامارات على لسان سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي اهتمامها بالزيارة التاريخية، التي يقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين للدولة، وقال سموه «نترقب زيارة هامة وتاريخية للرئيس بوتين»، مؤكداً أهمية اجتماعات هذه اللجنة «كونها تسبق الزيارة التاريخية للرئيس فلاديمير بوتين للدولة، والتي تعكس عمق العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية».
 
ضمن تنوع ركائز وأسس الشراكة الاستراتيجية، تأتي العلاقات البرلمانية الإماراتية الروسية، حيث تمتلك الدبلوماسية البرلمانية للدولة ممثلة في المجلس الوطني الاتحادي علاقات برلمانية متنامية تحت مظلة جمعية الصداقة البرلمانية لتأطير التعاون وتفعيل التنسيق من خلال الدبلوماسية البرلمانية لا سيما خلال اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي ومختلف الفعاليات البرلمانية حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك. وهناك لقاءات وزيارات تنسيق مكثف بين المجلس الوطني الاتحادي ومجلسي الدوما والاتحاد الروسيين، حيث شاركت معالي فالنتينا ماتفيينكو رئيسة مجلس الاتحاد للجمعية الفيدرالية لروسيا الاتحادية في القمة العالمية لرئيسات البرلمانات التي نظمها المجلس الوطني الاتحادي بالتعاون مع الاتحاد البرلماني الدولي في أبوظبي نهاية عام 2016، فضلاً عن زيارة العديد من الوفود البرلمانية والاقتصادية والسياسية الروسية للدولة، بينما زارت وفود من المجلس الوطني الاتحادي جمهورية روسيا الاتحادية مرات عدة في السنوات الأخيرة. وقد أكدت معالي فالنتينا ماتفيينكو - خلال زيارتها للدولة  في عام 2016- “ إن الإمارات تعد شريكا واعدا وهاما لروسيا الاتحادية ونحن مهتمون بتعميق التعاون القائم في المجالات كافة ومرتاحون للمستوى الذي وصلت له في شتى المجالات وهذا يعود إلى الحوار السياسي الوثيق بين قيادتي البلدين”.. مؤكدة أن التعاون على مستوى البرلمانات له إسهامات مهمة في تعزيز وتطوير مختلف العلاقات إذ تستطيع أن تلعب دورها ليس فقط عن طريق الدبلوماسية البرلمانية بل من خلال تشكيل فرق عمل لتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية وفي الأجندة الدولية لتحقيق التوافق تجاه التحديات الجديدة والمتفق عليها لا سيما على الصعيد الدولي.. مشيدة بما توفره دولة الإمارات من إجراءات متطورة لتسهيل قدوم السياحة الروسية إلى الدولة.
 
تشمل خارطة التعاون المشترك بين الإمارات وروسيا أيضاً العديد من القطاعات الحيوية لاسيما قطاعات الطاقة والصناعة والطاقة النووية السلمية، فهناك تعاون بين البلدين لشراء “الوقود النووي” الروسي وذلك في إطار برنامج الإمارات السلمي للطاقة النووية عبر اتفاقية تهدف إلى توثيق التعاون بين الجانبين في مجال الطاقة النووية السلمية، كما يتعاون البلدان بحثياً بين جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا ومعهد موسكو لهندسة الطاقة التي تهدف إلى تبادل الخبرات في مجالات الذكاء الاصطناعي وهندسة الطاقة والقوى الكهربائية. وهناك اهتمام ملحوظ من الشركات الروسية العاملة في مجال النفط والغاز بالاستثمار في السوق الإماراتي، ولعب دور مهم في نقل التقنيات والتكنولوجيا الروسية إلى الدولة والاستفادة من الفرص الواعد المقدمة من دولة الإمارات في هذا القطاع الحيوي وهو ما يفتح المجال لزيادة الاستثمارات بمختلف القطاعات في البلدين الصديقين؛ فضلاً عن أن هناك تعاون قوي بين دولة الامارات وروسيا الاتحادية في إطار منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، حيث تلعب روسيا دوراً كبير في إنجاح الاتفاق بين دول المنظمة وحلفائها لكبح الزيادة المفرطة في إنتاج النفط والتي أسهمت في موازنة العرض والطلب وتحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمي.
 
 في ظل مكانة الامارات كأحد أهم شركاء روسيا الاتحادية في الشرق الأوسط، تعززت حركة السياحة بين البلدين في السنوات الأخيرة بشكل كبير، حيث زار نحو 900 ألف سائح روسي الامارات في عام 2018، وهناك نحو 111 رحلة أسبوعياً بين روسيا والإمارات، فضلاً عن عشرات الرحلات التي تجلب السياح من مختلف المناطق الروسية إلى الإمارات، ووجود جالية كبيرة ناطقة باللغة الروسية في الدولة،  يبلغ عددها تقريباً نحو 100 ألفاً منهم، منهم نحو 40 ألف مواطن روسي و60 ألف مواطن من دول الاتحاد السوفييتي السابق، كما أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الوحيدة في منطقة الخليج موجودة في الشارقة، وهناك في المقابل العديد من المساجد في روسيا  كما قامت السلطات في منطقة الشيشان الروسية بافتتاح أحد أكبر المساجد في أوروبا، ما يعد دليلاً على الوئام والتسامح الديني في كلا البلدين، بما يرسخ قاعدة التسامح والتعايش التي تتميز بها ديموجرافيا دولة الامارات، ويعزز العلاقات ويبرز المشتركات القيمية بين البلدين الصديقين. وانعكاسً لذلك يؤكد مسؤولون روس أن 5 جامعات روسية على الأقل تعمل على فتح فروع لها في الإمارات بعد انهاء الإجراءات الرسمية في هذا الشأن خلال الفترة المقبلة. 
 
في تفاصيل حركة التبادل التجاري بين البلدين، بلغت قيمة الواردات الإماراتية من روسيا نحو 8 مليارات درهم خلال العام 2018 بزيادة نسبتها 26.2 بالمائة مقارنة مع العام 2017 وذلك بحسب الأرقام الصادرة عن الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء. أما على صعيد الصادرات الإماراتية إلى روسيا فقد ارتفعت إلى نحو 1.1 مليار درهم خلال العام الماضي مقارنة مع 913 مليون درهم في العام 2017. وارتفعت قيمة تجارة إعادة التصدير إلى 3.5 مليار درهم مع نهاية العام 2018 بزيادة نسبتها 75 بالمائة مقارنة مع ملياري درهم في العام 2017.
 
من بين مقومات الفاعلية والكفاءة في الارتقاء بعلاقات التعاون ، أن هناك أطر مؤسسية عدة تعمل ضمن صيغة الشراكة الاستراتيجية بين الامارات وروسيا، منها منتدى الأعمال الإماراتي الروسي، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، عام 2017، بمشاركة أكثر من 100 رجل أعمال وممثل عن شركات روسية وهناك أيضاً اتفاقية تهدف إلى توثيق التعاون بين الجانبين في مجال الطاقة النووية السلمية، وتسمح بتنفيذ العقد الموقع بين الشركة الروسية ومؤسسة الإمارات للطاقة النووية، بشأن نقل الموارد والتكنولوجيا النووية لبرنامج الإمارات النووي، وتغطية احتياجات الوقود لمدة 15 عاماً. وهناك تعاون بحثي بين جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا ومعهد موسكو لهندسة الطاقة التي تهدف إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في مجالات الذكاء الاصطناعي وهندسة الطاقة والقوى الكهربائية، وفى مجال الفضاء والتعاون المشترك بين روسيا والإمارات، انطلقت أول رحلة لرائد فضاء إماراتي إلى المحطة الفضائية الدولية، بمشاركة وتعزيز من دولة روسيا، وهناك تبادل للمعلومات والخبرات بين الدولتين في مجال التشريعات والسياسات الفضائية، والمشاريع التي تهتم بالاستفادة من الفضاء في تحقيق الاستدامة على الأرض.
 
من بين مقومات الفاعلية أيضاً مراكمة خبرات الشراكة الناجحة في بعض القطاعات الحيوية والاتكاء عليها، حيث يعود التعاون بين الإمارات وروسيا في مجال الفضاء لنحو 5 سنوات مضت عندما جرت بلورة الاجتماعات التنسيقية والجلسات التشاورية بين وكالة الإمارات للفضاء ووكالة الفضاء الروسية “روسكوسموس” التي استمرت لمدة عام كامل في قالب استراتيجي على شكل مذكرة تفاهم يستهدف الجانبان من خلالها التأسيس لأطر تعاون استراتيجي مشترك. حيث وشكلت تلك المذكرة نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون الفضائي بين البلدين، حيث تطور ليأخذ منحى جديداً، حتى توصل الطرفان إلى اتفاقية تاريخية بعد ثلاثة أعوام بتوقيع دولة الإمارات مُمثَّلةً في مركز محمد بن راشد للفضاء، ودولة روسيا الاتحادية، مُمثَّلةً في وكالة الفضاء الروسية “روسكوسموس”، اتفاقية تعاون لإرسال أول رائد فضاء إماراتي للمشاركة في الأبحاث العلمية ضمن بعثة فضاء روسية إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة “سويوز إم إس” الفضائية. وجاء اختيار روسيا للتعاون معها في مشروع رواد الفضاء الإماراتيين، نظراً لامتلاكها تاريخاً مليئاً بالإنجازات المتقدمة في مجال الفضاء، والذي يمكن لدولة حديثة نسبياً ضمن القطاع الفضائي مثل الإمارات أن تستفيد منه في الارتقاء بقدرات القطاع الفضائي الوطني.
 
هناك أيضاً الحفاظ على وتيرة التطور التاريخي للعلاقات بين الإمارات وروسيا، وهي علاقات شهدت، ولا تزال، تطوراً متسارعاً خلال العقدين الأخيرين، فالإمارات أول بلد عربي يطور التعاون الواسع مع روسيا في مجالات الاستثمارات المتبادلة والتبادل التجاري والتصنيع المشترك لعدد من التقنيات بينها تقنيات عسكرية. وهناك منذ عام 2013 صندوق استثماري مشترك بين حكومة أبوظبي وصندوق الاستثمار الروسي المباشر يعمل في مختلف قطاعات الاقتصاد الروسي. وهناك منذ عام 1994 لجنة حكومية للتعاون الدولي بين الإمارات روسيا في مجال التجارة والتعاون الاقتصادي والفني، ومنذ سبتمبر 2005، يعمل مجلس الأعمال الروسي الإماراتي، وخلال الفترة من عام 2000 إلى 2014، اشترت دولة الإمارات العربية المتحدة أسلحة ومعدات عسكرية روسية بقيمة 714 مليون دولار.
 
نتائج الزيارة التاريخية للرئيس بوتين للإمارات
مثلت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دولة الامارات ولقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، منتصف أكتوبر 2019، مثلت فرصة مهمة لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للعلاقات، ويمكن استنتاج ذلك من خلال تحليل نتائج هذه الزيارة فيما يلي:
كانت الزيارة التاريخية للرئيس بوتين فرصة مثالية لتبادل وجهات النظر مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حول التطورات في الساحتين الإقليمية والدولية بشكل عام وفي منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل خاص.. إضافة إلى العديد من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية محل الاهتمام المشترك، ورؤى البلدين تجاهها، حيث نقل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، خلال اللقاء، تحيات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى الرئيس الروسي وترحيبه بزيارة دولة الإمارات.
 
جاءت هذه الزيارة لتقوي العلاقات الشخصية المتميزة بين قيادتي البلدين، حيث ترجمت الزيارات الرسمية والعلاقات الدبلوماسية تلك العلاقة، خصوصاً الزيارتين التاريخيتين لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى موسكو في مارس 2016 ويونيو 2018، واللتين أسستا لقفزة كبيرة في تطور العلاقات بين الإمارات وروسيا، ولعلاقة صداقة وطيدة ومتميزة بين قيادتي البلدين. ويعكس الاستقبال الرسمي الحافل للرئيس الروسي في دولة الامارات ليس فقط حفاوة الاستقبال للضيف الكبير، ولكن يعكس أيضاً مدى اهتمام القيادة الرشيدة لدولة الامارات بترسيخ أواصر الشراكة الاستراتيجية مع روسيا الاتحادية، وهو ما أكدته تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حيث قال “إ ن زيارة الرئيس بوتين تاريخية، وتجسّد قوة العلاقات الإماراتية – الروسية” معلناً ترحيبه “بضيف البلاد الكبير ضيفاً عزيزاً على الإمارات وشعبها”، وقال سموه، في تدوينة عبر حساب “تويتر” الرسمي “أرحّب بفخامة الرئيس فلاديمير بوتين ضيفاً عزيزاً على الإمارات وشعبها، زيارة تاريخية تجسد قوة العلاقات الإماراتية - الروسية، ماضون معاً نحو تعزيزها على المستويات كافة لمصلحة بلدينا الصديقين”، وكانت التغطيات الإعلامية المكثفة والاهتمام الرسمي الكبير بالزيارة واضحاً ودالاً على عمق العلاقات وحجم الرهانات الاستراتيجية الإماراتية على تطويرها وفتح آفاق جديدة لها.
 
أكدت الزيارة تطلع البلدين الصديقين إلى تعزيز الشراكة في قطاعات الطاقة النفطية والطاقة المتجددة، والتي تشكل المصدر الرئيسي للطاقة المستدامة للأجيال القادمة، وتعزيز موقع دولة الإمارات الشريك التجاري الأول لروسيا الاتحادية على مستوى الخليج العربي، خصوصاً في قطاعات النفط والطاقة المتجددة والمعادن الأساسية والإنشاءات والأمن الغذائي.
 
هناك عوامل داعمة وبيئة محفزة لتقوية الشراكة الاستراتيجية بين الامارات وروسيا، حيث يبدو هناك نوع من التفاهم المتزايد بين استراتيجية الرئيس بوتين تجاه المنطقة من ناحية، وتطلعات دول المنطقة لتنويع العلاقات مع القوى الكبرى من ناحية ثانية، خاصة في ظل حالة الغموض السياسي الذي يلف الدور الأمريكي في المنطقة، وتحديداً في قضيتي التغلغل الإيراني في المنطقة العربية وتهديد الاستقرار فيها، والتمدد التركي في الأراضي السورية، باعتبار هذه الملفات قضايا نقاشية مشتركة بين روسيا والامارات، التي تسعى لاستعادة الأمن والاستقرار الإقليمي.
 
كشفت المحادثات عن اهتمام الجانبين بثمار التعاون الإماراتي - الروسي في مجال الفضاء، الذي تكلل برحلة أول رائد فضاء إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، فضلاً عن التعاون في مجالات الطاقة والعلوم والتكنولوجيا وغيرها، خاصة مع الاهتمام الكبير الذي توليه الإمارات للمشاركة الفاعلة في مسار الثورة الصناعية الرابعة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحرصها على إقامة شراكات بنّاءة مع الدول المتقدمة في هذا المجال وامتلاكها لاستراتيجيات ورؤى طموحة في هذا الشأن، حيث ثّمن صاحب السمو ولي عهد أبوظبي استضافة روسيا أخيراً فعاليات الدورة الثالثة لقمة “أقدر” العالمية، وأشار إلى أهمية استضافة أبوظبي أعمال الدورة التاسعة من اللجنة المشتركة بين دولة الإمارات وروسيا الاتحادية.
 
أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال المحادثات على أن هناك العديد من العوامل الاستراتيجية المشتركة بين الإمارات وروسيا، ما يسهم في دعم علاقاتهما وتعميقها وتعظيم مردوداتها، مشيراً إلى أن البلدين طرفان أساسيان في العمل على استقرار وتوازن سوق الطاقة العالمي من خلال الحرص على أمن إمدادات الطاقة والتعاون في ما يخص أسعار النفط، ويتفقان حول ضرورة التصدي لخطر التطرف والإرهاب والقوى التي تقف وراءه وتدعمه باعتباره أكبر تهديد للسلم والاستقرار والأمن على الساحة الدولية ومصدراً للكراهية والتعصب بين الأمم والشعوب، كما يعملان من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط من خلال الاستناد إلى مبدأ الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها ووحدتها باعتبارها ركيزة هذا الاستقرار. وأضاف سموه خلال المباحثات أن أمن منطقة الخليج العربي يمثل مصلحة دولية وليست إقليمية فقط، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية الكبيرة للمنطقة بالنسبة إلى العالم كله، خاصة على المستوى الاقتصادي، مؤكداً أن دولة الإمارات حريصة على ضمان إمدادات النفط من المنطقة إلى العالم، وحرية الملاحة في الممرات الملاحية الدولية فيها، من منطلق ثوابتها كدولة مسؤولة على الساحة الدولية.
 
أشار صاحب الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي خلال المباحثات إلى أن الإمارات مهتمة بتعزيز وتوثيق علاقاتها مع الدول الصديقة في العالم مثل جمهورية روسيا الاتحادية وإقامة شراكات إيجابية معها تعود بالخير على الجميع، وذلك على قواعد المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والعمل من أجل السلم والاستقرار والتنمية على الساحتين الإقليمية والدولية، وذلك في إطار من الاتزان والتوازن اللذين يميزان السياسة الخارجية الإماراتية منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وأكد سموه أن روابط روسيا مع دول الخليج العربية والعالمين العربي والإسلامي تمثل بعداً مهماً في العلاقات الإماراتية - الروسية، مشيراً إلى أن الحوار الاستراتيجي القائم بين روسيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ عام 2011 يرفد العلاقات الإماراتية - الروسية بمزيد من أسباب التطور والقوة، خاصة وأن الإمارات تمثل بوابة تجارية واقتصادية لروسيا إلى منطقة الخليج العربي. وعبر سموه عن ارتياحه للتطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات الإماراتية - الروسية خلال السنوات الماضية، وثقته في أن زيارة الرئيس الروسي للإمارات سيكون لها عظيم الأثر في مستقبل هذه العلاقات وتطورها في المجالات والميادين كافة.
 
عبّر الرئيس الروسي بوتين خلال المباحثات المشتركة عن شكره وتقديره لدعوته لزيارة دولة الإمارات “التي يطيب له تواجده فيها مرة أخرى”.. وقال “خلال الجولة القصيرة من المطار إلى قصر الوطن اطلعت على الديناميكية العالية التي تتطور خلالها دولة الإمارات.. ويطيب لي زيارتها مرة أخرى”، وأضاف أن العلاقات الثنائية بين البلدين تواصل تطورها في جوّ ودّي وبنّاء.. ووفق إعلان الشراكة الاستراتيجي بين بلدينا فإن العلاقات التجارية والاقتصادية تتسع وتشمل مختلف الجوانب.. منوهاً إلى أن روسيا والإمارات شريكان في العديد من الاستثمارات خاصة في مجال الطاقة والطاقة النووية السلمية.. إلى جانب التنسيق بين سياسات البلدين في أسواق النفط والتعاون في مجال استكشاف وعلوم الفضاء.. مهنئاً دولة الإمارات بانطلاق أول رائد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وأشار إلى زيادة أعداد السياح الروس إلى دولة الإمارات بنسبة 23 في المائة والذين أنفقوا 1.3 مليار دولار. وثمن الدعم الشخصي الذي يبديه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لترسيخ وتنمية العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية روسيا.. وحمل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أطيب تحياته وتمنياته إلى صاحب السمو رئيس الدولة.
 
قال وزير الاقتصاد الروسي ماكسيم اورشكين إن “مستوى العلاقات مع الإمارات متقدم للغاية”، وتحدث عن توقيع اتفاقيات تصل قيمتها إلى أكثر من 3ر1 مليار دولار بين البلدين، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصحة والطاقة، بحسب صندوق الاستثمار المباشر الروسي. فيما أكد رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديمترييف في بيان أن “روسيا والإمارات العربية المتحدة لديهما الكثير لتقديمه عبر تبادل التكنولوجيا والاستثمارات”. وأضاف “لدينا شراكات ليس فقط على الأرض بل أيضا في الفضاء”، موضحا أن “إمكانيات التعاون غير محدودة”.
 
تناولت مباحثات صاحب الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي مع الرئيس الروسي بوتين مجمل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والنقل والسياحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا وغيرها من المجالات الحيوية الأخرى التي تميز العلاقات الإماراتية – الروسية، وما بلغته هذه العلاقات من مستويات نوعية متقدمة خلال السنوات الماضية، وسبل تنميتها وتوسيعها خلال الفترة القادمة. وتطرق الاجتماع إلى التبادل التجاري بين البلدين والنمو المتسارع الذي شهده خلال السنوات الأخيرة ما جعل دولة الإمارات الشريك التجاري الأول لروسيا في منطقة الخليج العربي، والعمل المشترك على توسيع هذا التبادل وتعميقه في المستقبل بما يعزز من المصالح المشتركة ويصب في مصلحة الشعبين الصديقين. كما بحث الاجتماع إعلان الشراكة الاستراتيجية الذي تم توقيعه بين البلدين العام الماضي، ودوره في تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما، وآليات تفعيله وتعظيم مردوده على هذه العلاقات خلال الفترة القادمة. وتطرق الاجتماع كذلك إلى دور الأجهزة والكيانات الاستثمارية والاقتصادية المشتركة في دفع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الإمارات وروسيا إلى الأمام، خاصة الصندوق الاستثماري المشترك بين الإدارة المالية لأبوظبي وصندوق الاستثمار الروسي المباشر، واللجنة الحكومية للتعاون الدولي بين روسيا والإمارات في مجال التجارة والتعاون الاقتصادي والفني ومجلس الأعمال الروسي ــ الإماراتي وغيرها.
 
الشراكة الاستراتيجية: إطار مؤسسي قوي
ظلت العلاقات المتنامية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية توصف تقليدياً فيما مضى بعلاقات صداقة تربط بين بلدين وشعبين صديقين، حتى كان موعد توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين في الأول من يونيو عام 2018، خلال الزيارة المهمة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى موسكو، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين، ووقعا هذا الإعلان التاريخي، الذي يؤسس لمرحلة جديدة في علاقات البلدين.
 
ومفاهيمياً وتاريخياً، تأتي صيغة الشراكة الاستراتيجية كإطار ناظم للعلاقات بين الدول، في سياق التحولات المتسارعة التي طرأت على العلاقات الدولية في مرحلة مابعد الحرب الباردة وانهيار ماكان يعرف بالاتحاد السوفيتي، وبروز العولمة بما أنتجته من روابط ومجالات وهوامش جديدة تتحرك فيها العلاقات الدولية، حيث برز مفهوم «الشراكة الاستراتيجية» كإطار وصفي للعلاقات بين الدول في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وآلية من آليات تنظيم العلاقات بين طرفين أو أكثر والارتقاء بها وتوفير سبل تطورها، وهي صيغة تعكس درجة  متقدمة للغاية من التعاون والتفاهم السياسي والتوافق الاستراتيجي تجاه القضايا الدولية والإقليمية، إنها مرحلة تراوح بين درجة «حليف» ومستوى الصداقة التقليدية بين الدول، وهي ليست تعبيراً قانونياً بمقدار ما لها من مدلول سياسي، بحسب ما يرى خبراء السياسة.
 
مفاهيمياً، فإن الشراكة تعني جميع أنماط التعاون بين دول ومؤسسات أو منظمات من دون نطاق زمني أو لمدة معينة بهدف الاستفادة من مقدرات الطرفين بما يعزز مقدرتهما معاً على تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكل منهما. ومفهوم الشراكة بهذا الشكل قد يشمل أو لا يشمل التحالف الاستراتيجي، لكن ينبغي أن نفرق بين التحالف والاندماج والشراكة، فالاندماج هو زوال كيانات (دول او مؤسسات أو شركات) وميلاد دولة أو كيان أو شركة أو وحدة أو مؤسسة جديدة، أما في التحالف والشراكة فتحافظ الأطراف المعنية على استقلاليتها من حيث الأهداف والمصالح الخاصة، وتبقى سمة خاصة للشراكة الاستراتيجية بين الدول والتكتلات والهيئات السياسية والأمنية والعسكرية في أنها تمتلك المقدرة على أن تقيم علاقات شراكة استراتيجية أخرى مع أطراف آخرين لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
 
وتعني صيغة الشراكة الاستراتيجية بالدرجة الأولى التزام الطرفين بمستوى علاقات يفوق العلاقات التقليدية أو الطبيعية السائدة بين الدولة، والارتقاء من مستوى التعاون والصداقة إلى صيغة أعمق وأكثر ارتباطاً وتفاعلاً، وبالتالي فهو يعد صيغة مرنة بين العلاقات التقليدية وأطر التحالف الاستراتيجية التي تربط بعض الدول ببعضها، ولاسيما في المجال العسكري والأمني. وتنبع أهمية صيغ الشراكة الاستراتيجية من كونها إطار رسمي مؤسسي يتسم بقدر عال من المرونة ويعبر عن الإرادة السياسية للأطراف الموقعة عليه في تعزيز التعاون والتنسيق المشترك، ويشمل مجالات محددة ويرتكز على آليات تنفيذية مثل اللقاءات الثنائية والزيارات المتبادلة واللجان المشتركة والاتفاقات ومذكرات التفاهم في مختلف المجالات، وغير ذلك من آليات يتم من خلالها تفعيل صيغة الشراكة وتطويرها في المجالات المتفق عليها، وما يستجد من مجالات يتم التوافق بشأنها بين الشركاء الاستراتيجيين.  
 
ويكتسب هذا المفهوم أهميته من كونه عابر للنطاقات الضيقة للتحالفات التقليدية، التي كانت تتم عادة في مجالات أمنية وعسكرية وسياسية، ليشمل، بل ويركز على تنمية التعاون وتقويته في المجالات الاقتصادية والاستثمارية التي يمكن للطرفين أو الأطراف الموقعة على صيغة الشراكة الاستفادة المشتركة منها، لاسيما أن هذه الصيغة تكتسب قوتها أيضاً من كونها تمتلك قدراً عالياً من الديناميكية والمرونة التي توسع هوامش الحركة أمام أطرافها، باعتبار أن الشراكة الاستراتيجية هي صيغ وسط بين التعاون والروابط والتحالفات والهياكل التعاونية الدائمة، فضلاً عن تمايزها عن علاقات المصالح التكتيكية المرهونة بأمدية زمنية محددة؛ فالشراكة الاستراتيجية ثابتة ولكنها تتسم بالمرونة والتطوير والتغير ومواكبة المستجدات من الظروف والمعطيات والآليات بما يعزز فاعليتها ويضمن تحقيق أهدافها الأساسية.
 
 ومن المتعارف عليه أن صيغ الشراكة الاستراتيجية لا تستثني أي من مجالات التعاون بين الأطراف الموقعة عليها طالما اتفقت هذه الأطراف على الأسس والمبادئ الجوهرية، وبالتالي فهي تشمل مبدئياً مختلف مستويات التعاون المشتركة وكذلك مختلف القطاعات التنمية والإنتاج والاقتصاد والتنمية والاستثمار والتعليم والثقافة والفضاء والبحث العلمي والثقافة، وكل ما من شأنه تحقيق المصالح الوطنية للطرفين أو الأطراف الموقعة على صيغة الشراكة الاستراتيجية. 
 
وقد استخدمت الأمم المتحدة مفهوم «الشراكة» للمرة الأولى في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد ـ تأسست عام 1964، وهي الهيئة الرئيسية التابعة لجهاز الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، في مجال التجارة والتنمية) نهاية الثمانينات، وبمرو الوقت برزت صيغة «الشراكة الاستراتيجية» كإحدى الأطر الناظمة للعلاقات الدولية في العصر الحديث، وشكل من أشكال علاقات التعاون القوية بين الدول.
 
وبشكل عام فإن صيغ الشراكة الاستراتيجية تحقق فوائد حيوية عدة للدول والمنظمات أهمها:
توفير إطار مؤسسي ناظم للعلاقات يجسد إرادة قيادة وشعوب الدول الموقعة عليها ويحقق مصالحها وأهدافها الاستراتيجية وفق خطط مدروسة وبرامج زمنية دقيقة.
ضمان تطور العلاقات الثنائية بين الدول واستقرارها وثباتها من خلال وجود أطر مؤسسية ثنائية فاعلة قادرة على التواصل وتجاوز أي إشكاليات عارضة أو طارئة قد تعرقل مسار التعاون أو تحد من تطوره.
ضمان ثبات السياسة الخارجية للدول بما ينعكس في مقدرتها على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى لتحقيق الأهداف التنمية المستدامة، ولاسيما في مجالات التجارة والاقتصاد والاستثمارات.
الارتقاء بعلاقات الدول مع نظرائها من دول العالم وضمان التعددية والتنويع والتكامل واستقلالية القرار وتفادي عوامل الضغط الناجمة عن السياسات الأحادية، وتعزيز الانتشار والتأثير والنفوذ والمكانة الدولية.
دعم دور الدولة ومكانتها في الحوار حول إشكاليات وقضايا التعاون الدولي ومشروعاته وآلياته، وكذلك تعزيز مقدرتها على التأثير في صناعة القرار الدولي الخاص بالتجارة والاقتصاد وغير ذلك.
الإسراع بفرص التطوير التقني والعلمي ونقل التكنولوجيا وتوطينها عبر التعاون المكثف مع الشركاء الاستراتيجيين للدول في المجالات والقطاعات المعنية.
 
رؤية استراتيجية روسية مغايرة للخليج العربي
منذ تدشين الدور الروسي في الحفاظ على أمن سوريا ووحدة أراضيها والتصدي لتهديدات تنظيم «داعش» الإرهابي في هذا البلد العربي، برز حرص روسيا على تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط بشكل عام انطلاقاً من سوريا، وفي إطار إعادة تشكيل التوجهات الروسية في المنطقة، وفقًا لمقاربة جيوبوليتيكية ورؤية جديدة للتعاون في مجال الطاقة ودبلوماسية الطاقة التي من شأنها تعزيز مصالح روسيا الإقليمية والدولية، ودورها العالمي، حيث اعتمدت الاستراتيجية الروسية في المنطقة على إعادة هيكلة علاقاتها مع دول مجلس التعاون، ولاسيما المملكة العربية السعودية ودولة الامارات، وتعزيز التعاون الروسي القائم مع إيران وجذب دول حليفة تقليدياً للولايات المتحدة مثل تركيا، بل إن روسيا باتت تطمح إلى جذب أوروبا نفسها للدوران بعيداً عن فلك النفوذ الأمريكي، حيث سبق أن عرض الرئيس بوتين على نظيره الفرنسي ماكرون توفير الحماية لأوروبا التي تخشى سحب تعهدات الأمن الأمريكي. 
 
 وتبدي روسيا اهتماماً كبيراً بالتعاون مع دول مجلس التعاون وتسعى بقوة إلى بناء شبكة علاقات استراتيجية قوية مع الامارات والسعودية، حيث تدرك موسكو أن بناء هذه العلاقات سيعزز مكانة الدور الروسي في المعادلات الإقليمية للمنطقة العربية وجوارها الجغرافي. وتعد منطقة الخليج العربي بشكل ضمن مناطق الاهتمام الحيوية للدبلوماسية الروسية، ولاسيما فيما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية، ولذا نلحظ أن روسيا تقدم نفسها في المنطقة كوسيط سلام والتسويق لمشروعها الخاص بنزع السلاح النووي وخفض سباقات التسلح التقليدي وتوفير الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، والأرجح أن بناء علاقات استراتيجية بين دول مجلس التعاون وروسيا سيضمن دفع موسكو إلى بناء حالة توازن في علاقاتها عبر ضفتي الخليج العربي، بما ينسحب سلباً على الدور والنفوذ الإيراني الذي يراهن بشكل كبير على الدعم والتعاون الروسي مع طهران. 
 
وتتمثل جاذبية الشراكة الاستراتيجية القائمة بين الامارات وروسيا في كونها لا تعتمد على شراء الأسلحة وعقد صفقات تكتيكية محدودة المدى والتأثير، بل ترتكز على بناء شبكة مصالح استراتيجية ممتدة ترفد العلاقات الإماراتية الروسية بعوامل الاستمرار وتوفر لها قوة دفع قوية لتحقيق تطلعات الامارات وأهدافها الاستراتيجية الواردة ضمن رؤيتي 2021 و2017 بالاستفادة مما تمتلك روسيا من تقدم في بعض المجالات الحيوية مثل علوم الفضاء والطاقة النووية والمتجددة والصناعات الدفاعية وغير ذلك.
 
وتكتسب زيارة الرئيس الروسي بوتين للإمارات وحرصه على دفع الشراكة الاستراتيجية للأمام، أهميتها أيضاً في ضوء ما تشهده منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من تطورات متسارعة، لاسيما ازمة الملف النووي الإيراني، التي تبدو معضلة استراتيجية تتفاقم ويطال تأثيرها السلبي الأمن الإقليمي في مجمل تفاصيله منذ انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق الموقع بين إيران ومجموعة «5+1»، ورغبة واشنطن في الحد من انتهاكات إيران واختراقاتها للقانون الدولي، ووقف تجاربها الصاروخية وتدخلاتها في العديد من دول الجوار العربية، بما تسبب في نشر الفوضى والاضطرابات في المنطقة بشكل عام.  وهنا يبدو الحوار مع روسيا في غاية الأهمية ليس لكونها حليفاً استراتيجياً مهماً لإيران، ولكن لأنها قوة كبرى مسؤولة عن الأمن والاستقرار العالمي ومن مصلحتها بلورة رؤية واضحة حول أمن المنطقة، لاسيما أن روسيا لها مصالح متنامية مع دول المنطقة جميعها وليس مع إيران فقط، بل إن مصالحها مع دول مجلس التعاون تفوق بمراحل المصالح الاستراتيجية الروسية مع إيران على الأمدية المختلفة.
 
الواضح من قراءة اتجاهات السياسة الخارجية الروسية في المرحلة الراهنة أن الرئيس بوتين يسعى إلى تحقيق أهداف عدة أولها تقديم روسيا كحليف استراتيجي ضامن للاستقرار ويعتمد عليه في محاولة لتوظيف هوة تذبذب الثقة التي تتعمق تدريجياً بين الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط بسبب تردد الرئيس ترامب في التصدي لانتهاكات إيران وخروقاتها للقانون الدولي واعتداءها على المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية. ثانيها أن الرئيس بوتين يمتلك مقاربة استراتيجية تعتمد على بناء علاقات روسية متوازنة عبر ضفتي الخليج العربي، أي بين إيران من جهة ودول مجلس التعاون من جهة ثانية، ما يفسر رغبته في طرح مبادرة سلام ودعوته المملكة العربية السعودية للحوار مع إيران من اجل انهاء التوتر الإقليمي، ثالثها إن روسيا تسعى للتعاون مع التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبدعم قوي من دولة الامارات العربية المتحدة، في استعادة الأمن والاستقرار باليمن، كما تسعى لبناء تفاهم مع التحالف السعودي الاماراتي الذي بات يلعب دوراً مؤثراً للغاية في الدفاع عن ثوابت الأمن القومي العربي وبناء توازنات القوى الجديدة في المنطقة، عبر القوتين الناعمة والخشنة. كما تدرك روسيا أن هناك شبكة متعاظمة من المصالح تربطها بالسعودية والامارات تحديداً، لاسيما على صعيد استقرار أسواق النفط العالمية، التي تمتلك تأثيراً هائلاً على الاقتصاد الروسي، حيث أثمر التعاون الروسي مع أبرز الدول المصدرة للنفط في منظمة «أوبك» خلال الفترة الأخيرة في استعادة استقرار الأسواق، ولا شك أنه من الضروري استمرار هذه المصالح الاستراتيجية الضامنة لاستقرار الاقتصاد الروسي، ومن ثم تحقيق تطلعات القيادة الروسية في بناء توازن عالمي تستعيد فيه روسيا مكانتها وهيبتها.
 
ونشير هنا إلى أن الاستراتيجية الروسية في منطقة الخليج العربي ترتبط بمبادئ الاستراتيجية الشاملة للسياسة الخارجية الروسية (2013 ـ2020)، والتي تعتبر العلاقات مع دول مجلس التعاون بمنزلة إضافة نوعية كبيرة للسياسة الخارجية الروسية التي لم تكن تمتلك فيما سبق سوى علاقات «الحد الأدنى» مع معظم دول مجلس التعاون، وبالتالي فإن ما يتحقق في المرحلة الراهنة يضيف كثيراً للمصالح الاستراتيجية الروسية وأهدافها التي تنطلق من ثلاثة ثوابت أساسية هي أن روسيا قوة نووية، وقوة كبرى في العلاقات الدولية، وقوة مؤثرة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ ومن ثم تنطلق من سياسة براجماتية تستهدف تحقيق مصالحها القومية دون حسابات أيديولوجية أو رغبة في الهيمنة وبسط النفوذ.
 
ومن المؤكد أن حسابات روسيا حيال منطقة الخليج العربي قد اختلفت تماماً في ظل تقوية العلاقات مع السعودية وبناء شراكة استراتيجية عميقة مع الامارات، فلم تعد قائمة تلك النظرة الروسية التقليدية التي كانت تنظر قديماً لإيران باعتبارها منفذاً لموضع قدم في منطقة الخليج العربي، كما لم تعد إيران حائط صد في مواجهة التغلغل الأمريكي الهادف إلى تطويق النفوذ الروسي، حيث يشير الاتفاق النووي الذي وقعته إيران عام 2015، إلى إمكانية بروز تفاهم مفاجئ بين طهران وواشنطن حول قضايا المنطقة. ولكن في جميع الأحوال يجب إدراك ان روسيا ستبقى متمسكة بعلاقاتها القوية مع إيران في ظل التجاذب المستمر مع الولايات المتحدة حول حدود القوة والهيمنة في النظام العالمي، فروسيا في هذه الحالة تدرك حجم التأثير السلبي الإيراني في الأمن والاستقرار الإقليمي، وتدرك أيضاً مجافاة الممارسات الإيرانية للأعراف والمواثيق الدولية وانتهاكها لمجمل قواعد الأمن والاستقرار العالميين، ولكنها تدرك أيضاً ضرورة تشجيع النظام الإيراني على الاستمرار في مناكفة الولايات المتحدة والعمل على تآكل دورها وهيبتها في الشرق الأوسط، بما يصب بالأخير في سلة المصالح الاستراتيجية الروسية، كقوة كبرى مناوئة للنفوذ والهيمنة الامريكية على النظام العالمي القائم.
 
وبالتالي فإن روسيا ربما ترى أن بناء علاقات شراكة قوية مع الامارات أو السعودية لا يتطلب انسحاباً من الالتزامات القائمة في العلاقات الروسية ـ الإيرانية، فعلى سبيل المثال نلحظ أن روسيا نجحت في بناء علاقات استراتيجية قوية مع باكستان، من دون المساس بعلاقاتها التاريخية التقليدية مع الهند، غريم باكستان التقليدي. وبالنسبة لوجهة النظر المصالحية لدول مجلس التعاون، فإن تعزيز العلاقات مع روسيا سيضع الكرملين في مواجهة مسؤولياته الدولية، كقوة كبرى ضامنة للاستقرار، ولن يكون ذلك بالضرورة بمنزلة اختيار صفري بين الشركاء الاستراتيجيين عبر ضفتي الخليج العربي، بل بموازنة مصالح روسيا ووضعها نصب الأعين في كفتي العلاقات وترجيح أياً منهما تحقيقاً لمصالح الدولة والشعب الروسي، لاسيما أن روسيا تدرك تماماً أن الأيديولوجية الضيقة التي تحكم سياسات النظام الإيراني قد تضعهما على النقيض تماماً مستقبلاً، وأن انتهاج النظام الإيراني مبدأ «التقيه السياسية» في التعامل مع روسيا لن يستمر بل سيأتي على وقت تصبح فيه روسيا مهددة بصواريخ إيران الباليستية وما تطمح طهران إلى امتلاكه من قدرات تسليحية نووية وصاروخية.
 
ولاشك أن لغة المصالح المشتركة التي تعمل بموجبها الدبلوماسية الروسية في عهد الرئيس بوتين تمثل قاعدة لبناء علاقات مستقبلية أكثر قوة ومتانة بين الامارات وبقية دول التعاون مع روسيا، وهناك مجالات حيوية واعدة لذلك التعاون منها إطلاق الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ونقل المعلومات، والاستشعار عن بعد، وكذلك نقل الخبرة الروسية في مجال التنقيب عن الغاز، وتعزيز الاستثمارات، والتبادل التجاري وغير ذلك. كما يمكن لروسيا أن تلعب دوراً حيوياً في انهاء الصراعات الطائفية في منطقة الشرق الأوسط بما تمتلك من خبرات طويلة على صعيد تعزيز التعايش بين مختلف القوميات والأديان داخل روسيا.
 
وثمة نقطة بالغة الأهمية تتعلق بأن روسيا في تقاربها مع الامارات والسعودية لا تريد الظهور بمظهر البديل للنفوذ الأمريكي ولا تقدماً نفسها كحليف بديل للتحالف التقليدي الخليجي مع الولايات المتحدة، وتتفادى تماماً تحدي هذا النفوذ في الشرق الأوسط عموماً رغم حديث الرئيس ترامب المتكرر عن رغبته في الحد من الدور الأمريكي في هذا المنطقة واعتماد مقاربة استراتيجية جديدة لدور الولايات المتحدة وتحالفاتها في المنطقة، وقد أكد الرئيس بوتين قبل سنوات مضت أن روسيا لا تعتزم «الدخول في منافسة مع أي كان» في الخليج العربي. بينما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ الروسي)، أكثر وضوحاً حين قال إن «فكرة التنافس بين واشنطن وموسكو في الشرق الأوسط، واجهة موروثة (من الحرب الباردة)، ولكن يمكننا بالتأكيد الدخول في منافسة حادّة في المجال الاقتصادي، أما على الصعيد الجيوسياسي، فلدينا المصالح نفسها».
 
وهذا الأمر ربما يعني انتفاء فكرة الاستقطاب القطبي وصراع النفوذ والصراع على المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا في منطقة الخليج العربي، خصوصاً أن هناك قوى كبرى أخرى مثل الصين وبريطانيا وألمانيا وفرنسا قد اتجهت لتعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي مع السعودية والامارات وبقية ودول مجلس التعاون من دون أن يجلب ذلك نقاشات حول الاستقطاب وصراع المصالح والنفوذ في هذه المنطقة.
 
المؤكد أن روسيا لاعب دولي رئيسي في ملفات عدة منها الغاز والنفط، وقطاعات التكنولوجيا وتنويع مصادر التسلح وإدارة ملف الأزمة النووية الإيرانية، سواء من خلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي، أو عبر دورها الرئيسي في بناء القدرات النووية الإيرانية. وإذا كان البعض يرى أن التحالف الإيراني الروسي يحد من دور موسكو في الخليج العربي، فإن هذا الأمر مثار شك لأن روسيا تتفهم جيداً ـ كما ورد سالفاً ـ طبيعة مايمكن وصفه بتحالف الضرورة القائم مع إيران، وتدرك أنه سيأتي الوقت الذي تسقط فيه متطلبات هذا التحالف أو تتآكل على أقل التقديرات، بالنظر إلى اختلاف طبيعة النظامين ورؤيتهما للعالم، ويمكن ملاحظة أن روسيا التي ورثت سياسات الاتحاد السوفيتي السابق، تتصرف وفق منطق الدولة العظمي فلديها علاقات قوية للغاية مع إسرائيل، ولديها أيضاً علاقات مع النظام الإيراني العدو الأخطر لتل أبيب. ولا شك أن دعم رؤية روسيا في تحقيق الاستقرار بسوريا قد يسهم في الإسراع بصدام المصالح بين روسيا وإيران، التي ترى أن حلب هي «خط الدفاع الأول عن الثورة الإسلامية»، كما قال قائد الحرس الثوري الإيراني السابق اللواء محمد علي جعفري، كما لن تدعم روسيا مطلقاً فكرة الإبقاء على تهديد «حزب الله» اللبناني لأمن إسرائيل.
 
خاتمة 
يقود التقدير والاحترام والثقة المتبادل والعلاقات القوية بين القيادتين الإماراتية والروسية إلى بناء توقعات إيجابية بشأن مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، لاسيما في ظل مقومات هذه العلاقات الأساسية الداعمة ومنها دور روسيا كدولة كبرى محورية في تحقيق الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي، والمصالح الاستراتيجية المشتركة، اقتصادياً وتجاريا واستثمارياً وعلمياً وثقافياً، وموقف البلدين الثابت والحاسم بشأن مواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف، باعتبارها تشكل تهديدا عالميا يستهدف الكل دون استثناء، مما يتطلب مزيدا من التنسيق والتعاون الدولي والإقليمي لمواجهة خطرها على الأمن والاستقرار العالميين، وهي أولويات وأهداف تعني أن الشراكة قائمة على دراسات استباقية دقيقة وأن هناك جدية وعزم على تنفيذ بنودها والاستفادة مما توفره هذه الشراكة الواعدة من فرص لمستقبل البلدين والشعبين الصديقين.
 
ولاشك أن امتلاك علاقات شراكة استراتيجية قوية للإمارات مع روسيا الاتحادية يمثل يعزز قدرة الدبلوماسية الإماراتية على التحرك والمناورة وتحقيق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية ويمثل إضافة نوعية قوية لما راكمته السياسة الخارجية الإماراتية من أطر تحرك فعّالة على الصعيد الدولي، فالإمارات تمتلك علاقات قوية متميزة مع الفاعلين الدوليين المؤثرين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان والاتحاد الأوروبي، كتكتل مؤسسي ودول منفردة، فضلاً عن الاقتصادات الصاعدة جميعها، ما يعزز ويعكس مبادئ الامارات القائمة على الانفتاح والعمل على ترسيخ السلام والمصالح المشتركة للدول والشعوب بما يسهم في تحقيق الأمن والسلم الدوليين.
 
ولاشك أن الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين دولة الامارات وروسيا لا تأتي خصماً من رصيد علاقات الامارات الاستراتيجية مع قوى دولية أخرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، فما يربط الامارات والجانب الأمريكي تحالف عميق وراسخ يمضي في مسارات موازية لأي شراكات استراتيجية مستحدثة، ومن ثم فإن الشراكة الاستراتيجية مع روسيا تعكس مبدأ تنويع البدائل والخيارات الاستراتيجية وتفتح آفاق جديدة للتحرك والمناورة أمام الدبلوماسية الإماراتية من دون افتئات على التزامات الامارات حيال شركائها الاستراتيجيين الآخرين، والأهم من ذلك أن القيادة الإماراتية تمتلك رؤية استراتيجية واضحة في بناء علاقاتها الدولية وتطويرها، حيث يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، دائماً على أن الإمارات حريصة على التعاون مع العالم بأسره من دون استثناء لضمان مستقبل مزدهر لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-12-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره