مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-03-01

الذكاء الاصطناعي.. الاستعداد لاقتصاد مابعد النفط

التنافسية على المراتب الأولى عالمياً رهان الامارات في القرن الحادي والعشرين 
 
تمثل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أحد رهانات دولة الامارات على صعيد الاستعداد لاقتصاد مابعد النفط، وتجسيد هذه الاستعداد في إطار خطط واستراتيجيات مدروسة تحقق طموحات القيادة الرشيدة في الوصول إلى المراتب العالمية وترجمة أهداف رؤية الامارات 2021، و “مئوية الامارات 2071”، وفي هذا العدد تفتح “درع الوطن” ملف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته واستخداماته وفوائده بالنسبة لدولة الامارات العربية المتحدة.
 
تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول القليلة التي نجحت في توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأكثر ارتباطاً بحياة الإنسان، حيث أدخلت التقنيات الحديثة في العديد من المجالات بهدف الارتقاء بمستوى الخدمات، وباتت مؤهلة أن تكون مركزاً إقليمياً وعالمياً لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وليس أدل على اهتمام الإمارات بالانخراط في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وامتلاك أدواته المختلفة أن التشكيل الوزاري الأخير للحكومة الاتحادية الذي اعتمده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في أكتوبر من العام 2017، وأعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مع أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، استحدث منصبين وزاريين مهمين يعززان من هذا التوجه، هما وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ووزير دولة للتعامل مع ملف العلوم المتقدمة.  
 
ولا شك في أن استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في أكتوبر 2017، تمثل خطوة متقدمة على هذا الطريق، ليس فقط لأنها تعتبر مظلة وطنية تنتقل بتجربة الذكاء الاصطناعي لتكون واقعاً معاشاً، لتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي للارتقاء بالأداء الحكومي، وإنما أيضاً لأنها تشكل  الاستثمار الأمثل للانتقال إلى مرحلة ما بعد عصر النفط، وهي المرحلة التي تطمح فيها الإمارات إلى الدخول بجدارة إلى الريادة العالمية في مجالات الفضاء والطاقة النووية السلمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
 
أولاً: تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي  .. دور متزايد في المجالين المدني والعسكري
الذكاء الاصطناعي هو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. ومن أهم هذه الخصائص القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة. بمعنى آخر فإن الذكاء الاصطناعي عبارة عن أجهزة ونظم كمبيوتر مصممة للعمل بطريقة ذكية، كي تحاكي الأداء البشري من خلال التعلم والتوصل إلى استنتاجاتها الخاصة، عبر فهم المحتويات المعقدة، والانخراط في حوارات مع الإنسان، وتعزيز الأداء المعرفي البشري، بل استبدال البشر في تنفيذ المهام الروتينية وغير الروتينية على حد سواء.
 
ولا شك في أن اهتمام الإمارات بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وسعيها إلى امتلاك أدواته، لا ينفصلان عن مساعيها لتعزيز موقعها على خارطة الدول المتقدمة، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي هو قاطرة التطور البشري القادم، فلا يمكن إغفال المميزات التي يقدمها لخدمة البشر على كافة المستويات الشخصية والطبية والصناعية والتجارية، بل إن تطويره في كثيرٍ من المجالات يهدف في الأساس إلى حماية البشر، والحفاظ على أرواحهم، مثل استخدام الإنسان الآلي في الأعمال الشاقة والخطرة، وفي ميادين المعارك العسكرية. 
 
ويتأكد المتابع لحركة الاكتشافات التكنولوجية في الآونة الأخيرة، وتعدد استخداماتها، بدءاً من التوسع في إنتاج الروبوتات أو السيارات ذاتية القيادة أو الطائرات بدون طيار ومروراً بالروبوتات التي تحاكي البشر وتقوم بمهامهم في المجالات المختلفة، أننا أمام ثورة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي التي تستهدف خدمة البشرية وتغيير شكل الحياة على كوكب الأرض.
 
وتتوقع كثير من الدراسات العالمية أن تغًير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي شكل العالم في غضون السنوات القليلة المقبلة، بعدما أثبتت التقنيات الحديثة كفاءة عالية في كل المجالات المرتبطة بالحياة البشرية، فالكثير من الإنجازات العلمية التي كانت تعد وحتى أوقات قريبة من الخيال العلمي، مثل إمكانية تعرف موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» على مستخدميه وطبائعهم وسلوكياتهم ووضع إعلانات مناسبة لهم في الصفحات التي يزورونها. 
 
كما أصبحت الروبوتات تدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة البشر، فهي في المنازل والسيارات والمدارس، كما باتت أجهزة الكمبيوتر القابلة للتعلم اليوم متداولة بصورة كبيرة، ويمكن لأجهزة الكمبيوتر الحديثة الاستفادة من التجارب والمعلومات المتوفرة في صفحات الإنترنت وتحليلها والاستفادة منها وتطبيقها عملياً، وليس من المستبعد أن تقوم الروبوتات بعمل العلماء في المستقبل وإجراء تجارب وصنع نظام جديد وتوقع ماذا يحدث فيه والقيام بتجاربهم عليه، والاستفادة من المعلومات المتوفرة لديهم للتوصل إلى نظريات جديدة في مجال العلوم الطبيعية تسخر لخدمة البشرية. 
 
وليس من المستبعد أيضاً أن يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على القيام بوظائف متعددة على المستوى الشخصي، على سبيل المثال، التعرف على الحالة المزاجية للأفراد والتفاعل معها، وترشيح المنتجات في الأسواق التي تتناسب مع ذوق المستهلكين، وتحديد أماكن تواجدها، والقدرة على إصلاح الآلات بنفسه دون تدخل بشري، من خلال معرفة الثغرات الموجودة بالأجهزة الذكية، واكتشافها، وإصلاحها، ورصد أي محاولة قرصنة، أو شن هجمات إلكترونية، والتنبيه لها، والتعامل الفوري معها.
 
وكان لافتاً أن القمة العالمية للحكومات في دورتها السادسة التي انعقدت في دبي خلال الفترة من 11 - 13 فبراير 2018 ناقشت تحديات مستقبل أسواق العمل والوظائف البشرية، في ضوء التطور التكنولوجي وتصاعد أدوار أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات المرشحة لتولي العديد من الوظائف بديلاً للبشر، ومن هذا المنظور تم تخصيص منتدى عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي يبحث الأبعاد المستقبلية لهذه الظاهرة العالمية وسبل الاستعداد لها وكيفية مواجهتها.
 
في ضوء هذه الحقائق والمعطيات، فإن التوجه نحو الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الدول المتقدمة، وإنما أصبح يضم العديد من دول العالم التي تسعى إلى الانخراط في هذا المجال الحيوي الذي يمثل القاطرة نحو التقدم الحقيقي، وتشير التقديرات في هذا الخصوص إلى أنه من المحتمل أن ينمو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي من 640 مليون دولار العام 2016  إلى 37 مليار عام 2025، وهذا يؤكد الأهمية المتزايدة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتأثيرها الإيجابي على الاقتصاد والحياة المدنية بوجه عام، حتى أن دراسة صدرت عام 2014 عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي بعد توسيع نطاق استخدامه سيؤدي إلى زيادة الاقتصاد الدولي بما يراوح بين 1.49 و2.95 تريليون دولار. 
 
وتشير بعض التقديرات الحديثة إلى أرقام أكبر من ذلك بكثير، فالتقرير الصادر عن أكاديمية “برايس ووتر هاوس كوبرز” في منتصف العام الماضي 2017 عن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الدولي تصل بتلك المساهمة إلى 15.7 تريليون دولار من الآن وحتى عام 2030، أي ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي للصين والهند معا، مع الأخذ في الاعتبار أن قيمة الاقتصاد الكوني حاليا 74 تريليون دولار وسيزيد بنحو 14 في المائة بحلول عام 2030. وتنقسم هذه الزيادة إلى 6.6 تريليون دولار تأتي من ارتفاع معدلات الإنتاجية و9.1 تريليون دولار نتيجة زيادة الجوانب الاستهلاكية في ضوء ارتفاع مستوى جودة السلع المنتجة.
 
ويجمع الخبراء على أن تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد سيتزايد في السنوات المقبلة، فالتحول إلى الذكاء الاصطناعي سيعزز الأجواء التنافسية بشدة بين الشركات، وهذا يصب في مصلحة المستهلكين، فالشركات التي ستفشل في التكيف وتبني الذكاء الاصطناعي ستقوض نفسها بنفسها نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومن ثم فقدان قدر كبير من حصصها السوقية. وتشير التقديرات الدولية إلى أن الصين وأمريكا الشمالية، يعدان الفائز الأكبر من دمج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في العملية الإنتاجية، إذ سيبلغ اجمالي المكاسب الاقتصادية لهما نتيجة تعزيز الآلة الإنتاجية لاقتصاداتهما بالذكاء الاصطناعي نحو 10.7 تريليون دولار حتى عام 2030، أي ما يعادل نحو 70 في المائة من التأثير الاقتصادي الكلي للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الكوني.
 
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري
تزايدت أهمية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية في السنوات القليلة الماضية، وذلك في ظل سباق التسلح العالمي بين القوى الكبرى، وبحثها عن أسلحة أكثر كفاءة ودقة وأقل تكلفة، وذات أحجام صغيرة تؤدي الغرض المطلوب، ولا تحتاج إلى مستودعات ضخمه لتخزينها. وشهدت السنوات القليلة الماضية نوعية جديدة من الأسلحة يطلق عليها «أسلحه الذكاء الإصطناعي»، التي تتجاوز بكثير في قدراتها وإمكاناتها القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وبات ينظر إليها من جانب خبراء تكنولوجيا الدفاع أنها ستكون العامل الرئيسي في حسم التفوق العسكري في حروب وصراعات المستقبل. وفي مقدمة هذه الأسلحة ما يسمى «أسلحه التحكم الالكتروني الذاتي»، التي بمقدورها أن تصل إلى أهدافها دون أي تدخل من العنصر البشري، وبكفاءة عالية، وبتكلفة منخفضة، بل أن ثمة تحذيرات متزايدة من أنه يمكن لأسلحة الذكاء الاصطناعي أن تتحول إلى آلات قتل قادرة علي إحداث أسوأ ممارسات الأسلحة الكيميائية، والأسلحة البيولوجية، والرصاصات المتفجره خصوصًا انها ليست خاضعه لتحكم البشر.
 
كما ظهرت في الآونة الأخيرة أيضاً أشكال جديدة لأسلحة الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تغير من مفهوم حروب المستقبل، وتجعل أسلحة الردع والدفاع الصاروخي الحالية بلا قيمة، حيث كشف معهد الدراسات الاستخباراتية العالمي”ستراتفور” في العام 2016 عن نوع من الصواريخ الجديدة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بأضعاف، وتتسم بدقة أعلى من سابقتها من الصواريخ التقليدية،  ويطلق عليها لقب “هايبرسونيك «Hypersonic، لتمييزها عن الأسرع من الصوت، أي Supersonic.. ووفقاً للمعهد، فإن سلاح الجو الأمريكي يخطط لامتلاك نماذج أولية من صواريخ هايبرسونيك بهدف وضعها موضع التشغيل بحلول عام 2020.  الصين هي الأخرى باتت تستثمر في هذه الصواريخ الجديدة وتخطط لإنتاجها عام 2020. أما روسيا، فهي تعمل على تطوير مركبتها الانزلاقية الهايبرسونيك “واي يو -71» Yu-71، لكن يبدو من الصعب أن تحقق طموحها بنشر هذا السلاح بحلول 2020، ذلك أن التجربة الوحيدة لها في هذا المجال كانت عام 2015، ولم تنجح بها.
 
ثانياً: دلالات استثمار الإمارات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
في ضوء الاعتبارات والمعطيات السابقة، جاء اهتمام الإمارات بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والعمل على امتلاك أدواته المختلفة، لتحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، لعل أبرزها:
* تطوير منظومة العمل الحكومي والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة وفقاً لمعايير عالمية بامتياز، وتعد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أحد المداخل المهمة لتحقيق هذا الهدف. والجدير بالذكر هنا أن الإمارات تحولت خلال سنوات قليلة من مرحلة «الحكومة الإلكترونية» إلى «الحكومة الذكية»، وسخرت في سبيل ذلك كل الإمكانيات التي تساعد على الوصول إلى ما ترنو إليه بأن تكون من أولى الدول في العالم التي تطبق وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات. إلى ذلك، فإن من شأن التطبيق الأمثل للذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي أن يساعد في وضع استراتيجية تنبؤية تساعد في تطوير آليات وقائية؛ على سبيل المثال كالتنبؤ بالحوادث والازدحامات المرورية، بحيث يتم على ضوء ذلك، وضع سياسات مرورية أكثر فاعلية. 
 
كذلك، يمكن للحكومة مع الذكاء الاصطناعي أن توفر نحو 50 في المئة من التكاليف السنوية للعمل الحكومي، سواء في ما يتعلق بخفض الهدر في عدد المعاملات الورقية أو توفير ملايين الساعات التي يتم إهدارها سنوياً في إنجاز هذه المعاملات، كما يعمل الاستثمار الكفؤ في الذكاء الاصطناعي على توفير تكاليف النقل، وخفض تكاليف إنجاز المشاريع، وتحقيق ارتفاع ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي.
 
*الاستفادة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، كالصحة والتعليم والنقل والمواصلات. وتعتبر الإمارات من الدول القليلة التي تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال النقل من خلال السيارات ذاتية القيادة والسيارات الطائرة، في إطار استراتيجية الدولة الطموحة لتحويل قطاع النقل إلى قطاع ذاتي القيادة يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتمثل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي فرصة اقتصادية كبيرة للكثير من القطاعات، بحيث يمكنها تحقيق أرباح طائلة إذا ما بدأت في تطبيق استخداماته والاعتماد على ما يقدمه من معلومات واستشارات دقيقة، فضلاً عن تأثيراتها الإيجابية في تقليل الاعتماد على العنصر البشري والعمالة، مما يرفع جودة المنتجات ويقلل من الإنفاق، حتى أن هناك دراسة أجراها البيت الأبيض العام 2016 تقول إن 83% من الحرف ذات الأجور التي لا تتجاوز 20 دولاراً في الساعة من المحتمل أن يتم استبدالها بالأتمتة مستقبلاً، الأمر الذي يشكل قلقاً لتداعياته على نسب البطالة وتفاوت معدلات الدخل بالنسبة للدول التي يمتهن مواطنوها هذه الحرف المهددة بالانقراض.
 
* الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات وتجاوز التحديات الحالية والمستقبلية في القطاعات والخدمات كافة، خاصة أن هذه التطبيقات ستغير شكل الحياة، فمثلاً في مجال التعليم تتجاوز تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قدراتها الحالية في التعليم المباشر إلى إعداد المناهج بمعايير أفضل من خلال تحليل البيانات الكبيرة المتراكمة والتي تتعلق بسلوكيات الطلاب وقدراتهم واستجابتهم للوسائل التعليمية وغيرها من البيانات التي يرفع الذكاء الاصطناعي من كفاءة استغلالها لصالح البشرية. وفي مجال الصحة على سبيل المثال، فإن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أسهمت بصورة لافتة في تطوير الخدمات الطبية بشكل كبير، وأتاحت تحول الهاتف الذكي إلى طبيب ينقذ حياة المرضى من الأمراض الخطرة كالجلطات والسكتات القلبية والدماغية، خاصة أن تطبيقات الهاتف الذكي أصبحت قادرة على قياس مستوى ضغط الدم، ونسبة السكر في الدم، وتحديد مستوى ضربات القلب. وتشير الدراسات الحديثة إلى المستشفيات الحديثة تربط الطبيب مع المريض عبر تقنيات التواصل الحديثة على مدار الساعة، ليتمكن الطبيب من اتخاذ الإجراء المناسب مع المريض فوراً من على بعد، دون الحاجة إلى الحضور لغرفته في المستشفى. كما أن الابتكار في قطاع الرعاية الصحية سيقود مستقبلاً كافة مناحي الخدمات الصحية، وطب المستقبل سيكون قائماً على العلاج الشخصي لكل مريض بناء على تركيبته الجينية.  
 
*توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من أجل بناء اقتصاد معرفي يعتمد على العلوم والتكنولوجيا، ولهذا فإن انتقال الإمارات إلى مرحلة ما بعد عصر النفط والاستثمار في المجالات الحيوية الدقيقة، كالطاقة النووية والمتجددة ، يتطلب الإلمام بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والاستثمار في قاعدة من الكوادر المواطنة التي تمتلك أدواتها.
 
ثالثاً: جهود الإمارات لمواكبة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
لقد أدركت دولة الإمارت منذ وقت مبكر أهمية الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي باعتبارها رافداً مهماً للجهود الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد معرفي تنافسي عالي الإنتاجية، قائم على الابتكار والبحث العلمي والتقنية الحديثة، وفقاً لمحددات «رؤية الإمارات 2021» ، التي تستهدف إقامة اقتصاد قائم على المعرفة والعلوم الحديثة والتكنولوجيا العصرية بهدف تعزيز تنافسية واستدامة القطاعات الحيوية، لا سيّما في مجال التصنيع والصناعات التحويلية المتقدمة، وبما يواكب تطلعات الإمارات في مرحلة ما بعد عصر النفط.
 
وتشير كافة المعطيات إلى أن الإمارات من أكثر دول المنطقة استعداداً لتبني استراتيجية مستدامة للذكاء الاصطناعي، بفضل سياسات وبرامج عمل متطورة تكنولوجية اعتمدتها في العقدين الأخيرين تحديداً، اذ ان الإمارات أول دولة في المنطقة تبنت «الحكومة الإلكترونية»، ثم سرعان ما تم تحويلها إلى «الحكومة الذكية» في عام 2013، في سابقة في المنطقة أيضاً، انطلاقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لإتاحة أفضل وأسرع الخدمات الحكومية بكفاءة وجودة عاليتين، بهدف إسعادهم والارتقاء بكافة مناحي العمل والحياة في الدولة.
 
وقد شهد الاستثمار الإماراتي في الذكاء الاصطناعي نمواً بنحو 70% خلال السنوات القليلة الماضية ووصلت استثمارات الدولة في هذا المجال إلى 33 مليار درهم بنهاية العام 2017 ، بحسب مؤسسة «آي دي سي» لأبحاث تقنية المعلومات. ووفقاً للتقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي»، فإن الإمارات تأتي في صدارة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر مواكبة الحكومات للتكنولوجيا المتقدمة،  لتتصدر بذلك دول المنطقة في هذا النوع الحيوي من الاستثمار. 
 
وقد أكد معالي عمر العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي في شهر فبراير 2018 عن توافر فرص في الإمارات تقدر بـ 332 مليار درهم في حالة تطبيق الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات وفقاً لدراسة تحليلية تم إعدادها، لافتاً إلى أن الإمارات تسعى إلى تأسيس كادر مواطن قادر على فهم هذه التكنولوجيا وقيادتها يشكل 1% من إجمالي خبراء العالم بالذكاء الاصطناعي، حيث يوجد 200 ألف خبير في الذكاء الاصطناعي، مبيناً أن هذا الرقم كبير، ونحن في دولة الإمارات قادرون على الوصول له، منوهاً بأن لدى الدولة 6 آلاف خريج سنوياً في مجالات الهندسة ومجالات الحوسبة، وغيرها من هذه التخصصات، لو أضفنا لها الذكاء الاصطناعي في مناهجهم بشكل يجعلهم يطبقونه في سوق العمل، فسوف يكون لدينا أكبر كادر في هذا المجال عالمياً.
 
وتحرص دولة الإمارات على بناء شراكات عالمية لتعزيز الاستفادة من الخدمات غير المسبوقة التي توفرها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ودورها في تحسين حياة الإنسان والتي تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل العالم، كونها مسؤولية عالمية مشتركة، وتتطلب تضافر جميع الجهود لضمان حياة أفضل للأجيال المقبلة. وتمتلك الإمارات رؤية بعيدة المدى لاستشراف مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيرها على قيادة التحولات الكبرى التي ستشهدها القطاعات الحيوية وما سيرافقها من تغييرات في آليات عملها وانعكاسها على حياة الناس.
 
رابعاً: توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي: نماذج إماراتية ناجحة
 تعتبر الإمارات من أكثر دول المنطقة استعداداً لتبني استراتيجية مستدامة للذكاء الاصطناعي، بفضل التطور الفائق للبنية التكنولوجية وسياسات وبرامج عمل متطورة تكنولوجية اعتمدتها الدولة في العقدين الأخيرين تحديداً، وقد اتخذت الإمارات خلال السنوات الماضية العديد من الخطوات المهمة على طريق امتلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتوظيفها بكفاءة في عدد من القطاعات الحيوية، لعل أبرزها:
 
*أنظمة العمل الحكومي: تحرص دولة الإمارات على توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الارتقاء بأنظمة العمل الحكومي، ونجحت في تطويع التكنولوجيا؛ لتقديم خدمات  حكومة إلكترونية، ونجحت في مساعيها، حتى أصبح المتعامل ينجز معظم معاملاته خلف جهاز الكمبيوتر الخاص به، وأطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله،  في مايو 2013، «مبادرة الحكومة الذكية»؛ من أجل توفير الخدمات للجمهور حيثما كانوا وعلى مدار الساعة.وأعلن سموه حينها عن تطلعه إلى أن يرى حكومة تخدم المواطن على مدار الساعة، وحدد سموه حينها فترة زمنية مدتها عامان للجهات الحكومية؛ لإنجاز التحول إلى تقديم الخدمات الحكومية من خلال الأجهزة الذكية، وهو ما كان حيث أصبح بإمكان المتعامل إنجاز أي خدمة عبر هاتفه المحمول. وفي مرحلة أكثر تطوراً ، أطلق سموه في 16 أكتوبر 2017 استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، كأول مشروع ضخم ضمن مئوية الإمارات 2071، الذي يمثل الموجة الجديدة بعد الحكومة الذكية، بحيث ستعتمد عليها الخدمات والقطاعات والبنية التحتية المستقبلية في الدولة.
 
وفي هذا السياق أيضاً فقد دشنت حكومة أبوظبي في شهر فبراير 2018 منظومة «تم» للخدمات الحكومية الموحدة والذكية، والتي تأتي في إطار رؤية حكومة أبوظبي الرامية إلى تسهيل وتوفير كل سبل الراحة والنجاح للمتعاملين، بما يخدم ويعزز مستوى كفاءة العمل الحكومي، باستخدام أفضل التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة. ومن خلال المنصة الجديدة سيكون باستطاعة المتعاملين الوصول إلى جميع الخدمات الحكومية المطلوبة، عبر نقطة اتصال موحدة في أي وقت ومكان، من خلال تطبيق الأجهزة الذكية، أو البوابة الإلكترونية، أو فروع «تم» المصممة لإثراء تجربة المتعاملين، وتوفير تجربة سهلة ومريحة. وقد أكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، لدى اطلاعه على هذه المنصة في الرابع عشر من شهر فبراير 2018، على أن «ما يميز الحكومات العصرية أنها تستبق توقعات المتعاملين بخدمات مبتكرة ونوعية ومتكاملة، ذات مرونة عالية، تخدم البيئة الاجتماعية والاقتصادية لجميع فئات المجتمع في الدولة». وأضاف سموه، أن «دولة الإمارات بقيادة صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، قطعت أشواطاً مهمة ومتقدمة في بناء أنظمة حكومية متكاملة، تلبي تطوّرات التنمية الشاملة للوطن»، داعياً سموه إلى مواصلة العمل لتكريس أفضل النظم الخدمية، وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي، من خلال توظيف التقنيات الذكية الحديثة، وتبنّي الأفكار المبدعة التي تسهم في اختزال المسافات، وتوفير الأوقات التي تستهدف رضا المتعاملين وراحتهم.
 
*قطاع الصحة: بدأت شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة»  في وضع استراتيجيات مستقبلية للذكاء الاصطناعي الطبي، وإطلاق منتجات عالمية في هذا المجال؛ لتصبح أبوظبي مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي الطبي والعلاجات عن بُعد؛ حيث يدخل الذكاء الاصطناعي في تشخيص وعلاج معظم الأمراض بطريقة ذكية وفق أعلى المعايير التقنية وأحدث الممارسات التكنولوجية، وسيشكل ثورة طبية في العلاج والتشخيص. وتستعد شركة «صحة» لتطبيق الذكاء الاصطناعي واستخداماته بصورة شمولية في كل المجالات الطبية على مستوى جميع منشآتها؛ من خلال محاكاة العقل البشري؛ وتسخير التكنولوجيا في إنجاز المهام الطبية، وتطوير عملية التشخيص ومراقبة المرضى عن بُعد والجراحات الدقيقة، والاكتشاف المبكر للأمراض عامة وأمراض السرطان خاصة، وتحليل المعلومات الطبية وإعطاء النصائح لصنّاع القرار؛ لمساعدتهم في تحسين أو تطوير أو استحداث الخدمات ورسم التوقعات المستقبلية في مجالات مختلفة، ويمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في صنع سجل يساعد المتعاملين في تسهيل وسرعة إنجاز عمليات التسجيل، وأخذ المؤشرات الحيوية، والتواصل مع المريض بشكل مباشر عن طريق طرح الأسئلة والتعلم من الإجابات المقدمة من قبل المريض، واستحداث منتجات فريدة من نوعها. 
 
*قطاع البيئة: وظفت حكومة الإمارات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بطريقة مثلى ووضعت الحلول والممارسات الذكية في المجال البيئي، حيث تتبنى وزارة التغير المناخي والبيئة تنفيذ خطة طموحة في هذا السياق تهدف إلى تركيب وتشغيل نظام الرصد الذكي لتقييم أداء الطاقة الشمسية والرصد البيئي الفوري، إذ يعمل الباحثون في الإمارات على تطوير وتشغيل نظام ذكي وتفاعلي لتقييم أداء الطاقة الشمسية والرصد البيئي الفوري، ومن المتوقع تركيب النظام الجديد بمقر الوزارة خلال العام 2018.
* قطاع النقل: جاءت الإمارات ضمن أفضل عشر دول من حيث جاهزيتها لاستيعاب المركبات ذاتية القيادة (المركبات من دون سائق)، وذلك وفقاً لمؤشر «كي بي إم جي» الذي صدر في يناير 2018 لجاهزية الدول لاستيعاب المركبات ذاتية القيادة. وطبقاً للدراسة التي تقيم مستوى جاهزية 20 دولة على المستوى العالمي، احتلت الإمارات المركز الثامن متفوقة بذلك على كوريا الجنوبية ونيوزيلندا. وسلط المؤشر، الذي يعد الأول من نوعه، الضوء على أفضل الممارسات العالمية التي تساعد الدولة على تسريع عملية تبني النقل الذاتي وقدراتها على التكيف مع تكنولوجيا القيادة الذاتية، كما أبرز المؤشر التقدم الذي أحرزته الدول في جعل المركبات ذاتية القيادة واقعاً ملموساً. وفقاً لهذا المؤشر جاءت الإمارات في المركز الثامن بعد هولندا وسنغافورة والولايات المتحدة والسويد والمملكة المتحدة وألمانيا وكندا. ويعكس تصنيف مؤشر «كي بي إم جي» لقياس جاهزية استيعاب الدول للمركبات ذاتية القيادة صواب رؤية الإمارات الهادفة إلى أن تكون أكثر الدول تقدماً من الناحية التكنولوجية على مستوى العالم.
 
وفي هذا السياق، فقد تم الكشف أخيراً عن بعض المشاريع المتخصصة مثل استراتيجية دبي للنقل الذاتي، والتي بموجبها من المقرر أن تصبح ربع السيارات التي تسير على طرق دبي من دون سائق بحلول 2030. كما شهد العام 2017 اختباراً ناجحاً لأول تاكسي طائر حديث في دبي، ومن المتوقع أن تحقق هذه الاستراتيجية إيرادات اقتصادية سنوية بقيمة 22 مليار درهم من خلال خفض تكاليف النقل وتقليل انبعاثات الكربون والحوادث وتوفير مئات الملايين من الساعات الضائعة في النقل التقليدي.
 
*مجال الصناعية: تعتبر الإمارات من الدول الرائدة في التوجه نحو الثورة الصناعية الرابعة واستخداماتها، عبر استعداداتها لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي يمثل فرصة اقتصادية كبيرة للكثير من القطاعات، وفي شهر سبتمبر من العام 2017 تم إطلاق «استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة»، ضمن أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للثورة الصناعية الرابعة، والمساهمة في تحقيق اقتصاد وطني تنافسي قائم على المعرفة والابتكار والتطبيقات التكنولوجية المستقبلية التي تدمج التقنيات المادية والرقمية والحيوية. وتجسد هذه الاستراتيجية توجهات الحكومة في أن تصبح دولة الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً في المواجهة الاستباقية لتحديات المستقبل، وتطويع التقنيات والأدوات التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة لخدمة المجتمع وتحقيق السعادة والرفاه لأفراده.
 
وتركز استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة على عدة محاور أساسية  ترتبط في معظمها بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تشمل”إنسان المستقبل” من خلال تحسين مخرجات قطاع التعليم الذي يرتكز على التكنولوجيا والعلوم المتقدمة، ومنها الهندسة الحيوية، تكنولوجيا النانو، والذكاء الاصطناعي. وتبني الخطط والاستراتيجيات في مجال الطب الجينومي، والسياحة الطبية الجينومية عبر تحسين مستويات الرعاية الصحية، وتطوير حلول طبية وأدوية جينومية شخصية حسب حاجة المرضى.والتركيز على الرعاية الصحية الروبوتية، والاستفادة من الروبوتات وتكنولوجيا النانو، لتعزيز إمكانات تقديم خدمات الرعاية الصحية والجراحية عن بعد، وتقديم حلول طبية ذكية على مدار الساعة عن طريق التكنولوجيا القابلة للارتداء، والزرع في الجسم البشري.و”أمن المستقبل” من خلال تحقيق الأمن المائي والغذائي عبر منظومة متكاملة ومستدامة للأمن المائي والغذائي، تقوم على توظيف علوم الهندسة الحيوية والتكنولوجيا المتقدمة للطاقة المتجددة.و تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تبني الاقتصاد الرقمي، وتكنولوجيا التعاملات الرقمية. و”ريادة المستقبل” من خلال الاستثمار في أبحاث الفضاء والعمل على تعزيز مكانة الدولة كمنصة عالمية للجهات الطموحة في مجال دراسة وأبحاث ومشاريع واستثمار الفضاء. وتشجيع الأبحاث والتطبيقات الوطنية في الجامعات والمراكز المتخصصة في مجال علوم الدماغ والأعصاب، والتعزيز البشري والإدراكي بالشراكة مع الجهات العالمية المتخصصة.
 
*علوم الاستمطار: تولي دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية متزايدة لتوفير الموارد المائية من خلال تشجيع البحث والابتكار في التقنيات الجديدة، وفي إطار البحث عن حلول غير تقليدية لزيادة الموارد المائية، وبأقل تكلفة ممكنة، اتجهت دولة الإمارات نحو استخدام التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، وذلك من خلال الاستثمار في عملية “الاستمطار”، وأطلقت وزارة شؤون الرئاسة مبادرة طموحة لتشجيع الاستثمار والبحث العلمي في علوم الاستمطار، وذلك من خلال تدشين برنامج “الإمارات لبحوث علوم الاستمطار” الذي يشرف عليه “المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل”. ويسعى هذا البرنامج إلى المساهمة في تطوير علم الاستمطار من خلال تحسين مستوى الابتكار في التقنيات والتكنولوجيا المستخدمة فيه، ودراسة حركة واتجاه الرياح، من أجل زيادة كمية تساقط الأمطار خاصةً على المناطق الجافة وشبه الجافة. وتلعب دولة الإمارات في السنوات الأخيرة دوراً قيادياً عبر التطوير والابتكار في مجال الاستمطار، بما جعلها الأولى خليجياً في علوم الاستمطار، حيث تعمل جاهدةً على تشجيع المجتمع العلمي على البحث في هذا المجال، وتوفير الحلول العملية للتصدي لتحديات الأمن المائي، وبما يؤدي إلى زيادة المياه المتوفرة.
 
*التوسع في توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، حيث أكدت القيادة العـامة لـشـرطة الشارقة استخدامها للذكاء الاصطناعي، في “مشروع الشارقة إمارة آمـــنة”؛ حيـث يعد المشروع منظومة متكاملة تعمل بحرفية عالية، فالأنظمة المستخدمة تقوم بالتحليل واستلام المعلومات، كما تقوم بعملية التنبيه والمراقبة، وهو ما يوفر العنصر البشري، وأطلقت هيئة الطرق والمواصلات في دبي، مبادرة لقياس مؤشر السعادة لدى متعامليها؛ وذلك من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، محققة بذلك إنجازاً رائداً وخطوة جديدة في طريق جعل إمارة دبي الأذكى والأسعد بين مدن العالم.
 
خامساً: استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي .. مرحلة جديدة في مسيرة التنمية الشاملة 
استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في أكتوبر 2017، تعتبر الأولى من نوعها في المنطقة من حيث القطاعات التي تغطيها ونطاق الخدمات التي تشملها وتكاملية الرؤية المستقبلية التي تستشرفها، حيث تسعى في الأساس إلى تطوير وتنظيم أدوات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بحيث تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة العمل الحكومي في الدولة بما يسهم في مواجهة المتغيرات المتسارعة وتحقيق تطور نوعي في الأداء العام على كافة المستويات عبر بناء منظومة رقمية ذكية كاملة ومتصلة تتصدى للتحديات أولا بأول وتقدم حلولاً عملية وسريعة، تتسم بالجودة والكفاءة.
 
وتدشن هذه الاستراتيجية لمرحلة جديدة وطموحة في العمل الحكومي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتجسد فلسفة العمل الحكومي في الإمارات التي تقوم على التطوير المستمر لأنظمة العمل الحكومي، كي تتواكب مع متطلبات حكومات المستقبل، والارتقاء بمستوى الخدمات الحكومية، والاستفادة من التكنولوجيا والخدمات الذكية، حيث تستهدف الاستراتيجية الجديدة الارتقاء بالأداء الحكومي وتسريع الإنجاز وخلق بيئات عمل مبدعة ومبتكرة ذات إنتاجية عالية، وذلك من خلال استثمار أحدث تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتطبيقها في شتى ميادين العمل بكفاءة رفيعة المستوى، واستثمار الطاقات كافة على النحو الأمثل واستغلال الموارد والإمكانات البشرية والمادية المتوافرة بطريقة خلاقة تعجِّل تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية لبلوغ المستقبل.
 
ويمثل الذكاء الاصطناعي الموجة الجديدة بعد الحكومة الذكية، بحيث ستعتمد عليها الخدمات والقطاعات والبنية التحتية المستقبلية في الدولة. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى الارتقاء بالأداء الحكومي وتسريع الإنجاز وخلق بيئات عمل مبدعة ومبتكرة ذات إنتاجية عالية، وذلك من خلال استثمار أحدث تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في شتى ميادين العمل بكفاءة رفيعة المستوى، واستثمار الطاقات كافة على النحو الأمثل واستغلال الموارد والإمكانات البشرية والمادية المتوافرة بطريقة خلاقة تعجِّل تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية لبلوغ المستقبل. ومن المتوقع أن يجتذب مجال الذكاء الاصطناعي استثمارات ضخمة ويفتح آفاقاً واسعة في المجالات الاقتصادية كافة، بفضل الخفض المتوقع في الكلفة التشغيلية للمؤسسات والشركات.
 
وتهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي إلى أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم في استثمار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الحيوية، وخلق سوق جديدة واعدة في المنطقة ذات قيمة اقتصادية عالية، ودعم مبادرات القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى بناء قاعدة قوية في مجال البحث والتطوير، وأن يتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول العام 2031، بحيث يتعين على جميع الجهات الحكومية في الدولة اعتماد الذكاء الاصطناعي وذلك بما ينسجم ومئوية الإمارات 2071 الساعية إلى أن تكون دولة الإمارات الأفضل في العام في كافة المجالات.
 
وتستهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي عدة قطاعات حيوية في الدولة؛ من بين هذه القطاعات: قطاع النقل من خلال تقليل الحوادث والتكاليف التشغيلية؛ وقطاع الصحة من خلال تقليل نسبة الأمراض المزمنة والخطيرة؛ وقطاع الفضاء بإجراء التجارب الدقيقة وتقليل نسب الأخطاء المكلفة؛ وقطاع الطاقة المتجددة عبر إدارة المرافق والاستهلاك الذكي؛ وقطاع المياه عبر إجراء التحليل والدراسات الدقيقة لتوفير الموارد؛ وقطاع التكنولوجيا من خلال رفع نسبة الإنتاج والصرف العام؛ وقطاع التعليم من خلال التقليل من التكاليف وزيادة الرغبة في التعلم؛ وقطاع البيئة عبر زيادة نسبة التشجير وزراعة النباتات المناسبة.
 
محاور استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي
تتألف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي من خمسة محاور عمل أساسية مترابطة فيما بينها، تشكل بمثابة مراحل تطوير وبحث وإعداد وتطبيق تدريجي لتقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل وشرايين العمل الحكومي في الدولة، وذلك على مدى جدول زمني محدد، حيث تسعى مخرجات هذه الاستراتيجية في الأساس إلى دعم الموظفين في القطاع الحكومي والخاص، وإتاحة المجال لهم لتوجيه طاقاتهم وقدارتهم في أعمال ومهام إبداعية وخلاقة. كما تشمل الاستراتيجية وضع وثيقة رسمية بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي بين البشر والآلة، ضمن إطار قانوني، وهي الوثيقة الحكومية الأولى من نوعها على مستوى العالم. وتتضمن استراتيجية الذكاء الاصطناعي خمسة محاور هي:
 
1 - بناء فريق عمل الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتضمن تشكيل مجلس الذكاء الاصطناعي للدولة، وإنشاء فرق عمل مع الرؤساء التنفيذيين للابتكار في الجهات الحكومية، وصياغة الخطط الاستراتيجية ونشرها في القمة العالمية للحكومات لعام 2018، ويعد هذا المحور مهماً كونه يشكل القاعدة الأساسية التي تُبنى عليها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
 
2 - التفعيل، من خلال العديد من البرامج والمبادرات من بينها تنظيم زيارات ميدانية للجهات الحكومية لفهم قطاع الذكاء الاصطناعي، وتنظيم ودعم ورش العمل في جميع الجهات الحكومية حول الآليات التطبيقية للذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات العمل الحكومي، وتنظيم قمة عالمية سنوية، وإطلاق المسرعات الحكومية للذكاء الاصطناعي.
 
3 - تنمية القدرات، عبر تطوير قدرات القيادات الحكومية العليا في مجال الذكاء الاصطناعي، ورفع مهارات جميع الوظائف المتصلة بالتكنولوجيا، وتنظيم دورات تدريبية للموظفين الحكوميين في شتى القطاعات، إلى جانب تحديد نسبة من البرامج الدراسية للمبتعثين خارج الدولة لدراسة التخصصات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وذلك لتطوير قاعدة عريضة من الكوادر الحكومية المؤهلة في هذا المجال.
 
4 - التطبيق، عبر توفير 100 في المئة من خدمات الخط الأول للجمهور من خلال الذكاء الاصطناعي، ودمج الذكاء الاصطناعي بنسبة 100 في المئة في الخدمات الطبية، ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الأمنية الخاصة بتحديد الهوية، وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الوظائف الروتينية، كل ذلك بغية توفير الوقت والجهد وتعزيز الكفاءة الإنتاجية والحفاظ على الموارد البشرية والمادية دون هدر، ضمن رؤية طموحة تسعى إلى الاستثمار والاستغلال المطلق لكافة الطاقات والإمكانات، بحيث يصل الهدر إلى معدلات دنيا في كل قطاعات العمل الحكومي في الدولة.
 
5 -  القيادة، من خلال تعيين المجلس الاستشاري للذكاء الاصطناعي، وإصدار ونشر قانون حكومي بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، هو الأول من نوعه في المنطقة، وتنظيم سلسلة من المؤتمرات لضبط وتنظيم الذكاء الاصطناعي. كذلك يشمل هذا المحور تطوير أول وثيقة عالمية من نوعها بالتعاون مع الحكومات الرائدة في المجال نفسه، بحيث تحدد الضوابط والمعايير اللازمة لضمان الاستخدام الآمن والسليم للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
 
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، تتمثل في:
* تنفيذ أهداف مئوية الإمارات 2071، وتعجيل تنفيذ البرامج والمشروعات التنموية لبلوغ المستقبل
* الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول عام 2031
 * الارتقاء بالأداء الحكومي وتسريع الإنجاز وخلق بيئات عمل مبتكرة
* أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم، في استثمار الذكاء الاصطناعي بمختلف قطاعاتها الحيوية
 * خلق سوق جديدة واعدة في المنطقة ذات قيمة اقتصادية عالية
* دعم مبادرات القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى بناء قاعدة قوية في مجال البحث والتطوير
 * استثمار أحدث تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في شتى ميادين العمل بكفاءة رفيعة المستوى
* استثمار كل الطاقات على النحو الأمثل، واستغلال الموارد والإمكانات البشرية والمادية المتوافرة بطريقة خلاقة.
 
سادساً: تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتطوير الصناعات الدفاعية والفضائية في الإمارات
تمثل الصناعات العسكرية في دولة الإمارات الوجه الآخر للتكنولوجيا المتقدمة القائمة على  الذكاء الاصطناعي، فهي أحد مظاهر التقدم الصناعي والتقني الذي تشهده الدولة، لما تتمتع به من مواصفات عالية، وفقاً لأفضل المعايير، واعتمادها على التكنولوجيا المتقدمة في هذا المجال. وقد شهدت الصناعات العسكرية في الإمارات نقلة نوعية خلال الأعوام القليلة الماضية، وباتت تنافس بقوة في الأسواق العالمية بكفاءتها وجودتها العالية. وتضع صوب أعينها أسواق أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا لتصدير منتجاتها إليها، ونجحت في إبرام صفقات عديدة تدر عوائد مجزية.
 
وكشفت الدورتان الثالثة عشرة لمعرض الدفاع الدولي “آيدكس 2017” والرابعة لمعرض الدفاع والأمن البحري “نافدكس 2017”، عن التطور الكبير الذي شهدته الصناعات الدفاعية الإماراتية، وظهر ذلك جلياً بمشاركة أكثر من 150 شركة وطنية بمنتجات دفاعية متنوعة ومتميزة، حيث أصبحت الشركات الدفاعية الإماراتية قادرة على تصنيع منتجات متنوعة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، تشمل طائرات بدون طيار وسفناً بحرية حربية وتجارية، وبنادق ومسدسات ورشاشات وصواريخ وآليات متعددة المهام (نمر)، وآليات مشاة قتالية برمائية (ربدان) وذخائر، ووسائل تدريع وسترات واقية ومعدات وتجهيزات وملابس، وغالبية هذه المنتجات إماراتية 100% وبعضها صناعات يتم إنتاجها في الإمارات عبر شراكات قوية مع كبريات الشركات الدفاعية العالمية.
 
ولا شك في أن نهضة الصناعات الدفاعية الوطنية الإماراتية مرتبط بتوظيف أحدث التقنيات الحديثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث تولي الشركات الدفاعية اهتماماً بإعداد الكادر البشري المؤهل، القادر على توظيف التكنولوجيا الحديثة، وفي هذا يقوم مركز توازن للتدريب  بدور مهم في إعداد الكوادر المواطنة في مجال الصناعات العسكرية،  من خلال عدة برامج منها برامج فنية وأخرى هندسية وبرامج للتأهيل الهندسي العالي. ولعل أهم البرامج التي ينظمها مركز توازن للتدريب وهو برنامج “تكنولوجيا التصنيع” حيث يدرس الشاب والفتيات المواطنون في ألمانيا لمدة ثلاث سنوات ونصف يتعلمون خلالها أدق تفاصيل الصناعة الألمانية وقد استفاد من البرنامج عشرات الطلاب، وعند انتهاء البرنامج يتخرج المتدربون كميكانيكيين، ويبدؤون حياتهم العملية في الشركات التابعة لشركة توازن كمشرفين على المنشآت الإنتاجية، بناء كوادر مؤهلة تملك القدرات والمهارات اللازمة للتصنيع العسكري المتقدم وهو ما ظهر في منتجات شركة توازن في معرض آيدكس 2017.
 
تقنيات الاتصالات وصناعة الفضاء 
التطور الحاصل في قطاع الصناعات الدفاعية في الإمارات لا ينفصل عن التطور الذي تشهده الدولة في مجال تقنيات الإتصالات الحديثة التي تلعب دوراً بارزاً في الإستراتيجيات العسكرية في الوقت الراهن، ويتوقع لها أن تكون محور التخطيط العسكري مستقبلاً، وفي هذا الإطار فإن مشروع “الياه سات” وهو مشروع وطني إماراتي، وأول نموذج من نوعه يخدم القطاعين العسكري والمدني في منطقة الشرق الأوسط حيث يركز على نقل المعرفة والخبرة الفضائية، إضافة إلى شراء الأنظمة وصناعتها، وبدأ تنفيذ هذا المشروع العملاق عام 2007 حيث رأت القيادة الرشيدة أن القوات المسلحة تحتاج إلى أداة تساعدها في أداء عملها في المستقبل، وتكون في ذات الوقت أداة للإستخدامات العسكرية الحديثة.
 
في هذا السياق فإن “خليفة سات” ، الذي دشّنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في فبراير2018 هو ثالث قمر صناعي يطوره  “مركز محمد بن راشد للفضاء”، بعد كل من “دبي سات-1” و”دبي سات-2”، يمثل نقلة نوعية كبيرة في مجال صناعة الفضاء، خاصة أن “خليفة سات” يتميز عن نظيريه السابقين بأنه أول قمر صناعي في الإمارات والمنطقة يتم تطويره بالكامل على أيدي فريق مختص من المهندسين الإماراتيين ضمن استراتيجية أعدّ لها “مركز محمد بن راشد للفضاء” شملت إعداداً وتدريباً مكثفاً لكوادر فنية وعلمية إماراتية خلال السنوات العشر الماضية، لتشكل هذه الكوادر عالية التأهيل نواةً صلبة لقطاع الصناعات الفضائية والعلوم المتقدمة في الدولة، بما يكفل البناء عليها ومواصلة الاستثمار في استقطاب الأجيال الشابة لدراسة التخصصات العلمية لرفد هذا القطاع الحيوي بمزيد من الخبرات والكفاءات التقنية والفنية النوعية في السنوات المقبلة.
 
ويدشّن “خليفة سات دخول الإمارات عصر التصنيع الفضائي الكامل، حيث من المقرر إطلاق القمر إلى الفضاء الخارجي خلال العام 2018 عقب الانتهاء من إجراء سلسلة تجارب الإطلاق، ليكون “خليفة سات” القمر الصناعي الإماراتي والعربي الأول من نوعه لجهة تطويره محلياً وعربياً، مؤسساً بذلك قاعدةً وطنيةً لتصنيع الأقمار الصناعية بكفاءات إماراتية. وبهذه المناسبة، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: “المهندسون الإماراتيون هم أول فريق عربي يستطيع بناء قمر صناعي بنسبة 100% دون أي مساعدة أجنبية، وشباب الإمارات أثبتوا كفاءة.. وقدرة فائقة في ميدان التصنيع الفضائي”. وتابع سموه: “دولة الإمارات اليوم هي الدولة العربية الأولى التي تمتلك تقنيات بناء أقمار صناعية بشكل كامل ومستقل عن أي دعم خارجي، ولدينا اليوم علماء وخبراء ومهندسون يشكلون نواة لمستقبل علمي راسخ للدولة”. وأضاف سموه: “قطاع التصنيع الفضائي سيواصل نموه وسنواصل دعمه وسيكون عنصراً حيوياً في اقتصادنا الوطني”، مؤكداً سموه: “خليفة سات” فخر إماراتي... وهو ليس إنجازاً إماراتياً وعربياً فحسب، إنما إنجاز عالمي بما سيوفره من معلومات ستفيد الإنسانية ككل، ويمثل إضافة علمية مهمة لمسيرتنا التنموية”.
 
كما يُعتبر “خليفة سات” أحد أفضل الأقمار الصناعية المتقدمة على مستوى العالم، نظراً لما يشتمل عليه من تقنيات متطورة ومحدّثة تقدم خدمات ذات جودة عالية للمستخدمين. وعند إطلاقه ، سيُوضع “خليفة سات” في مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 613 كيلومتراً تقريباً، ليبدأ عمله بالتقاط صور عالية الدقية وإرسال البيانات الفضائية بمواصفات تتوافق مع أعلى معايير الجودة في قطاع الصور الفضائية بدقة تبلغ 0.7 متر بانكروماتي (2.89 م) ضمن نطاقات متعددة، مقارنة بـ 2.5 متر لدبي سات-1” ومتر واحد لـ”دبي سات -2”؛ حيث تعتبر درجة الوضوح التي تتميز بها صور خليفة سات الفضائية من الأعلى على مستوى العالم. وهذه الميزة ستمّكن المؤسسات الحكومية من الوصول إلى نتائج أدق في الدارسات التي تجريها كلٌّ حسب مجالاتها واختصاصاتها، لتقدم بالتالي دعماً أكبر للمشاريع في شتى المجالات الحيوية. كذلك، يمتاز “خليفة سات” بسعة تخزين أكبر وسرعة أعلى في تحميل الصور، ما يتيح التقاط عدد أكبر من الصور في وقت أقل، وتوفير الصور المطلوبة للمؤسسات المعنية بوتيرة أسرع.
 
سابعاً: طموح الإمارات للتحول إلى مركز متقدم للذكاء الاصطناعي
تسعى الإمارات إلى أن تكون عاصمة للذكاء الاصطناعي في المنطقة، ومركزاً إقليمياً جديداً في تطوير آليات وتقنيات وتشريعات هذا النشاط المبتكر، وتهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي إلى أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم في استثمار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الحيوية. والواقع أن دولة الإمارات قادرة على أن تكون مركزاً جديداً في تطوير آليات وتقنيات وتشريعات الذكاء الاصطناعي لدول المنطقة والعالم، وخاصة أنها تمتلك المقومات التي تؤهلها لذلك، ولعل أهمها:
 
1 - تمتلك الإمارات البنية المعرفية والتكنولوجية والبشرية اللازمة القادرة على مواكبة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ، فهي تسعى إلى جعل نظامها التعليمي ضمن أفضل النظم التعليمية في العالم خلال السنوات المقبلة، كما تركز على الاستثمار في الثروة البشرية المؤهلة وبناء أجيال المستقبل القادرة على التعامل مع التطورات التكنولوجية الحديثة ومخرجات الذكاء الاصطناعي بكل كفاءة، كما تعمل في الوقت ذاته على بناء مجتمع الإبداع والابتكار الذي يضمن لها التفوق والريادة في مختلف المجالات. 
 
2 - تواكب منظومة التعليم توجه الإمارات نحو تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إذ تركز وزارة التربية والتعليم لشؤون التعليم العالي في المرحلة المقبلة، على تعميق التعاون مع وزارة الذكاء الاصطناعي وترجمة أهدافها إلى مواد علمية يتم تدريسها في الجامعات ضمن تخصصات جديدة تحاكي هذا المجال. وهناك توجه في المرحلة المقبلة لربط الذكاء الاصطناعي بجميع المناهج حيث سيتم ابتعاث أول مجموعة من الطلبة للدراسة في روسيا واليابان وغيرها من البلدان ،وذلك في الفصل الدراسي المقبل للالتحاق في تخصص الذكاء الاصطناعي في الشقين الفني والحوكمة .في الوقت ذاته، فإن العديد من الجامعات والمعاهد التعليمية تولي أهمية متزايدة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا سعت منذ بداية تأسيسها وخلال مسيرتها وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاندماج إلى تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في مختلف القطاعات الحيوية للدولة، وكمثال على بعض تلك الجهود كان على سبيل المثال تنظيم مسابقة الطائرات من دون طيار كمهارات مستقبلية على هامش مسابقات المهارات العالمية التي أقيمت في أبوظبي في أكتوبر 2017. كما أن الجامعة تضم مركز “إبتيك” (مركز الإمارات لبحوث تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) حيث يقوم الباحثون بعمل أبحاث متطورة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن تلك المشاريع على سبيل المثال مشروع نظام تحليل تنبيهات حالات التسمم والإصابات بالتعاون مع هيئة الصحة في أبوظبي ونظام تحليل المشاعر على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، بالتعاون مع مركز أبوظبي للإحصاء وبرنامج يقوم بحوكمة إنتاج البرامج الإلكترونية.
 
3 - تعتبر الإمارات من أكثر دول المنطقة استعداداً لتبني استراتيجية مستدامة للذكاء الاصطناعي، بفضل سياسات وبرامج عمل متطورة تكنولوجية اعتمدتها في العقدين الأخيرين تحديداً؛ فقد كانت الإمارات أول دولة في المنطقة تتبنى «الحكومة الإلكترونية»، ثم سرعان ما تم تحويلها إلى «الحكومة الذكية» في العام 2013، في سابقة في المنطقة أيضاً، وذلك انطلاقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لإتاحة أفضل وأسرع الخدمات الحكومية للناس في الدولة بكفاءة وجودة عاليتين، بهدف إسعادهم والارتقاء بكافة مناح العمل والحياة في الدولة. كما أن استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي الجديدة تأتي استكمالاً للحكومة الذكية، لتحقيق تقدم ملموس في كافة ميادين العمل الحكومي والارتقاء بالأداء على المستوى المؤسسي، أفقياً ورأسياً، فهذه الاستراتيجية تهدف إلى أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم في استثمار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الحيوية.
 
4 - تمتلك الإمارات بنية تحتية تقنية فائقة التطور تعد الأكثر استعداداً لمواصلة الدرب نحو الانتقال إلى تطبيقات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي،  وفي مقدمتها الجيل الخامس للاتصالات، التي تعد بمثابة الحاضنة الأساسية لتطبيقات المستقبل، ومنها تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتدرك الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات، ضرورة تبوء موقع الصدارة دائماً على صعيد تطور البنية التكنولوجية، بما يوفر منصة الابتكار الأمثل للقطاعين العام والخاص؛ لذلك حرصت الإمارات على المشاركة في تطوير تقنيات الجيل الخامس للاتصالات لتكون في طليعة من يتبناه بحلول عام 2020. كما أن الدولة وفرت نطاقات إضافية من الطيف الترددي لرفع جاهزية قطاع الاتصالات لدخول التكنولوجيات المستقبلية ومنها تقنيات الجيل الخامس. وفي هذا السياق، فإن الإمارات تتصدر عربياً وشرق أوسطياً على صعيد المؤشرات العالمية الخاصة بقياس تنافسية وتطور الدول في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث جاءت الدولة في المركز الخامس عالمياً في مؤشر الخدمات الحكومية الإلكترونية الذكية، والمركز السادس والعشرين عالمياً في مؤشر الجاهزية الشبكية.
 
وقد أبرزت نتائج دراسة أجرتها مؤسسة “أكسنتشر للاستشارات الإدارية والاستراتيجية” تفوّق استخدام المستهلكين في دولة الإمارات لتطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي بنسب مرتفعة على المعدّل الذي تم تسجيله في العديد من دول العالم،  وأظهرت هذه الدراسة والتي شملت 26,000 شخص في 26 دولة، ارتياح أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين من دولة الإمارات (76%) لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي مقابل (44 %) فقط عالمياً،  كما شكّل توفّر خدمات الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة أبرز الأسباب وراء تفضيل 82 % من المشاركين من الإمارات استخدام هذه التطبيقات بدل التعامل المباشر وجهاً لوجه مع مقدمي الخدمة، فيما اختارها ثلاثة أرباع المشاركين (74 %) لما توفره من الخدمة السريعة والتعامل الاحترافي. وتشير الدراسة إلى أن التقنيات الذكية مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز هي المحفّز الأساسي لنسبة 68 % من المشاركين من دولة الإمارات لشراء الهواتف الذكية مقابل 56 % فقط عالمياً، و55 % منهم لاقتناء النظارات الذكية مقابل 42 % عالمياً، و%54  لنظارات الواقع الافتراضي مقابل 39 % عالمياً. أما أبرز أسباب الإقبال المرتفع بحسب المشاركين فهي الاهتمام بتعلم تقنيات جديدة عبر الواقع الافتراضي والواقع المعزز (36 %)، إلى جانب التعرف عن بعد على أشخاص جدد (%34).
 
5 - نجاح دولة الإمارات في بناء شراكات عالمية لتعزيز الاستفادة من الخدمات غير المسبوقة التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ودورها في تحسين حياة الإنسان والتي تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل العالم، كونها مسؤولية عالمية مشتركة، وتتطلب تضافر جميع الجهود لضمان حياة أفضل للأجيال المقبلة. وأطلقت دولة الإمارات أربع مبادرات جديدة، في ختام فعاليات مجالس المستقبل العالمية 2017، في شهر نوفمبر 2017  بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، وتمثلت هذه المبادرات في :
 
*”مركز الإمارات للجاهزية للمستقبل”، الذي يهدف إلى تطوير البرامج والسياسات وأطر العمل الكفيلة بإعداد الجهات الحكومية لتحديات المرحلة المقبلة، التي ستترتب على توسع انتشار تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. وسيسهم هذا المركز في تعزيز قدرات حكومات المنطقة العربية والعالم في بناء أجيال من الكوادر والقيادات المستقبلية القادرة على التكيف مع المتغيرات والتطورات السريعة، وسيمثل حافزاً لتطوير القطاعات الحيوية وتمكينها من تلبية متطلبات المستقبل، من خلال تهيئة البيئة المناسبة لتشجيع الابتكار، وترسيخ مكانة البحث والتطوير العلمي باعتباره ركناً أساسياً للارتقاء بأداء المجتمعات. 
 
*”بروتوكول الثورة الصناعية الرابعة”: الذي يهدف إلى بناء إطار ناظم لآليات تبني أدوات وتقنيات هذه المرحلة المهمة من مستقبل الإنسان. ويشتمل البروتوكول على ثلاثة محاور رئيسة، تقوم على توفير بيئة متكاملة وآمنة للبيانات، وصياغة سياسات وتشريعات الثورة الصناعية الرابعة، وبناء منظومة قيم وأخلاقيات الثورة الصناعية الرابعة.
 
*”الشبكة العربية للثورة الصناعية الرابعة”،والتي تمثل منصة ذكية هادفة لتعزيز تبادل المعرفة والخبرات، لتشكل مركزاً للتعاون بين الحكومات العربية، يساعدها على تطوير أطر العمل والسياسات والبرامج التي تعزز تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. وتعدّ الشبكة العربية للثورة الصناعية الرابعة مبادرة استباقية، تقدمها حكومة دولة الإمارات للمنطقة والعالم، لتشكل إسهاماً في جهود إيجاد آليات تعاون مشتركة، تسهل وتسرع عملية الانتقال إلى المستقبل، والاستفادة من التقنيات الحديثة، مع التوظيف الأمثل للطاقات البشرية لتمكين جميع القطاعات من اختبار الأدوات المستقبلية، وتقديم أفضل الحلول لشعوب المنطقة.
 
*مشروع بروتوكول الذكاء الاصطناعي، ما يعزز جهود استشراف المستقبل وتبني أدواته انسجاماً مع التحولات التقنية المتسارعة التي يشهدها العالم، ليضاف إلى مسيرة المبادرات التي تحققها الإمارات في هذا المجال، وجهودها في توظيف تقنيات المستقبل لتطوير عمل القطاعات الحيوية والارتقاء بها. ويتبنى البروتوكول سن تشريعات تضمن تحقيق الخير لشعوب العالم، التي تنعكس تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي عليها، وتدعمها في مواجهة التحديات والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وسيعمل أفضل الخبراء العالميين في مجال الذكاء الاصطناعي على وضع البروتوكول الذي سيركز على القطاعات الحيوية، وخاصة التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس، مثل الصحة، والتعليم والاقتصاد، كما سيتضمن البروتوكول أساليب جديدة غير مطروحة سابقاً. 
 
كما سيتم العمل على مراجعة وتطوير البروتوكول سنوياً لضمان تحقيق المرونة وتعزيز قابليته للتأقلم والتجاوب مع المتغيرات، وستكون دولة الإمارات أول مختبر مفتوح لتطبيق بروتوكول الذكاء الاصطناعي في العالم. وأكد وزير الدولة للذكاء الاصطناعي، عمر بن سلطان العلماء، أن “إطلاق البروتوكول عبر منصة الاجتماعات السنوية لمجالس المستقبل العالمية، يؤكد حرص دولة الإمارات على بناء الشراكات العالمية لتعزيز الاستفادة من الخدمات غير المسبوقة التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ودورها في تحسين حياة الإنسان، والتي تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل العالم، كونها مسؤولية عالمية مشتركة، وتتطلب تضافر جميع الجهود لضمان حياة أفضل للأجيال المقبلة”.


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1484

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره