مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-06-03

الحرس الثوري.. ذراع إيران لنشر الفوضى والاضطرابات وتهديد أمن دول الجوار

لم تكن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها العديد من الدول ضد الحرس الثوري الأيراني، سوى انعكاس لدور هذه الميلشيا، التي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر الماضي أنها “قوة ارهابية فاسدة”، في تنفيذ أجندة النظام الأيراني عبر التوغل في العديد من الدور العربية بشكل مباشر أو عبر وكلاء، وفي هذا العدد تسلط “درع الوطن” الضوء على هذه الميلشيا وأهدافها واستراتيجيتها وتكيكاتها وتأثيرات تدخلها الخبيث في دول الجوار. 
 
 
لا يمثل الحرس الثوري أهم فاعل في سياسة إيران، الداخلية والخارجية، وحسب، بل إنه ذراعها الرئيسة لتنفيذ مشرووعها التوسعي في المنطقة أيضاً، لا سيما أنه يتبنى عقيدة عسكرية ترتكز على الأيديلوجيا والطائفية وتصدير الثورة إلى دول المنطقة. ولعل تصريحات حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري في شهر فبراير 2018 التي وصف فيها الجيشين العراقي والسوري بأنهما عمق إيران الاستراتيجي، تكشف بوضوح عن خطورة هذه العقيدة العسكرية والاستراتيجية، التي تعكس النزعة الامبراطورية والفوقية على شعوب وحكومات المنطقة، كما تؤكد بوضوح أيضاً أن الميليشيات التي ترتبط بالحرس الثوري في العديد من دول المنطقة، اليمن وسوريا ولبنان والعراق، ليست سوى أداة ضمن مشروع إيران الإقليمي القائم على التمدد والتوسع، بعد أن انكشفت حقيقة هذه الميليشيات الإرهابية والطائفية وبات ينظر إليها على أنها أهم أذرع الحرس الثوري لنشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
 
أولاً: الحرس الثوري .. من الدفاع ثورة الخميني إلى السعي إلى تصديرها إلى دول المنطقة
  تشكلت مؤسسة الحرس الثوري (الباسداران) بعد انتصار الثورة الأيرانية عام 1979، بقرار من الخميني، وذلك بهدف حماية النظام الناشئ وقتذاك، وخلق نوع من توازن القوى مع القوات المسلحة النظامية ، ولعب الحرس الثوري دوراً كبيراً خلال مرحلة الانقسامات التي صاحبت تأسيس الثورة، إذ تمكن من فرض رؤى الخميني في تبني مبدأ “ولأية الفقيه” كنهج في الادارة والحكم. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحرس الثوري قوة عسكرية، وسياسية، واقتصادية كبيرة في البلاد، ويتمتع بصلة وثيقة مع العديد من الشخصيات المؤثرة، أبرزها الرئيس السابق أحمدي نجاد، الذي كان نفسه عضوا في الحرس الثوري.
 
 
وترجع خطورة الحرس الثوري إلى ظروف نشأته، وأدبياته فهو تنظيم عقائدي وأيدولوجي مؤمن بولأية الفقيه وتصدير الثورة وحمايتها حسبما وضعها قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني، ويتم تدريبه وتعليمه بشكل خاص، بل ويختار المرشد الأعلى الإيراني شخصيًا قياداته وعناصره الشابة، المتحمسة ليتم الضخ بها فيما يطلق عليه “ معسكرات الثوار” في مختلف أنحاء العالم، على أداء المهام القتالية من الالتحام إلى حرب المدن وحرب العصابات، ثم كلفوا بحماية قادة الثورة فكان ولاءُهم المطلق للثورة ومبادئها وأهدافها، وتم تحويلهم إلى جيش له قواته البرية والبحرية والجوية فضلاً عن وحدات الصواريخ والمصانع الحربية.
 
 
وتفصّل المادة 150 من الدستور الإيراني مهام الحرس الثوري، حيث تشير إلى : (يحافظ حرس الثورة الإسلامية الإيرانية على منجزات ودور الثورة وفي نطاق واجبات هذه الهيئة، ومجالات مسؤوليتها يوازي الواجبات التي تقع على القوات المسلحة الأخرى التي يحددها القانون، مع التركيز على التعاون الأخوي والانسجام فيما بينها). وقد ساعدت قوات الحرس الثوري جبهة الخميني في صراعه ضد حلفائه الثوريين، كجماعة مجاهدي خلق، كما عملت كثقل مضاد للمؤسسة العسكرية النظامية الموالية للشاه. 
 
 
ويعتبر الحرس الثوري الإيراني الذراع الأقوى لصناعة وتنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية، ولقد مكنه دوره في تصدير الثورة الإيرانية من تأكيد مكانته وأهميته في الأمن القومي الإيراني. وتحظى وزارة الخارجية باهتمام خاص لدى الحرس الثوري، لكونها أحد أهم مراكز صنع قرار السياسة الخارجية. وقد كان لبعض مسؤولي الخارجية الإيرانية من المحسوبين على الحرس الثوري بصمات واضحة فيما آلت إليه علاقات إيران الخارجية خلال السنوات الماضية.
 
 
ويجمع الخبراء والباحثين إلى أنه لم يكن للثورة الإيرانية أن تحقق أهدافها دون أن تكون لها ذراع عسكرية استراتيجية، تدافع عنها وتعمل على إمكانية تصديرها في مرحلة لاحقة،  وقد لعب هذا الدور الحرس الثوري منذ بدأية ثمانينيات القرن الماضي، حينما دعا قائد الثورة الإيرانية، آية الله الخُميني، صراحة إلى تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج، حينما قال صراحة :”نحن في جمهورية إيران الإسلامية سوف نعمل بجهد من أجل تصدير ثورتنا للعالم، وأنه بمقدورنا تحدي العالم بالأيديولوجية الإسلامية”. وقال أيضاً: “نحن نهدف إلى تصدير ثورتنا إلى كل الدول الإسلامية، بل إلى كل الدول حيث يوجد مستكبرون يحكمون مستضعفين”. وهذه المقولات تقف وراء كثير من نصوص الدستور الإيراني، والتي  يبرر من خلالها الحرس الثوري التدخل في شئون العديد من دول العالم، كما تفسر في الوقت ذاته تدخلات إيران المستمرة في شئون العديد من الدول العربية، وتقف وراء طموحاتها لبناء إمبراطوية إيرانية، وقد اشار إلى ذلك صراحة مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني علي يونسي في مارس 2015 ، حينما قال خلال منتدى” الهوية الإيرانية” في طهران: إن” إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقا وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ، فجغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا علينا أن نقاتل معا أو نتحد”. وأشار يونسي إلى “أن طهران تنوي تأسيس حلف اتحادي في المنطقة،  يمتد إلى البحر المتوسط وباب المندب في اليمن، لتكوين الهلال الشيعي، الذي يمثل أساس الإمبراطورية الإيرانية”.
 
 
ويعتبر (فيلق القدس) الذي الذي يقوده قاسم سليماني أهم وحدات الحرس الثوري، وأهم ذراع إيرانية تعمل خارج الحدود، ويتكفّل بتشكيل وتدريب وتوجيه الميليشيات المختلفة التي ترتبط بإيران، خاصة في لبنان(حزب الله) والعراق(ميليشيات الحشد الشعبي) وسوريا(الفصائل الشيعية) واليمن(الانقلابيين الحوثيون). كما أنه يعتبر المسئول عن التخطيط لحروب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية، بما فيها استخدام واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية أنشطته الخارجية.  وقد بنى قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني الذي يلقبه المرشد الأعلى علي خأمنئي باسم “الشهيد الحي”، شبكة علاقات واسعة في المنطقة تمتد من اليمن إلى سوريا والعراق وغيرها من الدول بحيث بات الوجه الأبرز لحجم النفوذ الأيراني في هذه الدول. وتنقسم قوات فيلق القدس إلى مجموعات محددة وفقاً للتقسيم الجغرافي لكل بلد، فهناك مديريات؛ للعراق، لبنان، فلسطين، والأردن، أفغانستان وباكستان والهند، تركيا وشبه الجزيرة العربية؛ الدول الآسيوية من الاتحاد السوفياتي السابق، الدول الغربية “أوروبا وأمريكا الشمالية”، وشمال أفريقيا، مصر، تونس، الجزائر، السودان، والمغرب. كما أن لدى الفيلق مكاتب في العديد من السفارات الإيرانية. 
 
 
وتقسم الاذرع الخارجية “لفيلق القدس” إلى هيئات حسب الساحات التي تعمل فيها؛ فهنالك ادارات مسؤولة عن العراق ولبنان والاردن وفلسطين والجزيرة العربية وشمال افريقيا العربية وباكستان والهند والساحة الآسيوية وتركيا والساحة الأوروبية والأمريكية والأفريقية جنوب الصحراء والساحة الروسية. وتذهب التقديرات إلى أن أحد فروع العمليات الخارجية في الحرس الثوري تتشكل من 12000 مقاتل يتكلمون اللغة العربية، من الإيرانيين والأفغان الشيعة والعراقيين واللبنانيين، الذين تدربوا في إيران أو تلقوا تدريباً في أفغانستان خلال سنوات الحرب الأفغانية.
 
 
وفي تصريحات تعكس إصرار الحرس الثوري على تصدير الثورة، قال نائب القائد العام لقوات الحرس الثوري الإيراني، العميد حسين سلامي، في أكتوبر 2016 أن بلاده تقوم في الوقت الراهن بنقل رسالة “الثورة” في مجالها العسكري إلى خارج البلاد. وأن إيران ستواصل “حركتها الثورية على المستوى الإقليمي”. لافتاً النظر إلى “إن المستشارين العسكريين الإيرانيين يقومون في الوقت الراهن بنقل رسالة الثورة في مجالها الدفاعي والعسكري إلى خارج البلاد”. وأضاف، أن هناك حربا قادمة سيتقرر فيها مصير من يشاركون فيها، وأن بلاده تمتلك “قدرات يعتد بها”. كما وصفها بأنها “ذات تأثير تجأوز الحدود الجغرافية”. وبدا هذا واضحاً في تدخل إيران السافر في سوريا، ودعمها لبشار الأسد بالمال والعتاد، هو أمر لا يخفى على أحد، كما مدت إيران الأسد بمستشارين عسكريين، ومقاتلين من الحرس الثوري ، من أجل إجهاض الثورة الشعبية ضد بشار الأسد، وبحجة حماية المراقد الدينية. وفي اليمن، سعت إيران بشكل حثيث إلى إيجاد موطئ قدم لها هناك، فدعمت علنيًا ميليشيات الحوثي، الأمر الذي أدى إلى إطلاق السعودية لتحالف عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية في مارس من العام 2015. وفي البحرين، يقف  الحرس الثوري وراء إثارة الشغب، وتشجيع المعارضة على التمرد. أما في لبنان فلم تخف إيران دعمها وتمويلها لحزب الله، الذي أعلن أمينه العام حسن نصرالله ولاءه لإيران وليس لبلده لبنان. وتدخل إيران، في الآونة الأخيرة، بشكل فاعل وأكثر مباشرة في العملية السياسية العراقية. إضافة إلى مساعيها في إفريقيا، وبين الجاليات المسلمة في أوروبا بنشر عقيدة الثورة عبر التستر بنشر الإسلام، عبر مذهبها الإقصائي المتشدد.
 
 
وحتى وقتنا هذا ما زال الحرس الثوري مصراً على تصدير الثورة الإيرانية، وهذا ما يفهم من تصريحات  الأميرال علي فدوي قائد القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني في مقابلة له مع موقع “جماران” الناطق بالفارسية بمناسبة “يوم الجيش الإيراني” في أبريل 2018، والتي قال فيها إن “أنشطة الحرس الثوري ليست محدودة بإيران” مشيراً إلى أن قوات الحرس تقاتل حالياً آلاف الكيلومترات خارج الحدود الإيرانية”، موضحا أن الاسم الحقيقي لهذا الجهاز العسكري هو “جيش حرس الثورة الإسلامية” دون أن يلحق به اسم إيران، وبرر الأميرال فدوي تواجد قوات للحرس الثوري في بلدان أخرى خاصة بسوريا والعراق قائلاً: “إن حراسة الثورة الإسلامية لا تعني حراسة بلد واحد فقط وجغرافيا واحدة وحكومة واحدة (إيران)، مضيفاً: “إن اسم جيش حراس الثورة الإسلامية لا يرتبط بأي دولة، حتى إيران غير موجودة في هذا الاسم وهذه هي تعليمات الإمام (خميني) فهو سماه لأول مرة باسم جيش حراس الثورة الإسلامية؛ لأن الثورة الإسلامية لا تنحصر في جغرافيا واليوم تشاهدون القلوب تتبع نفس سياق الثورة الإسلامية والحرس الثوري حاضر في كل مكان لحراسة الثورة الإسلامية”. وهذا إنما يؤكد أن تصدير الثورة سيظل أحد مهام الحرس الثوري حتى وإن تبنت إيران خطاباً مرأوغاً تزعم فيه حرصها على تحسين العلاقات مع دول الجوار وعدم التدخل في شئونها.
 
ثانياً: لماذا يشكل الحرس الثوري القوة الأكثر تأثيراً في النظام السياسي الإيراني؟
يتبع الحرس الثوري للمرشد الأعلى، الذي يشغل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة في إيران، واستخدم المرشد سلطته لبسط نفوذ وتعزيز قوة الحرس، وذلك من خلال تعيينه العديد من عناصره السابقين في مناصب سياسية رفيعة.، ويعتبر الحرس الثوري أهم قو مؤثرة في النظام السياسي الإيراني، حتى أنه بات يوصف بانه دولة داخل الدولة، بالنظر للاعتبارات التالية: 
 
 
*  يتم تعيين جنرالات الحرس الثوري الإيراني من جانب المرشد الأعلى، وليس من جانب الحكومة المدنية ، ولهذا فإن الحرس الثوري يعتبر ذراع المرشد الأعلى للثورة التي تسيطر على كل شئ في نمط الاستبداد الديني الحديث. في الوقت ذاته فإن رجال الدين  الذين يديرون مؤسسات رسمية مهمة، مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام والسلطة القضائية ومجلس الخبراء، يعتمدون على قوات الحرس الثوري الإيراني لضمان سيطرتهم على هذه المؤسسات، الأمر الذي عزز ويعزز نفوذ هذه القوات.
 
 
* ساعد هذا التمدد والتوزع لبنية وهياكل الحرس الثوري وحدوده اللامتناهية في السلطة الإيرانية عبر التعبية المباشرة للولي الفقيه فقط، إلى أن امتد نفوذه وابتلاعه لغيره من مؤسسات الدولة الأخرى، مثل الجيش النظامي أو القوّات المسلّحة الكلاسيكية والمؤسسات الدينية المختلفة والسلطة التنفيذية، وإلى الدائرة الرئيسة للإستخبارات المدنية ووزارة الأمن القومي والاستخبارات. وفي السنوات الأخيرة، وسّعت قوات الحرس الثوري الإيراني نفوذها - وسيطرتها في بعض الحالات – إلى أجهزة تطبيق القانون والعمليات الاستخباراتية الخارجية والقيادة العسكرية الاستراتيجية والاقتصاد الوطني.
 
 
*يعتبر أهم لاعب مؤثر في في السياسة الإيرانية، حيث يتمتع الحرس الثوري بوجود قوي وفاعل في المؤسسات والهيئات المدنية، إذ يسيطر على قوات الباسيج، والذين يدينون بالولاء للثورة، إذ يستدعيهم الحرس للنزول إلى الشوارع في أوقات الأزمات، وذلك لاستخدامهم كقوة لتفريق المنشقين أو المتظاهرين. واللافت هنا أن الحرس الثوري بدأ منذ عام 2007 يلعب دوراً في الانتخابات الإيرانية، بعد أن مررت وزارة الداخلية لائحة تتضمن دوراً رسميا للحرس في عملية الفحص للمرشحين السياسيين، فالتدخل غير الرسمي لقوات الأمن في الانتخابات لا يزال مؤثراً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى تعيين السفراء والعاملين في السلك الدبلوماسي الإيراني، حيث قام الحرس الثوري بتعيين سفير إيران لدى العراق إيراج مسجدي في ينأير 2017، والذي كان يعمل رئيساً لدائرة شؤون العراق في الحرس الثوري إضافة إلى سفراء طهران في سورية وأفغانستان. ويعد مسجدي أحد المقربين في الحرس الثوري ومستشاراً لقاسم سليماني وهو المسؤول عن المليشيات العراقية التابعة للنظام الإيراني.
 
 
* أصبح القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري، أحد أهم القيادات المؤثرة في النظام السياسي الإيراني، ويقوم بدور كبير في تنفيذ المهام التي يكلف بها من قبل المرشد الأعلى للثورة علي خأمنئي. ويُقدَّر عدد أفراد الحرس الثوري بنحو 125 ألف عنصر، ولديه قوات أرضية، بالإضافة إلى وحدات بحرية وجوية، ويشرف على أسلحة إيران الاستراتيجية. كما يُعتقد أن الحرس الثوري يحتفظ بعناصر له في السفارات الإيرانية عبر العالم، إذ يُقال إن هذه العناصر هي التي تقوم بتنفيذ العمليات الاستخباراتية، وتقيم معسكرات التدريب، وتساهم في تقديم الدعم لحلفاء إيران في الخارج.  
 
 
* يسيطر الحرس الثوري على حوالي ثلث الاقتصاد الإيراني، وذلك من خلال تحكمه بالعديد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات التي تعمل في مختلف المجالات. وهو ثالث أغنى مؤسسة في إيران بعد كل من مؤسسة النفط الأيرانية، ووقف الإمام رضا، وهو ما يمكن الحرس من استقطاب وتجنيد الشبان المتدينين بمنحهم رواتب مغرية.  وتشير العديد من الدراسات إلى أن الحرس الثوري نجح في تضخيم نفوذه الاقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية،  فالكثير من قادة هذه القوات يتقاعدون في سن مبكّرة نسبياً - حوالي 50 عاماً – ثم ينضمّون إلى نخبة إيران السياسية والاقتصادية. واليوم، يسيطر القادة السابقون لقوات الحرس الثوري الإيراني على الصناعات الثقيلة، بما فيها صناعة البناء. ويخضع المدنيون الذين يُديرون هذه الصناعات لسلطة عناصر خدمت سابقاً في قوات الحرس الثوري الإيراني وتدين بالولاء له وللولي الفقيه.
 
 
*  تمتلك قوات الحرس الثوري كافة صنوف الأسلحة ويتبع لها قيادة متخصصة للقوات البرية والبحرية والجوية، ووحدة متخصصة في علوم الفضاء، وجهاز استخبارات خاص يرتبط بقيادة الحرس الثوري وبمكتب المرشد الذي يشرف عليه مباشرة. كما  يلعب الحرس الثوري دوراً رئيسياً في الإشراف على مشروع انتاج الأسلحة النووية، ومعظم أو جميع الأسلحة الأخرى الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية، ويمتلك أنواعاً عدة من الأسلحة، تتضمن صواريخ ودبابات وطائرات مقاتلة، قسم كبير منها روسي الصنع، كما تتنوع الصواريخ التي بحوزته من حيث المدى بين البعيدة والمتوسطة والقصيرة، وأغلبها مصنوع داخل إيران، في حين أن بعضها مطور عن أسلحة روسية وأمريكية، من أبرزها شهاب، خيبر، رعد، النازعات، وغيرها. 
 
ثالثاً: مشروع الحرس الثوري لنشر الفوضى والطائفية والإرهاب في المنطقة
بات واضحاً أن المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة يرتبط بالأساس بالعقيدة العسكرية والاستراتيجية للحرس الثوري الذي يسعى إلى الهيمنة وتعظيم نفوذ طهران في محيطها الإقليمي الأوسع، ولم يخف المسئولون الإيرانيون وقادة الحرس الثوري هذا المشروع التوسعي، ولعل أكثر تلك التصريحات صراحة وشفافية تصريح “علي يونسي” مستشار الرئيس حسن روحاني، عندما قال: “كل منطقة الشرق الأوسط هي تابعة لإيران، واليوم قد تحققت الإمبراطورية الإيرانية، وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما كان في الماضي،  وإن شعوب المجأورة لإيران هم بالأصل إيرانيين وانفصلوا عن الإمبراطورية الإيرانية”. وتصريح حسين سلامي، المساعد الأول للحرس الثوري، الذي قال فيه: “إن الحدود الأمنية الإيرانية توسعت إلى البحر المتوسط، ولم تستطع كل محأولات أعداء إيران من إيقاف حركتنا”. وهذا إنما يؤكد  بوضوح أن الحرس الثوري هو ذراع إيران لتنفيذ مشروعها التوسعي في المنطقة.
 
 
وقد كشفت دراسة صدرت في العام 2015 عن الرابطة الأوروبية (EIFA) التي تتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقرا لها، عن طبيعة التدخلات المدمرة  التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني في الشؤون الداخلية لـ14 دولة إسلامية في منطقة الشرق الأوسط من خلال مجموعة من الأدوات والآليات التي تستهدف نشر الطائفية ودعم الميليشيات والجماعات الإرهابية في المنطقة. وأبرزت الدراسة أن الحرس الثوري يهمين على السياسة الإيرانية الخارجية فيما يتعلق بدول مثل (أرمينيا، وروسيا، وتركيا، ودول مجلس التعاون الست). مشيرة إلى أنه في دول مثل (العراق، وسوريا، وأفغانستان)، فإن سفير النظام الإيراني يأتي ولا بد من بين صفوف الحرس الثوري الإيراني، أو يتم اختياره من بين الأفراد المقربين للغأية من قيادات الحرس الثوري الإيراني. ويتم ذلك على هذا النحو من أجل تمكين الحرس الثوري الإيراني من تنفيذ الأنشطة وتعزيز الأهداف عن طريق استغلال الفرص السانحة التي توفرها الحصانة الدبلوماسية للسفارات وموظفيها ولشخصية السفير نفسه. 
 
 
لقد كشفت خبرة السنوات الماضية أن مشروع الحرس الثوري التدميري والتخريبي في المنطقة يعتمد بالأساس على نشر الطائفية وتأسيس المليشيات العقائدية المسلحة المرتبطة بإيران، والتي تتلقى مختلف مظاهر الدعم، وبالتحديد عبر الخدمات والتسهيلات التي يقدمها “فيلق القدس” للجهاد الخارجي، وهو ذراع الحرس الثوري الإيراني في العمل خارج الحدود الجغرافية للدولة، وهذا الجهاز يقدم الدعم المالي، واللوجستي، والإعلامي، وتوفير السلاح والتدريب والإسناد الميداني، للميليشيات المسلحة التابعة لإيران، والتي تم إنشاؤها بقرار إيراني على أعلى مستويات القيادة السياسية. ومهمة هذه المليشيات العمل على تحقيق الهدف النهائي وهو فرض السيطرة الإيرانية “غير المباشرة” على هذه الدول المستهدفة ، ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى طبيعة الأنشطة والممارسات التي يقوم بها الحرس الثوري لتنفيذ هذا المشروع، والتي تتمثل في :
 
 
-1 محأولة تكرار تجربة حزب الله في العديد من دول المنطقة: ففي دول الخليج سعت إيران إلى دعم بعض الحركات المحظورة على أمل تحويلها إلى نسخة مشابهة لحزب الله اللبناني، فقد دعمت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ومقرها طهران، في محأولة لتحويلها إلى (حزب الله البحريني)، وقد قامت هذه الجبهة بعمليات تخريبية في البحرين ما بين عام 1994م، و1996م ـ وفي منتصف الثمانيات وبالتحديد عام 1987 قام الحرس الثوري بإنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتفق على تسميته بـ”حزب الله” الحجاز، وتولى هذا الحزب العمليات الإرهابية في السعودية، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني لعمليات الإرهاب والفتنة، في أيام الحج، وافتعال المظاهرات الحاشدة في مواسم الحج بغرض القتل والتخريب. كما كان لإيران دور في إنشاء حزب الله الكويت والذي اتخذ له أسماء منظمات وهمية مثل: (طلائع تغيير النظام للجمهورية الكويتية، وصوت الشعب الكويتي الحر، ومنظمة الجهاد الإسلامي، وقوات المنظمة الثورية في الكويت،) وتأسس بمجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في قم، ويرتبط معظمهم بالحرس الثوري الإيراني. وفي العراق، وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين وتصاعد النفوذ الشيعي عام 2003، عملت إيران على توحيد الفصائل الشيعية عام 2006 لتشكل حزب الله-العراق الذي صنّفته الولايات المتحدة عام 2009 منظمة إرهابية. وقد شاركت هذه الفصائل في الحرب السورية بحجة الدفاع عن مرقد السيدة زينب في دمشق، وفي عدة معارك ضد تنظيم داعش في العراق. وفي سوريا، ما زال الحرس الثوري يسعى جاهداً إلى تأسيس حزب الله هناك، من خلال إدماج الميليشيات الشيعية هناك في فصيل واحد، خاصة أن هذه الميليشيات تعتنق إيديولوجية “ولأية الفقيه” الاستبدادية والمتطرفة الإيرانية الوفية للمرشد الإيراني الأعلى السيد علي خأمنئي على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني.  
وفي اليمن، فإن الحرس الثوري يقف وراء تأسيس ميليشيا الحوثي الإرهابية، وهذا ما أكده  القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، الذي أشار إلى أن إيران هي التي صنعت الجماعة الحوثية في اليمن والتي وصفها بـ”المقأومة اليمنية”، وقال إنها تعتبر آخر إنجاز للثورة الإيرانية، وإن”الحوثيين يتخذون من الثورة الإيرانية نموذجا لمقأومة النظام المتسلط”، مشيراً إلى أن “مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج يسير بشكل جيد”.
 
 
 -2 تحويل الميليشيات العسكرية التابعة لها إلى نموذج للحرس الثوري الإيراني داخل أنظمة الدول التابعة لها تلك الميليشيا، وهو ما كشف عنه لقاء قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري خلال لقائه رئيس أركان الجيش الباكستاني قمر جأويد باجوا في شهر أكتوبر 2017، فقد أوصى بضرورة نقل تجربة ميليشيا الباسيج الإيرانية إلى باكستان عبر لواء “زينبيون” المقاتل في سوريا، معلنًا استعداد قواته للتعاون مع الجيش الباكستاني في نقل التجربة. والواقع أن إيران تسعى منذ سنوات إلى دمج الميليشيات الشيعية التي أنشأتها لتكون نواة للحرس الثوري في تلك الدول، وترسيخها كذراع عسكرية تابعة لها في المنطقة. ويركز الحرس الثوري في هذه المرحلة على كل من سوريا والعراق، وهذا ما يفهم من تصريحات  نائب القائد العام لحرس الثورة الأيرانية العميد حسين سلامي في فبراير 2018، التي قال فيها” أن الجيشين السوري والعراقي يشكلان العمق الاستراتيجي لإيران”، ولهذا لم تتوقف الضغوط الأيرانية على حكومة بغداد طيلة العامين الماضيين من أجل تحويل “الحشد الشعبي” إلى حرس ثوري عراقي على غرار ما هو موجود في أيران. ولا شك في أن هذه المحأولات إنما تؤكد أن الحرس الثوري يواصل تصدير “منتجات” الثورة الإيرانية، باعتبارها نموذجًا قابلا للاحتذاء به، خاصة نموذج “الباسيج”، بما يساعد في الترويج لبناء ميليشيات موازية للجيوش التقليدية، يمكنها أن تمارس أدوارًا سياسية وعسكرية في الداخل والخارج.  كما يستهدف الحرس الثوري من وراء هذه المحأولات من ناحية ثانية توظيف هذه الميليشيات في تحقيق أهدافه التدخلية والتوسعية في المنطقة. 
 
 
 -3 توظيف الميليشيات المسلحة في تعظيم النفوذ الإيراني وتعزيز هيمنتها على دول المنطقة:  يدرك المتابع لتحركات الحرس الثوري خلال الأعوام الماضية أنه يخطط لجعل إيران قوة إقليمية مهيمنة، يكون لها الرأي الحاسم في تقرير مصير المنطقة، ولهذا فإن الحرس الثوري متواجد بشكل استفزازي في مختلف أزمات وقضأيا المنطقة، بدءاً من العراق ومروراً بسوريا ولبنان، ونهأية باليمن، ويوظف ميليشياته الإرهابية وأزرعه المسلحة في هذه الدول لتحقيق هذا الهدف. فعلي سبيل المثال، فإن الميليشيات الشيعية الموجودة في سوريا والعراق، تستهدف بالأساس إرساء كتلة إيرانية تمتد من العراق إلى لبنان، للوصول إلى البحر المتوسط. كما يوظف الحرس الثوري ميليشيا الحوثي الإرهابية في اليمن، لمحأولة بسط نفوذها في شبه الجزيرة العربية. وهذا الهدف الاستراتيجي، أكده تقرير للكونجرس الأمريكى صدر في العام 2015، أشار إلى أن طموحات إيران بالتوسُّع فى المنطقة عبر استغلال الحرس الثوري للانقسامات الطائفية فيها، لا يقل خطورة عن برنامجها النووى، وأن طموحات إيران التوسُّعية فى الشرق الأوسط يمكن أن تمثل خطراً على العالم لا يقل عن خطر طموحاتها النووية. وبالفعل حينما اندلعت أحداث ما سمى الربيع العربي عام 2010 حأولت إيران توظيفها لصالحها، واعتبرتها فرصة لرفع رأية الثورة الخمينية، وبالتحديد في سوريا، فقد دخلت بكل ثقلها ضمن سياسة تبدو في ظاهرها داعمة لنظام بشار الأسد، لكنها في باطنها تطمح لاستكمال مشروع التمدد الذي بدأ بشكل جزئي مع حزب الله في لبنان، ثم حقق خطوات كبيرة وتاريخية بعد الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003. 
 
 
مشروع إيران الاستراتيجي للهيمنة والنفوذ كشفت عنه صحيفة “الجارديان” البريطانية في أكتوبر من العام 2016 ، وهو المشروع الذي ينطلق من تأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين، ثم شمال شرق سورية إلى حلب وحمص، وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط. وهذا المشروع يفسر تدخلات إيران المتزايدة في العراق وسوريا ولبنان في الأعوام الماضية، ويؤكد في الوقت ذاته مضيها قدماً في تنفيذ نوأياها التوسعية  في المنطقة العربية.
 
 
وفي إطار مساعيه لبسط النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، راهن الحرس الثوري الإيراني على الميليشيات المسلحة متعددة الجنسيات في أكثر من ساحة، وأنشأ الحرس الثوري الإيراني في سوريا في شهر نوفمبر 2017 ميليشيا جديدة تحت مسمى مذهبي “أنصار المهدي  وهي ميليشيا تجمع شيعة منطقة درعا ، وتشير التقارير إلى أن هدف هذه الميليشيا بالأساس هو تعزيز نفوذ إيران في سوريا، تحسباً لأية تفاهمات أمريكية- روسية محتملة بشأن سوريا. كما عمل الحرس الثوري خلال السنوات الماضية على تأسيس ما يطلق عليه “ظاهرة الميليشيات متعددة الجنسيات”، وهي أيضاً ذات بعد طائفي بالأساس، وقد أثيرت في أغسطس عام 2016، حينما اعترف الجنرال محمد علي فلكي أحد أبرز قادة الميليشيات والقوات الإيرانية في سوريا بنية إيران إعادة تنظيم الميليشيات الموالية لطهران في سوريا وصهرها في بوتقة إطار تنظيمي يحمل اسم “جيش التحرير الشيعي”.  وتعتمد تشكيلة “جيش التحرير الشيعي” على قوات محلية تضم ألوية من العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وباكستان واليمن. وفي ينأير 2017، قال قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري إن قواته تملك مائتي ألف مقاتل في 5 دول من الشرق الأوسط، وضمت القائمة باكستان إلى جانب سوريا والعراق وأفغانستان واليمن. على أي حال، فإن هذه الميليشيات الطائفية متعددة الجنسيات التي يشرف عليها الحرس الثوري هي ذراع جديدة تستخدمها إيران في تحقيق أهدافها الطائفية في المنطقة، وتوظفها في تأمين بقاء أنظمة الحكم الحليفة لها، وتنوب عن جيشها النظامي في حروبها التي تخوضها في أكثر من جبهة.
  
رابعاً: توجهات الحرس الثوري العدائية إزاء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي
واصل الحرس الثوري الإيراني خلال السنوات الماضية تدخلاته السلبية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بل أنه تورط في العديد من الأنشطة  التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول، ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى ما يلي: 
 
 
 -1 توظيف الميليشيات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري(حزب الله- الحوثي) في تهديد أمن الخليج، فعلى سبيل المثال فإن الدعم المتواصل الذي يقدمه الحرس الثوري لميليشيا الحوثي الإرهابية يستهدف بالأساس ليس فقط تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن، وإنما أيضاً ممارسة الضغط على دول مجلس التعاون، وتحديداً المملكة العربية السعودية، فوجود ميليشيا الحوثي الشيعية في شمال اليمن بالقرب من السعودية من شأنه أن يثير مشكلات أمنية عديدة للمملكة وعرقلة أي محأولات أو جهود خليجية من أجل إعادة الاستقرار في اليمن، خصوصا وأن السعودية هي المتصدية الكبرى للمخططات الإيرانية في المنطقة منذ قيادتها لعملية عاصفة الحزم في مارس 2015 وعملية إعادة الأمل في اليمن في أبريل من العام نفسه.  وقد كشفت تطورات الأحداث في اليمن في الآونة الأخيرة أن ميليشيا الحوثي الإرهابية ليست سوى أداة ضمن مخططات الحرس الثوري التخريبية، حيث قام الحوثيون بإطلاق العديد من الصواريخ الباليستية خلال العام الجاري 2018، وذلك في محأولة لاستعراض لترسانة إيران الصاروخية، وتهديد أمن دول الخليج. كما توظف إيران ميليشيا حزب الله الإرهابية في إيصال رسائل تهديد إلى دول الخليج، ولعل هذا كان السبب الرئيسي وراء قرار مجلس التعاون لدول الخليج العربية بإعلان حزب الله منظمة إرهابية في العام 2016، كما وضعت دول المجلس في مايو 2018  قيادات من حزب الله منهم 5 أعضاء تابعون لـ “مجلس شورى” الحزب، على قائمة الإرهاب. 
 
 
 -2 إنشاء خلأيا التجسس التي تستهدف دول الخليج: يعمل الحرس الثوري الإيراني على توسيع أنشطته الاستخبارية في جميع أنحاء المنطقة، وأنشأ الكثير من المراكز الاستخبارية في عدد من بلدان المنطقة من بينها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد أثمرت مساعي الحرس الثوري الإيراني في هذا السياق عن زرع شبكات تجسس تعمل على تهديد أمن دول مجلس التعاون، لكن أجهزة الأمن الخليجية في السعودية، والبحرين، والكويت عملت على تفكيك هذه الشبكات التجسسية والتعامل الحاسم مع العاملين فيها.  ففي مارس 2013 ألقت السلطات السعودية القبض على “شبكة تجسس” مكونة من 18 شخصا، هم 16 سعوديا (من الشيعة) وإيراني ولبناني، قائلة إن أعضاءها مرتبطون بشكل “مباشر بأجهزة الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري، وكانوا يجمعون معلومات عن منشآت حيوية مقابل إستلامهم مبالغ مالية على فترات. وفي أبريل 2011 كشفت السلطات البحرينية عن خلية تجسس مكونة من إيرانييْن وبحريني تخابروا مع الحرس الثوري الإيراني بغرض إمداده بمعلومات عسكرية واقتصادية. أما الكويت فكشفت خلال السنوات القليلة الماضية أكثر من شبكة تجسس إيرانية، حيث يعود تاريخ أول شبكة تجسس إلى شهر مايو 2010، حيث نجحت الأجهزة الأمنية الكويتية في تفكيك شبكة تخابر وتجسس لمصلحة الحرس الثوري الإيراني، تعمل على رصد المنشآت الحيوية والعسكرية الكويتية، ومواقع القوات الأمريكية في البلاد، وفي سبتمبر 2012، تمكنت أجهزة الأمن الكويتية من تفكيك خلية تجسس إيرانية أخرى، في إحدى الحسينيات في منطقة بنيدالقار، وتم إلقاء القبض على أكبر تشكيل جاسوسي عرفته الكويت، وعدد أعضائه 39 من ضباط الحرس الثوري الإيراني، و58 آخرون من رتب مختلفة، إضافة إلى ضبط أجهزة تنصت وتجسس عالية الجودة، مع أجهزة كمبيوتر محمولة (لاب توب) للتواصل مع الاستخبارات الإيرانية، وعدد كبير من الأسلحة والقنابل العنقودية في السرداب. وأعلنت حكومة الكويت عام 2013 أن شبكات التجسس الإيرانية، قامت بتصوير المنشآت العسكرية الكويتية والأميركية، وسلمتها إلى الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية، واستدعت الحكومة سفيرها من طهران،   وكشفت أن شبكة التجسس زرعت أعضاءها في المؤسسة العسكرية وتحديدا الجيش، حيث وصلوا إلى معلومات دقيقة في الحاسب الآلي!.
 
 
 -3 تأسيس الخلأيا الإرهابية النائمة ، لقد بات واضحاً أن الحرس الثوري يعتمد على الخلأيا الإرهابية لزعزعة الأمن والاستقرار في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبخاصة تجاه مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، ففي شهر مارس 2018 أعلنت السلطات البحرينية اعتقال 116 شخصا على خلفية اتهامهم بالانتماء إلى مجموعات تابعة للحرس الثوري الإيراني تخطط لاستهداف قيادات في الأجهزة الأمنية. وفي شهر ينأير 2018 أعلن وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، تفكيك خلأيا إرهابية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وميليشيات حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي بالعراق، قوامها أكثر من 350 شخصاً، خلال 2017. لافتاً في الوقت ذاته النظر إلى أن أهم العمليات الأمنية الوقائية التي تم تنفيذها، أسفرت عن إلقاء القبض على (47) عنصراً إرهابياً من العناصر الرئيسة، ينتمي أغلبهم إلى ثلاثة تنظيمات إرهابية، تمت إدارتها وتمويلها من العناصر الموجودة في إيران. كما اتهم عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، في شهر ينأير 2018، إيران بمواصلة تهريب الأسلحة والصواريخ للميليشيات الحوثية في اليمن بهدف الاعتداء على المملكة وشعبها ومصالحها الحيوية. مشيراً إلى أن “تدخلات إيران في شؤون المنطقة تشعل الفتن الطائفية، وميليشيات الحوثي تنفذ أجندة إيران في اليمن”. 
 
 
ولا شك أن الاتهامات التي وجهتها كل من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية إليها بالعمل على زعزعة الأمن والاستقرار فيها تستند إلى حقائق ومعطيات دامغة، فقد كشفت التحقيقات التي أجرتها السلطات البحرينية مع عناصر الخلأيا الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في العام الماضي بوضوح، أنها تلقت تمويلاً من إيران، وأن بعض عناصر هذه الخلأيا كان ينسق مع الحرس الثوري الإيراني لتدريبهم في معسكرات يشرف عليها، واشتملت أعمال التدريب على كيفية استخدام الأسلحة النارية وتصنيع المتفجرات والعبوات بجميع أنواعها والتدريب على اقتحام المباني وحرب المدن، وكذلك محأولة اغتيال عدد من المسؤولين والشخصيات العامة واستهداف رجال الأمن، وحرق وتدمير المنشآت النفطية. كما تقدم إيران الدعم إلى العديد من الحركات الســياسية المعـــارضة فــي مــملـكة البحرين، كجمعية الوفاق ذات الولاء الواضح لإيران، إلى جانب ائتلاف 14 فبراير الذي تشكل في أعقاب الأحداث التي شهدتها مملكة البحرين في فبراير 2011. وتزايدت وتيرة التدخل الإيراني في البحرين في أعقاب اعتقال السلطات البحرينية لأمين عام جمعية الوفاق علي سلمان في شهر سبتمبر 2016، الذي حكم عليه بـالسجن 9 سنوات، ووصل إلى درجة مطالبة إيران السلطات البحرينية بسرعة الإفراج عنه، بل حذرت حينها من استمرار اعتقاله على أمن البحرين في لهجة بدت تهديدية وتحريضية على العنف في المملكة. وفي شهر مايو 2017، أكد رئيس الأمن العام في البحرين اللواء طارق الحسن، تورط ما يسمى بالحرس الثوري الإيراني في تجنيد وتمويل وتدريب ما يسمى بحزب الله وسرايا الأشتر و14 فبراير وتيار الوفاء وغيره من التيارات الإرهابية والتنظيمات داخل وخارج البحرين، ودعمها عملياتيا ولوجستياً من خلال توفير الذخائر والمتفجرات عن طريق التهريب عبر الحدود، وإنشاء المعسكرات التدريبية سواء كان في إيران أو العراق، كما تعمل عناصر إيرانية وأخرى مغرر بها على توفير الغطاء الديني ومحأولة إضفاء الشرعية . وفي 13 أغسطس 2015 كشفت الأجهزة الأمنية في الكويت خلية إرهابية كانت تخزن ذخائر ومتفجرات على صلة بتنظيمات إرهابية، وجرى اعتقال ثلاثة من أعضاء الخلية ومصادرة متفجرات وقاذفات صاروخية هجومية. وأشارت أصابع الاتهام إلى ضلوع المخابرات الإيرانية والحرس الثوري خلف هذه الجريمة. 
 
 
 -4 إجراء المناورات والتدريبات واستعراض القوة العسكرية في مياه الخليج العربي بشكل دوري ينطوي على رسائل تهديد واضحة ومقصودة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما يتنافي مع أيّ ادّعاءات حول الرغبة في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، فضلا عن الحرص على تطوير منظومات صاروخية تمثل خطرا داهما على دول مجلس التعاون كون معظم عناصر هذه المنظومات تنتمي إلى الطرازات قصيرة المدى التي تستهدف مدن دول مجلس التعاون بشكل معلن لكل متخصص أو مراقب موضوعي. وفي هذا السياق، فقد أكد قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، الأميرال علي فدوي، في شهر ينأير 2018 أنّ قدرات إيران الصاروخية وطائراتها المسيرة تتجأوز منطقة الخليج وصولا إلى ما بعد بحر عمان. وجاءت تصريحات فدوي بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لتوقيف البحرية الإيرانية زورقين أمريكيين حربيين دخلا المياه الإقليمية الإيرانية، وعلى متنهما 10 من عناصر المارينز. وأكد فدوي أن “قدرات إيران الصاروخية، وبخاصة الأنظمة الصاروخية من نوع بر- بحر والطائرات المسيرة التابعة للقوات البحرية في الحرس الثوري، “تغطي كل رقعة الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان وما بعده”، وذلك في تهديد واضح وصريح لدول مجلس التعاون الخليجي.
 
خامساً: انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي .. وتفاقم مأزق الحرس الثوري
جاء انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني في الثأمن من مايو 2018  ليدشن لمرحلة جديدة في تعامل الولايات المتحدة مع إيران، لا تقتصر فقط على معالجة الثغرات التي تضمنها هذا الاتفاق، وفرض المزيد من القيود والعقوبات عليها للحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي، وإنما تتضمن أيضاً العمل على مواجهة السياسات الإيرانية المقوضة للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتحديداً التصدي للخطر الذي يشكله الحرس الثوري الإيراني، وبخاصة أن خبرة السنوات التي أعقبت توقيع الاتفاق في يوليو من عام 2015 أكدت أن الحرس الثوري حأول من خلال الميليشيات والأذرع الإرهابية المرتبطة به فرض وصاية إيران السياسية على العديد من دول المنطقة وجعلها تدور في فلك مشروعها القائم على التمدد والتوسع والسيطرة، دون أي اعتبار لمبادئ السيادة الوطنية وحسن الجوار التي تؤكدها القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، كما أن مليارات الدولارات التي حصلت عليها إيران بعد رفع العقوبات المفروضة عليها تم توجيهها إلى دعم الميليشيات الإرهابية بدلاً من إنفاقها في الداخل على المشروعات التنموية التي تسهم في تحسين أوضاع الشعب الإيراني. هذا في الوقت الذي واصلت فيه إيران، تحت إشراف الحرس الثوري، تطوير برنامجها للصواريخ الباليستية وتحدي إرادة المجتمع الدولي، بل أن الحرس الثوري وظف هذا البرنامج في استعراض قوة إيران العسكرية، وإيصال رسائل تهديد إلى دول المنطقة بأن إيران قادرة على استهدافها، سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها والميليشيات المرتبطة بها على النحو الذي كشفته الصواريخ الباليستية (الإيرانية الصنع)التي أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية تجاه الأراضي السعودية وذلك في انتهاك صارخ لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تفرض على الدول الامتناع عن تسليح تلك الميليشيات بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
 
 
بل أن أحد أهم أسباب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في الثأمن من مايو 2018 كان بسبب تورط  إيران، وذراعها العسكري المتمثل في الحرس الثوري، في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، حتى أن الرئيس دونالد ترامب كان قد اتهم في شهر مارس 2018 - خلال رسالته للشعب الإيراني للتهنئة بعيد نوروز -بشكل صريح الحرس الثوري الإيراني بأنه “جيش عدائي يسرق الشعب الإيراني لتمويل الإرهاب في الخارج”. وكشف ترامب أن الحرس الثوري الإيراني أنفق اكثر من 16 مليار دولار لدعم الحكومة السورية ولدعم المسلحين والإرهابيين في سوريا والعراق واليمن، وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره العامل الرئيسي وراء حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها العديد من دول المنطقة.
 
 
ولعل هذا يفسر العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة بعد أيام من الانسحاب من الاتفاق النووي على  أشخاص وشركات إيرانية تقول إنهم على علاقة بالحرس الثوري الإيراني، وقاموا بنقل ملأيين الدولارات إليه وساعدوا في تمويل أنشطته الخبيثة في المنطقة. في السياق ذاته جاءت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في شهر مايو 2018 على قادة حزب الله اللبناني من بينهم الأمين العام حسن نصر الله وأعضاء مجلس الشورى في الحزب، بسبب ارتباطه الوثيق بالحرس الثوري، و دوره في إطالة المعاناة في سوريا وتفاقم العنف في العراق واليمن، وتعريض لبنان وشعبه للخطر وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. ولا شك في أن هذه العقوبات إنما هي رسالة واضحة للحرس الثوري الذي يستثمر في دعم هذه الميليشيات الإرهابية، ويقدم لها الدعم، المادي والتسليحي واللوجستي، من أجل أن تكون في خدمة مشروعه التوسعي والتدميري في المنطقة. 
 
 
من الواضح أن الولايات المتحدة ستصعد من ضغوطها على الحرس الثوري  خلال الفترة المقبلة، بعد أن تأكدت أنه يمثل ذراع إيران لنشر الفوضى والطائفية والإرهاب في المنطقة، ولا يستبعد أن تدرجه على لائحتها للإرهاب، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن قانون “كاتسا” الذي أقره مجلس النواب الأمريكى بشبه إجماع فى يونيو2017 يركز في أحد بنوده على التصدى لزعزعة الاستقرار الذى تتسبب فيه إيران، كما أنه يوصي بفرض عقوبات ضد الأشخاص المرتبطة بالقدرة الدفاعية وبرنامج التسلح الإيرانى، ويشمل القانون الأشخاص المرتبطة بالبرنامج الصاروخى والباليستى أو الشخصيات ذات صلة ببرنامج الصواريخ. ولهذا فإنه وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي فسوف تكون إيران على موعد مع عقوبات أكبر بشكل غير مسبوق، خاصة على قطاع التسليح، والقادة والشخصيات البارزة فى الحرس الثورى ممن يعملون على تطوير البرنامج الصاروخى.
 
 
خاتمة
تشير التطورات والمعطيات التي تكشفت خلال السنوات الماضية إلى أن الحرس الثوري كان الذراع الذي اعتمدت عليه إيران في تصدير الثورة إلى الخارج، ومنحته العديد من السلطات والصلاحيات حتى أصبح دولة داخل الدولة، وأهم فاعل مؤثر في سياستها الداخلية والخارجية، بل أنه كان المسئول عن الزج بإيران في صراعات ونزاعات عديدة بالمنطقة على أمل إحياء الإمبراطورية الإيرانية، وقد عبرت تصريحات قادة الحرس الثوري عن هذا المعنى بوضوح، فالقائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء  محمد علي جعفري يرى أن “الإيمان بولأية الفقيه قد تجأوز حدود  إيران، اليوم”. بينما يقول الجنرال حسين همداني إن “النفوذ الإيراني امتد اليوم إلى بغداد وسامراء وحتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط”، وهي تصريحات تعبر عن العقيدة المذهبية والعسكرية التي تحرك الحرس الثوري، وتكشف في الوقت ذاته عن مشروعه التوسعي الذي يستهدف تحقيق هيمنة إيران على المنطقة، من خلال أدوات تخريبية، خلأيا إرهابية وشبكات تجسس وإثارة الطائفية، ولهذا  فإن الحرس الثوري هو رأس الأفعى التي تقف وراء حالة الفوضى وعدم الاستقرار وتصاعد الإرهاب في العديد من دول المنطقة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-06-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1435

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره