مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2014-01-01

الجيل الرابع من الحروب .. أبعاد وانعكـاسات وتهديدات

الجيل الرابع من الحروب، أو Fourth-Generation Warfar 4 GW يتميز بسمات خاصة عن الأجيال الثلاثة السابقة التي شهدتها البشرية، ولعل أهم سماته بل أخطرها هو التماهي أو زوال خطوط الفصل في حروب الجيل الرابع بين ما هو مدني وما هو عسكري، وبين ممارسة العمل السياسي وخوض صراع عسكري؛ بمعنى أن هذا الجيل قد يتم فيه توظيف أدوات العمل السياسي بدلاً من خوض صراعات عسكرية، وقد تلعب فيه السياسة الأدوار ذاتها التي كانت تتم من قبل عبر الحروب والمعارك؛ وقد يقوم فيه المدني بالتالي بدور عسكري.
 
إعداد: التحرير
 
 وقد أطلق اسم حرب الجيل الرابع على الحرب على التنظيمات الإرهابية بحسب المفهوم الأمريكي. وطرفا الحرب في الجيل الرابع من الحروب هما جيش نظامي لدولة ما، مقابل لا دولة أو عدو وخلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم. وفي ظل كثرة الحديث إعلامياً عن حروب الجيل الرابع تسلط مجلة "درع الوطن" الضوء على هذا الموضوع الحيوي من جوانبه كافة من أجل فهم أبعاده وانعكاساته وما ينطوي عليه من تحديات وتهديدات تستوجب تعاطياً استراتيجياً مختلفاً من جانب الدول والجيوش.
 
يقوم الجيل الرابع من الحروب على خلـط الأوراق وبناء مساحات واسعة من الالتباسات المفاهيمية والثقافية، والمؤكد أن حروب الجيل الرابع هي أكبر نقلة نوعية في تاريخ التخطيط العسكري منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، لأن هذا الجيل الجديد من الحروب ينهي نسبياً أو واقعياً احتكار الدولة القومية لشن الحروب، حيث باتت التنظيمات والميلشيات والجماعات تشن حروباً ضد دول، ولم تعد الحرب تندلع بين جيوش فقط. وكان المقصود من هذه الحروب الحالة التي تفقد فيها الدولة احتكارها للعنف وقوى الصراع، والعودة إلى نماذج صراع كانت سائدة قبل الدولة المعاصرة. 
 
البدايات
تشير الأدبيات السياسية والعسكرية إلى أن مصطلح الجيل الرابع من الحروب ظهر للمرة الأولى في دائرة النقاشات داخل الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980، ثم تكرس تدريجياً بعد سنوات عبر مقالة نشرها بعض ضباط الجيش الأمريكي بعنوان: "الوجه المتغير للحرب: إلى الجيل الرابع"، وبدا الأمر في ذلك الوقت وكأنه تفكير خارج السرب أو أقرب إلى التصورات منه إلى الحقائق. حيث كان يشير إلى كسر احتكار الجيوش للحروب والعودة إلى ما قبل الحروب الحديثة من حيث نظريات القتال وأوضاع الصراع. وترتبط نظرية حروب الجيل الرابع أساساً بالفكر السياسي الذي ساد العالم منذ نهاية الثمانينيات وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتوغل العولمة وسيطرتها على مجالات الحياة كافة، ومن ثم شيوع فكرة "النمذجة" أو "القولبة" في مختلف مجالات الحياة العالمية، والمجال الثقافي في القلب من ذلك على وجه التحديد. ثم جاء انتشار الإرهاب والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق ليؤكد طبيعة حروب الجيل الرابع واختلافها عن أجواء الصراع السابقة برغم وجود أوجه تشابه عديدة بين طبيعة الصراع في العراق، وظروف أخرى مثل الحرب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والحرب السوفيتية في أفغانستان في مرحلة الثمانينيات وغير ذلك.
 
وفي عام 2006 صدر كتاب "الحبال والصخرة" للكولونيل المتقاعد توماس هامز، وهو الكتاب الذي تكلم عن (حروب الجيل الرابع)، وأوضح أن التمردات والاحتجاجات الشعبية قادرة على هزيمة الدولة من الداخل، حيث يمكنها ضرب الشبكة السياسية الاقتصادية الاجتماعية العسكرية للدولة، ومهاجمة عقول صانعي القرار وهزيمة إرادتهم السياسية، مع تأكيده أن حركات التمرد من الصعب هزيمتها سياسياً.
 
فكرة حروب الجيل الرابع
وفي نهايات القرن الماضي تم تأسيس حركة "أوتبور" الصربية لتكون طرفاً في الصراع في يوغسلافيا السابقة، واستخدمت هذه المجموعة اللاعنف كأسلوب ومنهج حرب، وتبين في عام 2000 من خلال تحقيق صحفي نشرته مجلة نيويورك تايمز أن هذه الحركة قد تم تمويلها بما يتجاوز خمسة ملايين دولار من خلال ثلاث مؤسسات أميركية مانحة، وهي المعهد الوطني الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية(USAID). وكانت هذه الحركة هي النموذج الذي استخدم في بعض الدول العربية وتم استنساخه بشكل دقيق مع إضافة التكنولوجيا الحديثة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وغير ذلك لإيجاد مجموعات شبابية واسعة تتواصل عبر الإنترنت وقادرة على الحشد والتجمهر بعيداً عن رقابة السلطات الرسمية.
 
الرابط هنا بين حروب الجيل الرابع وفكرة العولمة ومرحلة الأحادية القطبية وما تكشف خلالها من جدل حول صراع الحضارات ونهاية التاريخ وما إلى ذلك من جدليات بحثية، يرتبط في جوهره بأحد جوانب النقاشات الجوهرية التي لم تحسم بعد، وهي علاقة النظام العالمي الجديد الذي برز بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بمفهوم سيادة الدولة القومية، والذي كانت أحد تجلياته ومعالمه حصرية شن الحروب والصراعات بيد الجيوش والدول فقط. ومع تزايد الحديث عن انحسار سيادة الدولة في المجال الاقتصادي بفعل العولمة التجارية والاقتصادية وممارسات التبادل التجاري في مرحلة ما بعد منظمة التجارة العالمية، ظهر الحديث عن انحسار موازٍ لدور الدولة والجيوش في الحروب وظهرت مفاهيم مثل الحرب اللامتماثلة، وحروب الجيل الرابع، وتوج ذلك كله بصعود الإرهاب العالمي في الحادي عشر من سبتمبر 2001 كتحدٍ خطيرٍ ناجم عن "تنظيم" هاجَم القوة العظمى الوحيدة في العالم في عقر دارها.
 
الفكرة في حروب الجيل الرابع إذاً تتمثل في أن الفاعل الرئيسي في هذه الحروب ليس الدولة، بل التنظيمات والجماعات والأفراد، وهو ما يمثل الوجه العسكري للنظام العالمي الجديد في مظهره السياسي القائم على الفرد وما يعرف بالفرد المعولم بدلاً من الدولة القومية، وهي فكرة فلسفية كان من الصعب فهمها من قبل كثيرين في بدايات ظهورها، ولكنها وجدت طريقها إلى ميادين الحياة الواقعية، وبات العنصر الفردي يحرك الكثير من الأحداث فعلياً في مناطق شتى من العالم عبر توظيف منظمات المجتمع المدني والضغوط الدولية والجمعيات الأهلية ومؤسسات النظام العالمي الجديد، التي ربطت نفسها بقوة بمجالات إنسانية مثل حقوق الإنسان والحريات العامة وغير ذلك من مفاهيم وفرت بدورها مساحات شاسعة للأفراد كي يمثلوا عنصراً فاعلاً جديداً في حياة الدول وتحديد مصير العالم خلال القرن الحادي والعشرين.
 
ولاشك أن حروب المعلومات هي أحد أبرز أنماط حروب الجيل الرابع بما تمثله من خطر داهم على اقتصادات الدول والبنى التحتية والأمن القومي بمفهومها الشامل، بل إن حروب الجيل الرابع هي أحد التجليات أو النتائج المترتبة على ثورة المعلومات، حيث تزامن ظهورها مع تحول جذري عالمي من المجتمع الصناعي إلى المجتمع القائم على المعلومات. ولاشك في أن تحولات مجتمعية بهذا الحجم لم تكن لتمر دون إحداث تغيير جوهري في استراتيجيات الحروب، ومن ثم كان بديهياً أن يظهر جيل جديد من الحروب.
 
سمات حروب الجيل الرابع:
تتسم حروب الجيل الرابع بسمات عدة منها:
ـ محورية الأفكار والأيديولوجيات: حيث تمثل الأفكار محوراً مهماً في شن حروب الجيل الرابع وتحديد معايير الهزيمة والنصر فيها. فالثقافة هي الهدف وهي محور التخطيط لهذه الحروب، التي تتمركز تخطيطياً حول الهجوم على ثقافة العدو، وتدميرها أو إعادة تشكيلها وصياغتها أو توجيهها وتدمير منظومة القيم الثقافية والروحية لدى العدو بحيث تنهار الروح المعنوية والقيم النفسية الداعمة للمجتمع، وبالتالي يسهل اختراقه أو دفعه إلى الانهيار المادي أو المعنوي، واقعياً أو افتراضياً.
ـ الطبيعة المعقدة للحرب: ليس من السهل إدراك طبيعة حروب الجيل الرابع، فعلى سبيل المثال هي حروب غير تقليدية؛ أي ليس لها بدايات واضحة وتوقيتات زمنية محددة، وبالتالي تتداخل فيها المراحل، ويصعب فيها بناء جدر وقائية أو اتخاذ مواقف دفاعية حصينة على المستوى الأيديولوجي والفكري الذي هو ساحة رئيسية لهذه الحروب. وبحكم هذا التعقيد فإن هذه النوعية من الحروب ذات طبيعة زمنية ممتدة، ويصعب تحديد أجندة زمنية لشنها وإنهائها حيث تتوقف حسابات النصر والهزيمة فيها على بيئة الصراع ومقدرة العنصر البشري على حسم حرب الأفكار لمصلحته.
 
ـ الاعتماد الكبير على المؤثرات النفسية والمعنوية والإعلامية: تلعب هذه المؤثرات الدور الأهم في مسارات الصراع في حروب الجيل الرابع، فبحكم اعتماد هذه الحروب على الأفكار فإن البوابة التلقائية والساحة العملية للمناورات والاشتباكات والتفاعلات تتمركز حول المؤثرات النفسية والمعنوية والإعلامية.
 
ـ محورية العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية: على الرغم من أن الثقافة هي جوهر الصراع في حروب الجيل الرابع، فإن نجاح هذه الحروب يتطلب بشكل مواز توافر قدر فاعل من التحركات والضغوط والمؤثرات على الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية كي تساعد في تفعيل خطط التدمير الثقافية التي تستهدف قيم المجتمعات والدول والشعوب.
 
ـ بروز أنماط متطورة من التفاعلات: برغم أن هناك العديد من الخطط والأنماط التي شهدها العــالم منذ عقود مضت للإضراب أو الاعتصام أو العصيان أو غير ذلك من مظاهر التحرك الداخلي ضد الدول، فإن مثل هذه الأنماط لم تعمل وفق حراك عشوائي قائم على الاجتهادات الفردية، بل باتت تدرس ويتم التدريب عليها في منظمات دولية ودول كبرى ترعى أفراداً وجماعات محلية منتشرة في دول شتى من العالم لاستخدام هؤلاء الأفراد والجماعات وتوظيف قدراتهم ونشاطهم في إحداث التغيير الداخلي في أي دولة مستهدفة. وهذا المجال تحديد يجسد فكرة التخطيط البعيد الأمد في مثل هذه الحروب، حيث تظهر خطورة بعض الممارسات الفردية بعد سنوات عدة عندما تلتئم وتصطف ضمن منظومات عمل جماعية محكمة تشكل بؤرة انطلاق لاستهداف استقرار الدول والمجتمعات وإشعال الفتن والمؤامرات.
 
التاريخ العسكري عبر العصور
التاريخ العسكري هو مزيج من الأحداث التاريخية، التي تندرج غالباً تحت مسمى الصراع. هذه الأحداث يمكن أن تمتد في حقيقة الأمر من صراع قبلي محدود إلى حرب عالمية، فالنشاط العسكري البشري مستمر منذ آلاف السنين ولكن من غير المتفق عليه متى بدأ تحديداً.
 
ويقسم بعض الباحثين التاريخ العسكري للبشرية زمنياً إلى فترات عدة تبدأ بحقبة حروب ما قبل التاريخ حيث نشبت صراعات عسكرية بسيطة في مجتمعات الصيادين، حيث لم يكن هناك أدوار اجتماعية ولا تقسيم وظيفي، لذا كان كل شخص قادراً على المساهمة في الغارات أو الدفاع، ثم جلبت الزراعة العديد من التغيرات بين فئة المزارعين والصيادين. ومن المحتمل تاريخياً في فترات المجاعة أن الصيادين كانوا يشنون غارات واسعة على المزارعين في القرى الأخرى، ما دفع إلى التأريخ لبداية الحروب العسكرية المنظمة. وفي المجتمعات الزراعية المتقدمة تطور هذا الاختلاف فولدت فكرة الجنود المتخصصين والوحدات والتشكيلات القتالية. ثم تأتي بعد ذلك حقبة الحروب في التاريخ القديم حيث الدليل الأثري الأول على معركة في العصور القديمة يعود إلى حوالي 7 آلاف سنة، وتحديداً في مصر الفرعونية حيث اكتشف المتخصصون عدداً كبيراً من الهياكل العظمية التي تشير إلى كونهم ضحايا معركة ما. وكثير مما يعرف بتاريخ العصور القديمة ما هو إلا تاريخ عسكري من غزوات وحروب، وبالطبع ثمة أسباب عديدة لذلك، منها أن الممالك والإمبراطوريات في سعيها إلى السيطرة على قلب العالم القديم لم تكن لتتم إلا بالقوة العسكرية بسبب محدودية مناطق الزراعة ووجود مناطق قليلة صالحة لها بإمكانها أن تعيل مجتمعات كبيرة؛ لذا كانت الحروب أمراً مألوفاً في تلك الفترات الزمنية. ولذا فإن الكثير من الآثار المكتشفة ليست سوى أسلحة بسيطة كانت تصنع بكميات ضخمة، والكتابة أيضاً إن وجدت فإنها غالباً ما تكون لتاريخ انتصارات الملوك وفتوحاتهم. ومع استخدام أسرجة الخيل في العصور المظلمة تغيرت العسكرية إلى الأبد، هذا الاختراع تواكب مع تطورات علمية ثقافية واجتماعية، ما أدى إلى تغير طبيعة الحروب القديمة والتكتيكات العسكرية، بروز دور الفرسان والمدافع في حقبة عصور الحروب الوسطى. مثل هذا النموذج برز في الصين في القرن الخامس حين تحركت جحافل المشاة والخيالة الصينية للقضاء على البدو، وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أيضاً استخدموا أسلحة وتقنية أعلى بكثير منها في أوروبا في ذلك الوقت، وأيضا في إفريقيا. وجاءت بعد ذلك حروب عصر البارود الذي تطور لأول مرة في عهد سلالة صونج في الصين، ثم انتشرت هذه التقنية لاحقاً لتصل إلى السلطنة العثمانية، ومن هناك وصلت إلى بلاد فارس والإمبراطورية المغولية في الهند، ثم تبنتها لاحقاً الجيوش الأوروبية خلال الحروب الإيطالية في أوائل القرن السادس عشر. هذا كله وضع حد لهيمنة الفرسان المدرعة، وتزامن هذا مع انحدار نظام الإقطاع وتحول مدن العصور الوسطى إلى دول، ما أدى إلى خلق الجيوش النظامية المحترفة التي حلت محل جباة الضرائب الإقطاعيين والمرتزقة التي كانت تشكل جيوش العصور الوسطى. وتعرف الفترة بين عام 1648 حتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789 بفترة حروب الأمراء، حيث كانت المعارك تشن بشكل أساسي من قبل الدول الملكية والقوى الاستعمارية، وكانت حروباً محدودة المدى والأهداف، تشهد تغيرات في التحالفات، وشكل المرتزقة السواد الأعظم فيها. وبعد انتشار الأسلحة، ولاسيما الأسلحة الصغيرة، بدأت الدول في التخلي عن اعتمادها الكامل على الجنود المحترفين وإفساح المجال للمجندين إجبارياً. التطور التكنولوجي أصبح عنصراً أساسياً وسمة بارزة للحروب، وأصبح امتلاك التكنولوجيا المتطورة عنصراً حاسماً في تحقيق النصر، واستخدم عنصر التجنيد الإجباري في هذا العصر لزيادة الطاقة البشرية المتاحة للقتال،كما استخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع بواسطة نابليون بونابرت.
 
بعد ذلك تطورت الحرب في التاريخ الحديث وانتقلت من نشاط تقليدي إلى مشروع علمي وصناعي ضخم، حيث أصبح النجاح يتوقف كثيراً على الأسلوب المتبع لتحقيقه، فمفهوم الحرب الشاملة هو آخر مطاف هذه النزعة، وأصبحت الجيوش تطور التقنيات العلمية أكثر من أي وقت مضى، وباتت الصناعات الدفاعية مجمعات اقتصادية ضخمة تعتمد عليها اقتصادات الدول الكبرى بشكل هائل، وما يميز التنظيمات العسكرية الحديثة عن سابقتها،ليس الإرادة من أجل الفوز بأي ثمن ولكن التنوع التكنولوجي في استخدام الأدوات المتاحة للفوز، من غواصات وأقمار صناعية وسكاكين وأسلحة نووية.
 
التطور التاريخي للحروب
الجيل الأول من الحروب
 هناك جدل بحثي حول بدايات الجيل الأول من الحروب، فهناك من يرى أنه بدأ مع بداية صراعات البشر، واستمر لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، حيث كانت الحروب قائمة على حشد الجنود والقوات في مواجهة بعضهم بعضاً في الإمبراطوريات والدول القديمة، وهناك من يرى أن الجيل الأول من الحروب بمعناه الاصطلاحي ظهر عقب معاهدة وستفاليا عام 1648، التي أنهت نحو ثلاثين عاماً من الحروب في القارة الأوروبية، وأنتجت الدولة القومية بمفهومها الحديث المتعارف عليه حالياً في العلوم السياسية، وارتبط بظهور هذه الدولة مفهوم السيادة الوطنية، الذي أفرز بدروه مرحلة الجيوش بشكلها الحديث للدفاع عن حدود السيادة الوطنية ومقومات الدولة بمفهومها المتعارف عليه حتى الوقت الراهن، كما كانت الحاجة إلى الجيوش المنظمة مرتبطة أيضاً بوجود الدولة من زاوية الاتفاقات الدفاعية ومعاهدات التعاون العسكرية وغير ذلك من الإجراءات العسكرية التنظيمية التي تتطلبها العلاقات الدولية التي نشأت عقب معاهدة وستفاليا، التي بلورت أول شكل تنظيمي واضح المعالم للنظام الدولي في أوروبا. وعلى المستوى العملياتي انتقلت الحروب في الجيل الأول من الأدوات التقليدية نسبياً إلى أدوات قتال أكثر تقدماً وقتذاك، كما عرفت الجيوش التنظيمات حيث انتقلت الحروب من دائرة صراع بين قبائل ومناطق سيادة ومدن إلى صراعات بين دول ذات سيادة. وقد تجلى هذا الجيل من الحروب بشكل واضح وبلغ ذروته خلال الحروب النابليونية من حيث الاعتماد على العنصر البشري. ونستطيع القول إن الجيل الأول من الحروب عقب معاهدة وستفاليا تحديداً قد أسهم في غرس ثقافة عسكرية نظامية لا تزال هي قوام الجيوش حتى الآن، بغض النظر عن الأجيال التي توالت من هذه الحروب، حيث بقيت هذه الثقافة هي عماد الجيوش الحديثة، ولكن المفارقة أن الثقافة النظامية تحولت في حروب الجيل الرابع إلى نقطة ضعف استراتيجية خطيرة في الجيوش الحديثة، حيث بات يتعين على هذه الجيوش التي لا تتحرك سوى من خلال أنساق خططية معينة خوض حروب عصابات مع عصابات وتنظيمات عشوائية لا رابط بين عناصرها،ما حدّ كثيراً من فاعلية الجيوش النظامية في الحروب اللامتماثلة وفي مواجهة التهديدات غير التقليدية، الأمر الذي دفع المخططين العسكريين منذ حربي العراق وأفغانستان إلى تدريب القوات على خوض حروب المدن ومواجهة التمرد وحروب العصابات واللجوء إلى التشكيلات الصغيرة وتفكيك بنية التنظيم العسكرية المحكم لمواجهة هذا الخطر الجديد.
 
 الجيل الثاني من الحروب
 انتقلت في هذا الجيل الحروب إلى مرحلة اكثر تقدماً على مستوى التخطيط العملياتي والأدوات الحربية، والتحركات القتالية، وبدأ التطور في العتاد يتمثل في المدافع البدائية التي يتم فيها قتل جيش العدو وتدميره عن بعد،وقبل حدوث أي اشتباكات مباشرة بين جنود الجيشين. وظهرت إرهاصات هذا الجيل خلال الحرب العالمية الأولى، برغم استمرارية الاعتماد على التشكيلات المنضبطة والعنصر البشري، وهذه كانت من أهم سمات الجيل الأول من الحروب. واعتمد هذا الجيل من الحروب بسرعة شديدة من جانب القوى الكبرى القائمة وقتذاك، حيث برز دور القوة المدفعية النيرانية كعامل حسم في الحروب، ولكن هذا الجيل ما لبث أن تراجع بسرعة في الحرب العالمية الأولى ولم يستمر طويلاً. ويعد هذا الجيل أقل أجيال الحروب بقاء، حيث تتفق معظم الأدبيات على أنه لم يدم طويلاً وظهر مع بدايات القرن التاسع عشر وانتهى خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، وهناك أدبيات غربية تشير إلى أن حروب الجيل الثاني صممت من جانب الجيش الفرنسي في أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، وقامت فكرتها على المثل الفرنسي "المدفعية تنتصر، المشاة تتقدم"،  وهو تكتيك قائم أساساً على قوة النيران/ الاستنزاف، وقد حافظت حروب الجيل الثاني على ثقافة الجيل الأول من حيث الثقافة النظامية للجيوش، كما حافظت على صناعة القرار الميداني العسكري بشكل هرمي مركزي وطبقاً لأوامر ودقيقة ومفصلة، وقد قدِّر للفرنسيين فضل تعليم الجيش الأمريكي ومشاة البحرية فنون الحرب من الجيل الثاني خلال الحرب العالمية الأولى، ومازالت تمارسه اليوم، مع استثناءات وفقاً للمهارات الفردية للقادة.
 
 الجيل الثالث من الحروب
 شهدت الحرب العالمية الأولى بداية التطور نحو حروب الجيل الثالث، حيث أصبح فيها الاعتماد على التكنولوجيا والطائرات والدبابات والتجسس والمناورة العالية والسرعة الفائقة والهجوم من الخلف بدلاً من المواجهة المباشرة،والاستفادة من المعلومات التي توفرها الأقمار الاصطناعية، واعتمد هذا الجيل تغييراً واضحاً في التخطيط العملياتي، حيث عرفت الجيوش تغييرات في تكتيكات القتال والتحركات الخططية، واعتمدت على نقل المعارك إلى أرض العدو عبر التسلل والاختراق في العمق، والدفاع عبر الهجوم والدفاع في العمق مثل تلك التكتيكات التي استخدمتها القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى ضد فرنسا وبريطانيا، من أجل مواجهة الاعتماد على الخنادق وغير ذلك، والفكرة الأساسية هي الاعتماد على السرعة والمبادأة وامتلاك زمام المبادرة عملياتياً. كما تعد الحرب العالمية الثانية نموذجاً لحروب الجيل الثالث، حيث الاعتماد الواضح على شن الحروب الخاطفة وعمليات التسلل خلف خطوط العدو وغير ذلك من تكتيكات قتالية ميزت هذا الجيل. ولا تزال الكثير من تكتيكات الجيل الثالث للحروب ركيزة أساسية في أداء جيوش القوة العظمى الوحيدة في العالم الآن، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وبطبيعة الحال بقية جيوش العالم في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. 
 
واستغرق هذا الجيل من الحروب على وجه التقريب نحو سبعة عقود تقريباً، أي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى ظهور الجيل الرابع خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وقد عرف الجيل الثالث من الحروب باسم حروب المناورات، وتم تطويره من قبل الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى كما ذكرنا، وبحلول عام 1918، كانت الحرب الخاطفة كاملة من الناحية المفاهيمية، وغرس هذا الجيل من الحروب مفاهيم جديدة مثل الانضباط الذاتي بدلاً من الانضباط المفروض، وهذا الأمر مستوحى من الجيش الألماني تحديداً، واستهداف العدو بتكتيكات أكثر ذكاء مثل الاستدراج والأفخاخ والعوامل النفسية وغير ذلك، وقد وضعت الأسس الفكرية العامة لتكتيكات الحرب الخاطفة في بريطانيا خلال العشرينيات من القرن الماضي بواسطة الكاتبين العسكريين المشهورين: (ليدل هارت)، والجنرال (فولر)، وكان يُطلق على هذه الحرب في ذلك الحين: (السيل المتدفق)، وسماها الألمان عام 1929م الحرب الصاعقة (بليتز كريج)، وقد طبّقت أساليب الحرب الخاطفة من قِبل الألمان في الحرب العالمية الثانية على يد الجنرال الألماني (جودريان) الذي يُطلق عليه (أبو المدرعات) والجنرال (رومل) في أثناء معارك (1941 -1943م)، في الصحراء الليبية والمصرية، وقد استوحى العدو الإسرائيلي فيما بعد هذه الأساليب واعتبرها عنصراً رئيساً في نظريته القتالية القائمة على الضربة الإجهاضية المضادة المباغتة، ونقل الحرب بسرعة إلى أرض الخصم، ويعتمد نجاح الحرب الخاطفة على عنصر المفاجأة، وبطء حركة ورد فعل الخصم، وعدم إدراكه أو استيعابه لأساليب حرب الحركة، وضعف سيطرته الجوية. ويعرف الجيل الثالث من الحروب أيضاً بمصطلح "الحرب الباردة" وهي حرب غير معلنة، بين طرفي الصراع تقوم على استخدام جزئي متقطع للقوة العسكرية والاعتماد الأكبر على القوة الناعمة مستخدمة في ذلك أسلحة الإعلام وأعمال أجهزة الاستخبارات لخلق نوع من الأزمات والتوتر السياسي لدى العدو ويدفع هذا النوع من الحروب طرفي الصراع إلى التسابق في مجال تطوير السلاح والتقدم الصناعي والتطور التكنولوجي،ويستمر هذا النوع من الحروب لمدد طويلة نسبياً بالقياس إلى النوع الأول المعروف بالحرب التقليدية. وأشهر الحروب من هذا النوع هي الحرب الباردة بين ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، والتي بدأت في حقبة الأربعينيات من القرن العشرين وانتهت مع سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن العشرين.
 
حروب الجيل الرابع
 ظلت الحروب تدار بتكتيكات متعارف عليها خلال عقود القرن العشرين، إلى أن حدثت عدة حوادث تنبه لها "أندرو مارك" في مقالة شهيرة في عام 1975 حول أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية. وكان يتحدث بشكل مباشر عن سبب هزيمة الولايات المتحدة في حربها في فيتنام، وضرب أمثلة متعددة من تاريخ صراعات كبرى تنتهي بانتصار الأضعف مادياً وتسليحياً. وترك سؤالاً للاستراتيجيين وهو كيف تنجح الولايات المتحدة في علاج هذه المعضلة؛ لأنها دائماً ما ستكون الأقوى عسكرياً واقتصادياً وقد تنتهي بها الأمور إلى الهزيمة؟ هناك عوامل متعددة ذكرها "أندرو مارك" وكانت الأساس لما اصطلح على تسميته "الحروب غير النمطية"، التي لا يكون الحسم فيها لمن يملك قوة نيرانية أكبر. وإنما يكون الحسم فيها لمن هو على استعداد لمزيد من المعاناة أو تحمل تكاليف أعلى، وعادة ما يكون الأضعف أكثر استعداداً لتحمل الخسائر في الأرواح من الأقوى الذي عادة ما يكون أكثر انفتاحاً وديمقراطية بما يجعل خسائره البشرية والمادية أداة ضغط عليه في الداخل. كما أن الأضعف عادة ما تكون له ارتباطات قوية بجهات أجنبية تكون صاحبة مصلحة في استمرار الصراع، كما أن العقيدة القتالية في كثير من المعارك تكون محدداً مهماً لثبات الأضعف، كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية؟ ما الفائدة إن كان السلاح الذي تملكه هو قنبلة ذرية وأسرتك مخطوفة في كهف في جبل؟ وكانت الإجابة هي أن نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، في حين أنني لو استثمرت واحداً بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات المضرة لتمزقه كل ممزق؟ ومن هنا انطلقت الفكرة وبدأت وانتشرت. بشكل عام ترتبط حروب الجيل الرابع تاريخياً من حيث البداية بالعقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولكن جذورها تعود إلى فترة الحرب الباردة، حيث استخدمت القوتان العظمتان في ذلك الوقت (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق) الكثير من تكتيكات الجيل الرابع خلال فترة الحرب الباردة، سواء لإحكام القبضة على الدول والمناطق الجغرافية التي تمتلك هذه القوة العظمى أو تلك نفوذاً بها، أول مواجهة نفوذ القوة المنافسة. وهذه التكتيكات هي في أغلبها ترتبط بحروب الدعاية والحروب السرية عبر أفراد وجماعات مدربة لإحداث القلاقل والاضطرابات، والقيام بالعمليات الإرهابية والتفجيرات، ودعم أنشطة التسلل والغزو الثقافي ونشر الشائعات وغير ذلك من أنشطة تعبوية قائمة على تدمير الروح المعنوية والتأثير نفسياً في العدو. ثم تطورت هذه الممارسات وأصبحت تشكل نظريات لجيل جديد من الحروب التي تدور بين دول وبعضها بعضاً، أو دول وجماعات والعكس، وتعتمد على كسر إرادة الطرف الآخر وتحطيم معنوياته وإفشال مؤسسات الدول وإحداث قدر هائل من الفوضى والارتباك والذعر الداخلي بحيث يسمح ذلك بتدخلات خارجية لتحقيق مخططات معينة وتنفيذها، أو استمرار هذه الفوضى الداخلية لشغل الدول عن الخارج ودفعها إلى الانكفاء على الذات والانشغال داخلياً بما يخدم أهداف قوى إقليمية أو دولية، ويستند الجيل الرابع من الحروب إلى تشتيت الانتباه والاتصالات التي تعمل على إزالة جبهة القتال تماماً، والاكتفاء بالهجوم الثقافي اعتماداً على مقاتلين جدد على هذه الجبهة المستحدثة عبر وسائل الإعلام مع شن أعمال عنف مبرمجة بدقة لشل الإرادة والإرباك ثم انهيار العدو السياسي، بدلاً من السعي إلى عمليات قتالية حاسمة، وقد تناول البروفيسور الأمريكي ماكس مانوارينج، الباحث في الاستراتيجيات العسكرية والذي سبق وعمل في المخابرات العسكرية الأمريكية حروب الجيل الرابع عام 1989، وبحسب مانوارينج فإن زمن الحروب التقليدية التي تعتمد على الجيوش انتهى، والآن هو زمن الجيل الرابع من الحروب الذي يهدف إلى إرباك الدول من الداخل وإحداث اضطرابات متواصلة بها لدرجة تدفعها دفعاً إلى مرحلة الدولة الفاشلة التي يسهل السيطرة عليها من أي جهة داخلية تخدم مصالح الجهة المحركة خارجياً وتحقق أهدافها، وهو الاحتمال الأقرب للتصور والقابل للتنفيذ، أو تتم السيطرة عبر الأطراف الخارجية بشكل مباشر، وهو الاحتمال الأضعف في ظل بيئة النظام العالمي السائدة حالياً. وأحد أهداف حروب الجيل الرابع في السنوات الأخيرة يتمثل في نزع الشرعية عن أنظمة الحكم من خلال تحريك جماعات وتنظيمات داخلية مدربة ضد النظام، انطلاقاً من أن حدوث مواجهات بين قوات النظام ومؤسساته الأمنية وعناصر هذه الجماعات واستدراج هذه العناصر لارتكاب خروقات أمنية وتجاوزات تتنافى مع المواثيق والأعراف الدولية الخاصة بالحريات العامة وحقوق الإنسان وغير ذلك، وتوثيق ذلك كله، ونشره على نطاق واسع من خلال وسائل إعلام متعاونة لهذا الغرض، ثم تلي ذلك مرحلة الضغوط الدولية عبر الدول الكبرى والمؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني للضغط على الأنظمة والحكومات باستخدام المواد المنشورة التي وظفت لتهييج الرأي العام إقليمياً ودولياً، والعمل بكل الطرق من أجل ذلك ولو من خلال قلب الحقائق وتزييف الحقائق وفبركة الصور باستخدام تقنيات حديثة، وتوظيف الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي في تناقل هذه الصور والأفلام المصورة من أجل جلب نوع من التحقير والإدانة الشعبية الدولية لأي نظام تمهيداً لإضعاف موقفه وإخضاعه سياسياً لأهداف خارجية يتم تنفيذها بأيد داخلية، أو إسقاطه نهائياً وتغيير أنظمة الحكم من دون تدخل عسكري وتصوير الأمر برمته باعتباره حراكاً داخلياً في الدول لا علاقة للقوى الكبرى به، أو استنزاف دول ما من خلال إجبارها على توجيه مواردها كافة لمواجهة الاضطرابات الداخلية المفتعلة والانشغال بذلك عن التنمية والاستجابة لمتطلبات التفاعل الدولي. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة على حروب الجيل الرابع مثل الحرب ضد الإرهاب والصراعات داخل الدول الفاشلة والحروب الأهلية، والنزاعات العرقية وتعاني منها غالباً المناطق والدول التي لا تزال تعاني الفشل في الاستجابة للتحديات الداخلية التي تواجهها، والأنظمة الفاسدة التي تجمدت وتوقفت عن اللحاق بركب التنمية والتطور بشكل يسمح بنفاذ التدخلات الخارجية إليها. وتمتلك حروب الجيل الرابع العديد من القواسم المشتركة مع ما سبقها من أجيال باعتبار أن المسألة في مجملها تنطوي على تطور تاريخي وتداخل لا يمكن الفكاك منه، فهي تنطوي أيضاً على أنماط قائمة على التمرد وحروب العصابات والحروب المحدودة. بل شهدت حروب الجيل الرابع أنماطاً جديدة من القتال، حيث بات من الوارد ظهور تنظيمات قتالية تخوض حروباً كاملة ضد دول خارجية، مثلما حدث بين حزب الله وإسرائيل، وهي حروب تمتلك سمات مميزة مثل امتلاك هذه التنظيمات خصائص مثل غياب الهيراركية العسكرية والافتقار إلى هيكل رسمي بما يوفر قدراً هائلاً من المرونة العملياتية والمناورة القتالية لهذه التنظيمات في مواجهة جيوش قائمة على التنظيم وهرمية اتخاذ القرار؛ كما تمتلك هذه التنظيمات تشكيلات قتالية صغيرة ومدربة قادرة على إنهاك العدو والمناورة والاختباء وتحجيم خسائرها واستنزاف العدو مادياً ومعنوياً، فضلاً عن سرعة التحرك والمراوغة وإمكانية استهداف عمق العدو بضرب البنى التحتية من خلال عناصر نشطة متحركة أو خلايا نائمة موالية أو غير ذلك، بحيث يمكن لهذه التنظيمات البسيطة خوض حروب شرسة على المستويات الإعلامية والعسكرية والاقتصادية والشعبية ضد دول، وربما كسبها ولو إعلامياً في ضوء تباين معايير وقواعد الربح والخسارة واختلاف هذه القواعد بين طرفي الصراع. 
 
ولا تتوقف أدوات الجيل الرابع من الحروب على الجانب العسكري بطبيعة الحال، بل هي كما ذكرنا آنفاً ترتكز في الأساس على خوض الصراع بمفهومه الشامل في عمق العدو، وبالتالي فمن الممكن أن تستخدم هذه الحروب وسائل غير عسكرية تماماً، مثل الاعتصامات والإضرابات والعصيان المدني لشل مؤسسات الدول وبنيتها التحتية، وهي وسائل قديمة استخدمت ضد الدول الاستعمارية في قرون سابقة، حيث استخدم البعض منها الزعيم الهندي التاريخي غاندي ضد الاحتلال البريطاني لبلاده، كما استخدمها مارتن لوثر كينج وغيرهم، ولكن الأمر بات أكثر احترافية وتعقيداً. وهناك مؤسسات غربية متخصصة في تدريب الشباب من دول مختلفة على مثل هذه الوسائل المدنية في الاحتجاج والتظاهر، وربما قلب أنظمة الحكم في مراحل معينة عن طريق هذه الوسائل الاحتجاجية، القائمة على استهداف الخصم على المستويات الأخلاقية والفكرية والأيديولوجية بدلاً من المستوى المادي، بحيث تظهر الدولة في مظهر الظالم، ومن ثم تفقد أي غطاء شرعي داخلي أو خارجي، بما يصعب معه استمرار النظام في الحكم في ظل صورته المشوهة التي تستوجب بالتبعية عزلة دولية وانحسار لمستويات التعاون مع المؤسسات الدولية في شتى المجالات، كما تجلب أيضاً الانتقادات عبر التقارير الدولية المتخصصة وإحجام الشركاتا لعابرة للقارات والمستثمرين عن التعاون مع هذا النظام. والمؤكد أن العالم لم يبلغ بعد ذروة الجيل الرابع من الحروب أو بمعنى آخر: من السابق لأوانه القول إن العالم على وشك الدخول في جيل خامس من الحروب، علما بأن التطور التاريخي، كما ذكرنا آنفاً، يعني استمرارية الحروب في التطور وفقاً لعوامل ومتغيرات عديدة، فالجيل الرابع، كسابقيه، سيتطور ويستمر في ذلك بالتواصل مع الجيل الثالث والارتباط بالجيل الخامس من الحروب.
 
مفهوم حروب الجيل الرابع
حتى نقترب أكثر من مفهوم حروب الجيل الرابع نتطرق إلى تعريف أحد أبرز منظريها حين قال" سوف يكون واضحاً تلاشي الفرق بين نقطتي الحرب والسلام، وسوف تكون الحدود غير واضحة، وربما إلى حد عدم وجود ساحات القتال أو جبهات، بل إن التمييز بين "المدني"و"العسكري" قد يختفي تماماً" ما يعني في مجمله أننا بصدد حرب غير تقليدية ساحاتها الحقيقية بعيدة عن ميادين القتال التقليدية، بل هي في العمق المجتمعي بحيث يتمحور الصراع حول الثقافة والقيم والروح المعنوية والاقتصاد والبشر والأخلاق والتماسك الاجتماعي.
 
وعلى خلاف نسبي مما سبق عرف الكاتب الأمريكي ويليام ليند الأجيال الأربعة من الحروب على النحو الآتي:
- حرب الجيل الأول: هي الحرب التقليدية بين دولتين لجيشين نظاميين وآخرين كالخبير العسكري. ويعرفها الكاتب الأمريكي ويليام ليند أنها حروب الحقبة من ١٦٤٨ ولغاية ١٨٦٠ حيث عرفت بالحروب التقليدية بين جيوش نظامية وأرض معارك محددة بين جيشين يمثلون دول في حرب ومواجهة مباشرة.
- حرب الجيل الثاني: يعرفها البعض بحرب العصابات (Guerrilla) والتي تمولها دول كالتي دارت في دول أمريكا اللاتينية. ويرى ليند أنها شبيهة بالجيل الأول من الحروب التقليدية، ولكن تم استخدام النيران والدبابات والطائرات كما فعل الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى.
 
- حرب الجيل الثالث: يعرفها البعض بالحروب الوقائية أوالاستباقية (Preventive war) كالحرب على العراق مثلاً، ويرى ويليام أنها تطورت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسميت حرب المناورات وتميزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدم فيها عنصر المفاجأة، والحرب من وراء خطوط العدو.
 
- حرب الجيل الرابع: اتفق الخبراء العسكريون على أن حرب الجيل الرابع هي حرب أمريكية صرفة، طورت من قبل الجيش الأمريكي وعرفوها بـ"الحرب اللامتماثلة" Warfare .حيث وجد الجيش الأمريكي نفسه يحارب "لا دولة" بعد اعتداءات ١١ سبتمبر 2001. بمعنى آخر هي محاربة تنظيمات منتشرة حول العالم، وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات ممتازة، ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي بحجة إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها ومثال على هذه التنظيمات: القاعدة، حزب الله... إلخ.
 
 السمة الأساسية في الأجيال الثلاثة الأولى من الحروب الحديثة هي أنها ركزت على العنصر البشري ومحورية القوة النيرانية ثم المقدرة على المناورة وامتلاك مسرح العمليات، ثم الحقيقة التي جمعت هذه الأجيال الثلاثة السابقة وهي السعي بكل الطرق إلى هزيمة العدو عسكرياً. ولكن الجيل الرابع يختلف جذرياً عن ذلك، فالهزيمة لم تعد عسكرية فقط، وهذا الأمر لا ينسحب على المجال القتالي فقط، بل ينسحب على مكانة القوة العسكرية ذاتها ضمن حسابات القوة الشاملة للدول منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، فلم تعد القوة العسكرية توازي قوة الاقتصاد ومقدرته على بناء المكانة للدول في النظام العالمي الجديد، كما لم تعد القوة العسكرية هي المحرك الرئيسي للتوسع بعد أن بات التوسع والسيطرة والنفوذ يتم عبر أدوات أخرى، منها الاقتصاد والثقافة والإعلام والمعلومات غير ذلك من أدوات تسمى في مجملها القوة الناعمة للدول، التي بزغت كرأس حربة للنفوذ والقيادة بدلاً من القوة الخشنة أو الصلبة التي ظلت لقرون وعقود تحتل المرتبة الأولى في السياسة الخارجية للدول والعلاقات الدولية بصفة عامة.
 
حروب الجيل الرابع و"الربيع العربي"
ثمة جدل بحثي واسع يدور حالياً وتتناثر دلائله ومحوره الأساسي هو: هل يمكن اعتبار الأحداث والتغييرات التي شهدتها بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة، والتي اصطلح على تسميتها مجازاً "الربيع العربي"، أحد تجليات حروب الجيل الرابع من حيث كونها أحدثت تغييراً في الأنظمة من الداخل، وتطبيقاً للأفكار السياسية التي ظهرت غربياً منذ حرب العراق حول الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد؟
 
الوضع الآن أن ما عرف إعلامياً بالربيع العربي قد تعثر تماماً، بل انتقل ليصبح خريفاً عاصفاً هادراً في بعض الدول، تاركاً الدول التي خاضته أو عانت منه أو انزلقت إليه في خضم حروب وصراعات تنوعت بين الطائفي والقبلي والسياسي، وهنا تداعت إلى الأذهان نظرية الفوضى الخلاقة، تلك النظرية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس ثم تم تداولها على نطاق واسع في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث رأت الإدارة الأمريكية آنذاك أن "الشرق الأوسط الجديد" الذي تحلم به يمكن أن يولد من رحم تلك الحرب. وتم ربط ذلك أيضاً بمنظمات ومؤسسات ومعاهد أبحاث غربية بتدريب شباب من نحو 22 دولة ضن دورات قيل وقتذاك إنها تستهدف التدريب على الديمقراطية وآليات التغيير السياسي السلمي، ولكن ثبت بعد ذلك تورط العديد من هؤلاء الشباب في أحداث الربيع العربي وما شهدته من احتجاجات وتوريط لمؤسسات الدول في صراعات داخلية أدت ببعضها إلى صراعات سياسية وعسكرية لا نهاية في الأفق لها. ويربط بعض الباحثين بين تورط جهات غربية في أحداث الربيع العربي من خلال خريطة الدول العربية التي شهدت موجات شعبية من الاحتجاجات التي تكاد تتطابق تماما مع خريطة الدول التي يشملها مشروع الشرق الأوسط الكبير التي كشف عنها خلال فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن. وهو المشروع الذي كان يهدف إلى زعزعة أمن الأنظمة واستقرارها في جميع أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط بهدف إعادة تشكيل وإعادة ترسيم حدود هذه الدول وتقسيمها بما يسهل السيطرة عليها. وهذا التغيير يعتمد على إحداث التغيير من الداخل وإرباك المجتمعات المستهدفة من خلال إثارة الفتن الطائفية وضرب الاقتصاد وإنهاك مؤسسات الدولة عبر تشتيتها بالمظاهرات الفئوية والاحتجاجات التي تبدأ سلمية ثم تنتقل تدريجياً إلى دائرة العنف.
 
القاسم المشترك بين مختلف أجيال الحروب هو أنها تسعى إلى إخضاع العدو أو الخصم، فالأهداف في كل الحروب قائمة ولكن يختلف تحقيقها من جيل إلى جيل باختلاف طبيعة الأدوات وبيئة الصراع، بمعنى أن جيل جديد من الحروب يسعى إلى تحقيق الأهداف، سواء كانت قديمة أو جديدة، باستخدام قدرات مغايرة تناسب العصر، فالقوة النيرانية حلت في فترة زمنية معينة بدلاً من العنصر البشري في كسر إرادة العدو، ثم كانت الهجمات الدقيقة بدلاً من القوات الكثيفة والأسلحة الذكية واستراتيجية الإغراق الصاروخي بدلاً من النيران الكثيفة التقليدية غير المؤثرة في بعض الأحيان، حتى حلت الحرب في جيلها الرابع لتوظيف أنماط صراعية جديدة لإخضاع العدو مثل التمرد الداخلي وتوظيف كل ما هو متاح من شبكات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية. ولعل هلامية أدواتها مقارنة بما سبق من أدوات قتال جعل البعض يتشكك في البداية في فعالية هذه الحروب ومقدرتها على تحقيق النتائج المرجوة، باعتبار أن أدواتها غامضة وأهدافها غير قابلة للتحقق ومكلفة للغاية وممتدة زمنياً بحيث يصعب توقع نهايتها ناهيك عن نتائجها.
 
ويرى بعض الباحثين أن حالة دول الربيع العربي تعتبر نموذجاً مثالياً لتطبيق حروب الجيل الرابع ودراستها، ويشيرون في ذلك إلى ما يحدث من اضطرابات داخلية في هذه الدول يستهدف تحقيق أهداف عدة منها إنهاء المسار السياسي الذي تتحرك فيه هذه الدول وهو مسار يفترض أن يقود عملية سياسية تحقق الاستقرار، ولكن المطلوب خلاف ذلك أي أن تستمر الفوضى أطول مدى زمني ممكن. وإشاعة حالة دائمة من الفوضى المجتمعية عن طريق إنهاك المجتمع واستنزاف الدولة في معارك داخلية حول قضايا قد تكون بعضها عادلة ولكنها تقدم في إطار من تحدي الدولة وتعميق الخلافات في المجتمع، ليصبح الجميع في حالة اقتتال داخلي ولا نلتفت لكوارث أخلاقية واقتصادية واجتماعية وسكانية أخرى من شأنها تدمير مقومات الدول على المدى البعيد. وأخيراً وهذا هو الأخطر؟ إشاعة جو من الحرب النفسية والإعلامية القادمة من الخارج لترويج أفكار ومعتقدات تقسم المجتمع أكثر باستخدام مجموعات داخلية تعمل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وفضائيات يتم تسخيرها لذلك وإعلاميين وصحفيين وجيوش تعبوية تعمل من أجل إثارة الفتن والقلاقل سواء بعلمها أو من جون أن تدري ما تفعله.
 
وتهدف هذه الاستراتيجيات التدميرية التي تعمل على فترات زمنية متفاوتة إلى تحقيق حالة من الانقسام المجتمعي المستدام، بحيث يتم النظر بشكل عدائي بين فئات المجتمع، وقد حدث ذلك بالفعل في مناطق عدة بحيث يصبح المجتمع مؤهلاً لحرب أهلية طويلة الأمد ويصبح الاستقرار والتماسك الداخلي حلماً بعيد المنال مثلما حدث في لبنان والصومال والعراق وغير ذلك، وبحيث لا تقدر هذه الدول على العودة إلى مسارها التنموي مجدداً ولا تستطيع خوض معاركها الحقيقية ضد الجهل والتخلف والمرض أو خوض معارك خارجية ضد أعدائها الحقيقيين. ثم هناك هدف تدمير الجيوش التي تمثل تهديداً إقليمياً أو تمتلك المقدرة على تغيير موازين القوى الإقليمية بحيث تخرج هذه الجيوش من معادلة القوة الشاملة وتتحول إلى ميليشيات أو قوات أمن داخلي في أحسن الأحوال. ثم الهدف الثالث وهو القضاء على الدول القوية وتحويل المنطقة إلى دول فاشلة أو ضعيفة تعاني نقاشات واضطرابات داخلية مزمنة ولا تمثل أي خطر إقليمي. وهذه الاستراتيجيات جميعها تنفذ باستخدام تنظيمات وجماعات وعناصر شبابية من الأدوات الداخلية التي تعمل تحت شعارات جذابة للشعوب مثل الدين والدفاع عن العقيدة وحرية الرأي والإصلاح الديمقراطي وغير ذلك. ويجب ألا ننسى أن الحملات الاستعمارية الأولى كانت يرفع قادتها المصحف لاستقطاب البسطاء من الشعوب بدعوى أنهم جاؤوا من أجل حماية الإسلام والمسلمين.
 
حروب الجيل الرابع واتجاهات الفكر العسكري
في غضون عقدين فقط، شهد العالم تحولات استراتيجية جذرية أسهمت بدورها في إحداث ما يشبه التغيير الجذري في مفاهيم التسلح العالمية واتجاهاته، فعقب طي صفحة الحرب الباردة وسقوط نظرياتها التي تسببت طوال عقود في توتير مناخ العلاقات الدولي، حدثت تغيرات هائلة في العقائد العسكرية ومايرتبط بذلك على مستوى النظريات القتالية والفكر والتخطيط والتجهيزات والتدريب العسكري، ثم جاء التحول الثاني عقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما أفرزته من تداعيات وما تلاها من تطورات لتسفر بدورها عن جولة ثانية من التحولات في العقائد العسكرية ومنظومات التسلح لدى مختلف دول العالم.
 
التحول الأهم على صعيد الفكر العسكري في السنوات والعقود الأخيرة جاء عقب اعتداءات 11 سبتمبر 2001، حيث أطل الإرهاب برأسه كاشفاً عن تحدٍّ غير مسبوق للأمن والاستقرار العالميين، ما أسهم بدوره في حدوث تبدلات هائلة في المفاهيم والنظريات العسكرية القائمة، كي تستوعب مصادر التهديد غير التقليدية التي باتت تمثل التحدي الأساسي لمختلف دول العالم، وما أسهم في تبلور هذه الرؤية أن السنوات الأخيرة قد شهدت تراجعاً في احتمالات نشوب صراعات وحروب تقليدية بين الدول سواء بفعل عوامل الردع المتبادل وموازين القوى القائمة بين أطراف الصراع والنزاعات، أو بفعل التحولات الاستراتيجية التي أعقبت انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي ودخول العالم في حقبة جديدة تتسم بسمات مغايرة لما كان سائداً قبلها، وتمنح قوة واحدة عظمى صفة القوة القائدة أو المسيطرة على النظام العالمي، الأمر الذي دعا ما عرف بـ"لجنة الحكماء" التي شكلها كوفي أنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة من أجل بحث التهديدات التي تواجه الأمن الدولي والوسائل التي يمكن تعبئتها من أجل التصدي لتلك التهديدات، إلى القول بتراجع تأثير النزاعات ذات الطابع الكلاسيكي التي تقوم بين الدول.
 
التهديدات التي تواجه استقرار الأمن العالمي في السنوات الأخيرة باتت تنحصر بين عاملين أساسيين هما الخروقات والتحديات التي تواجه نظام منع انتشار أسلحة الدمار الشامل تحت وطأة التآكل الذي أصاب هذا النظام مع ظهور دول وقوى امتلكت السلاح النووي بالفعل ودخلت النادي النووي بحكم الأمر الواقع، وبروز قوى أخرى تطمح إلى اختراق النظام وامتلاك أسلحة نووية؛ والعامل الآخر الذي يهدد الأمن والاستقرار العالميين يتمثل في بروز مهددات غير تقليدية، مثل الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة، ما أفرز بدوره خارطة جيواستراتيجية جديدة للتهديدات ومصادر التهديد.
 
هذه التطورات أسهمت بالتأكيد في طرح تساؤلات جوهرية حول كيفية التعاطي مع مصادر التهديد الجديدة، وأثّر جدياً في اتجاهات وخطط التسلح والتدريب التي تتبناها جيوش دول العالم كافة، حيث كشفت هذه التهديدات غير التقليدية عن حاجة الجيوش إلى التدريب والتسلح بما يتماشى مع متطلبات حروب غير نظامية وحروب عصابات وحروب مدن، وامتلاك المقدرة والمهارات القتالية والكفاءة العملياتية اللازمة لخوض هذا النمط من الصراعات.
 
أحداث بعينها أسهمت في صياغة الفكر ونظريات التدريب والتخطيط العسكري في السنوات الأخيرة، وفي مقدمة هذه الأحداث حرب العراق عام 2003، حيث تكبد الجيش الأمريكي خسائر لم تكن متوقعة في الأفراد والمعدات على يد الميليشيات المسلحة وعناصر تنظيم "القاعدة" التي اتخذت من بلاد الرافدين نقطة تجمّع جديدة لمواجهة القوات الأمريكية، ما كشف عن الحاجة إلى إعادة النظر في خطط التدريب والتجهيز حتى تتمكن للجيوش النظامية مواجهة هذه العناصر وامتلاك المقدرة على خوض حروب غير نظامية، وتأكدت هذه الحاجة بعد الحرب الخاسرة التي خاضها الجيش الإسرائيلي، بكل ما يمتلك من آلة حربية متطورة وفاعلة، ضد ميليشيا "حزب الله" اللبناني في عام 2006، حيث أخفق الجيش الإسرائيلي، عملياتياً، في مواجهة عناصر الحزب، وفشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أيّ من أهدافه الاستراتيجية التي خاض من أجلها الحرب، كما لم يحقق الأمنلشعبه في مواجهة صواريخ قصيرة المدى، بدائية الصنع كانت تطلقها عناصر "حزب الله" من الجنوب اللبناني، وتكرر الأمر ذاته مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" حيث كرر الجيش الإسرائيلي إخفاقاته العسكرية وفشل في تدمير البنى التحتية للحركة برغم طول أمد القصف الجوي والاجتياح البري لقطاع غزة.
 
هذه التطورات القتالية تتبلور لتشكل بمجملها إرهاصات لنظريات جديدة في التسلح بدأت معالمها بالفعل لدى جيوش دول عدة اتجهت بالفعل إلى تجهيز وحدات قتالية صغيرة على غرار الميليشيا كي تكون هذه الوحدات مهيأة لخوض حروب المدن والمواجهات غير النظامية، بعد أن ثبت عدم قدرة الجيوش النظامية على خوض هذه النوعية من الحروب التي تنال من هيبة الجيوش النظامية وتضعف صدقيتها وتسههم في تآكل قوة الردع لديها جراء ما تخسره تلك الجيوش في مثل هذه المواجهات.
 
ما سبق لا يعني أن الجيوش ستتحول تدريجياً إلى تشكيلات قتالية على نمط الميليشيات وحروب العصابات، فالأمر يكاد يقتصر على أخذ هذه التهديدات في الاعتبار ضمن خطط التدريب والتجهيزات القتالي، بحيث يصبح جزء من مهمة بعض الوحدات القتالية ملاحقة العناصر الإجرامية والقضاء على خطر الميليشيات وتنفيذ عمليات "تطهير المدن" وخوض حروب العصابات ضمن تشكيلات قتالية صغيرة الحجم. وهذا التحول يماثل مراعاة المخططين العسكريين لتحدي انتشار أسلحة الدمار الشاملة، حيث اتجه الفكر العسكري إلى مزيد من الاعتماد على خوض الحروب الجوية وبناء أنظمة الدفاع الصاروخي ضد الصواريخ المعادية وزيادة فاعلية الطائرات المقاتلة والذخائر ومقدرتها على ضرب الأعماق الأرضية التي تمثل عادة مخازن سواء للمنشآت النووية السرية، أو لأسلحة الدمار الشامل بشكل عام.
 
تساؤلات حول الجيل الرابع من الحروب
في ضوء ما سبق وغيره مما كتب عن حروب الجيل الرابع تثور تساؤلات في النقاشات حولها وهذه التساؤلات تدور في معظمها حول حقيقة هذه الحروب في ظل التوسع الكبير في تعداد أنماطها وأشكالها وآلياتها من إرهاب إلى عنف وتفجيرات وأعمال تمرد وشغب واعتصامات واضطرابات واحتجاجات ووسائل دعائية وشائعات وحروب ثقافية وقيمية ومعلوماتية ونفسية واستخدامها لكل الوسائل والأدوات والمنافذ الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية والمعنوية، وهنا يمكن القول إن هذا الجيل من الحروب يشمل بالفعل مظلة فضفاضة من الأدوات والأشكال والأنماط، ويمكن اختصار كل ذلك بالقول إنه يستخدم أي أدوات متاحة في تحقيق الأهداف التي كانت تحققها الحروب العسكرية ولكن من دون استخدام للقوة العسكرية أو استخدامها بشكل محدود ضمن ما يعرف بالحروب الخاطفة أو الضربات المشرطية أوالمجهرية، بحيث لا تمنح الأولوية مطلقاً لهذه القوة. أما غياب التحديد والتأطير النظري الدقيق لحروب الجيل الرابع فيعود في قدر كبير منه إلى هذه الحروب التي لم تخرج بعد من مختبرات دوائر التخطيط العسكري ولم تخضع بعد بشكل كامل إلى البحث العلمي بحيث يمكن أن تؤطر في قالب نظريات ومفاهيم ويوضع لها منهج نظري واضح يعبر عن إطارها الواقعي أو العملي، وهذا يفسر بشكل كبير التفسيرات الفضفاضة وأحياناً الملتبسة في توضيح هذا الجيل من الحروب.
 
ثمة تساؤلات أخرى تدور حول انتشار هذا الجيل من الحروب في ظل نشوب العديد من الحروب التي لا ينطبق عليها هذا المفهوم في السنوات الأخيرة، أي عقب الحديث الأمريكي المتداول عن حروب الجيل الرابع. وهنا يمكن الإشارة إلى أن هذا النوع من الحروب سيظل نسبياً يمتلك خاصية الاستخدام الحصري من جانب قوى عظمى أو كبرى وبشكل محدود جداً من جانب قوى إقليمية ضد من يعتبرون أعداء لهذه القوى أو تهديداً لمصالحها أوأن هذه الحروب ستوظف لتحقيق أغراض معينة بغض النظر عن مسألة العداء والاستهداف، بمعنى أنه قد يتم استخدامها من جانب قوة عظمى ضد دولة تصنف في خانة الحليف أو الصديق أو على أقل التقديرات هي غير معادية لتلك القوة، ولكن الاستخدام هنا قد يستهدف تحقيق مصالح مستقبلية معينة على المدى البعيد، أو يستهدف تحقيق أهداف لدول أكثر قرباً من الدول المستهدفة، والمثال على ذلك ما يشير إليه البعض بشأن استهداف دول مثل العراق وسوريا ومصر لإضعافها استراتيجياً وتحجيم نفوذها إقليمياً لمصلحة إسرائيل ومنها واستقرارها.
 
وهناك أيضاً من يجادل بأن مفهوم حروب الجيل الرابع ليس جديداً، فعلى سبيل المثال إذا كان الحديث عنها يدور حول توظيف القدرات الشاملة للدول واستهداف القدرات ذاتها لدى العدو، فإن الحروب الكبرى التي شهدها القرن العشرون (الحربين العالميتين الأولى والثانية) قد شهدتا تطبيقاً واضحاً لذلك من حيث استنفار جميع عناصر القوة الشامل للدول المشاركة في مواجهة استنفار واستهداف مماثل على الجبهة المضادة، ولكن منظّري حروب الجيل الرابع يرون أن الجديد في هذه الحروب هو أن جميع هذه العناصر تدخل منذ بداية التخطيط للحرب في صدارة التخطيط، ولا تعتبر عناصر ثانوية مساندة أو داعمة لعنصر القوة العسكرية التي كانت تشكل رأس حربة التخطيط العسكري في الحروب السابقة، بمعنى أن جميع عناصر القوة الشاملة للدولة التي تشن الحرب من الجيل الرابع يتم توظيفها بشكل متوازٍي ستهدف جميع العناصر المقابلة في الدولة العدو أو المستهدفة. وهذا الدمج الكلي لعناصر القوة الشاملة لم يكن معروفا فيما سبق، حيث كان كل عنصر يستخدم بشكل منفرد وطبقاً لتوقيتات مختلفة عن الباقين، ويعمل بشكل معزول تقريباً عن بقية عناصر المنظومة.
 
تكتيكات حروب الجيل الرابع
هناك العديد من التكتيكات المستخدمة في حروب الجيل الرابع، ويتوقف ذلك على طبيعة الحرب، إرهاب أو معلومات أو دعائية أو ثقافية أو غير ذلك، والأهداف المتوخاة وطبيعة دفاعات الخصم الذاتية. وأحد أبرز هذه التكتيكات كشف عنه البروفيسور ماكس مانوارينج الأستاذ بمعهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب بالجيش الأمريكي في ندوة بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي حين قال إن الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز كان أول من أمر ضباطه أن يتعلموا «الجيل الرابع من الحرب غير المتماثلة»، وأن يطوروا عقيدتهم العسكرية للتعامل معها بحيث لا يكون الدفاع أو الهجوم عبر قوات نظامية كما كان في الماضي، وأشار إلى أن الهدف من هذه الحرب لا يمكن في تحطيم مؤسسة عسكرية أو القضاء على قدرة أمة بشكل عاجل، وإنما الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء، ولكن بشكل مستمر ومتواصل يؤدى إلى إرغام العدو على تنفيذ إرادتك. إذاً الغاية من الحرب كما ذكرنا آنفاً هي التحكم في العدو، والقاسم المشترك في كل هذا هو زعزعة الاستقرار، أما القوات المشاركة في تنفيذ هذا المخطط فليس كل عناصرها من الرجال ولكن بينهم نساء وأطفال مثلما شاهد الجميع في العاصمة المصرية القاهرة في فترات سابقة حين تم استخدام أطفال الشوارع لاستهداف قوات الجيش والشرطة وإحراق البنى التحتية وإشاعة الفوضى والذعر في شوارع العاصمة. وزعزعة الاستقرار، قد تكون أيضاً عبر وسائل "حميدة" ـ استخدام وصف حميدة في هذا الإطار ينطوي على قدر من التمويه والدهاء ـ إلى حد ما مثل أن ينفذها مواطنون من الدولة العدو. باختصار إيجاد دولة فاشلة وأول ملامحها هو إيجاد أماكن داخل حدود العدو ليس له سيادة عليها عن طريق دعم مجموعات محاربة وعنيفة للسيطرة على هذه الأماكن، إذاً المعادلة لها هدفان هما الإكراه ثم الدولة الفاشلة. ويتم ذلك عبر عمليات تنفذ ببطء وبهدوء كافٍ. سيكون هناك جزء من البلد لا تديره الدولة، فيتآكل مفهوم السيادة. لكن لو لم تتحكم الدولة في كامل إقليمها فمن يتحكم فيه؟ ستتحكم في هذه المناطق مجموعات غير تابعة للدولة، عنيفة ومحاربة وشريرة وهذا ما يخلق الدولة الفاشلة، بعدها تستطيع أن تتدخل أنت وتتحكم في هذه الدولة وينهي ماكس محاضرته بقوله «وإذا فعلت هذا بطريقة جيدة ولمدة كافية وببطء مدروس، فسيستيقظ عدوك ميتاً ؟!». والفكرة في مجملها ليست جديدة، وقد تحدّث عنها قبل قرون المفكر الاستراتيجي الصيني سون وو، معتبراً أنه من غير المجدي الدخول في قتال ضد قوة عسكرية أقوى بالأسلحة المناظرة نفسها، وعليك أن تستخدم أسلوباً مختلفاً يستهدف وحدة المجتمع الذي أنتج القوة العسكرية. فبتحطيم التماسك الاجتماعي، سرعان ما تتفكك القوة العسكرية، فغاية الحرب غير المتناظرة تمزيق البنيات الاجتماعية وتدميرها ولكن الجديد عند المحاضر الأمريكي هو أن دولاً كبيرة تملك قوة عسكرية متفوقة ومع ذلك لا تلجأ إلى شن الحروب التقليدية وتفضل استخدام الحروب غير المتماثلة. فالسلاح الرئيسي في هذا الإطار ليس قوة النيران، وإنما القدرات العقلية؛ والقدرات الذكية، فحائط برلين لم تسقطه الدبابات والمدفعية والطيران ولكن المارك الألماني، حسب قول مانوارينج
 
نقاط القوة في حروب الجيل الرابع
ـ بما أن الجهات الفاعلة في حروب الجيل الرابع ليست رسمية، فإن القيادة المركزية ليست هي المفتاح لنجاح هذه الحروب التي لا ترتبط بقيادات كاريزمية ولا تعتمد على هذه القيادات في استمرارية الحرب التي تتسم بطول الأمد، ويبرهن خبراء على ذلك بأن تنظيم القاعدة قد أصبح أكثر خطورة بعد مقتل أسامة بن لادن وأن حركة طالبان الأفغانية تعمل بقوة من دون قيادة واضحة من الملا عمر الذي يركز جهوده على الاختباء من الملاحقة الأمريكية والأفغانية له.
 
ـ يرى خبراء أن أحد كوامن القوة في حروب الجيل الرابع أنها لا تتقيد بسيادة القانون، وتستخدمه عندما يكون في مصلحتها فقط؛ بمعنى توظيف القانون مثلاً للتشهير بالأعداء ولفت انتباه الرأي العام العالمي إلى خروقاتهم القانونية لرفع غطاء الشرعية المحلية والدولية عن الأنظمة الحاكمة. كما أن حروب الجيل الرابع تستخدم الأيديولوجيا عندما تكون في مصلحتها ولكنها تعتبر من لا يشاركونهم معتقداتهم أهدافاً مشروعة ضمن أعمال العنف التي تمارسها الحركات والتنظيمات المنخرطة في هذه الحروب. وهذه التنظيمات تخرق القوانين ولكن عندما يتم القبض عليهم يحاجّون بالمنظومة القانونية ذاتها التي يخرقونها ليل نهار.
 
ـ ثمة ميزة نسبية لحروب الجيل الرابع أيضاً تكمن في استفادتها الهائلة من سرعة تنفيذ أي تكتيكات بشكل لا مركزي، وهذا واضح في الميليشيات المسلحة التي توفر فرصة وهامش مناورة كبيرة لعناصرها في تنفيذ الهجمات بحيث تكون هذه العناصر في أحيان كثيرة أكثر تفوقاً في مواجهة أي قوات رسمية تتقيد غالباً بالقانون وتخشى المساءلة والمحاسبة ولو بعد حين.
 
محطات ومفاهيم
ـ هناك ثلاثة أنواع من الحروب، فهي دولية، حيث تنشب بين دولتين أو أكثر تتمتعان بمستوى حضاري واحد، واستعمارية حيث تنشب بين أمتين بينهما تباين حضاري واسع، وأهلية، حيث تنشب بين فريقين داخل دولة أو أمة ما بين مجموعة ثائرة أو متحررة وحكومة رسمية. والحرب الدولية تندلع بين دولتين مستقلتين أو أكثر، وهي تختلف عن الحرب الأهلية من حيث وجود جيوش نظامية تحارب ضد بعضها بعضاً، أما الحرب الأهلية، فقد تتخذ شكل وجود جيش منظم يحارب قوات غير نظامية، أو تندلع الحرب بين قوتين غير نظاميتين تحاربان من أجل السيطرة على إقليم ما، ولا يكون التمييز سهلاً بين الحرب الدولية والحرب الأهلية.
 
ـ الحرب الشاملة تستخدم جميع الوسائل المتاحة، وتتضمن إعادة ترتيب الأحوال السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية للدول المهزومة تبعاً لرؤية الدول المنتصرة، أما الحرب المحدودة، فهي صراع مسلح من أجل أهداف محدودة، وهي أقل من الحرب الشاملة من حيث إنها لا تهدف إلى التدمير الكلي للعدو، أو إلى استسلامه غير المشروط. والحرب المحدودة تشمل الصراع الداخلي في مواجهة قوات استعمارية، أو حكومية، بحيث يستخدم الطرفان الأسلحة التقليدية، مع أنه قد تصلها مساعدات خارجية، وتشمل أيضاً الإجراء الجماعي في إطار منظمة دولية من أجل الحفاظ على إقليم دولة ما، أو تحقيق أهداف سياسية محددة، مثل استخدام قوات الطوارئ الدولية. والحرب الوقائية هي استراتيجية عسكرية تعني قيام دولة بهجوم مفاجئ على دولة أخرى بهدف تدمير هذه الدولة لمنعها من أن تصبح مصدراً لتهديد مستقبلي، وينتشر مفهوم الحرب الوقائية أساساً بين الدول المسلحة تسليحاً تقليدياً. أما الحرب الخاطفة، فهي أسلوب خاص في تكتيكات القتال، يقوم على استخدام الطيران، والقوات المدرعة والميكانيكية في تحقيق اختراق عميق في جبهة العدو من أجل قطع خطوط مواصلاته، وتدمير مراكزه الإدارية والقيادية، وتطويق الدفاعات المعادية التي تكون قد أصبحت غير منظمة في هذه الحالة.
 
ـ ظهر مصطلح "الحرب الهجينة" في دراسات العسكريين خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وظهرت تعريفات عدة لهذه الحرب، منها: "أنها نموذج عصري لحرب العصابات، حيث يستخدم فيها الثوار التكنولوجيا المتقدمة، وسبل حديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي"، ويُقصد بالتكنولوجيا المتقدمة الأسلحة المتطورة، التي استخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، مثل الصواريخ المضادة للدروع والطائرات، والعمليات الانتحارية، ونصب الكمائن. ووصف أحد التعريفات الحرب الهجينة: "حين يقدم خصم على استخدام - بشكل متزامن ومتقن - مزيجاً من الأسلحة التقليدية والتكتيكات غير النظامية، ومهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية والتصرف الإجرامي في مجال أرض المعركة من أجل تحقق أهدافه". وبالتالي فإن الحرب الهجينة تدمج مجموعة من أنماط القتال المختلفة، بما في ذلك: القدرات التقليدية، والتكتيكات، والتشكيلات غير المنظمة، والأعمال الإرهابية، للاستفادة من كل أشكال القتال، وبتزامن أحياناً، للحصول على التفوق، وتسعى القوى التي تستخدم الحرب الهجينة لاستنزاف خصومها وإرهاقهم، لإرغامهم على الانسحاب من أراضٍ محتلة،أو التخلّي عن سياسة خارجية معينة، وهي استراتيجية تكون أكثر فعالية ضد الدول التي لديها أنظمة ديمقراطية وشديدة التأثر بالرأي العام.
 
ـ يرى البروفيسور الأمريكي ماكس مايوراينج أن حروب الجيل الرابع، وهي حروب تهدف إلى تحقيق هدف مهم هو ''إفشال الدولة''. حالة الدولة الفاشلة هي أساس حروب الجيل الرابع، وهي أسلوب الحرب غير النمطية Asymmetrical Warfare، وهي حروب تهدف إلى استخدام المتضادات، ونقاط الاختلاف، وتوزيع نسب السكان، والأزمات في العلاقات، والإشكالات القائمة داخل الدول بغرض تضخيمها، وتكوين حالة من انعدام التوازن بين الأطراف المختلفة دينياً أو ثقافياً أو سياسياً بما يؤدي إلى فشل الدولة. هي حرب ليس لها شكل معين أو أسلوب منهجي كما في الحروب السابقة.
 
ـ يرى خبراء أن الصراع الذي نشب منذ فترة بين الصين وشركة محرك البحث الأهم في العالم ''جوجل'' تعد نمطاً جديداً من الحروب المستقبلية المتصلة بالمعلومات والتحكم في تدفقها، وإذا كانت المعرفة قوة بحسب المفكرين، فإن من يتحكم بتدفق المعرفة عبر العالم هو المنتصر في أي مواجهة رقمية مقبلة.
 
ـ استراتيجية الجيل الرابع من الحروب تقوم على تكتيكين رئيسيين، الأول: الدقة في تقسيم الأدوار؛ فثمة من يدعو إلى العنف ولا يتحمل مسؤوليته، وهناك من ينفذ العنف، وطرف ثالث يبرر العنف، وآخر يدّعي الحياد ويمارس المراوغة إلى حين ثم يمارس الانحياز الذي يمثله، وهناك نخب فكرية وحقوقية وحسابات إلكترونية تصطنع العقلانية والاتزان وتتاجر بالشعارات والمثاليات وتناقش الجزئيات والهوامش على حساب الجوهر والمتن، وكل طابور يؤدي دوراً مدروساً بعناية ويتحرك في توقيت دقيق، وهدفهم الحقيقي خدمة الطرف المعارض لنظام الحكم وإمداده بغطاء شرعي وتشتيت الرأي العام وتفريق الإجماع الوطني من أجل حصد أكبر قدر من المكاسب. والتكتيك الثاني هو نشر (الفوضى) بكل صورها في مجريات الأحداث داخل هذه الدول؛ لإفقاد المواطن الثقة بأجهزة الدولة والتشكيك في مصادر معلوماتها وإجراءاتها، وهذه هي الخطوة الأولى والفاعلة (لتفكيك الدولة) لأنها تحقق الهزيمة النفسية للشعوب وتقود إلى باقي الهزائم.
 
ـ ذهب المنظّر العسكري والمؤرخ مارتن فان كريفيلد في عام 1990، إلى أن الجهات الفاعلة غير الحكومية المسلحة ستنهي احتكار العنف التي تتمتع بها الدول القومية منذ صلح وستفاليا التي أنهت حرب الثلاثين عاماً.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-08-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2014-11-03
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره