مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-09-06

الامارات تكتب تاريخاً جديداً فـــــــــــــــي مجال الطاقــة النوويــة السلميـــة

ريـادة "براكة".. 
 
يمثل مشروع محطات "براكة" للطاقة النووية السلمية مفخرة لدولة الامارات والعرب جميعاً، فهذا المشروع العربي الأول من نوعه، يجسد ريادة النموذج التنموي الاماراتي، ويمنح هذا النموذج قوة دفع كبيرة تسهم في تحقيق أهداف التنافسية العالمية، التي تتطلع إليها الامارات وتمضي بخطوات واثقة نحو تحقيقها. وفي هذا العدد تسلط "درع الوطن" الضوء على أبعاد هذا الانجاز التاريخي للدولة، وتحلل دلالاته ومظاهر أهميته وما ينطوي عليه من عوائد استراتيجية بالغة الأهمية على الأمدية الزمنية المختلفة.
 
 
مع الإعلان رسمياً عن بدء المرحلة التشغيلية في المحطة الأولى، يجمع الخبراء والمتخصصون عالمياً على أن مشروع محطات “براكة” للطاقة النووية السلمية بدولة الامارات، باعتباره الأول من نوعه على المستوى العربي، يمثل نموذجاً يحتذى به اقليمياً وعالمياً في استخدام الطاقة النووية في تنويع مصادر الطاقة وتحقيق التنوع الاقتصادي للدول. ومع تدشين هذا المشروع الضخم، تدخل الامارات مرحلة نوعية جديدة في تاريخها الحديث، فمن خلال انجازاتها العلمية الأخيرة تسعى ـ من خلال إطلاق محطة مفاعلات “براكة” للطاقة النووية السلمية ـ إلى تحرير اقتصادها من الاعتماد على النفط مستقبلاً، وتحجز لنفسها ـ عبر إطلاق “مسبار الأمل” ـ مكاناً وسط الكبار في نادي الدول التي تمتلك القدرة على استشكاف المريخ؛ ففي منتصف   شهر يوليو ، كانت أول دولة عربية تطلق رحلة إلى الفضاء من خلال مشروعها مسبار “الأمل”. بعد ذلك بقليل، تحديداً في أوائل أغسطس ، قامت بتشغيل أول مفاعل للطاقة النووية في العالم العربي، واللافت أن هذه الانجازات والنجاحات تتحقق في توقيت يعاني فيه العالم أجمع الاخفاقات والاحباطات جراء الفشل في مواجهة تفشي وباء “كورونا” ـ كوفيد 19  ـ الذي ألحق باقتصادات العالم خسائر كبيرة، ونجحت الامارات في أن تكون من ضمن الدول التي تواجه هذا الوباء باستراتيجية دقيقة جعلت منها نموذجاً يحتذى بين الدول في هذا الإطار.
 
 
والحقيقة أنه يصعب النظر إلى هذه التطورات والانجازات الاماراتية المتسارعة بمعزل عن عن عوامل ومتغيرات عدة، في مقدمتها رؤية القيادة الاماراتية الرشيدة الداعية إلى ضرورة استنهاض الهمم واستئناف الحضارة العربية، وصناعة الأمل وانتشال ملايين الشباب العربي من براثن الاحباط واليأس الذي تسببت فيه موجات الفوضى والغضب والاضطرابات التي نشرتها تنظيمات الارهاب والتطرف منذ عام 2011 في دول عربية عدة، فتسببت في انهيار بعض هذه الدول وتفشي الصراعات الأهلية والحروب والتدخلات الخارجية في بعضها الآخر، لذا تعمل الامارات على مسارات عدة لمعالجة هذه الواقع العربي المؤلم كي يرى الشباب ضوءاً في نهاية النفق العربي المظلم، بما يسهم في تحسين واقع المنطقة والقضاء على الارهاب والتطرف.
 
 
الانجازات العلمية الاماراتية هي أيضاً بمنزلة رسالة للعالم والمنطقة بأن الامارات قادرة على بناء نموذج تنموي عربي إسلامي حديث يجمع بين التقدم العلمي والقيم والمبادىء الانسانية الأصيلة المستمدة من الدين الاسلامي، واستنهاض روح الماضي في نفوس العرب والمسلمين والسعي لإحياء مجد الرواد العرب في العلوم والطب والفضاء والفلك وغيره من العلوم وذلك من خلال بناء نموذج ملهم قائم على اقتصاد المعرفة.
 
 
ويمثل البرنامج النووي السلمي الاماراتي نموذجاً لنمط التفكير الاستراتيجي الاستباقي للقيادة الرشيدة في دولة الامارات، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله؛ فهذا التفكير الاستباقي يفسر طموحات الدولة الرائدة في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، ووجود مدينة “مصدر” والجهود الدؤوبة في مجال البحث العلمي، وفي مقدمتها خطط استشكاف كوكب المريخ، حيث تؤكد التقارير المتخصصة أن موارد الطاقة الأحفورية باتت على وشك النضوب، حيث تقدر الكميات المؤكدة من احتياطي النفط بالعالم بحدود 1.4 الى 2.1 تريليون برميل، تكفي العالم لفترة تراوح بين 60 ـ90 عاماً على أقصى التقديرات، ما يستدعي بالتبعية تساؤلات بديهية حول ماذا بعد؟ لذا فإن الامارات بميلها الدائم للتفكير الاستباقي والمبادرات التنموية النوعية، قد اتخذت قراراً استراتيجياً منذ فترة طويلة بالحد من الاعتماد على النفط، وتنويع الاقتصاد وموارده، لاسيما أن تكنولوجيا الطاقة النووية ومعارفها لا تقتصر على توليد الطاقة الكهربائية، بل هي بالفعل مفتاح رئيسي للتقدم المعرفي، حيث باتت تستخدم في الطب للعلاج والتشخيص، وفي الصناعة لانتاج اشباه الموصلات والمعالجات الكيماوية، وتقنيات اختبار الجودة وفي عمليات التعدين والبحث عن الخــامــات الطبيعيـــة في الزراعة لاستنباط انواع جديدة من المحاصيل ذات انتاجية عالية وانتقاء نوعيات معينة من البذور ومقاومة الآفات والحشرات وزيادة مدة تخزين المنتجات الزراعية وغير ذلك. 
 
 
الريادة والتميز
ينطوي مشروع محطات “براكة” للطاقة النووية على العديد من سمات التميز والريادة، اقليمياً ودولياً، يمكن رصدها فيما يلي:
المشروع الذي بدأت مرحلته التشغيلية في المحطة الأولى وتقترب مفاعلاته الثلاثة الأخرى من الوصول إلى مرحلة التشغيل، قد وصل إلى هذه المرحلة بعد 8 سنوات فقط من بدء العمليات الانشائية، ما يعكس مستوى عزم وتصميم دولة الامارات وقدرتها على تنفيذ المشروعات الاستراتيجية الضخمة بالدقة اللازمة ووفق أعلى درجات ومعايير ومستويات الأمن والسلامة والكفاءة.
 
 
ينطوي مشروع “براكة” على دلائل وإشارات مهمة على طموح الاماراتي التنافسي العالمي، فضلاً عن كونه رمزاً ودلالة مؤكدة على التقدم العلمي والتطور التكنولوجي في دولة الامارات، فالمشروع كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة “خطوة مهمة على طريق تحقيق التنمية”. ولاشك أن هناك دلالة وروابط لا تخطئها العين بين تدشين المحطة الأولى لمشروع “براكة” رسمياً بعد أسابيع قلائل من إرسال الامارات “مسبار الأمل” في مهمة علمية تاريخية إلى كوكب المريخ، وهي إشارات  مهمة بشأن موقع العلم في رهان الامارات على المستقبل، الذي تطمح بقوة لأن تحجز لنفسها مكاناً مميزاً فيه، وهذا الأمر تعكسه أهداف رؤية مئوية الامارات 2071، وهي رؤية طموحة تهدف إلى وضع الامارات في مقدمة دول العالم،  وتـشـــير بوضـوح إلى اهتمــام دولــة الإمـــارات العربيــة المتحــدة بالمستقبل، والاستعداد الجيد له، كي تعزز مكانتها على خارطة الدول المتقدمة، وهذه المئوية مستمدة من المحاضرة التاريخية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة،  بشأن الاستعداد للاحتفال بتصدير آخر برميل للنفط، وتتضمن هذه الرؤية العديد من الأهداف، كي تكون دولة الإمارات من أفضل دولة في العالم وأكثرها تقدماً، بحلول الذكرى المئوية لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك في عام 2071 أيضاً. ولعل ما يزيد من أهمية “مئوية الإمارات 2071” أنها تشكل برنامج عمل حكومي شامل، يتضمن وضع استراتيجية وطنية لتعزيز سمعة الدولة وقوتها الناعمة، وضمان وجود مصادر متنوعة للدخل بعيداً عن النفط، إضافة إلى الاستثمار في التعليم الذي يركز على التكنولوجيا المتقدمة، وبناء منظومة قيم أخلاقية إماراتية في أجيال المستقبل، ورفع مســتوى الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، وتعزيز التماسك المجتمعي.
 
 
بتدشين محطة “براكة” النووية، أصبحت الامارات الدولة رقم 33 ضمن أعضاء نادي الدول المنتجة للطـاقـــة النوويــة السلمية في العالم، وأصبحت محطــــة بـراكــــة الإماراتية المحطة رقم (450) المنتجة للكهرباء في العالم، وأول دولـة نوويـة سلمية تبني 4 محطات نووية دفعة واحدة وفي توقيت زمني قياسي ووفق أرقى وأفضل معايير الأمن والسلامة العالمية التي تطبقها وتشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 
 
 
تمثل محطات “براكة” النووية للطاقة السلميــة خطـوة نوعيـة على درب معالجــة العــالم لمشكلــة التغــير المناخي، ســواء من حيث كونها قدوة ونموذجاً ملهماً يشجع بقية الدول على أن تحذو حذو دولة الامارات في توظيف الطاقة النووية في التنمية، أو من حيث قدرة هذه المفاعلات ـ بعد تشغليها بشكل كامل ـ على توليد 5600 ميغاواط من الكهرباء أي حوالي 25% من احتياجات البلاد. وهو ماتعكسه “تغريدة” رافائيل ماريانوغروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي قدم فيها التهنئة لدولة الامارات بمناسبة تشغيل المرحلة الأولى من برنامج “براكة”، حيث أكد دعم الوكالة للبرنامج ولبقية الدول التي تختار الطاقة النووية “للحصول على طاقة نظيفة وبتكاليف معقولة تسهم في معالجة مشكلة التغير المناخي”.
 
 
لاشك أن ماقبل الضغطة الأولى لزر تشغيل أول مفاعل ضمن مشروع “براكة” تختلف عما بعدها، من الناحية الاستراتيجية، فالمشروع يعني أن الامارات قد أصبحن لاعباً اقليمياً ودولياً فاعلاً في نـــادي الطاقــة النوويــــة السلمية، من خــلال ضمـــان تنويـــع اقتصـاد الطاقــة ومواردها ودعم مكانتها كلاعب فاعل في سوق الطاقة الجديدة والمتجددة، باعتبارها مركزاً اقليمياً مهماً أيضاً للطاقة الشمسية والطاقة المتجددة بشكل عام، كما أن شـفافية الامـارات في التعامل مع هذا الملف يعزز جهـود العالم ومؤسساته المعنية لتطبيق معايير وضوابط استخدام الطاقة النووية بشكل آمن، فالبرنامج النووي السلمي الامـاراتي هو أكبر مساهـم في تقديـم تقارير شفافة عن انشاء المحطات في العالم، وفقاً لتقرير صادر عن الرابطة العالمية للمشتغلين النوويين، فمنذ عام 2009، خضع كل من  البرنامج النووي السلمي الاماراتي ومؤسساته المعنية لأكثر من 250 تفتيشًا من قبل الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، إلى جانب أكثر من 40 مراجعة وتقييمات إضافية قامت بها الرابطة العالمية للمشغلين النوويين والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أكدت كافة المراجعات والتقييمات على اتباع دولة الإمارات لأعلى المعايير العالمية في تطويرها للبرنامج النووي السلمي الإماراتي، حيث أكد تفتيش الوكالة الدولية في مارس 2020 أن دولة الإمارات ملتزمة بحظر الانتشار النووي والشفافية التامة، وبعد الانتهاء من التفتيش، تم إجراء سلسلة من الاختبارات المصممة للتحقق من أن كل نظام من أنظمة المفاعل يعمل كما يجب إلى جانب إعـادة إغـلاق حاوية المفاعل بإحكام. وكانت دولة الإمارات ممثلة بالهيئـة الاتحاديـة للرقابـة النوويـة قـد استقبلت 11 بعثة مراجعة دولية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشملت هذه البعثات ما يلي: البنية التحتية النووية، اللوائح القانونيــــة والتنظيميــة، الأمان النووي، الأمن النووي، حظر الانتشار النووي، الاستعداد لحالات الطوارئ. كما وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة على أكثر من 13 اتفاقية ومعاهدة دولية، منها: اتفاقية الضمانات الشاملة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، البروتوكول الإضافي لاتفاقية الضمانات الشاملة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، معاهدة الأمان النووي، معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
 
 
تأكيد كفاءة المؤسسات الوطنية الاماراتية المتخصصة في خوض هذا التحدي والنجاح فيه، حيث تتحمل مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، ممثلة في شركة نواة للطاقة التابعة للمؤسسة والمسؤولة عن تشغيل وصيانة محطات براكة للطاقة النووية السلميــة، مسؤوليـة إتمام عملية بداية تشغيل مفاعل المحطة الأولى، وتحقيق هذا الانجاز التاريخي.
 
 
بهذا الإنجاز أصبحت دولة الإمارات الأولى عربيا، التي تنجح في تطوير محطات للطاقة النووية لإنتاج الكهرباء على نحو آمن وموثوق وصديق للبيئة، حيث تساهم محطات براكـة بشكل كبـير في جهود الإمارات الخاصة بتوفير الطاقة الكهربائية بالتزامن مع خفض الانبعاثات الكربونية الناجمة عن إنتاج الكهرباء.
 
 
عند تشغيل محطات براكة بشكل كامل، ستنتج محطات براكة الأربع 5.6 جيجاوات من الكهرباء وستحد من 21 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً، وهو ما يعادل إزالة 3.2 مليون سيارة من طرق الدولة كل عام، وهذه الاحصاءات والارقام تعكس حجم الانجاز، وتؤكد مدى حرص دولة الامارات على الاسهام الجاد في خفض مستويات ظاهرة الاحتباس الحراري التي تثير قلقاً عالمياً بالغاً.
يحقق هذا المشروع الضخم مردودات عدة لدولة الامارات، باعتباره أحد أهم أهدافها الوطنية على مدى العقود الأخيرة. حيث يوفر الطاقة النظيفة بكلفــة تنافسيــة مقارنة بكلفة مصادر أخرى مثل الغــاز الطبيعـــي، ويوفر بالتبعية الفرصة لتصدير الغــاز الفائض إلى السوق العالمي، مع تصدير الفائض أيضاً من الكهرباء عبر شبكة الربط الخليجي، إلى جانب خفض انبعاثات الكربون وتقليص حجم الإنفاق على مواجهــة انتشــار هـذه الانبعاثات، بالإضافة إلى القيمـة طويلة الأجل للمفاعلات الجديدة التي تضاعف فترة الاستخدام من 30 إلى 60 عاماً.
 
 
ينطوي المشروع على عوائد ايجابية عدة غير مباشرة على الاقتصاد الوطني لدولة الامارات، وفي مقدمتها مراكمة الخبرات الفنية والعلمية والتكنولوجية والبحثية لدى الشركات الوطنية شاركت في مراحل بناء المشروع وتشغيله، وتعزيز تنافسية الدولة في سوق الطاقة النظيفة عالمياً.
 
 
يمثل مشروع “براكة” الأحدث عالمياً في هذا القطاع الحيوي، إضافة نوعية كبرى لقطاع الطاقة النووية السلمية عالمياً، حيث يعزز المشروع الثقة في هذا القطاع كونه يمثل المشروع الأضخم عالمياً من حيث حجم الاستثمارات والتطور التقني والتكنولوجيوحجم الطاقة التي يتم توليدها عبر مفاعلاته.
 
 
يدعم المشروع موقع الامارات التنافسي عالمياً كمركز للطاقة الجديدة والمتجددة، سواء بما تراكم من خبرات ومعارف، أو بحكم مكانتها كنقطة جذب رئيسية للخبرات والخبراء العاملين في هذا المجال الحيوي.
 
 
لاشك أن مثل هذه المشروعات التنموية الكبرى تمثل قاطرة للاقتصادات الوطنيــــــة، بحكـــم مشــاركة المؤسسـات والشركات الوطنيــة في مراحـل الانشاء، بما يحقق لهذه الشركات عوائد وخبرات لا تقدر بثمن، ما يعزز بدوره مكانة هذه الشركات الاقتصادية والتسويقية والاستثمارية، ويرسخ وضعها الاقليمي كشركات تمتلك خبرات العمل في المشروعات الاستراتيجية الضخمة بما يوفر لها فرص العمل في مشروعات مماثلة بدول العالم كافة، ولاسيما في الدول العربية التي تتجه لانشاء مشروعات لتوليد الطاقة النووية السلمية في المستقبل المنظور.
 
 
خفض استهلاك الامارات من الغاز الطبيعي بذات النسبة التي تضيفها الطاقة النووية لشبكة الامارات الكهربائية، وهي نسبة تخطط الدولة للوصول بها إلى %25، ما يعني بالمقابل زيادة صادرات الامارات من الغاز الطبيعي بذات النسبة التي تم خفضها، ومن ثم تعزيز العوائد المالية المحققة من صادرات الطاقة سواء من صادرات الغاز أو من صادرات فوائض الطاقة الكهربائية التي يمكن تصديرها اقليمياً عبر شبكة الربط الخليجي.
 
 
يرسخ مشروع محطات “براكة” للطاقة النووية السلميــــة موقـــع ومكانة دولة الامارات كمركز اقليمي لمشروعـات الطاقــة المتجــــددة،  ما يمنح الدولــة السـبق في هـذا النـوع من المشروعـات الاستراتيجية، ويضعها في موقـع يشجـع ويحفز جهود الدول العربية الساعية للاستفادة من الطاقة النووية السلمية.
 
 
يدعم المشروع قدرة دولة الامارات على الحفاظ بشرائح سعرية تنافسية للطاقة الكهربية على المديين القريب والمتوسط، ما يعني بالتبعية زيادة فرص التنمية ومنح الشركات والاستثمارات قوة دفع للعمل والانتاج وتوطين التكنولوجيا في دولة الامارات خلال المرحلة المقبلة.
 
 
توفر المشروعات التنموية الكبرى عادة، فرصاً هائلة لتوسع الشركات الوطنية عالمياً، وتسهم في جذب الاستثمارات والشركات الأجنبية التي تبحث عن أسواق واعدة ومتطورة تكنولوجياً.
 
 
نموذج للشراكة الاستراتيجية 
يمكن القول أن مشروع “براكة” للطاقة النووية السلمية يضع العلاقات الاماراتية ـ الكورية الجنوبية على درب شراكة تنمـويـة أرحـب وأكــــثر اتســاعـاً وعمقـــــاً وتنوعــاً، فالمفاعـــلات الأربــع التي تستخـدم تقنيات نوويــة كوريــة جنوبية، تمــثل الجــيل الأحـدث في تكنولوجيا المفاعلات النوويـة، وللشراكة في هـذا المجــال الحــيوي أبعـادهـــا وتأثيرها على بقية جوانب علاقات البلدين اللذين تربطهمــا علاقـات تعـاون قـوية منذ نحو أربعون عاماً؛ فمنذ توقيع عقد انشاء مشروع “براكة” للطاقة النووية السلمية في عام 2009، دخلــت العلاقات الثنائيـة مرحلة الشراكة الاســتراتيـجيـــة، التي تعمـقــت واتسعـت روافـــدهـا بمــرور الســـنوات، حتى أصبحــت دولـة الإمــارات أكبر شريك تجاري لكـوريا الجنوبيـة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ فبحسب كون يونغ وو، السفير الكوري لدى دولة الإمارات، بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين نحو 13.9 مليار دولار؛ ويبلغ حجم التجارة الثنائية غير النفطية بين البلدين ما يقارب الـ 5 مليارات دولار أمريكي، كما بلغ إجمالي العلامات التجارية الكورية الجنوبية المسجلة في دولة الإمارات في نهاية عام 2017، 3327 علامة تجارية، و234 وكالة، و83 شركة كورية مُسجلة، بحسب تقرير التجارة الخارجية غير النفطية، الصادر عن وزارة الاقتصاد الاماراتية. والأمر لا يقتصر على التبادل التجاري، فهناك نحو 13 ألف كوري جنوبي يعيشون في دولة الإمارات، ويزورها سنوياً نحو مائتي ألف ي كوري جنوبي. وفي عام 2018 زار 11427 إماراتياً كوريا الجنوبية. وتحتل دولة الإمارات المرتبة الأولى بين دول الشرق الأوسط في الاستثمارات الأجنبية المتجهة إلى كوريا الجنوبية؛ حيث بلغ حجم الاستثمارات الإماراتية هناك نحو 2.08 مليار دولار، ما يعكس تنامي حجم التعاون والمصالح المشتركة المحققة بفعل هذه الشراكة الاستراتيجية الخاصة.
 
 
وقد عبر الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه في “تغريدة” عبر موقع “تويتر” في ديسمبر 2018 عن أهمية الجهود المشتركة المبذولة في إرساء السلام طوال عام مضى، وقال “عملنا على إرساء السلام خلال 2018 وكنا قادرين على بذل أقصى جهودنا بفضل تأييدكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة والذين كانوا واقفين إلى جانبنا طوال الوقت. ما زلنا نتذكر ما جلبته لنا لقاءاتنا من الفرح بالإضافة إلى لحظات الصداقة الثمينة. إننا سوف نقف معكم ومع شعب دولة الإمارات دائماً في مسيرة السلام والازدهار”
 
 
ويذكر أن العلاقات الاماراتية ـ الكورية الجنوبية التي انطلقت في عام 1980، وقام القائد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ بافتتاح سفارة دولة الامارات في سيؤول عام 1987، ثم شهدت العلاقات مستويات متزايدة من التعاون وارتقت إلى صيغة الشراكة الاستراتيجية في عام 2009، وتطورت إلى مستوى أعلى مع عقد مشروع “براكة” في العام ذاته بقيمة تقدر بنحو 18.6 مليار دولار أميركي، وهو يمثل اهمية استثنائية للجانبين، في ضوء رهانات الامارات التنموية على الطاقة النووية كمصدر بديل للطاقة فضلاً عن كونه أول محطات للطاقة النووية السلمية في العالم العربي، بينما تتجلى هذه الأهمية بالنسبة لكوريا الجنوبية في كونه أول مشروع بناء محطات للطاقة النووية خارج كوريا الجنوبية، ما يعكس عمق الثقة الاماراتية في التكنولوجيا الكورية الجنوبية في هذا القطاع الحساس.
 
 
وتشير الزيارات الرسمية المتبادلة إلى تقارب رؤية قيادتي البلدين وحرصهما في مختلف المراحل التاريخية على تقوية العلاقات حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الخاصة، وهي الصيغة الوحيدة التي تربط بين كوريا وإحدى الدول العربية والخليجية. ويشير سجل الزيارات إلى محطات بارزة على هذا الصعيد منها زيارة الرئيس الكوري الأسبق لي ميونج باك إلى الدولة في عام 2009 لتوقيع عقد إنشاء أربعة مفاعلات للطاقة النووية في الإمارات ضمن برنامجها السلمي للطاقة النووية، وكذلك زيارة بارك كون هيه الرئيسة السابقة لكوريا الجنوبية في عام 2015، والتي نتج عنها توقيع الاتفاقية الإطارية لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، ثم زيارة الرئيس الكوري مون جيه ـ ان، إلى دولة الإمارات في شهر مارس عام 2018 والتي حظيت باهتمام كبير، والتي أعرب خلالها فخامته عن أمله في الارتقاء بالعلاقات بين بلاده ودولة الإمارات من مرحلة الشراكة الاستراتيجية إلى مستوى أعلى لتصبح علاقات شراكة استراتيجية خاصة شاملة تتجه صوب المستقبل وآماله. ومن جانب دولة الامارات، هناك زيارات مهمة لكوريا الجنوبية قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في مايو 2010، ومارس 2012، وأبريل 2014.
 
 
وقد أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، خلال زيارته إلى سيؤول في يوليو الماضي للاحتفاء بمرور 40 عاماً على بدء العلاقات الاماراتية الكورية الجنوبية إن دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية كوريا الجنوبية أظهرتا خلال الوضع غير العادي الذي واجهه العالم هذا العام بسبب الآثار غير المسبوقة والمترتبة عن فيروس كورونا المستجد ترجمــــة حقيقـيــة لمعــاني الصــداقــة والتضامــن. وقـال ســموه  في مقال نشرتــه وكالــة “يونهــاب” الكـــوريــة الجنـوبيـة
 
 
 إن العلاقات بين البلدين هي “نموذج لشراكة ثنائية أصبحت أقوى بعد تفشي فيروس كوفيد - 19 “. وأشار سموه إلى بعض ركائز هذه الشراكة وأسسها مشيراً إلى البلدين يقعان في مناطق استراتيجية وحيوية، ويدعم كلاهما تحقيق الاستقرار والرفاهية في الدول المحيطة، وبالتالي تسعى الدولتان إلى الحد من التطرف والأنشطة التوسعية - أينما كانت مصدرها - من خلال تعزيز العمل الجماعي المشترك في مناطقنا في إطار القانون الدولي، ونؤمن بأن التعاون والتضامن عاملان أساسيان لبلدينا بسبب التحديات التي واجهناها سويا وبشكل منفرد. وأوضح أنه على مر السنين، تطلعت دولة الإمارات للتعاون مع كوريا الجنوبية نظرا لخبرتها الكبيرة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا، وتطلعت كوريا الجنوبية للتعاون مع الإمارات نظرا لخبرتها الكبيرة في مجال الخدمات اللوجستية والتجارة والسياحة في الشرق الأوسط. وأشار سموه إلى أن العلاقات الثنائية بين البلدين وصلت إلى مرحلة مهمة عندما وقعت الإمارات عقودا مع شركة الطاقة الكهربائية الكورية و”هيونداي” و”سامسونج سي آند تي” للمساعدة في بناء أول محطة للطاقة النووية في العالم العربي.
وحول مستقبل العلاقات، قال الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان إنه على الرغم من كل الإحصائيات المتميزة للبلدين، إلا أن الجانبين يعتبران ذلك مجرد بداية لعلاقة أعمق وأوسع نوفر من خلالها حلولا مشتركة لعدد أكبر من الأسواق.
 
الطاقة النووية السلمية والمستقبل
بدأ توظيف الطاقة النووية في توليد الكهرباء في ستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة وبريطانيا؛ وكانت أول محطة لتوليد الطاقة تجارياً قد بدأت العمل في انجلترا عام 1956 بطاقة 50 ميغاوات. وازدادت قدرة المحطات النووية على إنتاج الطاقة مع مرور الزمن من 1 ميغاوات في الستينيات إلى أكثر من 366 ميغاوات في أوائل القرن الحادي والعشرين. 
 
 
وبتشغيل محطة “براكة” أصبحت الامارات عضواً في ناد عالمي يضم نحو ثلاثون دولة تمتلك القدرة على توليد الكهرباء من المفاعلات النووية، وهناك قائمة تضم نحو 17 دولة في العالم تعد من أكثر البلدان استخداما للمحطات النووية في توليد الطاقة - بحسب ما تقول منظمة “وورلد نيوكلير أسوسييشن”، وهي الولايات المتحدة ولديها نحو 100 مفاعل نووي، وفرنسا لديها 58 مفاعلاً نووياً، واليابان التي تمتلك 50 مفاعلاً نووياً، وروسيا لديها 33 مفاعلاً نووياً، وكوريا الجنوبية لديها 23 مفاعلاً نووياً، وكنداً التي تمتلك 20 مفاعلاً نووياً، والهند لديها 20 مفاعلاً نووياً، وبريطانيا لديها 18 مفاعلاً نووياً، والصين لديها 17 مفاعلاً نووياً، وألمانيا لديها 9 مفاعلات نووية، وأسبانيا التي تمتلك 8 مفاعلات نووية، والسويد 10 مفاعلات نووية، وبلجيكا التي تمتلك 7 مفاعلات نووية، ودولاً أخرى تمتلك أيضاً أقل من 10 مفاعلات نووية مثل سويسرا وجمهورية التشيك وغيرهما. وفي الوقت الراهن، تتبنى دولاً آسيوية عدة في مقدمتها الصين والهند سياسات تهدف إلى التوسع في استخدام الطاقة النووية السلمية في توليد الكهرباء.
 
 
ومن الضروري الاشارة إلى أن فوائد محطات الطاقة النووية السلمية لا تقتصر على توليد الكهرباء، بل إنها أيضا تفيد الأطباء في تشخيص الأمراض وعلاج الكثير منها،  وتساعد العلماء في استكشاف أعماق المحيطات، وتوفر للغواصات طاقة نقية، كما تساعد الطاقة النووية أيضا المسبارات الفضائية في السفر لمسافات تبلغ ملايين الأميال باستخدام مولدات نووية للطاقة، ويستخدم الإشعاع النووي في معالجة الأغذية وقتل البكتيريا فيها، وفي قتل الحشرات والطفيليات التي تسبب الأمراض. ويبقى توليد الكهرباء أحد أهم هذه الفوائد، وفي ذلك تقول دراسة نشرتها شركة “إكسون موبيل” في 2018 إن الطبقة الوسطى التي تتزايد أعدادها في العالم ستكون بحاجة إلى المزيد من الطاقة التي يمكن أن يعوّل عليها وبأسعار رخيصة. ومع زيادة دعوات الحفاظ على البيئة والدعوة إلى تقليص انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يتولد عن استخدام الطاقة المعتمدة على مصادر طاقة تقليدية من النفط أو الغاز الطبيعي، يواجه العالم معضلة تتمثل في الحفاظ على التوازن بين حماية البيئة وزيادة الاعتماد على طاقة أكثر موائمة، تتطلب استثمارات ضخمة وتقنيات متقدمة. 
 
 
وتشير تلك الدراسة إلى أن توفر الطاقة يعزز مستويات الرفاه في المجتمعات، ومع نمو الاقتصاد يصبح الناس أكثر رفاهية وامتلاكاً للأموال، ويقبلون أكثر على شراء البضائع، التي ينتج كثير منها من مواد كيميائية مستخرجة من النفط. ويؤدي اتساع رقعة الرخاء إلى نمو النقل التجاري، إذ سيحتاج العالم إلى نقل مواد خام أكثر وشحن البضائع المنتجة أكثر من ذي قبل. ومع زيادة الثراء سيزداد تعداد السكان، الذين يحتاجون إلى السفر أكثر، ويعني هذا الحاجة إلى المزيد من الوقود، وهنا تبرز أهمية الطاقة النووية باعتبارها حلا لتلك المعضلة. إذ إن توليد الطاقة الكهربائية نوويا سيقلص نسبة الاعتماد على الطاقة المولدة من النفط والغاز الطبيعي. وتعني قلة الاعتماد على الوقود الإحفوري تقليص الانبعاث الحراري، وانخفاض أسعار الطاقة التقليدية.
 
 
الخلاصة
من المعروف أن دولة الامارات قد حققت السبق عربياً في استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء، حيث تتجه العديد من الدول العربية إلى بناء مفاعلات نووية للأغراض السلمية، ولدى بعضها بالفعل خطط يجري تنفيذها وبعضها الآخر لا يزال يطور خططاً في هذا الشأن؛ لذا فإن تشغيل مشروع محطات “براكة” للطاقة النووية يعد إنجازاً تاريخياً إماراتياً وعربياً رائداً بامتياز، حيث وضعت الامارات قدم العرب على أول طريق استخدام الطاقة النووية النظيفة في توليد الكهرباء من أجل توفير دعائم التنمية المستدامة وأسس بناء المستقبل، و لعل تدشين هذا الانجاز بعد فترة وجيزة من إطلاق “مسبار الأمل” لاستشكاف المريخ يعني أن الامارات تقود مسيرة النهضة واستئناف الحضارة في عالمنا العربي، وتعزز دورها الريادي كمصدر ملهم للبناء والتنمية وصناعة الأمل لعشرات الملايين من الشباب العرب الذين ينظرون للامارات باعتبارها رمزاً للمستقبل والحياة والبناء والقيم والمبادىء الخيرة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-11-08 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره