مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2022-10-02

وفاة جورباتشوف.. وذاكرة التاريخ

هناك عدد قليل جداً من الناس، سياسيين ومراقبين، في كل أنحاء العالم ممن يعتقدون أن مخائيل جورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفيتي سابقاً. وهو نفسه الرئيس الذي تسبب في انهياره حينما كان يمثل القطب العالمي الثاني والذي توفي مؤخراً، أنه: يستحق أن يُكرم وأن ينال الكثير من التقدير من دول العالم أو على أقل تقدير من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
 
السبب أن الخدمة الاستراتيجية التي قدمها جورباتشوف للمعسكر الغربي وهو في رئاسة السوفيت والتي تمثلت في أنه أخلى الساحة الدولية وأفرغها من منافس قوي وشرس استمر عنيداً لمدة سبعة عقود كاملة دون أن يتزعزع، بل إنه تسبب في تغيير مجريات العالم كلها تستوجب التقدير والامتنان له. لهذا فإن استغراب المراقبين أنه لا روسيا بوتين، ولا حتى الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي ولا حتى الغرب قاموا بواجب العزاء يليق بحجم المكانة التاريخية التي يمثلها شخص بحجم جورباتشوف.
 
فالكل تجاهل باستغراب واضح وفاة آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي وتم تهميش لحظة تاريخية لواحد من عظماء التاريخ رغم أنه. فتح باب للحرية والشفافية أو ما يعرف باستراتيجية (بيريسترويكا وغلاسنوست) لمواطني الدول التي كانت تحت راية الاتحاد السوفيتي. ورغم أنه ساعد الكتلة الغربية في إقصاء عدوه الأيديولوجي بتفكيك المعسكر الشيوعي دون أي جهد عسكري، ورغم أنه تم تكريمه عالمياً بمنحه جائزة نوبل للسلام لدوره التاريخي في خدمة الإنسانية!!.
 
كان يمكن توقع هذا التهميش لجورباتشوف ورحيله بهدوء دون صخب منذ مرور خمس سنوات الأولى على انهيار الاتحاد السوفيتي الذي حصل في 26 ديسمبر 1991، فمن يومها ودرجة الغضب على ما فعله يتصاعد مع مرور الوقت فالذي حصل في 1996 أن جورباتشوف حاول العودة إلى رئاسة روسيا مرة ثانية وترشح ضد خليفته بوريس يلتسين لكنه حصل نصف صوت بالمائة في الانتخابات. 
وبعدها والشعب الروسي لا يطيق سماع تاريخه بل إن الدول المجاورة لروسيا بدأت تحس بالشعور السياسي نفسه، لأن الذي حصل لهم بانهيار الاتحاد السوفيتي هو: فقدان هوية والكينونة، وصارت الجمهوريات السوفيتية بعده أشبه بمقاطعات وإقطاعيات أوروبا في القرون الوسطى حيث لا قوة ولا كيان ولا هوية لشعوبها يدافعون عنها أو تبرر وجودهم.
 
موضوعياً، تقييم الموقف الروسي من وفاة جورباتشوف هو: أنه طبيعي، أما لو ناقشنا الموقف الغربي عموماً فهو يدعو للاستغراب والتساؤل فخدماته لهم يفترض أنها كبيرة وعظيمة وتستحق التقدير عندهم وليس كمن كان يجب أن يفعل ما فعله كما لو كان موظف لديهم ويفترض ألا ينظر له قائداً عظيماً يستحق التقدير.
 
من الناحية المنهجية والأكاديمية ما حدث لجورباتشوف هو أمر طبيعي في تقييم الزعماء التاريخيين ولدينا أمثلة كثيرة على المستوى العربي والعالمي. فالصورة الذهنية لزعيم ما أثناء حياته ليست هي بعد وفاته أو تركه الحكم إلا في استثناءات بسيطة. فهناك من كان زعيم محل إعجاب في مشروعه السياسي ولكن بعد مغادرته اختلف الناس عليه ربما حالة جورباتشوف خير مثال وفي المقابل هناك زعماء مثلوا عبئاً على السلطة ولكن بعد ترك المنصب بدأت التقييمات تتغير ربما حال الزعيم الليبي معمر القذافي وحتى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ولو بنسبة بسيطة هناك حنين له. 
الخلاصة: أن كل الزعماء التاريخيين يبقون محل جدل واختلاف في تقييم فترات حكمهم لا سيما عندما يتم التقييم خلال فترة زمنية مختلفة لهذا فإن أكاديمياً من الخطأ الحكم على زعيم أو حدث معين في زمن ما بمعايير زمن آخر فالمعطيات تختلف.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-11-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره