مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-06-01

نقطة التحول الأهم في الشرق الأوسط

تتعدد التطورات في النظام الدولي ويكون لبعضها دور رئيسي في إحداث تغير جذري في شكل النظام الدولي كما حدث مع الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وكذلك سقوط الاتحاد السوفيتي. إلا أن هناك أيضاً تغيرات دولية تحدث ويكون لها تأثير كبير على تغير في شكل النظام الإقليمي لمنطقة معينة. ونحن في منطقة الشرق الأوسط كان لنا نصيب في أحداث غيرت شكل النظام الإقليمي بشكل واضح وأوصلت الأمور الى ما هي عليه اليوم. ولعل نقطة التحول الرئيسية لشكل النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط هي القرار الأمريكي باجتياح واحتلال العراق في عام 2003. هذا القرار كان له تداعياته الكبيرة التي ألقت بضلالها على العديد من التغيرات في هيكلية النظام الإقليمي نذكر منها التالي:
 
أولاً: اختلال التوازن في القوة لصالح إيران بعد ان قضت الولايات المتحدة على نظام صدام حسين الذي كان يمثل الموازن الحقيقي لإيران ونفوذها في المنطقة. هذا الاختلال أدى إلى تحول عدو الأمس العراق إلى دائرة السيطرة والنفوذ الإيرانية، مما جعل المنطقة خالية من مُوازن قادر أن يكبح جماح الهرولة الإيرانية. مع هذا السقوط للعراق أصبحت إيران تتوغل بشكل أكبر في المنطقة العربية وأصبحت تحمل رغبة عملية نحو تطوير قدراتها النووية في المجال الغير سلمي من دون أن يكون هناك من هو قادر في المنطقة على كبح جماحها وعرقلة مخططاتها.   
 
ثانياً: مع هذا الاختلال في ميزان القوة لصالح إيران مع القضاء على نظام صدام حسين أصبحت إيران أكثر شراسة وأخذت على عاتقها تأجيج التلاحم الاجتماعي في الداخل العربي عبر دعم الطائفية. الصراع الطائفي بين السنة والشيعة بدأ يبرز على الساحة بشكل واضح بعد أن كان خابتاً أو غائباً في الكثير من الدول العربية. هذا التأجيج الطائفي جاء نتاج دعم إيران للشيعة في العراق ضد السنة ورفع راية دعم الأقلية الشيعية في العالم العربي لاسيما مع اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي والتي حاولت إيران استثمارها لزعزعة أمن واستقرار الدول العربية. لم نكن في العالم العربي نتحدث عن الطائفية ولم يشغل بالنا هذا الموضوع على الإطلاق قبل الاجتياح الأمريكي للعراق والسيطرة الإيرانية على ذلك البلد. أما اليوم فحدث ولا حرج، فدماء أصبحت تسفك باسم الطائفية.  
 
ثالثاً: مع الاجتياح الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين بدأت الحركات الإرهابية المسلحة في البروز وإيجاد موطئ قدم لها بعد أن كانت مقتصرة على أفغانستان. هذا البروز لتلك الجماعات جعل فكرها ينتعش في النطاق الإقليمي بشكل أوسع عما كان عليه في الماضي. فتوسعت القاعدة وخرج من رحمها تنظيم داعش الذي وجد في العراق ملاذا خصباً لنشر فكره وعملياته، وظهرت تنظيمات طائفية مسلحة جديدة مدعومة من دول مثل التنظيمات الشيعية في العراق المدعومة من إيران. وأصبحت أعمال مثل تلك التنظيمات عنوان المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية والتي من خلالها برزت قضايا ما يسمى بالإرهاب الذي لم يتوقف عند حدود إقليم معين بل تمكن من الوصول إلى كل بقاع العالم، فأصبح الإرهاب موضوع عالمي يشغل بال الجميع وإن كان أكبر ضحاياه في المنطقة العربية. 
 
رابعاً: مع تراجع الحالة العربية وتصاعد التوغل الطائفي الإيراني برز التململ الشعبي العربي ضد بعض الأنظمة الحاكمة، فجاءت ما تسمى بالثورات العربية التي ألحقت ضرراً كبيراً ببعض المجتمعات العربية التي كانت تأمل في الحرية والديمقراطية لكنها وجدت استبداد ديمقراطي تمثل في وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم وانقلابهم على أسس الممارسة الديمقراطية. وبدأت مع ذلك التوغلات الخارجية تزداد في الشأن الداخلي العربي مع التدخل الإيراني المؤجج طائفياً والتدخل التركي المؤجج مذهبياً، وتضررت الدولة الوطنية مع تفاقم مثل تلك التدخلات في كل من العراق ومصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان، وحدثت حالات الفلتان الأمني ودخلت مسألة الهجرة الدولية كتحدي جديد للنظام الدولي. 
 
 خامساً: تراجع الهيمنة الأمريكية لصالح بروز الدور الروسي في المنطقة مع عدم تمكن الولايات المتحدة من تحقيق النصر والوصول إلى هدفها في العراق. حالة الفشل الأمريكي في العراق جعلت الدور الأمريكي يتراجع في المنطقة ويُعقد من قدرة واشنطن على كبح جماح بروز الدور الروسي في المنطقة. العديد من الأنظمة المتخوفة من التحرك العسكري الأمريكي اتجهت بشكل أكبر نحو روسيا وتعزيز علاقتها السياسية والعسكرية معها. الأمر الذي جعل موسكو تدخل المنطقة كلاعب مؤثر. 
 
وسادساً: نجد أن الاجتياح الأمريكي للعراق والفشل هناك ولد انقسام عربي بين الدول العربية المؤيدة والرافضة والمحايدة. هذا الانقسام القى بضلاله على الحالة العربية التي أصبحت أكثر عجزاً عن تقديم عمل عربي مشترك قادر على مواجهة الأخطار على المنطقة. فهناك دول انسلخت من نطاقها العربي لتدخل تحت دائرة النطاق الإيراني، وهناك دول أرادت أن تقف في الحياد ولا تريد أن تقف موقف معارض لأحد فابتعدت عن الإجماع العربي. كل ذلك أفاد دول مثل إيران وإسرائيل وتركيا التي تحاول فرض أجندتها ومشاريعها في ظل غياب أجندة ومشروع عربي. كل هذه التغيرات تمثل تغيرات هامة وكبيرة في شكل التفاعلات القائمة في الشرق الأوسط بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق. لذلك نقول إن هذه الخطوة الأمريكية كانت هي القشة التي قصمت ظهر شكل النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-12-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره