مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2015-08-01

مناطق النفوذ في السياسة الدولية

يزخر حقل العلاقات الدولية بالعديد من المفاهيم التي يمكن أن تُعتبر مفاتيح لتفسير أحداث وتطورات بل وظواهر تحدث في النظام الدولي. ولكن قليل هو الاهتمام ببعضها من قبل المهتمين بالشأن الدولي في حقل العلوم السياسية، حيث أن أهل العلم في السياسة يبدعون في طرح الأفكار والنظريات التي يعتمد عليها الساسة في تجسيدها في واقعهم العملي.
 
ومن هذه المفاهيم التي لم تجد وللأسف اهتماماً كبيراً في كتابات كُتاب العلاقات الدولية رغم أهميتها هو مفهوم مناطق النفوذ. ولعلنا نعرض لهذا المفهوم في هذه السطور البسيطة علها تقدم فهم أفضل للمتابع لهذا الشأن في تفسير بعض ما يحدث في العالم. 
 
تُعرف مناطق النفوذ بإعتبارها تركيبة دولية تتضمن سيطرة دولة قوية على دولة أو دول أخرى في منطقة معينة. ومن المفترض أن تكون درجة النفوذ عند المستوى المتوسط، بمعنى أن تكون أقل قوة من درجة الوصول إلى حالة الاستعمار أو الاحتلال، وأعلى قوة من مجرد دولة قائد في تحالف ما. كما أن وسيلة بسط النفوذ من المفترض أن لا تكون عسكرية بل سلمية كالسياسية والاقتصادية والفكرية. وفي هذا الإطار يمكن القول بأن معظم أوروبا والمكسيك واليابان ودول الخليج العربي هي مناطق نفوذ للولايات المتحدة، وأن كوريا الشمالية هي منطقة نفوذ للصين، وأن المناطق المحاذية لروسيا في حدودها الغربية هي مناطق نفوذ لروسيا.
 
ولعل الإشكاليات السياسية التي تحدث في عالم اليوم مردها بشكل متصل عدم الالتزام أو الاتفاق على مناطق النفوذ في العالم، لاسيما بين الدول المحورية والمركزية سواء في النظام الدولي أو في النظم الإقليمية. فالخلاف القوي الدائر اليوم بين الولايات المتحدة وروسيا مرده الأساسي هو أن الطرف الروسي اعتبر أن الطرف الأمريكي قد تعدى على مناطق نفوذه التقليدية، فما كان أمام روسيا إلا أن تتحرك لمواجهة هذا التعدي بإعتباره يُقوض هيبة ومكانة روسيا كدول محورية، ويؤثر  بالتالي وفقاً لنظرتها الإستراتيجية على أمنها واستقرارها.
 
لذلك فإن التمسك الروسي بأجزاء كبيرة من شبه جزيرة القرم في أوكرانيا بالتدخل العسكري يعتبر تحركاً إستراتيجياً يُعبر عن رفض موسكو لتعدي واشنطن على مناطق نفوذها التقليدية. 
 
فلاديمير بوتين ليس مجنوناً وفقاً للنظرة الإستراتيجية في وقوفه المتشدد ضد التحرك الأمريكي في أوكرانيا لأن ذلك يعتبر مصلحة وطنية روسية لابد أن تأخذها الدول الكبرى الأخرى بعين الاعتبار. تماماً لو تخيلنا بأن روسيا تدعم المكسيك أو كندا وتفرض سيطرتها السياسية عليها هل يمكن لواشنطن قبول ذلك؟ بالطبع لن تقبل، فهذا هو حال روسيا مع واشنطن اليوم، وهو ما يجب أن يجعلنا نأخذه في عين الإعتبار عند تحليلنا للوضع الدولي القائم بين هذين البلدين. 
 
ويدخل في هذا التحليل الحال القائم بين واشنطن وروسيا حول الوضع في سوريا، حيث أن سوريا هي منطقة نفوذ روسي لا يمكن أن تتنازل عنه موسكو بسهولة لصالح واشنطن. وهذا ما يفسر لنا الوقوف الروسي المستميت مع نظام بشار الأسد ضد المقاومة السورية التي تدعمها واشنطن، فهذا الدعم ليس لأن موسكو دولة تدعم النظم الغير ديمقراطية وإنما لأن خسارة موسكو لسوريا يعني فقدان منطقة أساسية من مناطق نفوذها التقليدية، والدول عادة لا يمكن أن تقبل بفقدان مناطق نفوذها بسهولة. 
 
هذه الإشكالية في احترام مناطق النفوذ هي إشكالية دولية لا تتوقف عند علاقة واشنطن بروسيا وحسب بل تشمل دول أخرى عديدة في العالم كالصين في علاقتها مع واشنطن، وكذلك يمكن اعتبار أن الحال القائم في منطقة الخليج من صراع بين إيران والسعودية مرده أيضاً الاختلاف بين الأطراف في احترام كل طرف لمناطق نفوذ الطرف الآخر. فاليمن والبحرين هي مناطق نفوذ تقليدية للسعودية، لا يمكن للمملكة القبول بأن تعمل إيران على التدخل في شؤونها لأن ذلك يعتبر خط أحمر للمصلحة الوطنية السعودية، وهذا الأمر يمكن أن ينطبق على معظم الدول العربية التي سعت إيران إلى خلق نفوذ لها وهي ليست مناطق نفوذ تقليدية لها.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره