مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-06-03

لماذا الهاجس الدولي من الصين ؟

جميع الأنظار على الصين، ومعظم القوى الدولية من الولايات المتحدة وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي واليابان وحتى استراليا متوجسة من ما يحدث في الصين من تطور اقتصادي وعسكري. والسبب في ذلك يعود إلى أنهم يدركون بأن الصين تقدم نموذجاً جديداً من شأنه أن ينافس النموذج الذي تسير عليه هذه الدول والمرتبط بالفكر الليبرالي الغربي في المجال الاقتصادي والسياسي. وبالتالي كل تحرك سياسي أو اقتصادي أو عسكري صيني في المجال الخارجي يلقى جل التركيز والاهتمام الدولي وينظر إليه من منظور المعادلة الصفرية، أي أنه مكسب للصين وخسارة للقوى الأخرى. 
 
نعم الهاجس الدولي من الصين يكمن في أنها دولة تقدم نموذج حوكمي مختلف عن النموذج الغربي، وهو ما يصيب معظم تلك القوى بمخاوف بروز تنافس دولي جديد بين فكرتين من أفكار الحكم في العالم، الفكرة الليبرالية الغربية القائمة على الديمقراطية وسيطرة السوق، والفكرة المحافظة الصينية والقائمة على سيطرة الدولة على خطط التنمية. 
 
أساس النموذج الصيني يقوم على سيطرة الدولة على التخطيط التنموي بعقلية الفكر الليبرالي، أي التعاون مع القطاع الخاص وتوفير الفرص له وفقاً لإشراف الدولة على هذا التخطيط وعدم ترك السوق يتحكم به بشكل كامل من قبل القطاع الخاص. وهو ما يسميه الصينيون “الاشتراكية بخصائص صينية”، وهي اشتراكية تختلف عن النموذج الماركسي التقليدي، فهي تعتمد على تطويع الاشتراكية للظروف الصينية، وتعترف بأهمية القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية وهي أمور لا تؤمن بها الماركسية الكلاسيكية. فالدولة هيأت الظروف المناسبة للقطاع الخاص كي يعمل ويحقق أرباح كبيرة من خلال توفير البنية التحتية والأيدي العاملة وفرض قانون يحترم سيادة الدولة والحزب الشيوعي الحاكم وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ولكن علينا ايضاً أن ندرك بأن مفهوم القطاع الخاص في النموذج الصيني يختلف عن ما هو عليه في النظام الليبرالي. فالقطاع الخاص في المجالات الحيوية في الدولة الصينية يتبع الدولة ويعتمد على دعمها بشكل مباشر وهو عكس ما يوجد في الفكر الليبرالي الذي يحد من تدخل الدولة في تسير القطاع الخاص. وهو نموذج يختلف عن النموذج الليبرالي الغربي.
 
لذلك تمكنت الصين من تحقيق العديد من النجاحات الكبرى ومنها نقل مئات الملايين من الناس من خط الفقر والوصول بالصين إلى تصنيف ثاني أقوى اقتصاد في العالم، ومن المتوقع أن يصبح الاقتصاد العالمي الأول في غضون العشرين سنة القادمة. كل ذلك حدث بفضل عدم ترك القطاع الخاص يدير الاقتصاد بشكل كامل، والاعتماد على مفهوم القطاع الخاص العام أي أن الدولة أصبحت هي القطاع الخاص بشكل أساسي وبالتالي الأرباح أصبحت تدخل لخزينة الدولة بدلا من أن تذهب إلى جيوب أشخاص يملكون الشركات الخاصة. بالإضافة إلى ذلك فإن النموذج الصيني اعتمد على قبول الاستثمارات الأجنبية ووفر لها الظروف المناسبة كي تعمل وتنجح. ففتح الأسواق الصينية للشركات الأجنبية منذ الثمانينات كانت هي نقطة التحول الأبرز في التطور التنموي الاقتصادي الصيني، وكان ذلك الانفتاح مهم لأنه أدى إلى جلب التكنولوجيا والخبرة والمعرفة الأجنبية إلى الصين عبر تلك الاستثمارات، مما أحدث نقلة نوعية كبيرة للاقتصاد الصيني. 
 
نجاحات الصين على المستوى النموذج التنموي الذي تقدمه للعالم يشكل هاجساً للدول الغربية والفكر الليبرالي من ناحيتين. الأولى، هناك تخوف من أن النموذج الصيني يعكس نموذج تنموي جديد ينافس النموذج التنموي الليبرالي وبالتالي يهدد أسس النظام الاقتصادي الدولي القائم على المؤسسات الدولية التي أنشأتها الدول الليبرالية الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. والثانية، هناك تخوف من أن هذا التنافس يخلق انقسام دولي جديد في النظام الدولي نتيجة للقبول الكبير الذي يلقاه النموذج الصيني بين دول العالم النامي التي تنظر إلى النموذج الصيني على أنه الأقرب إلى تفكيرها من النظام الليبرالي الغربي. وهنا ينقسم العالم من جديد إلى معسكرين ولكن هذه المرة معسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة ومعسكر غير غربي بقيادة الصين وتفرض الصين بالتالي هيمنتها إلى العديد من مناطق العالم التي تجد في الصين النموذج الصحيح الذي يمكن الاستفادة منه والسير على خطاه. ويعود العالم إلى الثنائية القطبية التي كانت السمة المهيمنة على قاعدة النظام الدولي طوال فترة الحرب الباردة. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2021-08-01
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره