مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-02-07

لا أسـود ولا أبيـض

في السياسة نقول أنه لا أسود ولا أبيض، وإنما هناك دائماً المساحة الرمادية التي تعمل من خلالها الدول مع بعضها البعض، هذه المساحة تعطي هامش من المناورة السياسية بين الدول بحيث لا تكون هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما هناك مصالح تحكم علاقات الدول في مجمل التفاعلات الدولية القائمة في عالم اليوم. 
 
 
وحتى الدول المتحالفة فيما بينها لا تُبعد نفسها كل البعد عن هذه المساحة الرمادية إيماناً منها بأن هذه التحالفات قد تأخذ بها إلى نهايات غير سعيدة كأن تؤدي بها إلى السقوط في فخ الحروب والمشاكل مع دول أخرى أو في الوقوع في فخ تخلي الدولة الحليفة الأقوى عنها. فهذه المساحة الرمادية تضمن درجة من الحيطة والحذر للدول كي تضمن نوع من الأمن والاستقرار لها.
 
 
هذه الاستراتيجية ليست حديثة في العلاقات الدولية وإنما قديمة قدم العلاقات بين الدول، حيث تحدث عنها الاستراتيجي الصيني الأبرز سن تزو في عمله «فن الحرب» قبل نحو الفين واربعمائة سنة عندما تكلم عن ضرورة أن تجعل الدول أصدقاءها قريبين منها وأن تجعل خصومها أكثر قرباً. نعم الخصوم أكثر قرباً من الأصدقاء، أمر قد يكون غريباً لدى البعض، ولكنه يصب في صلب إستراتيجية الحيطة والحذر التي لابد أن تتبعها الدول وفقاً لمبدأ لا اسود ولا أبيض. إنها المنطقة الرمادية التي من المفترض على الدول التي تريد أن تحقق لنفسها المصالح الإيجابية أن تعمل من خلالها. فالصديق تعلمه جيداً وتعلم قدراته وهو أيضاً يعلمك جيداً ويعلم قدراتك، ولكن الخصم هو الذي قد يجعلك تقع في حيرة لأنك قد لا تعرف عنه الكثير ولا تعرف عن قدراته المتغيرة. لذلك فالعمل وفقاً للمنطقة الرمادية الساعية إلى التقارب مع الخصوم هو جزء أساسي من إدارة العلاقة بشكل يحقق لك المكسب في العلاقة مع مثل تلك الأطراف. من خلال جعل الخصم قريب إليك تكون لديك المعرفة الأفضل بقدراته ومكامن قوته وضعفه. ويمكنك أيضاً معرفة حجم الخصومة أو الاختلاف بينك وبينه. حيث تسطيع ان تحكم درجة الخصومة القائمة هل هي خصومة مبالغ فيها أم أنها صحيحة وفي محلها. وهذا أمر ضروري لبناء الاستراتيجيات على أسس المعرفة الصحيحة. كما أن جعل الخصم قريباً منك يجعلك أكثر قدرة على تحييد الخصم وتحركاته الضارة بك. 
 
 
جميع الدول تتبع هذه الاستراتيجية فيما بينها، ونجدها كذلك مع الدول الصغيرة أو الضعيفة التي تجد نفسها في سباق تنافس أو خصومة بين قوتين كبيرتين تعتبر كلاهما مهمة لها. فمثلاً نجحت سنغافورة في خلق نموذجها المستقر والمزدهر بسبب ابتعادها عن أخذ موقف واضح ومحدد في علاقة الولايات المتحدة والصين. فكل من الولايات المتحدة والصين قوتين مهمتين لسنغافورة التي تعتمد بشكل كبير على الانتفاع من علاقتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مع هاتين الدولتين. الولايات المتحدة بالطبع تود لسنغافورة أن تأخذ موقف معادي للصين، والصين تود من سنغافورة أن تأخذ موقف معادي من الولايات المتحدة، لكن إدراك القيادة السياسية السنغافورية لمكامن القوة والضعف في كينونة الدولة جعلها تتبع استراتيجية الحيطة والحذر أي السير في المنطقة الرمادية التي تحمي سنغافورة من أن تتخذ الخط الأبيض او الخط السود في علاقتها مع القوتين الكبيرتين. ونجحت بذلك في أن تستثمر علاقتها مع الطرفين بالطريقة المثلى لها. الولايات المتحدة هي الحليف الأبرز لسنغافورة ونجحت بالتالي في أن تجعل واشنطن قريبة منها ولكن في نفس الوقت نجحت في تحييد خصومة الطرف الصيني الذي وجد في استراتيجية سنغافورة القائمة على الحيطة والحذر مقبولة في التعامل والتعاون معها. وهناك العديد من الأمثلة الشبيهة على ذلك في العلاقات الدولية.
 
 
إذاً، الدول تُعدل من استراتيجياتها في التعامل مع بعضها البعض، وفي ذلك فرص لحل الخصومات إذا ما كانت موجودة لا سيما مع الدول المتخاصمة. ورغم أنه لا ضامن لذلك إلا إنه يبقى الخيار الأمثل لمعرفة الخصوم بشكل اكبر، والتعامل بالتالي معهم بشكل أكثر عقلانية وإدراك.         
 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-02-07 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره