مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-05-07

كيف يتحول العدو لصديق؟

يشغل موضوع السلام بين الدول اهتمام العلوم السياسية ومختصيها الذين يسعون لدراسة كيف يمكن أن يتحقق السلام في عالم تتصارع فيه المصالح بين الدول. والشواهد المختلفة تثبت بأن السلام ليس مستحيل الوصول إليه بل أنه ظاهرة يمكن تحقيقها بين الأعداء، فطالما أن العداوات هي من صناعة الإنسان فإن هذا الإنسان قادر أيضاً على أن يتجاوز العداوات ويحقق السلام. 
 
 
ولعل منطقتنا العربية مشحونة بأطراف معادية لبعضها البعض، مما أدى إلى خلق حالة من الصراع المستمر بين تلك الأطراف، أججت روح الخصومة والتحدي والمواجهة بدلاً من روح الأمن والاستقرار والتعاون. وعليه فإن حديثنا النظري عن مسألة تحقيق السلام بين الأعداء يمكن أن تُستثمر في الحالة العربية وتجاوز وضع العداء القائم في المنطقة.
 
إن السلام المستقر يمكن أن يتحقق من خلال مراحل أربع رئيسية هي: أولاً مرحلة المصالحة والتي تعمل من خلاله الدولة التي تواجهه العديد من الخصومات مع دول أخرى في المنطقة (مثلا إيران، إسرائيل، تركيا، أوقطر) إلى تقديم تنازل إلى الأطراف الأخرى من أجل السعي إلى خلق سلام مستقر ودائم. ثانياً مرحلة التجاوب المماثل من الأطراف الأخرى (مثلاً السعودية، مصر، الإمارات، البحرين) وتقديم تنازلات توازي تنازلات الدولة الأولى من أجل ضمان تحقيق سلام مستقر ودائم. ثالثاً مرحلة العمل على تحقيق اندماج مجتمعي بين مجتمعات مثل تلك الدول من مؤسسات سياسية وغير سياسية وأفراد وخلق درجة عالية من التعاون والتبادل المجتمعي المشترك. ورابعاً مرحلة خلق فكر جديد يؤطر للعلاقة الجديدة القائمة بين الطرفين ويبعدهما عن الفكر القديم وبالتالي التحول من حالة العداء التي كان يؤججها الفكر القديم إلى حالة السلام التي يمكن أن يُعززها الفكر الجديد. 
 
 
في مثل هذه الحالة نستطيع التحول إلى النطاق الأوسع والعمل على تحقيق سلام إقليمي تتشارك من خلاله أطراف عدة في إقليم معين (مثلا منطقة الخليج العربي، أومنطقة الشرق الأوسط). الوصول إلى السلام الإقليمي مرحلة تأتي بعد أن يتحقق السلام الثنائي بين طرفين متخاصمين ويتحولان من العداوة إلى الصداقة. ويحدث السلام الإقليمي من خلال إما التقارب أوتشكيل ما يسمى بـ «جماعة الأمن»، أوالوصول إلى الاتحاد. التقارب هوأول ما يمكن أن يتحقق في السلام الإقليمي بحيث تقوم الدول بحل خلافاتها وخلق بيئة تعاونية فيما بينها وبناء سلام مستقر بينها. أما «جماعة الأمن» فهوعمل أكثر تطوراً ويتم من خلاله وضع الضوابط والإجراءات بين الدول من أجل أن تكفل السلام المستقر والدائم كأن يتم توقيع على اتفاقية سلام فيما بينها تنظم السلام القائم وتمنع حدوث اعتداءات بين أعضاءه. أما عن الاتحاد فهومرحلة أكثر تطوراً من السلام المستقر والدائم ويتم من خلال انضمام دول في كيان سياسي جديد يلغي بشكل كامل أوجزئي الحدود القائمة بينهما ويصلان إلى أعلى درجات الاندماج ويتحقق بالتالي السلام المستقر والدائم بين أطرافه. 
 
 
جميع هذه الخيارات قائمة في الحالة الشرق أوسطية ولكن بدرجات متفاوتة. فالتقارب أمر يمكن أن يتحقق من خلاله السلام المستمر بين الأطراف المتنازعة في المنطقة لاسيما في مسألة العداوة القائمة بين العرب مع إسرائيل وإيران وتركيا. فعملية حل الخلافات والنزاعات وبناء علاقة جديدة قائمة على التعاون المتبادل بين تلك الأطراف كفيلة على خلق سلام مستقر بينهما. أما عن «جماعة الأمن» فيمكن أن تتحقق في النطاق العربي بين معظم الدول العربية التي يمكن أن تُشكل جماعة أمنية واحدة نظراً لتشابهه المصالح وغياب العداوة المباشرة التي يمكن أن تخلق صراع مسلح بينهما. أما عن الاتحاد فهومسألة أكثر تعقيداً ولكنها يمكن أن تتحقق بشكل أكبر في النطاق الإقليمي الخليجي حيث أن الدول الخليجية قادرة على أن تصل إلى هذه المرحلة في حالة ما تم تجاوز خلافاتها الحالية مع قطر. ولكن يمكن القول إن الحالة الخليجية يمكن أن تشكل نموذجاً ناجحاً لإستراتيجية «جماعة الأمن» نظراً للتقارب الكبير الحاصل فيما بين هذه الدول التي تمكنت من خلق اندماج مجتمعي وفكر مشترك. بالطبع إن المشكلة القائمة بين الدول الخليجية بسبب المشكلة القطرية أصبحت تُعيق هذا الأمر، إلا أن عملية تحويل قطر من عدوإلى صديق من جديد يتطلب عمل أسهل من تحويل مثلاً إيران من عدوإلى صديق. 
 
 
ففي الحالة القطرية نحن بحاجة إلى المرحلة الأولى وهي مرحلة التنازل من طرف للطرف الأخر كي تبدأ عملية المصالحة وتعود الأمور إلى مجاريها حيث أن الترابط والاندماج المجتمعي موجود والفكر المشترك موجود أيضاً بين الدول الخليجية.
 
 
تحول الدول الأعداء إلى أصدقاء ليست عملية مستحيلة ولكنها تتطلب العمل المخلص والدؤوب من أجل تحقيقه. وهنا يكمن الدور الدبلوماسي بين الدول والمنوط به حل النزاعات والخلافات وتقليل الأعداء وزيادة الأصدقاء. وهذا بالطبع يتطلب دائماً التفكير الإبداعي الذي يمكن أن يُفكر خارج الصندوق ولا يُبقي نفسه في إطار حدود الصندوق الضيقة والمغلقة، وهذه هي مهمة الدبلوماسي في الفكر العالمي الجديد. فالدبلوماسي السياسي فقط وليس غيره هوالقادر على تحقيق السلام المستقر والدائم. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-05-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-12-04
2014-09-01
2014-03-16
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره