مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-11-08

كم حربا ً نخوض؟!

طبيعتنا البشرية تفرض علينا في غالب الوقت محاولات تفسير كل ما يدور حولنا او ما نتعرض له من مواقف، وهي محاولات تعكس رغبتنا في إدراك وفهم الأحداث التي تمسنا بشكل مباشر أو التي قد تمسنا في المستقبل – وان كانت تبدو- ظاهريا وحاليا أنها لا تعنينا! محاولات تفسير ما يحدث تجعلنا نخوض حرب ذاتية-داخلية نجاهد فيها أنفسنا ونستحضر معها كل خبراتنا ومعرفتنا المتراكمة وقراءاتنا هنا وهناك حتى تتناسب ردود أفعلنا وسلوكياتنا مع ما يحدث! وهي في الغالب ردود فعل (استباقية) لحماية أنفسنا من كل ما قد يهدد استقرارنا النفسي أو المالي او الاستقرار بمفهومه الأهم والأشمل استقرار أوطاننا.
 
هذه الحرب، قد نخوضها بمحض ارادتنا او مرغمين من قبل آخرين وذلك لكم المعلومات التي نتلقاها من الآخرين او من وسائل الاعلام ومنها- بالتأكيد- شبكات التواصل الاجتماعية التي نعيش فيها أكثر مما نعيش في واقعنا! ومهما كان السبب منا او من غيرنا فهي حرب نخوضها تؤثر فينا تبعاتها التي قد تتضح من خلال سلوكياتنا وآرائنا التي نعبر عنها! وأنا هنا لا أشير الى الفئة السلبية التي تلاحظ كل صغيرة وكبيرة في محيطها وتنتقدها لمجرد الانتقاد لتخلق بذلك طاقة سلبية تضرها وتزعج من حولها!، وإنما أتحدث عن الفئة التي تسعى لفهم محيطها والى جانب التكيف معه تسعى الى حماية نفسها من رتابة الحياة وغموضها أحيانا!! أتحدث عن الفئة التي تخوض مع ذاتها حربا تخرج منه منتصرة فكرياً وأخلاقياً وثقافياً وحتى وطنيا لأنها تساعدنا على تقدير الظروف وتقدير الأشخاص وتقدير ولاة أمورنا وعدم الاستسلام لأي جهة تسعى الى زعزعة هذا الجانب من شخصيتنا.
 
ولعل محاولات الجهات الأخرى التي تسعى لزعزعة استقرارنا الداخلي وكل ما هو ثابت ومتأصل في شخصيتنا هي نوعا آخر من الحروب التي نخوضها، حربا نفسيا تمارس علينا منذ سنين وذلك بعد ان تكبدت تلك الجهات والدول خسائر بشرية ومادية فادحة لحروبها العسكرية التي شنتها لتحقيق مصالحها! حربا نفسيا أدواتها هي نفسها الأدوات التي نتعرض لها ونعرض أنفسنا لها بشكل مكثف ويومي الذي يعبر عن تعلقنا المريض وادماننا لشبكات التواصل الاجتماعي تاركين لتلك الجهات الفرصة السانحة لاستغلال كل البيانات الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي لفهمنا وصياغة محتوى مدروس يخاطب العاطفة والعقل فينا وذلك بخلطه للأكاذيب مع بعض الحقائق المزيفة كالأرقام والاحصائيات الكاذبة ليرفع من مستوى مصداقيتها ويجعلها مؤثرة لاعتمادها على خصائص تلك الشبكات التي تسمح بعرض المحتوى بأكثر من صيغة (مسموعة، مرئية ، مقروءة)، كما يجعلها معتمدة على التأثير التراكمي لذلك المحتوى الذي يعتمد بدوره على طبيعة تلك الشبكات التي من الممكن ان تنقل المحتوى لأكبر عدد ممكن من المستخدمين في فترة زمنية قياسية ، وكذلك قدرة تلك الشبكات على تحقيق التفاعلية العالية لذلك المحتوى. 
 
فالخطاب الإعلامي الطويل الذي تتناقله وسائل الاعلام التقليدية لم يعد هو المؤثر في زمن الرسالة الاتصالية المختصرة! وهو السر خلف استمرارية شبكات التواصل الاجتماعي، السر الذي أدركه رؤساء الدول، والمؤسسات التسويقية ذات الهدف الربحي، والدعايات الانتخابية، والجمعيات السياسية، والطابور الخامس، وقادة الرأي، والمؤثرون الحقيقيون وحتى المزيفين. هو السر الذي ساعد كل هؤلاء على استهدافنا لتحقيق أغراض مختلفة جميعها تشن حربا نفسيا علينا تطالبنا بالاختيار والتغيير واتخاذ القرار، وقد يكون أبسط مطالبها ضاغط على أعصابنا وهو ان نكون –فقط- متابعين لآخر المستجدات حتى نترفع عن مستوى اللامبالاة والتخلف عن مواكبة ما يجري في محيطنا!
 
خلاصة القول، ان الحرب الذاتية والحرب النفسية والمحتوى الإعلامي الضخم في شبكات التواصل الاجتماعي، ماهي الا حروب أعتدنا خوضها بشكل واعي او بشكل غير واعي! ما لم نعتاده هو خوض الحرب البيولوجية التي كنا نقرأ أو نسمع عنها في الأخبار ومن كتب التاريخ! حتى انضمت هي الأخرى لقائمة الحروب التي نخوضها بظهور فيروس كورونا! حربا عتادها كل الحروب السابقة! حربا عجزت معها العقول لتفسيرها وفهمها، حربا لا ينفع معها الا الثبات والدعاء والصبر...حربا يجعلنا -–علياً نتساءل كم حرباً نخوض؟   
 
السطر الأخير ...
اذا انتصرت في حربك مع ذاتك، فالنصر حليفك في بقية الحروب! 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-11-08 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره