مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2022-07-01

كل‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬مرت‭ ‬من‭ ‬هنا

مثلما‭ ‬جرب‭ ‬غيره‭ ‬وفشل،‭ ‬حاول‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الديموقراطي،‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬أن‭ ‬يفترض‭ ‬المثالية‭ ‬في‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭. ‬وتبنى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬كلها‭ ‬تصب‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬التلميح‭ ‬الأساسي‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭.‬‭ ‬معتبراً‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬باتت‭ ‬هامشية‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬بذات‭ ‬الأهمية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السبعينيات،‭ ‬لكن‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬والنصف‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الداخلي‭ ‬دفعته‭ ‬لأن‭ ‬يعود‭ ‬ويراجع‭ ‬اعتقاداته‭ ‬ويكون‭ ‬واقعياً‭ ‬في‭ ‬تقييمه‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭.‬
 
لذا‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يزور‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ويلتقي‭ ‬بقياداتها‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬السعودية،‭ ‬الرياض،‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬قادة‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬الست‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭ ‬والأردن‭.
 
‬بلا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تطورات‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬نهجه‭ ‬المثالي‭ ‬وتبنيه‭ ‬لقضايا‭ ‬يمكن‭ ‬تصنيفها‭ ‬ضمن‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي‭ ‬للدول‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مقبولاً،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنه‭ ‬وريث‭ ‬سياسة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسبق‭ ‬باراك‭ ‬أوباما،‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬ينظر‭ ‬لأفكار‭ ‬الفوضى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬وحينها‭ ‬كان‭ ‬بايدن‭ ‬نائباً‭ ‬له‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬علينا‭ ‬ألا‭ ‬نستبعد‭ ‬نجاح‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬لحالة‭ ‬التجاهل‭ ‬الأمريكية‭ ‬لرؤيتها‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬تخص‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬منها‭: ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬جمد،‭ ‬والصمت‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬الميليشيات‭ ‬الموالية‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬المفاجئ‭ ‬والمستغرب‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬دون‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬تداعيات‭ ‬الفراغ‭ ‬الأمني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬
 
ومن‭ ‬ضمن‭ ‬سياسة‭ ‬التجاهل‭ ‬للرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬للمنطقة‭ ‬حالة‭ ‬الغموض‭ ‬لزيارته‭ ‬للمنطقة‭ ‬بطريقة‭ ‬ملفتة‭ ‬للمراقبين‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬كان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬تسريبات‭ ‬إعلامية‭ ‬تظهر‭ ‬وتختفي‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬لحين‭ ‬تم‭ ‬تأكيدها‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭. ‬ثم‭ ‬قيامه‭ ‬بجولتين‭ ‬خارجيتين‭ ‬خلال‭ ‬شهري‭ ‬إبريل‭ ‬ومايو‭. ‬الأولى‭: ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬لتوحيد‭ ‬حلفاءه‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭. ‬
 
والجولة‭ ‬الثانية‭: ‬كانت‭ ‬باتجاه‭ ‬آسيا‭ ‬لإيقاف‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني،‭ ‬ولكن‭ ‬تأكد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لن‭ ‬يكتمل‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬طرفاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يشهد‭ ‬التاريخ‭ ‬فكل‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬سبقوا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والبرتغاليون‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬لهم‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يقيموا‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬لهم‭ ‬مكانة‭ ‬عالمية‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬تصنيفهم‭ ‬دول‭ ‬عظمى‭ ‬أو‭ ‬امبراطورية‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬عنها‭ ‬الشمس‭.‬
ربما‭ ‬اقتنع‭ ‬بايدن‭ ‬أن‭ ‬زيارتيه‭ ‬عديمتي‭ ‬الجدوى‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬بلاده‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لذا‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يزورها‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬يوليو‭ ‬الحالي‭ ‬ويجتمع‭ ‬بقادتها‭ ‬الفاعلون‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬خطابه‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يردده‭ ‬قبل‭ ‬تأكيد‭ ‬زيارته‭ ‬وجعله‭ ‬يتوافق‭ ‬وأهمية‭ ‬المنطقة‭.‬
 
تنطلق‭ ‬محاولات‭ ‬بعض‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأمريكيون‭ (‬الديموقراطيون‭ ‬بوجه‭ ‬الخصوص‭) ‬في‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وهي‭ ‬نغمة‭ ‬بتنا‭ ‬نسمعها‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬من‭ ‬متغيرين‭ ‬اثنين‭ ‬هما‭. ‬
 
المتغير‭ ‬الأول‭: ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬الخليجي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مهماً‭ ‬وليس‭ ‬أولوية‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬متناسين‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬نفطاً‭ ‬فقط‮»‬‭.‬
 
المتغير‭ ‬الثاني: ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العالمية‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬وأن‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬بسبب‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني‭ ‬العالمي‭ ‬ولم‭ ‬يعتقدوا‭ ‬بأن‭ ‬الروس‭ ‬أيضاً‭ ‬يعودون‭.‬
كل‭ ‬هذه‭ ‬الاعتقادات‭ ‬السياسية‭ ‬ارتدت‭ ‬على‭ ‬أصحابها‭ ‬وفي‭ ‬وقتها‭ ‬فانسحاب‭ ‬أوباما‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬ظهور‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أربك‭ ‬العالم،‭ ‬وتوقيعه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬النووية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬2015‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬والعراق‭. ‬ومحاولة‭ ‬بايدن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬سلفه‭ ‬الديموقراطي‭ ‬في‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬ثم‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أدت‭ ‬لأن‭ ‬تتزعزع‭ ‬مكانة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬
القاعدة‭ ‬الاستراتيجية‭: ‬كل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬العالم‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وفي‭ ‬القلب‭ ‬منها‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومن‭ ‬يتشكك‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عليه‭ ‬مراجعة‭ ‬التاريخ‭.‬
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-11-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره